Nov 5, 2011

مهرجان الدوحة الثالث | القيمة الواقعية لجوائز المهرجانات العربية

Year 5/ Issue 679


 الأحد: جوائز ومهرجانات
هوڤيك حبشيان يكتشف مهرجان الدوحة
محمد رُضا يتساءل عن قيمة الجوائز العربية
روزنامة موسم الجوائز الحالي (2011- 2011)٠
تشرين الثاني/ نوڤمبر
الإثنين  28: جوائز غوثام للسينما المستقلة (نيويورك)٠
الأربعاء 30: جائزة الفيلم الأوروبي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانون الأول/ ديسمبر
الجمعة 2:  نقاد السينما الوطني (الولايات المتحدة) يعلن جوائزه
السبت 3: جوائز الفيلم البريطاني المستقل
السبت 3: جوائز الجمعية الدولية للفيلم الوثائقي
الإثنين  12: جوائز معهد الفيلم الأميركي٠
الأربعاء: 14: إعلان ترشيحات جمعية الممثلين الأميركيين
الخميس: 15:  إعلان  ترشيحات الغولدن غلوبس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانون الثاني/ يناير
الأربعاء 5: اعلان ترشيحات جمعية الكتاب الأميركيين
الأحد 15: حفلة الغولدن غلوب
الأربعاء 18: البافتا تعلن ترشيحاتها
الأحد 22 : جوائز جمعية المنتجين
الثلاثاء 24: إعلان ترشيحات الأوسكار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شباط/ فبراير
ما بين الأول والخامس: جوائز سيزار الفرنسية
الأحد  5 : جوائز جمعية الكتّاب الأميركيين
الثلاثاء  7 جوائز جمعية المؤثرات البصرية
الأحد 12: جوائز البافتا
السبت 19: جوائز جمعية الكتّاب
الجمعة 25: غولدن راسبيري للأسوأ
الأحد: 26: جوائز الأوسكار

مهرجان الدوحة يتوسع: 500 ضيف بينهم أطفال رضّع وصفعتان
مرزاق علواش يغادر مع رزمة دولارات والثورة تعالَج بطرف الأصابع

هوڤيك حبشيان
فيلم الإفتتاح: الذهب الأسود

لوحة لمارلون براندو تزيّن مدخل فندق "دبليو" الذي يؤوي بعضاً من ضيوف مهرجان الدوحة السينمائي، البالغ عددهم نحواً من خمسمئة. ما ان تقترب من صورة العملاق الأميركي، حتى يأتيك المسؤول عنها ليسألك اذا كنت تنوي شراءها. وعندما يفهم انك لا تملك في جيبك عشرة آلاف دولار ثمناً لاقتنائها، ينسحب بهدوء متسلحاً بابتسامة ساعي البريد الذي اخطأ في العنوان٠

