أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Dec 27, 2011

Year 5. Issue 692 | أفضل عشرة أفلام شاهدها الناقد | أنطونيوني: الخسوف | كوبريك 2 | تقييم أفلام الغولدن غلوبس



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 المشهد
The Rules of the Game قوانين اللعبة

المخرج الفرنسي جان رنوار واجه مشاكل جمّة حين قام بتحقيق هذا الفيلم الكوميدي الساخر حول التباين بين الطبقات الإجتماعية في فرنسا، وكيف يعاني المجتمع من وجودها. كان ذلك في العام 1939 عندما قام المخرج بعرض فيلمه ليجد أن جمهور ذلك الحين نبذ الفيلم تماماً والعديد من الصحف هاجمته. وما لبث الفيلم أن مُنع من العرض حينما احتل النازيون فرنسا. في الخمسينات، وبفضل النقاد، تمّت إعادة الروح للفيلم. في البداية، يبدو الفيلم كما لو أنه سيؤول إلى دراما (او ميلودراما) للعلاقة التي تربط بين السادة والخدم، وكيف يسعى كل فريق للإستفادة من موضعه، لكن ما أن ينطلق الأثرياء إلى الحقل لاصطياد الأرانب حتى نجد المخرج وقد وظّف ما سبق كتمهيد لما سيلي: سخرية من المواقع والمفاهيم التي يبديها الأثرياء حيال الآخرين ومواقفهم المؤيدة للنازية. 



تمهيداً لجردة سينمائية كاملة الأسبوع المقبل:
أفضل عشرة أفلام شاهدها الناقد  

هذه هي أفضل عشرة أفلام شاهدها الناقد من بين 316 فيلم شاهدها خلال العام (مقابل 500 فيلم شاهدها ناقد "ذ ستاندارد" البريطانية ديريك مالكولم). لا يُخفى أن استخراج عشرة من بين هذا الجمع ليس سهلاً لأن هناك أفلام أخرى جيّدة أخرى كان لابد من معاينتها بعضها شوهد في المهرجانات ومعظمها على الشاشات الكبيرة وقسم منها في صالة البيت على شاشة 32 إنش  
1 The Tree of Life
 دراما إنسانية شعرية يحيكها المخرج ترنس مالك بأسلوبه الخاص(أميركي
2 The Turin Horse 
المخرج المجري بيلا تار يوفّر لحظات حياة فريدة (ألمانيا/ المجر)
3 The Descendents
 كوميديا راقية مع تمثيل أوسكاراتي من جورج كلوني. إخراج ألكسندر باين (الولايات المتحدة)
4 يامو
فيلم تسجيلي رائع عن شاب (هو المخرج رامي نيحاوي) وأمّه المناضلة حبّاً وسياسة (لبنان)
5 Meek's Cutoff
وسترن "غير شكل" حول المرأة وكيف كانت أكثر وعيا من الرجل أخرجته كيل رايشهارد (الولايات المتحدة)
6 The Artist
عن ممثل أميركي صامت يواجه معضلة: لقد نطقت السينما. إخراج ميشيل هازانفيشيوش (فرنسا).
7 Once Upon a Time in Anatolia
رصد للغز جنائي يتحوّل إلى بحث في الحياة بيدي نوري بيلج شيلان (تركيا)
8 La Havre
كالعادة يخص المخرج الفنلندي أكي كوريسماكي عمله بعناصر جمالية فريدة (فنلندا/ فرنسا)
9 Hugo
المخرج مارتن سكورسيزي يلقي تحيّة على مخرج مطلع القرن جورج ميليس (الولايات المتحدة)
10 Faust
المخرج الروسي ألكسندر زوخوروف في معالجة رائعة وقاسية لحكاية الرجل الذي باع نفسه للشيطان (روسيا).



