أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Nov 26, 2011

Year 5. Issue 685 | أنطونيوني | عبد الوارث عسر | مارلين مونرو | أندريه تاركوڤسكي | ميثالوجيا يونانية | ستيفن سبيلبرغ


الويك إند: أفلام/ سينما وسينمائيين/ تحقيقات


في هذا العدد
أنطونيوني المغامر |  الناقد والصديق تيسير مسكي يعود بعد غياب أشهر طويلة لتخصيص «ظلال وأشباح» بكتاباته. وهولا يحتاج إلى تعريف كونه كتب لنا في العام الماضي العديد من المقالات التي وجدت ترحيباً كبيراً بين المتابعين، ودائماً ما اختار العمل على مخرجين أوروبيين بارزين. وفي هذا العدد يحدّثنا عن أنطونيوني والفيلم الأول من ثلاثيته٠ 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الخالدون | ماذا وراء فيلم المخرج الهندي تارسام الجديد «خالدون»؟ وكيف يلتقي هذا الفيلم مع أعمال تاريخية عديدة حول الإغريق والرومان؟
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ممثلون كبار |  قول الناقد كمال رمزي في مطلع حديثه عن الممثل عبد الوارث عسر: "أجمل الآباء.. على شاشة السينما المصرية يسطع بالضياء. وسط ظلال الأفلام. سبعة عقود.. من الإبداع المتواصل حتى فى أكثر الأفلام تواضعا، كان عبدالوارث عسر، بأدائه الطبيعى، يضفى عليها شيئا من المنطق"، والناقد يأخذنا في واحد من رحلاته العابقة بالتاريخ وبحب الوجوه إلى جملة من أفلام هذا الممثل الذي لعب غالباً دور الأب والجد الطيّب٠ 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شخصيات | لم  تكن مارلين مونرو  مجرد ممثلة شقراء جميلة، بل كانت أيضاً موهوبة تستطيع أن تشغل اللقطة حتى في أدوارها الثانوية.  وإلى ذلك كانت تحاول أن تحتل مكانة فنية حينما أقدمت سنة  1957 على إنتاج «الأمير وفتاة الإستعراض» الذي هو مادّة فيلم جديد عنها عنوانه «أسبوعي مع مارلين«| محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلهامات | من  ناحيته يتحدث الناقد هوڤيك حبشيان عن الضوء في أفلام ستيفن سبيلبرغ ويلحظ، فيما يلحظ، كيف يستخدم المخرج المعروف "الكلوز أب" ليوصل صورة شخصية٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سينما وسينمائيون | الحلقة الرابعة والأخيرة من هذه الزاوية حول أندريه تاركوفسكي تتحدّث عن روحانية أفلامه وعن اعتزازه بحب الطبيعة ومفهوم تلك اللوحات التأمّلية التي صوّرها. مع نموذجين من أفلامه «سولاريس« و»نوستالجيا»٠ | محمد رُضا  


تتجدد مع "خالدون":  لميثالوجيات الإغريقية  والرومانية  تثير الفضول   

حينما استلم المخرج الهندي الأصل تارسام سينغ مهمّة تحقيق فيلم عن سيناريولتشارلز وفلاس بارلابانيديس، كان في سبيله لمقابلة مهمّة لا علاقة لها بذلك المشروع. فهوكان على موعد مع أركان شركة ريلاتيفتي ميديا لمناقشة مشروع فيلم آخر كانت الشركة أودعته الرف منذ سنوات. الفيلم كان بعنوان «اليد» ولوأنه من غير المعروف ما إذا كان نسخة مستحدثة من فيلم رعب كلاسيكي بالعنوان ذاته من الخمسينات. واختيار المخرج سينغ تم بناءاً على حقيقة أنه حقق فيلم رعب جيّد، وداكن جدّاً بعنوان «الحجرة« حين باشر عمله مخرجاً لأول مرّة وذلك سنة 2000
لكن خلال الحديث ورد ذكر فيلم مختلف تماماً بعنوان «الخالدون» قائم على الميثالوجيات اليونانية القديمة. وأبدى تارسام رغبته في قراءة السيناريومبدياً عدم ميله لإنجاز فيلم رعب آخر مردداً أنه يبحث عن مشروع تاريخي كبير.
الأيام بعد ذلك توالت، وتارسام قرأ السيناريووبعث على الفور برغبة رسمية في إنجاز هذا الفيلم. وما لبثت الشركة أن وافقت على رصد نحو75 مليون دولار لإنجازه وها هوالآن معروض على شاشات العالم حاملاً إلى المشاهدين مغامرة يونانية أخرى من عالم قديم دائماً ما اعتبر عجينة من الفانتازيا والفلسفة والكثير من المغامرات الخارقة للمعتاد.
والملاحظ أنه في السنوات الأخيرة ارتفع عدد الأفلام المتعاملة مع هذا العالم القديم وخصوصاً تلك التي تقع أحداثها في اليونان اوانطلاقاً منها. فشاهدنا في السنوات القليلة الماضية، أعمالاً مثل «صدام الجبابرة» و«300» و«الخالدون» الحالي، في حين أن الرقعة الأوسع من هذه الأفلام، تلك التي تعاملت مع حكايات مستلهمة من العالم القديم وخارج اليونان وجزرها هي أكثر عدداً وتشمل «ثور» الذي استوحى ذلك العالم ووضعه فوق كوكب بعيد، و»الفايكنغ إريك» و«كونان المدمّر» و«تروي» و«ألكسندر» من بين أخرى عديدة.

الخمسينات كانت مرتعاً لأفلام القتال الإغريقي والروماني عندما تم إطلاق عدد من تلك الأفلام التاريخية التي استحوذت إهتمام جمهور ذلك الحين. على الجانب الإغريقي كان هناك «ألكسندر العظيم» الذي حققه روبرت روزن من بطولة رتشارد بيرتون وفردريك مارش وكلير بلوم سنة 1957 وذلك قبل بضع سنوات من قيامه بلعب دور مارك أنطوني في ملحمة تاريخية أخرى هي «كليوباترا» لجوزف. مانكوفيتز سنة 1963. لكن حتى من قبل هذه التواريخ كانت السينما الإيطالية مشغولة بتحقيق بعض الأعمال التي تصب في الخانة ذاتها، ففي العام 1953 قام ماريوكاميريني بتحقيق فيلم عنوانه »أوليسيس« أسند بطولته إلى مزيج من الإيطاليين (تتقدّمهم  روزانا بودستا وسيلفانا مانجانو) والأميركيين (مع كيرك دوغلاس وأنطوني كوين). 
المخرج تارسم

لاحقاً، سنة 1962 تم إنجاز فيلم ضخم بعنوان »300 اسبرطي» لرودولف ماتي وفيه سرد لحكاية الثلاثمائة اسبرطي الذين دافعوا عن مضيق يوناني ضد غزوالفرس. المادّة ذاتها استخدمها المخرج العنصري زاك سنايدر في فيلمه «300» قبل أربعة أعوام اونحوها، إذ بينما سادت روح رياضية معتادة نسخة 1962 وجدنا سنايدر وقد استغل الموضوع لكي يقذف العرب والفرس على حد سواء بتنميط لا يُقصد منه سوى التنفيث عن حقد عنصري واضح حتى ولوكان قوامه كذب واضح.
والستينات كانت كذلك مسرحاً للعشرات من أفلام هركوليس وماشيستي والأولى لا زالت تتردد في أفلام تاريخية إلى حين قريب آخرها فيلم تلفزيوني صوّر سينمائياً  سنة 2005 من إخراج روجر يونغ وبطولة بول تلفر وتيموثي دالتون وليلي سوبييسكي.
ولم تكن الميثالوجيات والحكايات التاريخية، يونانية اورومانية، بعيدة عن اهتمام كبار المخرجين: فديريكوفيلليني حقق «ساتيريكون» (1972) وبيير باولوبازوليني قدّم «أوديبوس ركس« (1967) وستانلي كوبريك أنجز «سبارتاكوس« (1960) وإذا ما وافق ديفيد فينشر على العرض المقدّم له حالياً فسينجز فيلماً رومانياً- فرعونياً جديداً بعنوان «كليوباترا» بناءاً على رغبة الممثلة أنجلينا جولي.
وتاريخ علاقة أنجلينا جولي بهذه الشخصية تعود إلى عامين مضتا حينما أعربت عن رغبتها تمثيل الشخصية التي كانت اليزابث تايلور لعبتها في فيلم جوزف مانكوفيتز المذكور، وعندما فاز المخرج فينشر بترشيحات الأوسكار في العام الماضي عن فيلم «شبكة اجتماعية« عبّرت عن رغبتها في أن يقوم بتحقيق حلمها هذا. 
وفي حين أن »صدام الجبابرة» هوإعادة صنع لفيلم مماثل من الثمانينات، فإن التنقيب عن أساطير الإغريق وحروب الرومان يعد بأن الكثير من صفحات هذا التاريخ ما زالت مطوية.