الدوحة مدينة كتومة، باطنية. لن تعرف ماذا تريد منك ولن تقول لك لماذا انت في ضيافتها، حتى بعد أن تحتضنك لخمسة ايام متتالية. الآتي من أبو ظبي الواقعة على مسافة نحو ساعة بالطائرة، لن تبهره حتماً ناطحات السحاب التي ارتفعت في بلاد ليس في سمائها سحابة واحدة قطّ. هوس الأرقام القياسية والعالمية وجعل اسم قطر على كل لسان، يتحكمان بالعقول في هذه البقعة من أرض العرب. لكن، في المقابل، يكفي أن تكتب اسم باميلا اندرسون أو سواها من المشكوك في أمرهن في محرك البحث "غوغل" كي ترميك التكنولوجيا في صحراء قاحلة، فيخرج من الصندوق الذي أمامك من يقول لك: "هذا الموقع محجوب يا عزيزي، للعالمية حدود!"٠
ثاني أوكسيد الكربون مستواه عالٍ جداً في الدوحة. قلة الاوكسيجين الناتجة من هذا العلو تتسبب بشعور مزمن بالتعب. هذا الجوّ غير اللطيف تكاد لا تشعر به لأن المهرجان الذي تبلغ موازنته بضعة أضعاف ما تنفقه دبي على مهرجانها، يضع في تصرف الضيوف سيارات "بي أم دبليو" حديثة تقلهم من مكان الى مكان. الأمكنة كثيرة في هذه الدورة الثالثة (25 ــ 29  تشرين الأول): هناك المركز التجاري، "سيتي سنتر"، الذي هُمّش بعدما كانت تجري فيه معظم عروض الدورة الماضية. هناك خصوصاً مدينة كتارا التي تؤوي كل شيء، من مسرح الهواء الطلق الى قاعة الاوبرا الفخمة والصالات على شكل هنغار المصممة خصيصاً للحدث، فمراكز الصحافة ومساحات الاسترخاء، الخ. فجأة توسع المهرجان، وبات يهيمن على هذا الفضاء الرحب كله. في اليومين الاولين، صار من يدخل الى الـ"كتارا" يشعر بأنه مفقود ومن يخرج منها يحسّ نفسه مولوداً. هذه الضخامة كلها لأقل من خمسين فيلماً يمتد عرضها على أربعة أيام.
ادارة المهرجان قد تدرك جيداً مصالحها في توسيع الرقعة المخصصة للمهرجان، وقد لا تدرك. لكن هذا، يصبح شأناً ثانوياً عندما ترى، بالعين المجردة ومن دون اللجوء الى ارقام، الازدياد في عدد المشاهدين الذين يرتادون الصالات المظلمة. شيئاً فشيئاً تمتلئ المقاعد دائماً وفق منطق سائد في مهرجانات الخليج: الاقليات. فاذا كان الفيلم اندونيسياً، يكون الجمهور ذا غالبية اندونيسية، واذا كان هندياً يتجمع الهنود، وهكذا. الأفلام الأميركية توحد الجميع. أما الظاهرة الأكثر خطورة، فهي إدخال الاطفال الرضّع الى الصالات. المهرجانات العالمية ممنوعة على من هم تحت السنّ القانونية (18)، لكن في الدوحة أمهات حملن اطفالهن الى فيلم "الغارة" الاندونيسي، المعروض في الساعة الحادية عشرة ليلاً، أحد أكثر الافلام عنفاً ودماً وسادية، وكلما بكى طفلٌ، ركضت أمه الى خارج الصالة لتهدئته ثم العودة مجدداً...
الحضور يتفاقم وسمعة المهرجان تترسخ و"مؤسسة الدوحة للأفلام" راعية الحدث تطمح الى أن تصبح لاعبة أساسية لصناعة الفيلم في منطقة الخليج، لكن القائمين عليها يواصلون تبنيهم لأشخاص انتهى تاريخ صلاحيتهم: بريجيت لاكومب، مصورة المشاهير، تستمر في توزيع كتابيها الرديئين على الضيوف المعتمدين. لا تزال الصور التي التقطتها لمجموعة سينمائيين وسينمائيات تحتلّ جدران مدينة كتارا. مشروعها "أنا الفيلم"، وهو على ما يبدو قيد التنفيذ، عقيم ولا يجدي، لكن "عقدة الأجنبي" لا تزال أحد الأمراض التي لا شفاء منها في هذه المهرجانات.
أما جان جاك آنو، الذي افتتح الدورةَ الثالثة شريطُه "ذهب أسود" الممول جزئياً من "مؤسسة الدوحة للأفلام"، فقدم افلمة كاريكاتورية باهظة الثمن (يُحكى عن موازنة وصلت الى ستين مليون دولار) لرواية "العطش الأسود" لهانس روش. آنو، مخرج "اسم الوردة" و"الدبّ" و"حرب النار" وأفلام يعتملها الطموح، بات منذ فترة معينة صياد فرص سينمائية بعدما اندثر إلهامه، وها انه يرسو على شاطىء الخليج العربي، بحثاً عن التفاتة جديدة الى سينماه. لكن رياح الصحراء لا تجري فقط بعكس ما يشتهيه المرء، بل تلتهم أيضاً كل ما يعترض طريقها٠