نافذة على: مايكلأنجلو أنطونيوني (2) | ميسر مسكي

"الخسوف" -  L'Eclisse

إذا كان صحيحاً أننا لكي نفهم أي حدث في الماضي علينا ان نضعه في سياقه الزمني و التاريخي، فإن ذلك ينطبق أيضاً على الأعمال الفنية التي هي ردّ فعل إبداعي و تفاعلي مع الظروف و التفاعلات التي أفرزتها. حتى عندما يقال أن عملاً معيناً هو سابق لزمنه فإن ذلك القياس إنما ينطلق من قيمة الممكن و المعتاد في ذلك الزمن الذي أستطاع ذلك العمل أن يخترقهما.
من هنا نجد أن "انتونيوني" في "المغامرة"  و "الخسوف" قد أطلّ على مجتمعه في زمن تحولاته القاسية ليروي في أسلوب، جديد، فريد، صادم (حينها) رؤيته لحال الإنسان الذي كانت تعصف به موجات القلق الوجودي في ظل الفردية الموحشة، الحرب الباردة، الخطر النووي...
في أول الستينيات من القرن الماضي كانت الذكرى المفزعة للحرب العالمية الثانية لا زالت ماثلة في الذاكرة الأوروبية حيث لم يكن قد مضى على جحيم "هيرشيما" الذري أكثر من خمسة عشر عاماً. الأوروبيون كانوا يحاولون تناسي هذا الفزع الوجودي الذي داهمهم على شكل الحرب الباردة و جدار برلين بالتلهي بما عُرف بالمعجزات الإقتصادية التي كانت تحققها بعض الإقتصادات الأوروبية بمساعدة مشروع "مارشال" الأميركي لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب. و لعل أكثرها شهرة حينها كانت المعجزة الإقتصادية الإيطالية التي سمحت بصعود طبقة وسطى إيطالية ما لبثت أن وجدت أن المال ينتفخ في جيوبها فبدأت تسعى للتعبير عن هذا التخم في الأهمية عبر منظومة من القيم و المفاهيم كان أولها طبعاً الإطار الإجتماعي الذي تمثل في إختيارها النزوح إلى ضواحي المدن الكبرى حيث مراكز سكن حديثة و فسيحة و منها "EUR" (و هو الحيّ الذي يدور فيه قسم كبير من "الخسوف". و هو حيّ تمّ تخطيطه في الأصل أيام الفاشيين  ليضمّ بعض أهم صروحهم المعمارية. لكن إثر هزيمتهم في الحرب تحول الحيّ إلى مقصد للبورجوازية الإيطالية الصاعدة) و قد ترافق هذا التصاعد في أهمية البورجوازية و دورها في المعجزة الإقتصادية بإنهيار منظومة القيم القديمة التي كانت سائدة في إيطاليا الزراعية في الغالب قبل الحرب. هذا التخلخل و الإضطراب في القيم ترك الإنسان مكشوفاً أمام أسئلة وجودية كبيرة لم يكن يملك لهل أجوبة و لا بوصلة أخلاقية ترشده للتوجه عبر أزماته المادية و الروحية.

عُذراً لو أني دخلت في قراءة الفيلم قبل تقديمه، لكن الحقيقة أنه ليس هناك الكثير من سياق روائي أقدمه. فكما قلنا في المقال السابق الكتابة عن سينما "أنتونيوني" هي عن الصورة و المفردة البصرية و ليس عن الحكاية. على كل سأحاول أن أسرد ذلك القليل المتوافر من الحكاية: "فيكتوريا" (الإيطالية مونيكا فيتي) مترجمة أدب على وشك إنهاء علاقتها الحميمة و المضطربة مع "ريكاردو" (الإسباني فرانسيسكو رابال) المثقف الذي لم يعد قادراً على جعل "فيكتوريا" سعيدة. إثر خروجها من العلاقة مع "ريكاردو" تجد "فيكتوريا" نفسها مترددة على شفا علاقة جديدة مع "بييرو" (الفرنسي آلان دولون) الذي يعمل سمساراً للمضاربة في بورصة روما.
حسناً هذه هي القصة. فمن يريد أن يقصد فيلم "أنتونيوني" لـ "يستمع" إلى حكاوي فالفيلم لن يعجبه. أما من يجلس لـ "يشاهد" سينما فهو سيعثر على تحفة تدعوه لمشاهدتها مرة، إثنتين...عشر! من هنا تبدو تقنيات الفيديو الحديثة ملائمة جداً لإستعادة أفلام "أنتونيوني"، فأنت ستجد نفسك توقف الصورة على تكاوين بصرية تجوز مقارنتها مع أبرز كنوز فن الرسم، كما أنك قد تستعيد مقطعاً أكثر من مرة لتسمتع بطريقة "أنتونيوني" في بناء المشهد، تكوينه، و تقطيعه.