 أنطونيوني في "المغامرة" و"الخسوف" ومعضلة الحياة المعاصرة  |  ميسر مسكي  

ليست فقط شخصيات  أنتونيوني هي التي قد تبدومُحبطة، ضائعة، وغير قادرة على العثور على تفسير لسبب وجودها، بل هي حال الكثير من مشاهدي أفلامه الذين طالما أرهقهم المخرج بلغته البصرية المتفردة ومقاربته الخاصة ليس فقط لمواضيعه بل لمفهوم الفيلم ومفاداته. أتت أفلام  أنتونيوني من خارج الساق ومجافية لكل ما كان تقليدي وعادي في زمنه. لذلك لم يكن غريباً أن تعلوصيحات الإستهجان من الجمهور حين العرض الأول لـ "المغامرة" في مهرجان "كان" السينمائي لعام 1960، مما دفع المخرج وممثلته الرئيسية "مونيكا فيتي" للتسلل خارج الصالة. لكن عاد المهرجان إلى رشده سريعاً وكـَرّم الفيلم بجائزة لجنة التحكيم الخاصة. وبعد خمسين عاماً عاد المهرجان لينحني ثانية لتحفة المعلم حين أختار إحدى كادرات الفيلم أفيشاً رسميا ًللمهرجان٠ 
أفلام  أنتونيوني لا تروي سياقاً تقليدياً ولا تبني حدثاً يتصاعد نحوالذروة، ولا تصل إلى حلول لإلغازها، ولاتبحث عن أجوبة لمعضلات شخصياتها التي تبدو وقد فقدت بوصلتها الأخلاقية والوجودية وما عادت قادرة على الإنخراط في الحياة ولا حتى الإستمتاع بها. شخصيات هي أجبن من أن تختار وضع نهاية لحياتها بيدها فتلجأ إلى الإنغماس في لذاتها الآنية التي تأخذها نحوالمزيد من الإنفصال عن محيطها... والضياع الروحي٠
أتى  أنتونيوني  من طبقة إيطالية متوسطة ميسورة وهي الطبقة التي سرد غربتها الروحية في زمن التحولات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية الكبرى في أوروبا إثر الحرب العالمية الثانية التي دمرت منظومة القيم التي كانت سائدة قبلها. الحرب الأولى كانت قد أطاحت بأسس المجتمع الأوروبي لكن الحرب الثانية بملايينها الخمسين من القتلى ودمارها الهائل جرفت آخر ما تبقى من الماضي ووضعت الغرب أمام إفلاسه...الروحي!٠
في أربعينيات القرن الماضي تخرّج  أنتونيوني  من كلية الإقتصاد في مدينة "بولونيا"، لكنه سرعان ما أنحاز للفن السابع فكتب مقالات نقدية لجرائد محلية قبل أن ينتقل إلى روما حيث عمل مساعداً لعدد من المخرجين. فرصته الأهم جاءت مع فيلم "سيرة حب" عام 1950. ثم كرت السبحة مع أربعة أفلام وضعته على خارطة السينما الإيطالية. لكن مع "المغامرة" عام 1960 كان مخرجنا قد بلغ نضجه من حيث الرؤية واللغة السينمائية المتفردة التي أطلقته إلى العالمية. "المغامرة" و "الليل" 1961، و"الخسوف" 1963 ، شكّلت ثلاثية أطل من خلالها  أنتونيوني على خيبة المجتمع الغربي المعاصر من خلال علاقات شخصياته المكسورة روحاً. عام 1966 كان فيلمه الرائع  "تكبير الصورة" وهو أول أفلامه الناطقة بالأنكليزية ومن بعده "نقطة زابريسكي" عام 1970 وهو أول أفلامه في الويات المتحدة. أما تحفته "المهنة: صحافي" فكان عام 1975 وقد سبق أن قدمنا هذا الفيلم بالتفصيل في عدد سابق من هذه المجلة القيمة. آخر أفلام  أنتونيوني   كان "وراء السحاب" عام 1995 بالتعاون مع الألماني "فيم فيندرز"٠
(1) المغــــامرة – L'Avventura
حين سأل أحدهم المخرج "جان لوك غودار" إذا كان من الضروري أن يكون للفيلم بداية، منتصف، ونهاية، أجاب:  "نعم، لكن ليس بالضرورة بذلك الترتيب". لقد عمل المحدثون الأوروبيون منذ منتصف الخمسينيات على تكسير السياق التقليدي لسرد الحكاية ليس من حيث فقط التسلسل الزمني بل أيضاً رافقوا ذلك بلغة بصرية أربكت الكثير من مشاهديها

 أنتونيوني يذهب أبعد قليلاً من ذلك إلى حيث  اللاحكاية. في أغلب أفلامه ليس هناك حكاية بالمعنى التقليدي ليرويها. لذلك يبدو من الصعب أن تكتب
عن أفلام " أنتونيوني  ". فإذا كان السرد التقليدي يذهب شاقولياً، متصاعداً نحوالذروة، فإن أفلام  أنتونيوني لا تذهب حتى أفقياً. هي تنطلق في كل الإتجاهات صعوداً وهبوطاً مشحونة بتفاصيل الصورة الخلاقة والمبدعة التي يجيدها  أنتونيوني  والتي عبرها يطل  أنتونيوني        على أزمات عصره وليبدي رأيه في كل شيء: الإنسان، العمارة، السياسة، الروح، الحب. بإختصار كل ما يجعل هذه الحياة قابلة للعيش...أوعدمه!٠
لا يحمل  أنتونيوني  الكثير من التفاؤل في هذا الإنسان المعاصر الذي يرسمه لنا في أفلامه. فالشخصيات تبدو وقد فقدت إتصالها مع محيطها وحتى مع روحها الإنسانية تحت ضغط القيم التي فرضها عالم جديد وضع الإنسان على مسار فرديته الذي لن يلبث أن يقوده إلى حتفه الروحي. بهذا المعنى يبدو"المغامرة" (وبقية أفلام  أنتونيوني) شديد المعاصرة رغم مضي خمشين عاماً على إنتاجه٠
حفنة ميسورة من الطبقة الوسطى تبحر في يخت إلى إحدى الجزر البركانية قرب صقلية. المهندس المعمار  ساندرو  (غابرييل فيرزيتي) يحاول أن يرأب الصدع مع حبيبته  آنا  (ليا ماساري) إبنة الدبلوماسي، فيما أقرب صديقاتها إليها  كلاوديا (مونيكا فيتي) تراقب ما حولها بقلق٠
على الجزيرة البركانية الصغيرة تختفي فجأة آنا ولايبدو أن أحداً قادر على العثور على أي أثر لها رغم تدخل شرطة خفر السواحل. وحين ينتقل الجميع إلى صقلية يبدو أن آنا قد أختفت حتى من ذاكرتهم. فكل ٍ ينغمس في حياته وفراغه الذي يحاول ملأه بعلاقات عابرة. حتى كلاوديا التي تتردد في البداية لا تلبث أن تستجيب لمحاولات ساندرو لعلاقة حميمة رغم أنه لم تمض بعد أيام على غياب صديقتها٠
في صقلية، وفي فندق كبير وأنيق تلتقي المجموعة ثانية. لكن هذه المرة تواجه كلاوديا ما لم تكن مستعدة له. فحين يتغيب ساندرو عن العودة إلى الغرفة، تذهب للبحث عنه فتجده بين ذراعي مومس في ركن قصي من الفندق٠

في مشهد النهاية نجد ساندرو منكسراً، باكياً فيما كلاوديا تقف خلفه مترددة وفي البعيد يلوح جبل "إتنا" المـنذر بإنفجار قادم ولو طال الوقت٠
الحكاية بسيطة وتحولات ودوافع الشخصيات لا يتم تبريرها ولا تفسيرها. ربما لإن هذه الشخصيات لا تجد تبريراً لتفعل ما تفعله، بل هي لا تكترث للبحث عن تبرير أو تفسير. فهذه الشخصيات لا تخرج من الفراغ إلاّ لتسقط في العدم. شخصيات لا تجد في الآخر إلاّ لحظة عبث تلهيها عن فراغ روحها. غياب آنا غير المفهوم هو إدانة لحضور الآخرين. آنا الغائبة-الحاضرة هي طيف ذنب يمعن في إظهار هشاشة حضور هذه الشخصيات٠
قد نختلف أو نتفق على تفسير ما يريده  أنتونيوني من مغامرته هنا، لكننا بدون شك لا نستطيع إلاّ أن نتفق على عبقرية  أنتونيوني في إستنباط لغة بصرية خاصة به مفرداتها الصورة التي توظف عناصر المكان لتجعله جزءاً من حال الشخصية ودلالة على أزمته الروحية. على الجزيرة البركانية القاحلة والقاسية التراكيب الصخرية تبدوالشخصيات إمتداداً للقسوة بلامبالاتها وجفاف روحها. وعلى خلفية السماء الواسعة والفضاء المفتوح على اللانهاية يرمي  أنتونيوني  شخصياته لتواجه ذاتها الضائعة والهشة. لا شيء في "المغامرة" أجمل من أن نكتشف صورنا الخاصة ودلالاتها، لذلك سنترك للمشاهد أن يتأمل هذا الفيلم المدهش بقدرته على تحريض البصر والعقل، ليصل كل ٍ منا إلى رؤياه الخاصة من خلال الصورة التي نجمع أجزاؤها كلعبة 
تحاول الأميرة تجميعه على اليخت ولا ينتهي Puzzle 
"نال «المغامرة» جائزة التحكيم الخاصة في مهرجان كان لـ"...للغته السينمائية الجديدة وجمالها
عنصر مهم جداً في سينما  أنتونيوني  لم نتطرق له عمداً ألا وهو رؤيته  للعمارة الحديث منها والتقليدي. السبب أننا سنفرد مقالاً خاصاً لاحقاً عن المكان، العمارة والتكوين في سينما  أنتونيوني٠
فيلمنا القادم من ثلاثية  أنتونيوني  هو "الخسوف"٠