بالرغم من انفتاح نسبي على مواضيع تؤرق السينمائيين أينما وجدوا، شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، لم يلامس المهرجان ما بات يعرف بالربيع العربي الا بطرف الاصابع وبحذر شديد، متناسياً أن مهرجان ترايبيكا النيويوركي الذي أسسه الثلاثي روبرت دو نيرو وجاين روزنتال وكريغ هاتكوف غداة 11 أيلول المشؤوم كان فعلاً سياسياً، ولا يكفي استنساخه وتجريده من روحيته. بيد أن زمن التغيير العربي كان حاضراً حتى بغيابه. كيف لا، وكل فيلم عربي بات مستشرفاً، بهذا المعنى أو بذاك، لما كان سيحدث بدءاً من 17 كانون الأول 2010، يوم أضرم البوعزيزي النار في جسده. فكلمة تغيير ترد على لسان قطريين مرات عدة، لكن النحو الذي يُطرح فيه الموضوع يجعلك تشعر بأن المعني بالتغيير هو الآخر، فقط الآخر، ولا يمكن القطري أن يكون معنياً به، لا الآن ولا غداً. هذا المشهد برمته يشبه اللقطة العبثية في فيلم "توق" للفلسطينية السورية لينا العبد، المعروض في المهرجان: امرأة خمسينية ثرية تتغنى بالحرية والديموقراطية أمام الكاميرا وتنسى انها علّقت على جدار مكتبها صورة لبشار الأسد!
كارمن لُبّس: كشفت الجوائز قبل الأوان
اشكاليات كثيرة تسود المهرجان، تبدأ مع النسخة العربية للكتالوغ الذي يبدو انه تمّت الاستعانة بـ"غوغل" لترجمة ملخصات الأفلام، وتنتهي عند العنصر الأجنبي الذي يأتي من خارج بيئة المكان. هذه الاشكالية ليست حكراً على مهرجان الدوحة، انما تطال مهرجانات الخليج كلها. لكن في الدوحة الاشكالية بارزة، مستعصية، معقدة. المتطوعون الذين يبلغ عددهم 1100 عنصر هم الاكثر قدرة على اعطاء هوية للمهرجان وتلوينه. هؤلاء الواجهة والجنود غير المجهولين الحرصاء على حسن سير عمليات الدخول الى الصالات والخروج منها؛ اسطول من الآسيويين الذين أتوا الى بلد نفطي بحثاً عن "حلمهم الأميركي"، لكنهم يرسمون ملامح المهرجان الخارجية أكثر مما يرسمها القائمون عليه في الطبقات العليا. معظم هؤلاء لم يتفق بعد على لفظ موحد لكلمة ترايبيكا. كما انهم يجهلون الشخصيات المعروفة على مستوى العالم العربي، ما يولد حوادث طريفة، آخرها عدم السماح للفنان الكويتي سعد الفرج والمجموعة التي ترافقه بحضور حفل الختام، على الرغم من انهم من الوفود الرسمية.
يشعر الصحافي أو الناقد الذي حضر بأنه حرّ يستطيع أن يكتب ما يشاء، وينتقد عيوب المهرجان بالنحو الذي يمليه عليه ضميره المهني. لكن، ما السرّ في أن معظم الأقلام تحسب مئة حساب قبل أن تدلو بدلوها؟ وما العيب الذي يمنع القارئ من أن يطلع على معظم ما تتناقله الالسنة في الجلسات الصباحية إلى مائدة الفطور؟ أهو خوف الصحافي من أن يُحذف من قائمة المدعويين؟ أمّ انه كسل فكري وعدم كفاءة في اقتناص الهنات؟ هنا لا بدّ من السؤال: كم عدد الذين ادانوا التصرف الأرعن لعمر الشريف الذي رفع يده (صفعة؟) على صحافية زميلة أرادت أن تتصور معه، في لحظة موثقة لفّت دورة كاملة حول الكرة الارضية بفضل الانترنت؟ كم من هؤلاء فكر في توجيه اللوم الى مهرجان لم يحتجّ على حماقة فنان في التاسعة والسبعين من العمر؟  تحت سموات أخرى، كانت الردود لتكون أقل تسامحاً في حقّ ممثل لا تزال الصحافة الصفراء مصرة على نعته بـ"العالمي". لنتذكر قليلاً ما القصاص الذي لقيه لارس فون ترير في كانّ، حين نطق بما اعتبرته ادارة المهرجان اهانة لضحايا المحارق النازية. هنا الفرق الأساسي بين مهرجان "عالمي" يتحلى بشخصية كاملة متكاملة وآخر "محلي" يتوسل بـ"العالمية".