في اللغة السينمائية التي طالما أعتادها المشاهد يبدأ الفيلم (أو أي مشهد أساسي)  في الغالب بلقطة تأسيسية واسعة يزود المخرج من خلالها المتفرج بأدوات التعرف على المكان و تموضع الشخصيات و قد تحمل هذه اللقطة المزاج العام للمشهد. "أنتونيوني" لا يعبأ كثيراً بهذه اللقطة التأسيسية، فـ"الخسوف" يبدأ بلقطة مكبرة لجزء من لمبادير و مجموعة من الكتب و قطاع أبيض كبير يحتل القسم الأيمن من الكادر (سنعلم فيما بعد أنه كم قميص ريكاردو الذي يتكىء على الكتب) نحن لا نعرف أين هذه اللقطة و لا في منزل من و لا حتى هي في منزل أو مكتب. فوراً يقطع "أنتونيوني" على وجه "فيكتوريا" التي تبدو قلقة. ثم قطع سريع آخر على لقطة مقربة لمنفضة سكائر و تمثال صغير....إلخ "أنتونيوني" يدعونا لتركيب المشهد من أجزاؤه الصغيرة و لنكون لقطتنا التأسيسية الخاصة بنا فيما بعد حين تتحرك الشخصيات فتتابعها الكامير فنبدأ بالعثور على تلك العناصر الصغيرة التي سبق أن رأيناها في اللقطات المكبرة الأولى. "أنتونيوني" لا يريدنا أن نتلقى اللقطة جاهزة بل يريدنا أن نشاركه إكتشاف المكان و الشخصيات خطوة، خطوة و كل ٍ بطريقته و رؤياه.
اللقطات الواسعة (أو الطويلة بلغة السيناريو) يستخدمها "أنتونيوني" هنا ليروي حالة و نفسية شخصياته. فأكثر من مرة نرى (و من زاوية مرتفعة للنظر) "فيكتوريا" تسير في شارع فسيح و فضاء مفتوح يكاد يبتلعها. "فيكتوريا" وحيدة، قلقة، مترددة، و منفصلة عن العالم حولها. هذا الفراغ الكبير حولها إنما هو عالمها الفارغ إلا من أبنية شقق حديثة و أنيقة لكن لا نرى ساكنيها أبداً.
"أنتونيوني" يفسح لمشهدين طويلين، صاخبين في مبنى البورصة حيث يعمل "بييرو". في هذين المشهدين يطلّ "أنتونيوني" على أسس هذه "المعجزة" الإقتصادية في إيطاليا و التي طالما قيل أنه نتاج علم دقيق و نظام صارم. لكن ما نراه هنا إنما هي فوضى هاذية، مسعورة يلفها الضجيج و الجشع و الخداع. فوضى أودت بمدخرات ضحاياها الصغار و هم الذين طالما قيل أن المعجزة الإقتصادية إنما تحققت لتحسين أحوالهم المعيسشية.
في هذا العالم الصاخب يبدو "بييرو" كما "كلاوديا" شخصيتان و قد فقدتا القدرة على الإنخراط في الحياة فما بالك بالإستمتاع بها.
شخصيات تعاني من "خسوف" مشاعرها و أحاسيسها. من هنا ذلك الإرباك على وجه "فيكتوريا" حين ينتشل البوليس سيارة "بييرو" المسروقة من بركة الماء. جثة السارق الثمل متوضعة بشكل يجافي المنطق لكن الأهم هي يده التي لا زالت ممدودة من نافذة السيارة. هي المحاولة الأخيرة للوصول إلى العالم من حوله. نداء الإستغاثة الأخير. يد تتوسل الخلاص...و لا تجده!