عبد الوارث عسر: الممثل الذي وُلد كبيراً | كمال رمزي    


أجمل الآباء.. على شاشة السينما المصرية يسطع بالضياء.. وسط ظلال الأفلام   سبعة عقود.. من الإبداع المتواصل حتى فى أكثر الأفلام تواضعا، كان عبدالوارث عسر، بأدائه الطبيعى، يضفى عليها شيئا من المنطق. أوعلى الأقل، يجعل من دوره، باقتدار، وحدة خاصة، مستقلة ومؤثرة، تشع بضياء ما، وسط ركام هذا الفيلم أوذاك.. لم يكن عبدالوارث عسر، وهوفى شرخ الشباب نجما. ولم يضطلع ببطولة، ولكن حضوره أقوى وضوحا من النجوم الذين عمل فى ظلهم.. استطاع أن يغدو، بجدارة، نسيجا فريد أوخيطا من ذهب، فى تاريخ التمثيل المصرى. وهوفى هذا لم يعتمد على مجرد الموهبة التى تمتع بها، ولكنه، بجلد ودأب سار فى الطريق الجاد، الصعب، فصقل موهبته وأطلقها، وعلّم نفسه بنفسه، وأغدق علمه وخبرته على طابور طويل من الفنانين، ومنح المكتبة العربية كتابا فريدا فى «فن الإلقاء».. لا يزال هوالكتاب العمدة فى هذا المجال، الذى يليق بالممثل أن يستوعبه ويتفهمه٠


الخطوات الأولى

   ولد عبد الوارث عسر في السابع عشر من أيلول/ سبتمبر 1884 (وتوفي في الثاني والعشرين من نيسان/ أبريل 1982)  في القاهرة. كان والده الثري صاحب أراض زراعية في البحيرة ويعمل محامياً، ومثل  معظم أثرياء ذلك العصر، تعوّد على التردد، بانتظام، على فرقة «سلامة حجازى»، ذائعة الصيت، مصطحبا معه إبنه ــ عبدالوارث، الذى بدأ قلبه يخفق بحب عالم الأصوات والأصواء والانفعالات والحكايات.. ومن جهة أخرى، أخذ الفتى يطالع بعض الكتب فى مكتبة والده. قرأ فيما قرأ العديد من الدرر العربية: الأغانى»، «مجمع الأمثال»، «ألف ليلة وليلة»، «الحيوان»، «الأمالى»، فضلا عن تاريخ الطبرى وابن حلكانوبقيت هذه الثقافة العربية الرصينة. حية مزدهرة  فى روح عبدالوارث عسر، وانعكست على كتاباته لعشرات المسرحيات والسيناريوهات، واستفاد منها فى كتابه الفريد عن «فن الإلقاء»٠

تفتحت آفاق عبدالوارث عسر عندما تابع عروض جورج أبيض الذى عاد من باريس فى العشرينات ليقدم تراجيديات سوفكليس وشكسبير وكورناى وراسين، وازداد تعلقه بفن التمثيل، وأدرك أن هذا«الفن له تاريخ موغل فى القدم، وأنه  علم  يتطلب دراسة لا تقل جدية عن دراسة أى فرع آخر من فروع العلم٠
 أثناء استعداده للالتحاق بمدرسة الحقوق العليا ليصبح محاميا مثل أبيه، توفى والده في العام  1914 واكتشف الشاب أن أسرته فى مأزق مالى صعب، فالديون تحاصر الأسرة التى وجد نفسه مسئولا عنها، وعليه إنقاذ الأرض المرهونة للبنك العقارى. انتقل بالأسرة إلى «البحيرة»، وباشر الزراعة بنفسه، واستطاع بحكمة أن يسدد الديون، وأن يعيد التوازن إلى عائلته المهددة. وربما كان لقيامه المبكر دور الأب، فى الحياة، أثر فى ذلك الدور الذى سينبغ فيه على الشاشة، لأكثر من نصف قرن٠

 بأن يصبح ممثلا لم يفارقه. فعن تلك الأيام وذلك الحلم يقول فى مذكراته الممتعة التى كتبها الناقد النزيه فؤاد دوارة، ونشرها في مجلة الكواكب عام  1982 ولم تجمع فى كتاب!.. «كنت ألاحظ أن وجهى معبر، وكثيرا ما تأملت نفسى فى المرآة فأرى وجهى مستطيلا، وأستطيع بقدرة من الله أن أشكله كيفما أشاء ليعبر عما أحسه فيظهر بوضوح فى عينى وتقاطيعى.. هذه أهم مميزات الممثل، فلماذا إذن لا أعمل ممثلا».. ويستكمل «قررت أن يكون التمثيل مهنتى، ولكن كيف أبدأ وإلى أين أذهب»٠

اتجه عبدالوارث عسر إلى جورج أبيض فطلب منه الفنان الكبير أن يؤدى أمامه مشهدا.. كان عبدالوارث قد أعد العدة للاختبار، فهو يحفظ خطبة الحجاج بن يوسف الثقفى عندما دخل الكوفة بعد تعيينه واليا على العراق من قبل الخليفة عبدالملك بن مروان، ومطلعها «أنا ابن جلا وطلاع الثنايا، متى أضع العمامة تعرفوننى».. طبعا، درس عبدالوارث الخطبة، وظروفها، وتدرب على إلقائها بلغة عربية سليمة، ويبين بصوته، وتعبيرات وجهه، معانى القوة والكبرياء والجبروت، ممتزجة مع نغمة نذير وتهديد ووعيد.. والواضح أن الأداء البديع لعبدالوارث عسر أرضى جورج أبيض الذى سحب «تلميذه» الجديد من أعلى «التياترو» حيث كان يجلس، ليذهب به إلى خشبة المسرح أثناء إجراء الفرقة بروفة قراءة، ويقدمه لهم كعضو سيكون له شأن فى عالم التمثيل٠

نحوالاحتراف

عبدالوارث عسر، من القلة التى تفكر طويلا فى التفاصيل كافة، يدرس، يتعمق، فى أبعاد وزوايا ودلالات العمل الذى سيشارك فيه، ويستوعب دقائق الدور الذى يقوم به، وكيفية التعبير عنه، ولعل الواقعة التالية تبين بجلاء طريقته الجادة فى عمله، وتعطينا درسا ثمينا فى كيفية إتقان الدور، والوصول به إلى أعلى المستويات اكتمالا: أسند له جورج أبيض دور الراعى فى مسرحية «أوديب» لسوفكليس. رجل عجوز يعرف تماما سر الوباء الذى حل بالمدينة، ولأن الراعى يعرف أن الملك هوالسبب فإنه يتردد أمامه فى الكشف عن السر. الملك الغاضب يدفع الراعى فى صدره فيقع أرضا٠
كان عزيز عيد هوالذى يؤدى هذا الدور. لكن عزيز، بعد عدة ليال، تمرد، ورفض المواصلة، لأن الجمهور يملأ الصالة بالضحك، خاصة حين يقع الراعى. وبينما فسر الجميع هذا الضحك على أنه غلظة ذوق من جمهور يريد أن يضحك من كل شىء، أدرك عبدالوارث عسر أنه لابد من أن يكون ثمة دوافع أخرى، تكمن فى طريقة الأداء، وأن عليه اكتشاف هذه الأسباب وتلافيها٠

ذهب عبدالوارث عسر إلى أحد الأطباء وسأله إذا كان من الممكن ألا يرتعش شيخ  هرم  جاوز المائة عام. وأجابه الطبيب بأنه من الممكن إذا كان العجوز مصابا بالتصلب. وفى هذه الحالة تكون حركته صعبة. وشرع عبدالوارث يعيد صوغ «الراعى» بناء على هذه المعلومة الجوهرية، وبدلا من اللحية الطويلة، المشعثة التى يظهر بها عزيز عيد، جعلها قصيرة، عريضة، فأكسبته جلالا. وبدلا من أن يرتعش وقف ساكنا، وعندما يدفعه «أوديب» ــ جورج أبيض ــ لا يسقط على الأرض، ولكن يميل على أحد الجنديين الممسكين به. وجاء رد فعل الجمهور أبعد ما يكون عن الضحك، فقد اقتنع بتلك التفاصيل الجديدة، والتى أحدثت فى وجدانه أثرا شديدا٠