مرة أخرى بعد مهرجان أبو ظبي، مخرج سوري، محمد ملص، يترأس لجنة التحكيم. كل واحد حرّ ليفسر على هواه الاهتمام المفاجئ بالسوريين في المهرجانين، هذا اذا لم تكن المسألة مجرد مصادفة! هناك سبعة افلام روائية وسبعة افلام وثائقية في المسابقتين المخصصتين للسينما العربية، ولكل واحدة منهما لجنة خاصة. ما يصعب استيعابه، في هذا المجال، أن لجنة تحكيم الافلام الروائية مؤلفة من خمسة أشخاص، أما الاعضاء المحكمون للأفلام الوثائقية فهم ثلاثة. هل يحتاج الروائي الى ما لا يحتاجه الوثائقي؟ 
في اليوم الأخير، سرّبت كارمن لبس، العضو في لجنة تحكيم الروائي، النتائج، ما اثار حفيظة المخرج المصري خالد الحجر، فسحب فيلمه "الشوق" (ذهبية مهرجان القاهرة 2010) من المهرجان، بعدما علم انه ليس من الفائزين. هل كان تصرف على هذا النحو لو ان التسريب أعلن فوزه؟ حادثة اخرى جعلت كثيرين يستغربون: التبديل المفاجئ لموعد حفل توزيع الجوائز من السابعة مساء الى الثانية عشرة والنصف ظهراً، من دون ابلاغ الصحافة، التي لم يتسن لها حضوره.
لم تكن لجنة تحكيم الأفلام الروائية راضية تماماً عن الافلام الفائزة، لكن هذا ما تيسر وتوافر. كانت اللجنة وجدت نفسها أمام خيارين: إما حجب الجائزة وإما منحها لأقل الأفلام سوءاً. فالأفلام السبعة لم تحلق عالياً. هذا ما استطاعت المسؤولة عن برمجة الأفلام العربية هانية مروة اقتناصه من السوق، بعدما وضع مهرجان أبو ظبي يده على أفضل الانتاجات الصادرة في الأشهر الماضية. من يطلع ولو قليلاً على الصراع الخفي الحاصل حالياً على الافلام العربية في أروقة المهرجانات الثلاثة (أبو ظبي، الدوحة، دبيّ)، يدرك أن المسألة آيلة الى تصعيد لعله ينعكس ايجاباً على السينما العربية٠

الثورة التي طال انتظارها في بلاده الجزائر كان "وجهها" خيراً على مرزاق علواش. فهو غادر مهرجان الدوحة وفي جيبه مئة ألف دولار، ثمن الجائزة التي نالها (أفضل فيلم عربي) عن "نورمال" المستوحى من اجواء خلع الديكتاتوريات الرسمية في كل من مصر وتونس٠
ثمة فيلم آخر أثار ترشيحه لأوسكار افضل فيلم أجنبي من جانب المغرب ضجيجاً، لكونه ليس فيلماً مغربياً بل فرنسي، أسندت اليه جائزة أفضل مخرج. انه "عمر قتلني" لرشدي زمّ، عن قضية عمر الرداد، البستاني المغربي المهاجر الى فرنسا الذي اتهم في أواسط التسعينات بأنه قتل السيدة التي يعمل عندها، قبل أن تقع القضية في يد وسائل الاعلام فتروح تتضخم. فيلم ذي خلاصات تقليدية لكن فاعلة ومؤثرة، خصوصاً في الجانب المتعلق بأداء سامي بوعجيلة الذي استحق عنه جائزة أفضل ممثل.
في الوثائقي، ذهبت الجائزة الكبرى (مئة ألف دولار أخرى) لنمير عبد المسيح عن فيلمه "العذراء، الاقباط وأنا" الذي صور رحلة مخرجه الفرنسي المصري الى بلاد والدته المؤمنة بالمعجزات. دائماً في قسم الوثائقي، حازت المخرجة اللبنانية رانيا اسطفان جائزة أفضل مخرجة وثائقية، عن "اختفاءات سعاد حسني الثلاثة"، في حين بقيت رائعة المخرجة اللبنانية ليلى حطيط سالاس، "أقلام من عسقلان" عن النضال السلمي للفنان التشكيلي الفلسطيني زهدي العدوي في سجن اسرائيلي، بعيدة من أذواق اعضاء لجنة تحكيم الوثائقي بقيادة نيك برومفيلد. الصفعة الأنقى في المهرجان لم توجعهم. لكن لنطمئن: حياة الأفلام تبدأ بعد المهرجانات...٠