عند نهاية الفيلم يتفق "بييرو" و "فيكتوريا" أن يلتقيا ذلك المساء (و كل يوم) في المكان الذي أعتادا أن يلتقيا فيه و هو ناصية مبنى غير منجز (لاحظ الإشارة) بعد هذا يبدأ ذلك المشهد الشهير الذي طالما سال حبر كثير في الكتابة عنه و تأويله و تفسيره.  مشهد من 52  لقطة تشغل حوالي الثمانية دقائق الأخيرة من الفيلم. ليس من المفيد و لا من المنطقي وصف 52  لقطة تبدو و كأنها من خارج سياق الفيلم لولا أنه ترتبط به عبر المكان. فكل اللقطات إنما تمرّ على أماكن سبق أن تعرفنا عليها. لقطات نرى فيها أشخاصاً يبدون للوهلة الأولى أنهم يشبهون "بييرو" و "فيكتوريا" لكننا نكتشف بسرعة أنهم ليسوا هما. وحين يقترب باص النقل الداخلي نتوقع أن "بييرو" و "فيكتوريا" سينزلان منه، لكن من ينزل هما أمرأة و رجل مختلفان. هل يريد "أنتونيوني" أن يعلق على المعنى العام للحكاية في الفيلم (أي فيلم)؟ هل يسأل لماذا أنتم تنتظرون "بييرو" و "فيكتوريا"؟ هذان الآخران ربما لهما أيضاً قصة مشابهة لكن نحن لا نأبه لها بل نحن نريد أن نتابع بقية القصة التي عرفناها من أول الفيلم. هل أراد "أنتونيوني" التأكيد على حضور الغياب خصوصاً و أننا لن نشاهد "بييرو" و ل"لإيكتوريا" ثانية؟ هل يريد أن يسأل ما الذي يجعل من الفيلم فيلماً إذا كانت 52  تبدو غير مترابطة جعلتنا نتابعها على أنها جزء من فيلم لا يربطها به غير المكان؟ هل مخيلتنا هي التي تسبغ على الأشياء معناها؟ 
مهما كانت الأجوبة على هذه الأسئلة و غيرها كثير، فإن "أنتونيوني" لا يدع مجالاً للشك في لقطته الأخيرة و المكبرة للمبة إنارة شارع حيث الضوء الشديد السطوع يمحي كل التفاصيل حوله و تظهر كلمة النهاية. ربما لم تحمل هذه الكلمة التي هي شكلية في كل الأفلام معنى أكثر مما حملته هنا. هي النهاية دون أجوبة لمعضلة الوجود و أزمة الإنسانز

نال "الخسوف" جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان كان لعام 1963.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ*****ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
"الغولدن غلوبس": تقييم الأفلام المرشّحة لأفضل فيلم أجنبي 
محمد رُضا
Separation

تصريحات المخرجة اللبنانية نادين لبكي الأخيرة تُفيد بأنها مستاءة من تجاوز جمعية مراسلي هوليوود الأجانب لفيلمها الأخير «وهلأ لوين؟» وعدم فوزه بالأصوات الكافية لترشيحه رسمياً لجوائز الغولدن غلوبس السنوية التي ستُقام في الشهر المقبل.
هذا في الوقت الذي نجح الفيلم الإيراني «إنفصال» في دخول تلك الترشيحات ولو أن الأمل في فوزه بالغولدن غلوبس ليس كبيراً. لكن مجرّد ترشيحه إعلاء من شأنه لجانب ترشيحات هي، سينمائياً، أفضل منه لأسباب سيرد ذكرها.
«إنفصال» لأشقر فرهادي هو دراما تبدأ مع قرار الزوجين الطلاق على الرغم من رفض إبنتهما الضمني لذلك القرار. لكن ما يجمع بينهما معضلة يقع فيها الزوج حين تدّعي عليه خادمة بأنها دفعها بعنف فوق السلّم ما نتج عنه خسارتها لجنينها. أمر أثار زوجها الذي أخذ يتوّعد الجميع. المحقق يسعي لمعرفة الحقيقة التي يعرفها المشاهدون كونهم تابعوا كيف أنها سقطت من جراء ذاتها وأنها لفّقت المشكلة لكي لا يحمل عليها زوجها العنيف.
الفيلم في مداخله ومخارجه الدرامية مثير للإهتمام وجاد والمخرج أشقر فرهادي سبق له وأن تعامل والموضوع الإجتماعي في فيلم لافت سابق هو «حول إيلي» لكن الهالة التي رُسمت من حوله على أساس أنه عمل فني جيّد، وهي هالة نتج عنها نيلة جائزة مهرجان برلين الأولى هذا العام، ليست صحيحة تماماً. المعالجة قد تكون مثيرة على صعيد الموضوع، لكن معالجتها لا تخرج كثيراً عن النمط التلفزيوني.
Flowers of War