فى مجال المسرح، عمل عبدالوارث عسر مع نجوم عصره: عبدالرحمن رشدى، زكى طليمات، سيد درويش، عبدالعزيز خليل، أحمد علام، حسين رياض، نجيب الريحانى، يوسف وهبى، وهذا على سبيل المثال لا الحصر.. وفى مجال السينما، ظهر على شاشتها، منذ بداياتها، فعمل مع أجيال متوالية من المخرجين، ابتداء من محمد كريم، حتى على بدرخان، وضمت قائمة أفلامه ما يقرب من المائة فيلم.. واستطاع أن يكوِّن لنفسه شخصية فنية لا تنتمى إلا لعبدالوارث عسر.. تلمس ملامحها فى الصوت المعبر عن أدق معانى الكلمات، تنطلق بها ملامح وجهه اللينة قبل أن تخرج من فمه، فضلا عن عنق لا مثيل له عند كل ممثلينا. عنق طويل، معرورق، يستطيل فى حب للاستطلاع، ويقصر فى مواقف القلق والخوف، وتكاد ترى ريقه، من وراء الجلد، وهويبلعه بصعوبة، حين تنتابه لحظات الحرج. إنه يجسد الانفعالات، مهما كانت عاصفة أومعقدة، ببساطة خلابة. ومرجع هذا أنه يتفهم مشاعر الشخصية التى يؤديها، ويتشبع بها روحيا، ويدرسها دراسة علمية، ويؤديها محققا نوعا من التوازن الفريد بينها وبين شخصيته، فهولا يستسلم ولا يذوب فيها، وأيضا لا يخضعها له تماما، ولكنه يعبر عنها بعمق وإدراك. وقد ساعدته ثقافته الواسعة فى فهم الأجواء التاريخية أو الاجتماعية التى تتحرك فيها هذه الشخصية أوتلك٠

أدوار.. فى القمة

فى «صراع فى الوادى» ــ الفيلم المصرى الوحيد الذى يعدم فيه أحد المواطنين ظلما ــ تلفق جريمة قتل للرجل الورع الطيب، عبدالوارث عسر.. وفى قاعة المحكمة تشير كل الدلائل على أنه هوالجانى، ويحاول الرجل، بكل قواه الخائرة، التى يستجمعها للحظات، أن يقنع القضاة بأنه غير مذنب، بصوت متهدج وعيون تتسول تصديق الآخرين.. وتتجلى قدرات عبدالوارث عسر فى الثوانى المريعة التى سبقت الحكم بإعدامه، فهنا، تكشف نظراته الزائغة عن رعب يكاد يتغلب على إحساسه كرجل مؤمن بقضاء الله وقدره.. وتستطيل رقبة عبدالوارث عسر أثناء نطق الحكم كما لوأنه يريد أن يستمع له بكل كيانه وليس بأذنيه فقط. وما أن يصدر الحكم حتى يتهالك داخل ذاته، مذهولا فى البداية، مستسلما فى النهاية.. إنه من أقوى المواقف فى السينما المصرية-

وعلى نحو مغاير للكثير من أفلامه، يقوم فى «الأرض» بدور العمدة المكروه من سكان القرية، الخانع للسلطة، الضعيف، الخائف من الفلاحين، الكاره لهم جميعا، خاصة بعد تعرضه للإهانة من النساء. ويعبر عبدالوارث عسر عن تشفيه وهو يشهد ضرب أحد الفلاحين بالسياط، فالغبطة تتجلى وراء وجهه الصارم، وتكاد تفلت منه ابتسامة رضا وهويقول بصوت يمتزج فيه الحقد مع الارتياح: «آه.. يا فراعنة»٠

وفى مشهد صغير، وحيد، فى «إسكندرية ليه»، يجسد عبدالوارث عسر، بمهارة، حنكة زعيم أحد الجماعات الدينية، يريد «الضباط الأحرار» أن يجذبوه مع رجاله، إلى تنظيمهم. ولكنه، بنعومة تعكس خبرة سياسية واسعة، وقدرة على المراوغة، يقول كلاما جميلا، مرضيا لمستمعيه، فيبهرهم. وسرعان ما يكتشفون، ونكتشف معهم، أن العجوز المدرب، يريد أن ينضموا هم إليه وليس العكس٠
  
وإذا كان عبدالوارث عسر مثّل فى العديد من أفلام صلاح أبوسيف، فإن دوره فى «شباب امرأة» المكتوب ببراعة، يعد من أدواره بالغة القوة فالعجوز هنا الذى يعمل فى خدمة المرأة الشرهة ــ شفاعات ــ بأداء تحية كاريوكا، كان فى الماضى، رجلا محترما له زوجة وأبناء. هجر بيته واختلس من محل عمله. دخل السجن، وعندما خرج، مهدّما ضائعا، لم يجد أمامه إلا المرأة التى كانت سببا فى نكبته، وها هو يعمل عندها، مجرد موظف صغير فى المعصرة التى تملكها٠
موقفان نموذجيان فى «شباب امرأة» يستحقان التأمل.. الأول، عندما ينتعش قلب الرجل بالنشوة، ربما بفعل الخمر، فيطلب من المرأة، فى نوبة من نوبات رعونة الرغبة العاصفة، أن يعيد الماضى الجميل، وهو يقنعنا تماما، بقوة تلك الطاقة الشهوانية التى تطل من عينيه، وأن قلبه لا يزال شابا، وأنه على الرغم من كهولته، يريد، ويستطيع أن يفعل٠
أما الموقف الثانى، فيأتى فى مشهد النهاية، حيث يثأر العجوز من المرأة التى تجسد، فى لحظة من لحظات الجنون، كل الفشل والضياع والمهانة التى لاقاها فى حياته.. إن المرأة تسقط بين دوائر المعصرة الحجرية.. فيندفع العجوز ضاربا الدابة التى تدير المعصرة. وبينما جسد المرأة يعصر، ترتسم على وجه عبدالوارث عسر علامات نشوة وحشية، ويأتى صوته من أغوار بعيدة، وهو يحض الدابة على مواصلة الدوران٠

إلى جانب الأدوار المغايرة، قدم عبدالوارث عسر، كثيرا، ذلك النموذج، الذى سيظل باقيا فى ذاكراتنا، والذى يعد من أجمل وأرق الصور الإنسانية: الأب الذى يخفق قلبه بحب أبنائه. يصلى لله طالبا الخير لهم.. يفرح لنجاحهم وسعادتهم أكثر منهم. يقف وراء الباب منتظرا بشغف عودة ابنه الضال. يبحث بلا كلل عن ابنته التى تضيع فى المدينة.. أبوة شفافة، تمشى على قدمين، تتجلى فى النظرة واللمسة والخلجة، وتعبر عن أسمى العلاقات الإنسانية.. عبدالوارث عسر.. أحد أجمل آباء السينما المصرية٠



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 فصل في حياة مارلين مونرو على الشاشة اليوم الذي تحوّلت فيه إلى رجل أعمال!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا

ماتت مارلين مونرو بعد 36 سنة من الحياة (وُلدت العام 1926 وغادرت سنة 1962) و33 فيلم من تمثيلها لجانب كتابتها موسيقا وغناء ألحان في 40 فيلم من بينها الكثير مما مثّلته. أول فيلم لها كان من النوع الغنائي/ الموسيقي المرح عنوانه «الآنسة بيلغريم الصادمة»  [إخراج جورج سيتون- 1947] لكنه لم يكن من بطولتها. في الحقيقة لم يكن لها دور يُذكر فيه وإذا ما شاهدناه اليوم وتابعنا أسماء ممثليه (التي كانت تسبق الفيلم ولا تلحق به كما هي العادة اليوم) لافتقدنا أسمها، لكنها كانت موجودة في مشهد لـ "بدّالة" هاتف تأخذ إتصالاً وتحوّله، حسب أدوات ذلك الحين، إلى الرقم المطلوب.
آخر فيلم لها كان «غير المتجانسون« The Misfits  [جون هيوستون- 1961] الذي كان أيضاً آخر فيلم للممثل كلارك غايبل. يومها كانت أصبحت، ومنذ سنوات، نجمة كبيرة معروفة حول العالم أجمع مع أن  هوليوود لم تبخل على الجمهور المحلي اوالعالمي بالجميلات والقديرات على حد سواء.     
بالإضافة إلى أن مارلين مونرو كانت جميلة وجذّابة وذات طبيعة أنثوية صارخة، فإنها كانت تستطيع التمثيل بصرف النظر عما كان منتشراً آنذاك من اعتقاد مفاده أنها لم تكن سوى شقراء جميلة، اوشقراء غبية كما كان الرأي السائد بالنسبة لمعظم الشقراوات.
لكن مارلين لم تكن مجرد شقراء جميلة، بل كانت أيضاً موهوبة تستطيع أن تشغل اللقطة حتى في أدوارها الثانوية. تتابعها مثلاً في فيلم آخر لجون هيوستون هو«الغابة الأسفلتية» (1950) لاعبة في ثلاثة مشاهد فقط شخصية إمرأة تعيش على حساب رجل متزوّج (لويس كولهرن) وتستطيع أن تلحظ كيف أنها تنسجم تماماً مع الدور في حدوده الجغرافية المحدودة وعلى النحوالصحيح. في المقابل، وحيال أفلام من بطولتها مثل «نهر بلا عودة» [أوتوبرمنجر- 1954] و«صدام في الليل» [فريتز لانغ- 1952] هي من لابد منها لتصيغ النوع اوالنمط الذي تجسّده. وفي أفلام أخرى، مثل «لسنا متزوّجين« [إدموند غولدينغ- 1952] و«موقف أوتوبيس» [لجوشوا لوغان- 1956] هي أفضل ما في الفيلم بإستنثاء عناصر قليلة موزّعة. 