ما هي القيمة الحقيقية للجوائز التي تمنحها المؤسسات والمهرجانات؟

 محمد رُضا 
The Tree of Life

في شهر  تموز/ يوليو الماضي بعث المخرج رضا الباهي بفيلمه الجديد «ديما براندو»  إلى مدير مهرجان فنيسيا ماركو مولر مع ملاحظة: "المسابقة او لا". شاهد مدير أعرق مهرجانات العالم الفيلم ورد: "لا". وفي مكالمة أجراها زميل لمدير المهرجان قال له مولر: "لا أعتقد أنه يصلح للمسابقة".
الإختيار السريع الثاني للمخرج التونسي كان مهرجان تورنتو حيث تم عرضه متلقّفاً آراء نقدية  كثيرها معتدل وما فوق. والإختيار الثالث مهرجان أبوظبي مشاركاً في مسابقة الفيلم الروائي. وبينما يخلو تورنتو من مسابقة ولجنة تحكيم (جائزته الوحيدة هي جائزة الجمهور التي تتم عبر التصويت والتي نالها «وهلأ لوين» للبنانية  نادين لبكي) فإن فوز الفيلم التونسي في مهرجان أبوظبي كان أمراً بالغ الضرورة لأسباب مختلفة أحد أهمها سبب مالي. فببساطة حظّ الفيلم في استرداد تكاليفه (التي ربما تجاوزت المليون دولار عبر سنوات من الإستعداد والتغييرات التي أصابته خلالها) من السوقين التونسي والعالمي محدود، أما السوق العربي فجثّة هامدة ما يجعل الجائزة المالية خير تعويض لتدخل صلب المصلحة الإنتاجية. أحد أهم الأسباب التي من أجلها  يتم إنجاز الأفلام العربية هذه الأيام.
هذه المكافأة، سواء نالها هذا الفيلم او ذهبت لسواه، ليست حكراً على مهرجان أبوظبي، فهناك مهرجانان كبيران آخران بمكافآت سخية هما دبي وقطر. لكن فعل هذه المكافآت المجتمعة في صناعة الفيلم العربي لم يعد بالإمكان تجاوزه. لقد صار تقليدياً الآن أن يقوم المخرج العربي الجاد او الذي يتمتّع بموهبة تحظى بالإهتمام بتحقيق فيلمه وعينه على أحد هذه المهرجانات العربية منذ البداية مرتبطاً بآلية تنفيذ وعمل تشمل التقدّم إلى أحد هذه صناديق الدعم المرتبطة بالمهرجانات المذكورة لبلورة عمله ولكي يستطيع أن يجد الدعم الذي يحتاجه لإنجاز الفيلم. بالتالي، يصير متوقّعاً أن يتم اختيار فيلمه للمهرجان الذي أنشأ صندوق الدعم ذاك او عمل معه.
على صعيد مواز، فإن الجائزة الأولى بحد ذاتها ليست ذات اعتبار يتجاوز هذا الوضع.
للإيضاح، تتبلور أهمية الجوائز على عناصر مجتمعة ليست متوفّرة الا في بعض المهرجانات العربية وإذا ما توفّرت فبتفاوت.
في المقدّمة هي تاريخ المهرجان العريق وشهرته ما يشجع المنتج/ المخرج على التقدّم إليه.
جائزة مهرجان "كان" قد تساعد الفيلم على توسيع رقعته الجماهيرية، كما الحال حين فاز الفيلم الفرنسي «النبي» لجاك أوديار سنة 2009 فارتفعت رقعة توزيعه داخل فرنسا وخارجها وتم ترشيحه للأوسكار. في العام الحالي، نال فيلم ترنس مالك «شجرة الحياة» ذهبية المهرجان الفرنسي ما رفع سقف المعرفة الجماهيرية به وساعده في تحقيق نجاح عال لفيلم خاص جدّاً (أنجز نحو 32 مليون دولار عالمياً).