النتيجة الفنية تعاني من مستوى محدود أيضاً في فيلم زانغ ييمو الجديد «زهور الحرب»، المرشّح أيضاً لغولدن غلوب أفضل فيلم أجنبي. معظم أحداث هذا الفيلم تقع في كنيسة راعيها هو الأب الكاثوليكي كرشتيان بايل الذي يصبح همّه الدفاع عن العاهرات اللواتي لجأن إلى الكنيسة هرباً من الجيش الياباني الذي غزا البلاد خلال ثلاثينات العقد الماضي. وهناك الكثير مما يود الفيلم ضمّه إلى هذه الحكاية التي يوفّر لها المعارك والعناصر الملحمية والعاطفية ويحوّلها جميعاً إلى أجزاء من ميلودراما مفككة الأواصر مفادها التضاد المفترض بين رجل الدين ومهنة العاهرات الذي يتحوّل إلى تقدير كبير وتعاطف واسع.  ما يكشف عنه الفيلم هو كيف ينتقل ييمو من فيلم سابق حول ضرورة الإندماج بين الثقافتين اليابانية والصينية في «السفر وحيداً لألوف الأميال» (2005) وبين هذا الفيلم المنضم لمجموعة متزايدة من الأفلام التي تنتقد اليابانيين 
ويلتقي كل ذلك مع فيلم آخر هو «في بلد الدم والعسل» للمخرجة (الجديدة) أنجلينا جولي. هي الممثلة التي قررت تقديم فيلم مأخوذ عن وقائع تتعلّق بكيف وقعت نساء البوسنيا تحت وحشية الجيش الصربي وعصابات السُلطة خلال تلك الحرب الدموية التي دارت إثر تفكك يوغوسلافيا. في فيلمها تنصرف جولي إلى تحديد المسؤوليات بلا مواربة وتقديم الحكايات الإنسانية حول ما وقع بلا محاولة تقع فيها بعض الأفلام حين تساوي بين الجلاد والضحية. ليس الفيلم الأفضل الخارج من عباءة العام المقترب من نهايته، لكنه من بين الأكثر جرأة خصوصاً وأن الممثلة- المخرجة كان لديها الكثير من المواضيع الأقل خطورة لكي تختار من بينها.
الفيلم الرابع في هذه الترشيحات هو أفضلها فعلاً. «الفتى صاحب الدراجة» هو العمل الجديد للأخوين لوك وجان- بيير داردين. هما من شغل بلجيكا كما فيلمهما وعملهما تلخيصاً لأسلوبهما الراصد على نحو متأثر بالسينما التسجيلية ولو أنه روائي بحت.
حكاية ولد خسر والدته ووالده لا يريده يأوى إلى كنف مشرفة إجتماعية التي تأخذ على عاتقها تجنيبه مخاطر الإنزلاق في هذا السن الحسّاس، الى الجريمة او سواها، وهو ما كاد يفعله لولا تدخّلها في آخر لحظة. إنه دراما شغوفة بموضوعها وعلى عكس أفلام سابقة للأخوين المذكورين وعلى الرغم من جدّية موضوعه، الا أنه لا يسبب الشعور بالأسى والإحباط في نهاية مطافه. ربما الفارق الأهم هو أن الممثل الصغير توماس دوريه متشرّب ومتفهّم للدور كما لو أن خبرته تعود لعصر كامل.
أما الفيلم الخامس فهو الأسباني «البشرة التي أعيش فيها» وهو دراما أخرى تعاني من اختلالها على يدي مخرجها بدرو ألمودوڤار الذي عادة ما ينجز ما هو أكثر أهمية من هذا الموضوع الذي يدور حول طبيب غير محبوب يستطيع منح المرضى بشرة جديدة لا تحترق ولا تتأثر لكن كل ما في عالمه الخاص يتهاوى. المشكلة في تلك الدكانة التي تؤدي إلى رصانة أكثر من المطلوب ومن شخصيات تخفق في أن تنتمي إلى مبدعها ألمودوڤار على الرغم أنه دائم البحث في الغلاف الخارجي لشخصياته ودواخلها.
«وهلأ لوين؟» هو أفضل قليلاً من بعض هذه الأفلام، لكن علينا أن نذكر أن جمعية "مراسلي هوليوود الأجانب" تحتوي على حفنة من النقاد وغالبية من الصحافيين وهؤلاء مسيّرون تبعاً لثقافات ومفاهيم مختلفة.



سينما وسينمائيون | محمد رُضا
ستانلي كوبريك - 2
 كوبريك يقتل 


في العام 1956 حقق ستانلي كوبريك فيلمه الروائي الأول «قبلة القاتل» Killer's Kill وهو فيلم بوليسي كتبه وأنتجه كما أخرجه طبعاً كوبريك ومنح بطولته لثلاثة شخصيات: هناك الملاكم المهزوم دايفي (جامي سميث وهذا لديه فيلم آخر وحيد من تمثيله أنجزه قبل سنتين من هذا الفيلم) وراقصة الملهى غلوريا (إرين كاين وهذه بدورها لديها فيلمين فقط «قبلة القاتل» أوّلهما ثم أعاد اكتشافها الراحل بوب فوسي حين أخرج سنة 1972 «كل ذلك الجاز») وصاحب الملهى فينسنت (فران سيلفيرا وهذا ظهر في نحو 25 فيلم من بينها عناوين كبيرة مثل Mutiny on the Bounty, The Appaloosa, The Stalking Moon, Valdez in Coming ). القصّة، بالأبيض والأسود، تنطلق من مشهد تمهيدي إلى فلاشباك يحكي قصّته: لقد شاهد في الشقّة المجاورة وعبر النافذة تلك المرأة غلوريا وهي تدافع عن نفسها من محاولة اغتصاب فيتدخل لحمايتها ويضرب الرجل الذي لم يكن سوى فنسنت صاحب الملهى. يتّفق دايفي مع غلوريا على الهرب من المدينة لكن كل عليه أن يجمع أجره هي من فنسنت وهو من إدارة الحلبة بعدما خسر مباراته الأخيرة، في الوقت الذي حشد فنسنت رجاله لكي يقتلوه. طبعاً لو قتلوه لما جلس أمامنا وسرد الحكاية علينا، لكن ثمن الحياة كان باهظاً على أي حال.

هناك فيلم بوليسي آخر فقط لستانلي كوبريك (هو فيلمه التالي «القتل») لذلك لا يمكن اعتبار أن منهجه هنا كان رغبة منه في التخصص في النوع. هذا فيلم صغير الحجم مهّد لكوبريك أكثر مما أثار الإعجاب عبره. لكن مشاهدته اليوم، بتركيبته المتوتّرة تجعلنا ندرك جديّة الطريق الذي كان كوبريك ينوي السير فيه.
في العام التالى قدّم فيلمه الثاني «القتل» The Killing وهو فيلم مفاجيء بالنسبة لمن شاهد فيلمه الأول من حيث سرعة تقدّمه في شتّى حقول العمل خصوصاً لناحية توزيع الشخصيات ومنحها قيماً إنسانية ولإدارته العامّة للأحداث.
 «القتل» (أبيض وأسود) يدور حول سرقة يقرر القيام بها جوني كلاي (سترلينغ هايدن). إنه ليس وحيداً، نراه يجمع من يحتاج إليهم لسرقة غلّة ميدان السباق: ذلك الشرطي غير العابىء بالمهنة راندي (تد ديكورسيكا)، الموظّف في ميدان السباق جورج (إليشا كوك)، البارمان مايك (جو سوير)، مارفن (جاي س. فليبن). هؤلاء سيتقاسمون الثروة، لكن جورج يتّصل بشخصين سيعملان لحساب العملية لقاء مبلغ مقطوع. الأول هو ملاكم روسي سابق أسمه موريس أوبوخوف (كولا كواران) والثاني القنّاص نيكي (تيموثي كاري).
هذا واحد من الأفلام التي لا يمكن وصف ما يحدث فيها لكني سأحاول: جوني يستأجر غرفة في فندق صغير ستكون محطّته. أوبوخوف، حسب الخطّة، سيقوم في يوم السرقة بإفتعال معركة في الحانة. مايك سيدبّر الفرصة المناسبة. جورج (الذي يعمل عند شبّاك التذاكر) سيفتح الباب الموصد الذي سيستغل جوني الفوضى الناشبة وهروع رجال الأمن لفض الخناقة لكي يدخل المبنى ويصعد إلى غرفة الحسابات ويجبر الموظّفين على وضع الأموال في الكيس الكبير الذي يحمله. حين الإنتهاء منه سيرميه من النافذة في الوقت المحسوب حيث يكون الشرطي راندي بالإنتظار بسيارة البوليس تحت النافذة. هذا سيحمل الحقيبة ويضعها في السيارة وينطلق بها إلى غرفة جوني حيث يودعها. خلال كل ذلك سيقوم نيكي بإطلاق رصاصة قاتلة على الفرس الذي راهن عليه الغالبية لأن خسارتهم هي نفع لإدارة السباق وبالتالي نفع للعصابة.
تلاحظون أن الوحيد الذي لم يأت ذكره هنا هو مارڤن. السبب هو أنه رجل عجوز بمثابة الأب الروحي لجوني وهو يموّل العملية فقط، ولسنّه فإنه لا ينتظر سوى حصّته ليضمن نهايته بعدما خرج من السجن حيث أمضى سنوات.
هذا هو القالب العام للعملية، لكن هناك شخصيات أخرى مترامية: مايك لديه زوجة يحبّها وهي طريحة الفراش لمرضها وهو يريد الإشتراك في السرقة لكي يوفّر لها العلاج، فهو- كالباقين بإستثناء جوني ومارڤن بلا سوابق على الإطلاق.
ماري وندسور الشغوفة زوجة أليشا كوك القلق

جورج هو مشكلة غير محسوبة. لديه زوجة جميلة (ماري وندسور) التي تتبرّم دائماً من وضعه المادي، وهو يشعر بالحرج لأنها تعيره بفقره وبالخشية من أن تتركه في أي وقت. لذلك، وعلى عكس الإتفاق المبرم، وفي مشهد يحمل عمقاً داخل عمق، يكشف لها عن العملية، وهي تطلع عشيقها فال (فينس إدوارد) الذي يخطط الآن لسرقة السارقين.
هناك إمرأة ثالثة هي فاي (كولين غراي)، إمرأة تحب صديقها جوني وتريد له أن ينجح وثمّة حوار مفيد في هذه الناحية يعكس خشيتها من الفشل، تلك الخشية التي يحاول جوني مداراتها. 
كل شيء إذاً يُسير على نحو صحيح خلال العملية بإستثناء أن نيكي يتلاسن مع حارس الموقف المشرف على سباق الخيل. لاحقاً حين يطلق الرصاصة على الحصان، يهرع الحارس الأفرو أميركي (جيمس إدواردز) ويرديه قتيلاً. كان نيكي، لكي يتخلّص من مضايقات الحارس، الذي اعتقد أن نيكي رجلاً شهماً ومسالماً جاء ليستمتع بالمنظر من عل، وصف الحارس بأنه "نيغر" (زنجي) ما أثار استياءه. قتل الحارس لنيكي فيه خيط من الإنتقام.
سترلينغ هايدن
كل شيء رغم ذلك يسير على النحو الصحيح. ها هو جوني يصل إلى غرفته في الفندق بعدما ابتاع حقيبة رخيصة ليضع فيها المال ويعود به إلى الشقّة التي تجتمع فيها الشلّة. تأخر عن الوقت قليلاً وجورج (الذي أوهمته زوجته أن جوني تعرّض لها) قلق ومستثار. فجأة يقتحم فال ورجاله الشقّة وتقع معركة مسلّحة يسقط فيها الجميع موتى. جوني يصل. يجد البوليس في المكان. ينطلق لصديقته ومعاً يتّجهان الى المطار للسفر. ما يحدث بعد ذلك هو ذروة المفاد كلّه: هذه الشخصيات الضحلة والمهمّشة التي عاشت لحلم الثراء في مجتمع بلا حلم، لن تستطيع أن تتجنّب النهايات الداكنة. جوني يدرك في آخر لحظة معنى أن يكون المرء بكثير من الأمل وبلا أي حظ لتحقيق ذلك الأمل.

يتبع...


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2012

1 comment:

  1. Hi Mr.Rouda,

    I wish you a very happy new year with all the best in your professional carrier.

    Best Regards,

    ReplyDelete

Disqus Shortname

Comments system