لكن من بين كل ما مثّلته من أفلام، هناك فيلم واحد قامت بمهمّة إنتاجه التنفيذي وهوفيلمها البريطاني الوحيد. المنتج التنفيذي هورجل الأعمال بالنسبة للفيلم. المنتج الذي يعمل على الأرض وهي كانت في هذا الموقع من خلال شركتها «مارلين مونروبرودكشنز». الفيلم هو«الأمير وفتاة الإستعراض» The Prince  and the Showgirl الذي قام بتحقيقه الممثل والمخرج لورنس أوليفييه سنة 1957 وهولم يكن مجرّد فيلم وضعها في مستهل حياة كان يمكن أن تكون أكثر ثراءاً فنياً  فقط بل مشروع حفل بقصص خلفية أعاد رصفها كولين كلارك في كتابه تحت العنوان ذاته وقام بتحقيقه سايمون كورتيس.

عند الكتف
في العام 1956 كانت مارلين مونروتقف على مفترق طريق. كانت من ناحية قررت أن تنتقل للعيش في نيويورك تاركة هوليوود. والسبب ليس إعجابها بالمدينة بحد ذاتها، بل لإدراكها بأنها بحاجة إلى بيئة أكثر ثقافة وفن من مدينة الصناعة السينمائية المعروفة بكونها مؤسسة من الاستديوهات والعلاقات المالية. في عمق هذا القرار كَمُنت رغبتها في تعلّم التمثيل حسب "المنهج"، تلك المدرسة من التمثيل التي استند إليها وأمّها مارلون براندووكارل مالدن ومونتغمري كليفت وسواهم. هذا وحده نقلة نوعية مهمّة لممثلة أسست نفسها على نطاق السينما الجماهيرية وحدها. الان هي تريد أن تتعلّم وأن تنمووتزداد إلماماً. لكن هذا ليس كل ما يسترعي الإنتباه بالنسبة لمسيرتها. في العام ذاته قررت تأسيس شركة إنتاج وقررت أن يكون فيلمها الأول دراما تحت عنوان «الأمير وفتاة الإستعراض». 

خلال ذلك، عملت مونروعلى تجديد عقدها مع شركة فوكس، لكنها ارتبطت أيضاً، وفي لفتة تعكس جدّية محاولتها، مع شركة وورنر التي وافقت على تمويل فيلمها الأول كمنتجة وتركت لها حريّة التعاون مع من تريد من المواهب.
كل ذلك حدث بينما كانت، في المقابل، علي وشك الزواج من الكاتب المسرحي آرثر ميلر الذي كان مطلوباً في العام نفسه للجلوس أمام لجنة التحقيقات في النشاطات المعادية لأميركا، تلك التي أسسها جوزف مكارثي وعرفت بإسمه. لذلك، فإن خبر الزواج من ناحية، ومتابعة الصحافة للمواجهة بين ميلر ولجنة التحقيقات اختلط بأنباء أعلنتها مارلين مونروعلنا في مؤتمر صحافي في فندق بلازا في نيويورك حول عزمها إنتاج وتمثيل فيلم «الأمير وفتاة الإستعراض». إنه ذات المؤتمر الصحافي الذي انقطع حامل فستانها عند الكتف قليلاً أمام نحومئة وخمسين مصوّراً ما نتج عنه تسارع كل هؤلاء لتصويرها وهي تسارع بوضع يدها على كتفها قبل أن يسقط فستانها على الأرض.
هذا الحدث الصغير الذي كانت له تداعيات إعلامية كبيرة تم نسخه في الفيلم. فمارلين لعبت شخصية فتاة كورس أميركية تزور أوروبا وتلتقي بأمير دولة بلقانية (خيالية) أسمها كارباثيا. في أحد مشاهد الفيلم تنقطع الوصلة عند أعلى الكتف فتسارع الفتاة الواقعة في حب أمير الدولة، لإمساك الرداء قبل سقوطه. هل  استوحت الممثلة من حادثة فندق بلازا ذلك المشهد اوأنها في الأساس دبّرت المشهد السابق وخططت له لإجل الإثارة الإعلامية؟ لا أحد يعلم.

وضع صعب
الفيلم المعنون «أسبوعي مع مارلين» يتحدّث إذاً عن أسبوع عمل أمضته مارلين مونروفي لندن، بصحبة زوجها ميلر، حين قامت بإنتاج هذا الفيلم وجولاتها في بريطانيا ولقاءاتها. ليس وثائقياً بل روائياً مع ميشيل وليامز في البطولة لجانب دوغراي سكوت (في دور آرثر ميلر) كينيث براناه (في دور لورنس أوليفييه)، جودي دنش  وإيما واتسون وجوليا أورموند من بين آخرين.
ميشيل وليامز لم تكن الأولى التي تم اختيارها لتمثيل شخصية مارلين مونرو، فقد تبنّى الإنتاج أولاً دعوة سكارلت جوهانسن لذلك، ثم كايت هدسون وأمي أدامز وهي كانت محظوظة من حيث أنها، وبعد نحوثلاثين فيلم في حياتها المهنية من بينها «بروباك ماونتن« و«أنا لست هناك« و«جزيرة مغلقة»، تجد دورها الأهم حتى اليوم.
وهي درست مارلين وحركاتها وتاريخها وأفلامها ستّة أشهر كاملة قبل تصوير اللقطة الأولى، لذلك نجدها على الشاشة نسخة منها. ليست نسخة متطابقة مئة بالمئة لأن هناك جزءاً مهمّاً من عملية التشخيص يجب أن تكون ذاتية هوذلك الجزء المتعلّق بفهم المادّة ذاتها والتصرّف على أساس البعد السلوكي وليس السلوك وحده فقط.
الفيلم، كما كتبه أدريان هودجز، نقلاً عن كتابات كولين كلارك (الذي كان مساعد مخرج ثالث للورنس أوليفييه على ذلك الفيلم) يقدّم لنا مارلين مونروفي وضع نفسي صعب وذلك حسب سيناريواختار أن يدلف إلى الموضوع تقليدياً فيطرح مارلين المتوتّرة وغير الواثقة من نفسها في البداية ويتابع تحوّلات معيّنة وصولاً إلى كم أفادتها الفترة التي قضتها في رحاب الإنكليز وكيف تغيّرت نظرة الممثل والمخرج أوليفييه (كما يقوم به كنيث برانا) لها من التذمّر إلى الإعجاب. اليوم الأول من التصوير كان كوارثياً إذ تصل الممثلة متأخرة ساعتين عن الموعد المحدد في "الأوردر" لتجد الجميع بإنتظارها وقد نفذ صبر معظمهم. إنها نقطة انطلاق تفسّر الكثير مما يبنيه الفيلم، لكن سيناريوهودجز يبقى تقليدياً لموضوع يقترح أنه أكثر أهميّة مما ينجلي عنه العمل. هناك بناء متوقّع لمسألة الفوارق المهنية بين بطلته وبين اولئك الممثلين البريطانيين وبين أسلوبي عمل وفهمين مختلفين للحياة بأسرها. لكن ذلك محسوب من ناحية ولا يكفي لملء الفيلم الماثل لوقت طويل.
لكن الفيلم ليس عن مارلين فقط، وهذا يحسب للعمل، بل أيضاً عن كولين (يمثّله إيدي ردماين) الذي وقع أسير جاذبيّتها. تعرّف عليها في لندن ثم تبعها حين عودتها إلى نيويورك كمستشار وصديق فإذا به في الشق الفاصل بين الحب الأعمى والمرشد العاطفي خصوصاً مع تكرار حالات التوتّر العاطفي والنفسي في حياة الممثلة.
هناك مشاهد جيّدة عدّة بين مارلين كما تؤديها ميشيل وليامز والشخصيات الأخرى بما فيها شخصية كولن، لكن قلّة خبرة المخرج كيرتيس من ناحية وتعدد الشخصيات الحقيقية التي يود الفيلم دفعها تحت الضوء من ناحية أخرى يجعلان الفيلم أكثر انشغالاً مما يستطيع العمل أن يحمله من متاع. يصل الى الشاشة متعباً من رحلة بدأت لتوّها.
لكنه في النهاية فيلم عن مارلين مونروالتي شغلت الناس ولا تزال والتي صدرت عنها عشرات الكتب وبضعة أفلام وأكثر من ذلك من المقالات التي حاولت أن تبحث في حياتها الخاصّة والمهنية. لذلك، حين تغيب عن الشاشة في هذا الفيلم، هناك فراغ غير مقصود كون ميشيل أجادت التشخيص في الوقت الذي لم يجد السيناريو نقطة قوّة مضادّة تخلق للفيلم توازناً مطلوباً.


الضوء عند سبيلبرغ قوة خطرة والسواد مأوى يعيد المرء جنيناً
هوڤيك حبشيان 

عاش سبيلبرغ طفولة معذبة. اثر طلاق والديه، انتقل من مدرسة الى اخرى، مقيماً مع والدته، وتعرّض مرات عدة لملاحظات عنصرية ناقدة ذات صلة بأصوله اليهودية. تشهد اعماله على حياته وشخصيته، وهذا ما يسمّى سينما المؤلف. في مناسبة صدور "تانتان" في الثالث من تشرين الثاني المقبل، نعود الى التيمات التي رست عليها سينما "وندر بوي" هوليوود.
برغم النجاح التجاري الهائل لافلامه، تنتمي اعماله الى سينما المؤلف. في الواقع، هناك مخرجان يحملان اسم سبيلبرغ. الاول طفل دائم اخرج اكثر الافلام شعبية في التاريخ مثل  "اي تي" (1982) و"هوك" (1991) و"جوراسيك بارك" (1993). في هذه الافلام، تُسرد القصة من خلال عيني ولد اواكثر، ويوصف عالم الراشدين بسلبية تامة، ويتم التطرق فيه غالباً الى الطلاق اوالانفصال اوالتشرذم. في نهاية "لقاء الجنس الثالث" (1977) على سبيل المثال، يذهب روي نيري للعيش مع كائنات فضائية، متخلياً عن عائلته. وفي "اي تي" يترعرع اليوت مع امّه وحدها، بعد أن يتخلى والده عن العائلة. اما سبيلبرغ الآخر، فيهودي، أب لسبعة اولاد، ومخرج احد أكثر الاعمال الدرامية روعة في القرن العشرين، مثل "اللون الارجواني" (1985)،  و"امبراطورية الشمس" (1987) و"لائحة شندلر" (1993) و"انقاذ المجند راين" (1998). لم يظهر أي مخرج آخر تنوعاً كهذا في نطاق السينما التي عمل فيها. ففي العام 1993 مثلاً، أخرج سبيلبرغ "جوراسيك بارك"، فانتازيا سينمائية تتمحور على ديناصورات، ثم قدّم بعد أشهر "لائحة شندلر"، دراما انسانية كان لها تأثير بالغ على الصعيدين الاجتماعي والفني.
جزء من متعة مشاهدة فيلم لهيتشكوك يكمن في لقاء "معلم التشويق" ولوفي مشهد خاطف في احدى لحظات الفيلم. وبرغم ان سبيلبرغ لا يظهر في افلامه، هناك وحدة تصويرية (Awe Shot) تعود دائماً في مجمل افلامه. وهي صورة قريبة لوجه احدى الشخصيات الرئيسية التي تنظر الى شيء ما، بفم مفتوح وعينين جاحظتين. يعتمد الشيء الذي ينظر اليه الشخص على نوع الفيلم. في الدراما، يكون غالباً حدثاً مأسوياً، وفي فيلم مغامرات، تكون لحظة ساحرة اومشهدية. خير مثال على ذلك، تعابير وجه الدكتور ملكوم عندما يرى اول ديناصور حي في "جوراسيك بارك". والـ"كلوز اب" من وجه انديانا جونز (هاريسون فورد) في "الفيلق الضائع"، عندما يبحث هذا الاخير عن ماريون (المختبئة في سلة) في السوق المصرية، دليل على هذه اللقطة. يحتوي كل من افلام سبيلبرغ على لقطة Awe Shot، كأنه توقيع للمخرج. وتنعكس هذه الصورة على وجوه المشاهدين الذين يحملون التعابير نفسها لدى مشاهدة فيلم لسبيلبرغ.
تسمح دراسة افلام السينمائيين، بتسليط الضوء على المواضيع التي تتكرر فيها. اللدغة، مثلاً، فكرة طاغية في ذهن سبيلبرغ. نجاحه التجاري الاول "جوز" (1975) مرتبط بهذا الخوف. بمعزل عن عنوان الفيلم وموضوعه واعلانه، يعرض "جوز" مراراً اشلاء جثث، قطّعها القرش الابيض ارباً ارباً. الموت ليس هو الذي يخيف بذاته في هذا الفيلم، بل فكرة الموت التهاماً من القرش المرعب. ينطبق الامر نفسه على الافاعي التي يخافها انديانا جونز. يعرض فيلم "جوراسيك بارك" (1993-1996) صوراً للاستهلاك البشري مماثلة، اما "بولترجايست" (1982، من انتاج سبيلبرغ)، فيتأثر باحث ظواهر غير طبيعية بلدغة في بطنه، ويقول: "لدغني شيء ما".
تقليدياً، يؤدي الضوء دوراً كلاسيكياً في السينما. أي ان السينما تستعيد مفاهيم الضوء القديمة، وتستخدمها لسرد قصص. من البديهي، والحال هذه، اذاً، ان يمثّل الضوء كل ما هوممتع وخيّر والهي، في حين يرمز الظلام الى الشر والخطر والشيطان. يبدوهذا المفهوم جلياً. تمثيل الضوء للخير، والظلام للشر، ليس الا نتيجة تعارف المجتمع والدين على ذلك. لكن سبيلبرغ يستخدم الضوء عكس العقيدة الكلاسيكية. ففي عدد من افلامه، مشاهد اختطاف ولد من منزله بقوى شريرة، يُرمَز اليها دائماً بضوء قوي. خير دليل على ذلك اختطاف باري في "لقاء الجنس الثالث" واجتياح منزل اليوت في "اي تي" ، واختطاف كارول آن في "بولترجايست" واختطاف الولدين في "هوك". يبرز هذا الميل كثيراً في "لائحة شندلر"، خلال تصفية النازيين للحي اليهودي، فتُضاء النوافذ، لتشهد على اطلاق نار النازيين والضحايا اليهود.
Jaws من اليمين: رتشارد دريفوس، روي شايدر وروبرت شو

واذا كان الضوء قوة رهيبة وخطرة لدى سبيلبرغ، فالعكس صحيح ايضاً. فالسواد ملجأ، لذا يختبئ الاولاد اليهود الذين ظلوا على قيد الحياة بعد المجزرة في المجاري. السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يفسّر تأثير استخدام الضوء هذا في عقول المشاهدين؟ الجواب بسيط: يتعلّق الامر بالصدمة النفسية الاصلية. كل امرئ، بغض النظر عن دينه وجنسه واصله، يعيش الصدمة نفسها لدى الولادة: طرد الجنين من رحم امّه الدافئة والمريحة والمظلمة تماماً الى ضوء العالم المبهر والفاجع. من الممكن القول ان صور الضوء هذه لدى سبيلبرغ تؤثر سلبياً، وخصوصاً في الاولاد، وتعكس ولادة كل مشاهد وتتطرق الى موضوع حيوي، وهوالانفصال عن الأمّ. لا عجب ان تبدولنا هذه المشاهد مخيفة على هذا النحو

الدين والإيمان والفن ولوحات أندريه تاركوڤسكي الرائعة 
سينما وسينمائيون | ذلك المحيط الشاسع.... أندريه تاركوڤسكي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحلقة الرابعة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذه الحلقة الرابعة والأخيرة من موضوع لا يمكن له أن ينتهي. إنه
عن فنان كبير ونظرته إلى الحياة والعالم مترجمة إلى صور لا ترضى
بأن تتوقّف عن الإذهال. بعض الحديث هنا سيلج الجانبين الفني 
والروحاني كمكمّلان لسينماه. ثم تناول لفيلمين من أعماله كنموذجين٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ  محمد رُضا  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفن، بالنسبة لأندريه تاركوفسكي، له مفهوم بسيط وعميق جدّاً نكاد نجهله اونتجاهله في أزماتنا الحالية وفي هذا العالم القائم على البيع والشراء وحدهما: هذا المفهوم هوالدور الذي يلعبه، اوعليه أن يلعبه في حياتنا:"لكي يشرح للفنان وللمحيطين به  لماذا يحيا الإنسان، ما هومعنى وجوده. لكي يشرح للناس السبب وراء ظهورهم على هذا الكوكب، أوإذا لم يكن للشرح، فعلى الأقل ليطرح السؤال".
يقول أستاذ الفلسفة المجري غارساي غابور في تعليق له على العبارة أعلاه أن "الفن له علاقة حميمة مع الدين على أي حال، لكنه بين يدي تاركوفسكي هوفن ديني" المعنى هنا هوما يمكن أن نقرأه على شاشة أفلام تاركوفسكي بشكل عام. حين تجلس لتسبح في فضاء تاركوفسكي فإن ما يحملك هوالمعاني الثرية التي يطرحها كل فيلم على حدة، وكل أفلامه مجتمعة. وهووإن تحدّث في فيلمه الثاني «أندريه روبلوف» عن شخصية مسيحية تحاول بث روح الإيمان في قوم جاهلين، فإن اهتمامه لم يكن الكنيسة ولا الشخص الذي يمثّلها بل صراع القيم من ناحية وصراعها في داخل الرجل ذاته من ناحية أخرى، كما تقدّم معنا. 
إلى ذلك، فإن أفلامه الأخرى جميعاً تشع روحانية والروحانية هي ذلك المستوى الشفّاف من الرقي الإنساني في تأمّله للحياة وخالقها والتماسه الطمأنينة والدعة في عالم يجد فيه نفسه سعيداً بصرف النظر عن وضعه على الأرض.  مشاهد تاركوڤسكي  الطويلة المسحوبة على الطبيعة. ملاحظاته حول الإنسان وأفعاله. الماء . السماء. الأشجار. مفردات روحانية حميمة. وفنّه هنا هي أنها ليست مقحمة. 
خذ ذلك المشهد الذي يرد في «ستوكر»: أبطال الفيلم الثلاثة، الدليل والمثقّف والعالم، يجلسون فوق بقعة من الأرض في الغابة المحرّمة التي دخلوها. فجأة نقطة ماء تسقط فوق بركة من الماء. تتبعها نقطة ثم نقطتان ثم ثلاثة ثم وعلى نحومتسارع تنهمر السماء ماطرة. المخرج يبقي مع المطر حتى نهايته، حيث يتوقّف تباعاً ثم كليّاً. كان يستطيع تصوير المطر والإكتفاء ببضع ثوان منه، وربما- كونه مخرج قدير- يستطيع تمرير ما يجسّده في الماء من رمز للحياة، لكن الفنّان الذي فيه كان خط له أسلوبه في العمل، ذلك النابع من حب التأمل الذي لاحقاً ما توجّه إليه العديد من المخرجين اللاحقين مشكّلين ما نعرفه اليوم بـ »سينما التأمّل». 
هل نستطيع الا أن نعتقد أن وراء تصوير تلك الستارة الداخلية عند النافذة المفتوحة في «التضحية» ما هوإلا تصوير للهواء ذاته؟ كثير من الأفلام تصوّر أشجاراً تتمايل من فعل العاصفة، اوستائر منزلية يتلاعب بها الهواء، لكن المرء لن يجد موازياً لتلك الرقّة التي يصوّر فيها تاركوفسكي هذا الهواء. يكاد يلامسك من دون فذلكة الأبعاد الثلاثة.
تاركوڤسكي هوفنان الإيمان بالله وما خلقه من طبيعة من دون أن يكون فناناً يتحدّث في الدين اوفي دين واحد. ليس أن ذلك ما نعرفه من قراءة (وأعنى بالفعل قراءة وليس على النحوالمنتشر حيث كل مطالعة باتت قراءة وتحيلاً)  أعماله، بل أيضاً من حقيقة أن درس العربية وقرأ القرآن الكريم ولابد أنه تعلّم منه ما لم يرد في الإنجيل من معلومات حول الله وخلقه والإنسان وصفاته والطبيعة وما تعنيه وما تحويه من معجزات. ليس هذا فقط، فن هذا المخرج هوتتويج لعلاقة غير مطروقة في السينما الا نادراً: إذا كان الفن هوكمال الأشياء، كما في مفهوم هذا الناقد، فإن لقاءه  مع الدين، في مفهومه الروحاني متناسق. لقد خلق الله تعالى كل شيء في "أحسن تقويم". الخليقة فيها فن الخالق وهوالذي "لم يكن له كفواً" أحد. فخلقه إذاً أفضل الخلق، والفنان يمنح الحياة المخلوقة ما يساعد في توعية المشاهد بها. 
 سنجد أن صاحب الرغبة في التأمل في الحياة هوالمبتعد، قدر الإمكان، عن عالم مادي بشع يبدأ مباشرة خارج باب بيته. وهومن سيتوجّه لمشاهدة أفلام تاركوفسكي وسيعجب بها. وهناك صفاتاً كثيرة تجمع بينه وبين هذه الأفلام طالما أنهما، وإلى حدود بعيدة حتى ولوكانت متفاوتة، يفكران على نحومختلف بالكامل وتطبيقاً لمنهج ثقافي وروحاني وفني بالغ التجانس وبعيداً عن السائد ليس فقط على صعيد الناس "العاديين" (وليس هناك "عاديون" و"غير عاديين" لكني لم أجد كلمة أخرى) بل أيضاً على صعيد معظم من يمارسون الثقافة. 

بالنسبة لتاركوڤسكي الصورة هي ما يسعى إليه وليس رمزها. إنها الحقيقة، كما يقول. ولأنه يقارنها بالحقيقة فإن عليها أن تكون باهرة (وليس مبهرة) كما الحقيقة. 
لنأخذ فيلم «سولاريس« أحد أكثر أفلامه غرابة بالتحليل فهوعلي السطح لا يبدوحقيقياً بل خيال علمي. لكن خروج «سولاريس» عن المألوف في هذا الإتجاه ليس كاملاً ورسالته، كما صيغته، ليسا فانتازيا، كما سنرى:

Solaris
سولاريس  يلتقي مع أفق من الرحلات التي يقوم بها أبطاله لاستشفاف الزمان والمكان وما بينهما. »طفولة إيڤان« رحلة في وجدان صبي لم تترك الحرب راحة في قلبه، و»أندريه روبلِف« رحلة في حياة فنّان كان بدوره يرحل بحثاً عن روحانيات عالم بلا روحانيات٠ لاحقاً، »المقتفي« و»نوستالجيا« و»المقتفي« كلها أفلام فيها قيمة البحث الإنساني عن معنى الحياة على الأرض ورسالة الإنسان في هذه الحياة٠

هناك رسائل غريبة تصل الى الأرض من محطة فضائية أسمها سولاريس  التي تحمل ثلاثة علماء هم  د. جباريان (الممثل سوش سركسيان) د. سارتوريوس (أناتولي سولونستين الذي شوهد في فيلم »أندريه روبلِڤ«) ود سناوث (يوري يارفت). الأمر يستدعي إرسال العالم النفسي د. كريس كلڤين (الممثل الليتواني دوناتاس بانيونيس)، للإنضمام الى سولاريس ومعاينة ما يحدث مع علمائها. قبل يوم من بدء الرحلة يزوره ملاح الفضاء برتون (فلادسلاف دفوتشسجي) ويخبره أنه كان عاين سولاريس قبل عدّة سنوات. برتون كان منفعلاً ويتحدّث بحرارة حول ميتافيزيقيات وظواهر غير مفهومة. كريس حافظ على هدوئه مؤمناً بأن العلم وحده هوالذي يكشف الحقيقة. ما يبدوأنه المشكلة هوما سُمِّي بـ »المحيط«، وهوعبارة عن شكل غريب هائم في الفضاء لجانب المركبة. كريس يرى أن الأمر يستدعي إلغاء مهمّة سولاريس وتدمير »المحيط«٠
حين وصول كريس الى سولاريس يستقبله نبأ إنتحار د. جباريان. شريط مرئي يُظهر أن د. جباريان كان يعاني من من قنوط شديد بفعل  رؤى لمن أحب في ماضيه مصحوبة بشعور طاغ من العزلة والوحدة. بعد يوم واحد يبدأ كريس بتفهم وجهة نظر برتون خصوصاً وأن زوجته الميّتة هاري (نتاليا بوندارتشوكتظهر له في المركبة الفضائية أيضاً٠ 

مع مطلع الفيلم هناك مشهد لبحيرة جميلة. الكاميرا تسبح قريباً منها في حركة بان وتتوقّف عن دكتور كريس يتمشّى في الطبيعة. البيت ليس منزله بل منزل والده الريفي. جاء ليخلوبنفسه وليكتب تقريراً عن مركبة سولاريس بعد تلقي الأرض التقاير المرسلة من المركبة٠ ها هوإذاً كريس يعيش في هدوء الحياة الطبيعية لكنه لا يشعر بها. يرقبها مراقبة العالم. حسب النظرية الشيوعية ليس هناك غروب جميل، بل مجموعة عوامل تؤدي الى إنتشار الألوان فيتغيّر لون السماء ولون السحاب بينما تمضي الأرض (وليس الشمس) في حركتها حول الشمس٠
لكن كريس ينظر الى المطر بإمعان. هوعاجز عن حل غموض الماء٠ بكل واقعيّته وعلمه ينطلق الى الفضاء حيث عوض أن يحل المعضلة، يصبح طرفاً فيها ويلتقي -بدوره - بماضيه العاطفي على نحوغير مفهوم. ولا تحاول حين تشاهد الفيلم أن تعتبر أن المطلوب تفسير كل مشهد غامض. هذه ليست مهمّة المشاهد ولا الفيلم يطلبه منه. ذلك الغموض هوالمنوال الذي لابد منه للتأكيد على لغزية الإنسان أمام لغزية الكون وفي مجملها هي تفسير لحالة مزدوجة. فالفيلم هورحلة كريس داخل نفسه عبر السفر في الفضاء الشاسع، ورحلة الى ذلك الفضاء الشاسع والغامض الذي لولاها (اي لولا الرحلة) لمَِ استطاع الدخول الى ذاته وكشف هويّته٠
تاركوڤسكي يدين كريس، كما يدين العلم والمثقّفين لاحقاً في فيلمه الرائع »المقتفي« (او»الدليل« كما سمّاه البعض) على أساس أنهم غارقون في العلم والحقائق المبنية على الماديّات لدرجة أنهم فقدوا الإحساس الإنساني بما حولهم... حتى بالمرأة  كما بالطبيعة٠ 
حين يعاود الماضي الظهور في حاضر كريس- أي عندما تزوره زوجته الجميلة من دون مبرر علمي اومادّي، يحاول إرسالها الى الأرض. إنها طريقته للتخلّص منها عوض مجابهتها وعوض أن يواجه السبب الذي من أجله كانت انتحرت٠
مباشرة قبل تركه الأرض، وبعد رحيل صديقه برتون، يحرق كريس أوراقاً ومستندات وذكريات تربطه بالماضي. إنه يريد القضاء على ماضيه ويرى في الرحلة قُدُماً سبيلاً الى ذلك. لهذا السبب، فوجيء بأن الماضي يعاود زيارته بعدما كان حرقه٠
بمواجهة بعض ماضيه فوق المركبة على بعض مئات ألوف الأميال بعيداً عن الأرض، ينفي كريس أن تكون هاري هي ذاتها زوجته. يعاملها بقسوة في البداية، لكن لاحقاً ما يبدأ بالإستجابة لفكرة أن تكون فعلاً زوجته. المقترح هنا بالطبع أنها الإثنين: هي زوجته من حيث تعرّضه لهجمة من ماضيه. وهي ليست زوجته من حيث أنها بالفعل ميّتة ولا يمكن أن تنبض فيها الحياة من جديد. الى جانب أن هذا الغموض يلعب دوراً مرحّباً به في فيلم خيالي- علمي، هناك حقيقة أنه يطرح عدّة اسئلة في مكانها: هل هي زوجته فعلاً؟ إذا كانت في باله لماذا يراها باقي طاقم المركبة؟ وإذا لم تكن من هي؟
لاحقاً سيؤمن كريس قبل الآخرين بأنها موجودة. إنه الحين الذي يجد فيه نفسه وقد أخذ »يشعر« للمرّة الأولى منذ زمن بعيد٠
Nostalgia
شخصيات «سولاريس« موزّعة بين مباديء حياتيه ومفاهيم وفلسفات. بين الماضي والحاضر. بين الحرية والقيود وبين الروحانية والمادية. شخصياته تعيش رفضاً داخلياً ومعاناة كبيرة حين تجد أن في داخلها كل ذلك النزاع دون أن يكون في داخلها الخلاص، وهذا ما نجده في فيلمه اللاحق «نوستالجيا» او«حنين»٠
في »حنين« تتعامل الشخصية الرئيسية (غوركياكوف) مع تلك النزاعات بصمت لكنها تتألم من ذكراها وتسعى لوضع حد بين ماضيها وحاضرها وحين تنجح تنتحر. هذا الوضوح لا يأتي بالصورة التي يمكن معها إطلاق كلمة "البساطة" في سرد ولغة تاركوفسكي، لكن ما في الفيلم المبهر »المقتفي« من صعوبة اللغة والسرد وتكوين ومعالجة المحتوى لا تمنعان المتفرج المتعمق من الوصول إلى الجوهر الحقيقي لكل ما يراه. صعوبة سينما تاركوفسكي تكمن في جمال تلك السينما وشعريتها أكثر ـ بكثير ـ مما تكمن في محاورات انغمار برغمان في أفلامه الشهيرة السابقة مثل  »الوجه« و»ينبوع العذراء« و»العار«. في كلا هاتين السينماتين ما  يواجهه المتفرج هوتماسك البناء الفني ـ الفكري الذي يخلقه المخرج (وهوالكاتب والفنان) وخروج هذا الإبداع كتعبير كامل ليس فقط عن مكنونات صاحب العمل بل عن الرغبة في شكل ما يكون تميزاً رفيعاً عن سينما الآخرين
أندريه تاركوفسكي يمارس هذا الحق حتى آخر قطرة من قطرات تلك المياه التي يحب تصويرها، إلى آخر سنبلة أونبتة خضراء في تلك المشاهد التي يفتح فيها الكاميرا على مناظر أشبه ما تكون بلوحات مرسومة. حتى آخر لقطة التي عليها أن تنهي الفيلم ليبدأ من جديد بعد عامين أوثلاثة عندما يتمكن المخرج من استيعاب الامكانيات الفكرية والمادية التي تسهم في صناعة الفيلم٠
بطله هنا مدرس وباحث موسيقي روسي في زيارة لقرية إيطالية متقصياً حياة موسيقار روسي اسمه بافل سونسوفسكي كان قد زارها في القرن الثامن عشر الذي حدث مع ذلك الموسيقار نوع من ألم الحنين إلى بلاده ورغبة البقاء في البلاد التي يزورها وهذا الحدث يتكرر مجدداً مع الباحث فإذا به يتألم من الذكرى وينفتح على البقاء والتغيير مدركاً أنه في النهاية سوف لن يستطيع البقاء

مثل شخصيات »المرآة« و»المقتفي« لا تترك الذكريات بطل »نوستالجيا« غوركياكوف. نراه يدخل غرفته في الفندق العتيق في القرية. السرير في الوسط. عن اليمين باب الحمام المضيء بنور قوي. عن يساره شباك. المطر ـ صديق أفلام تاركوفسكي ـ ينهمر. غوركياكوف يستلقي على السرير. يحلم أويتذكر (وإذا كانت هناك ثمة كلمة تجمع بين الاثنين فهي المقصودة) ويزوره الكلب ليقبع عند طرف السرير. تزوره أيضاً زوجته وربما أمه وتزوره كذلك قريته
في كل أفلام تاركوفسكي الذكريات لا تأخذ شكل فلاش باك عادي. لا قطعاً ولا اهتزازاً في الصورة على طريقة متبعة، بل ملامسة شفافة تغور في الماضي ولا تترك الحاضر تماماً كحالة أبطال تلك الأفلام وهذا هوالسبب الكامن وراء الفترة الزمنية التي على المتفرج أن يشعر بها من قبل أن يدرك حقيقة وعمق ما يدور في «نوستالجيا» ليس هناك خروج عن هذه القاعدة٠
في بحثه يدخل حياة رجل اتهم بالجنون. حبس أهله سبع سنوات. أنذر من نهاية مرتقبة للعالم. غوركياكوف الذي فشل في ربط حياته العاطفية بشاغل متمثل في المترجمة التي تعمل معه (والتي تتركه بعدما أخفقت في احتوائه) يرى نفسه متوغلاً في أفكار ذلك الرجل إلى درجة أنه لا يقوى العودة إلى وطنه من دون أن ينفذ نبوءة طلبها الرجل منه: ان يقطع المسافة بين جداري مسبح طويل بلا ماء، حاملاً شمعة مولعة إلى نهاية المسبح (الذي يقولون عن مياهه الساخنة إنها تعطي الناس حياة أبدية ـ غوركياكوف يسخر من ذلك). هذا التوغل يحدث عندما أخذ غوركياكوف يتساءل عن مسار حياته. مترجمته تقول أنه لم يتصل بزوجته منذ يومين يقول لها أنه كان معها الآن. ونحن نرى أنه كان معها بالذكرى: منظر عام جميل. امرأة تقف في الحقل. هناك حصان أبيض لا يتحرك. عواميد هاتف ممتدة تذكر بالاتصال. شيء آخر يذكر بالحزن٠
غوركياكوف عليه أن ينقذ العالم. العالم الذي هوفيه أيضاً. عليه أن ينفذ النبوءة إذا ما أراد ذلك. وفي المشهد لم يتسن للسينما تحقيق مثيل له يهبط غوركياكوف أرض مسبح منشّف من الماء ومعه شمعة ويريد اجتياز المسبح من بدايته الى نهايته من دون أن تنطفيء الشمعة. في المحاولة الأولى تنطفىء الشمعة. يعود ويحاول مجدداً بحرص أشد، لكنها تنطفىء قبل قليل من بلوغ الطرف الآخر. وفي وسط ذلك الصمت يحاول للمرة الثالثة ويسير بحرص وبطء ويداري لهيبها بيده وسترته حتى يصل إلى الطرف الآخر وهناك يسقط ميتاً
في الوقت الذي كان هذا يحدث، أوعلى وشك الحدوث، كان الرجل الآخر قد وقف في ساحة من ساحات روما أمام مدرج كبير. لقد تسلق تمثالاً يرمم. تسلق موقعاً تاريخياً ليلقي كلمته داعياً الناس إلى نبذ المادة مذكراً بما خلفته من ويلات وتشرد وجوع ومآس. وفي نهاية كلمته يحرف نفسه والناس ما زالت تقف متفرجة
هذا الفيلم  يدور عن بحث رجل عن نفسه. في حديث لتاركوفسكي يقول أن الإنسان يبقى فيه من الطفولة المقدار الذي يريده، بعد ذلك وإذا ما أراد التوقف عن الطفولة يموت. الكلمات ذاتها يمكن أن تصف حالة غوركياكوف الذي مات بعدما ترك الحلم والطفولة وحاول متأخراً إنقاذ نفسه من ضياع رهيب يلفه. إننا نتعرف عليه وفيه ذلك الحس والذكرى ثم نتابعه وهويقرر التملص منهما ونشهد نهايته وقد ضل طريقه غم نبل رغبته  "يا إلهي. ألا ترى كيف يبتهل إليك؟ تحدث إليه، أنا دائماً افعلهكذا نسمع حواره في حلمه
نوستالجيا كان أول فيلم يحققه المخرج الفذ خارج روسياً وخمسة بالمئة منه فقط تم تصويره في روسيا والباقي في منطقة توسكاني الإيطالية. يبدأ بمشهد أبيض وأسود لبطله والمترجمة التي معه يشقّان الطريق في سيّارة بين جبال توسكاني وضباباتها. البصمة من لون وأجواء تتيح للفيلم أن يولد من هذه النقطة، حتى من بعد انتقاله إلى الألوان حال دخول المرأة إلى الكنيسة (هي تدخل وهولا). الفيلم هونوستاجيا ذلك الموسيقار في الزمن، اوكما يقول تاركوفسكي "نحت في الزمن" وفي حين كان كل فيلم سابق لتاركوفسكي وجهة نظره في الحياة  وشخصياتها، هنا هوفيلم عن تاركوفسكي أكثر من أي فيلم سواه (بإستثناءء "التضيحة"، فيلمه الأخير)٠


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2007- 2011 

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system