في فنيسيا، العام الماضي، مشى فيلم «بجعة سوداء» المسافة بين المهرجان الإيطالي في أيلول/ سبتمبر إلى حفل الأوسكار في شباط/ فبراير براحة شديدة. الجائزة التي نالها في فنيسيا ساعدته على الرواج ولفت النظر إليه والتقاط بعض الأوسكارات والغولدن غلوبس.
لكن الأوسكار يبقى سيّد الجوائز ليس فقط على صعيد رفع مستوى الإلمام لدى قطاعات مختلفة، بل أساساً في ديمومته. إلى الآن، وفي كل عام، نجد مقالات حول الأفلام والشخصيات السينمائية التي فازت بهذه الجائزة من الثلاثينات وما بعدها إلى اليوم. والإقبال على مشاهدة حفلتها التلفزيونية لا يزال تقليداً عالمياً يقدم عليه عشرات ملايين المشاهدين حول العالم.
على عكس كل ذلك، فإن الجوائز العربية لا قيمة فعلية كبيرة لها على هذا الصعيد تحديداً. لا توجد جائزة عربية تقود الفيلم إلى نجاح جماهيري. لأنه حتى يتم ذلك الفيلم بحاجة إلى  جمهور موحّد ومحدد للفيلم العربي وهذا الجمهور غير موجود. بالتالي لا تأثير للجائزة لا في الأسواق المحلية ولا في الأسواق العربية ولا في الأسواق العالمية طبعاً.
وتبعاً لذلك، فإن حصول فيلم ما على جوائز عربية أمر لا يعني من سيصل الفيلم إليه الا إذا ما كان العرض مهرجان آخر.
أساس المشكلة هي أنه لا توجد أسواق ستعكس قيمة نجاح الفيلم الواحد. بصرف النظر عن الفيلم وجائزته والمهرجان الذي منحه إياها، ستبقى الجائزة قيمة تاريخية وشخصية يتداولها الإعلام العربي. لكنها ليست طريقاً لكسب جمهور، ولا هي متّصلة برغبة المنتجين، عرب او أجانب، العمل مع المخرج الفائز تبعاً لموهبته او نجاحه.
الفيلم الفائز قد يمكّن مخرجه من البقاء في سدّة منافسة المهرجانات العربية عليه، لكن الفاصل كبير بين ذلك وبين أن ينقله النجاح إلى نجاحات أخرى، كما يحدث في الغرب.
لكن ليس كل الغرب. إنها خمسة مهرجانات فقط حول العالم تعني جوائزها الكثير لحامليها وهي بالتدريج:  كان، فنيسيا، برلين، سندانس وتورنتو. أما بين المناسبات فهناك على التوالي الأوسكار والغولدن غلوبس ومنافسة على المركز الثالث بين جائزتي البافتا البريطانية وجائزة الفيلم الأوروبي.
طبعاً الصورة تبدو أفضل من هذا التصنيف او الوصف، وذلك حين يرفع الفائز بجائزته أمام الكاميرات والمصوّرين، لكن الواقع هو أنه فوز شخصي جيّد وضروري، لكنه قلّما ينعكس، في معظم مهرجانات العالم، إيجاباً على مستقبل ذلك الفائز.


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2007- 2011

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular