Nov 4, 2011

الفرسان الثلاثة الجدد | فيلم "الجبل" لغسّان سلهب | سينما أندريه تاركوفسكي: الحلقة الرابعة

Year 5 | Issue: 678                                                             عدد السبت: أفلام ومخرجون                          


محمد رُضا: الإعتداء على ألكسندر دوما٠
نديم جرجورة عن «الجبل»  لغسّان سلهب
الحلقة الرابعة من سينما أندريه تاركوفسكي | محمد رُضــا


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفرسان    الثلاثة    الجدد:    الإعتداء   على   ألكسندر دوما !٠ 

محمد رُضا
  كتب ألكسندر دوما رواية «الفرسان الثلاثة» ونشرها سنة 1844 (بعد ثلاثة عشر سنة أو نحوها على امتهانه الكتابة والتأليف) وتوخى فيها متابعة حياة ومغامرات شاب أسمه دارتنيان ترك الريف الفرنسي وأم باريس للإلتحاق بالفرسان الثلاثة الذين كانوا قد اشتهروا بأنهم «قنّاصّة الحرس». في الواقع كلمة
Musketeers
لا تعني، حسب المنتشر، فرسان، بل مستخدمو البنادق القديمة (والحكاية تقع في القرن السابع عشر) ما يجعل ذلك الإستنباط العربي مغايراً للمعنى على نحو كامل٠
ومنذ البداية  صيغت كمسلسل. فهي نشرت كذلك في صحيفة كان أسمها «الدائرة» كمغامرات لشخصية دارتنيان وليس للشخصيات الأربعة معاً. وكان هذا المنوال معتمداً من الكاتب (ذي الأصل الأفريقي) فلديه مراحل كتابية منها ما هو منتم إلى رومانسيات فترة الملكة ماري أنطوانيت ومنه ما هو أوبرات وُضعت لتصاحب مؤلّفات موسيقية، وأخرى تدور في رحى الملك لويس الرابع عشر وهكذا.
حالياً ينبري الفيلم الجديد »الفرسان الثلاثة» لتقديم الحكاية بمزيج من الخط الأصلي وتطويره إلى ما لم يأتِ الكاتب الكبير على ذكره بغية الوصول إلى أذواق مختلفة. وهو على نحو كبير، أسوأ اقتباس عمدت إليه السينما في أي مكان. فيلم مصنوع على أساس تغييب الدراما والشخصيات كما رُسمت ودفع الحكاية بإتجاه مياه أفلام حديثة تم تدمير شخصياتها الكلاسيكية مثل «شرلوك هولمز» الذي شوهد في مثل هذه الأيام من العام الماضي. أيضاً، هناك الحس بأن ما نشاهده على الشاشة بصرياً يبدو جزءاً خرج من الآلة التي صنعت بعض أسوأ أفلام المغامرات الحديثة ألا وهي سلسلة «قراصنة الكاريبي«. المزج بين هذه الأفلام ليس في مصلحة الفن ولا في مصلحة الأدب ولا الثقافة ويكاد المرء أن يُضيف، ليس في مصلحة هوليوود مطلقا
إنه من إخراج بول و.أس. أندرسون، وحفظ إسمه ضروري لتجنّب أعماله في المستقبل، وبطولته لمجموعة من المتحمّسين بينهم ماثيو مكفايدن، راي ستيفنسن، ميلا جوفوفيتش، أورلاندو بلوم، كريستوفر وولتز ولوغن لرمان. والأخير كان في الثامنة من عمره حين لعب دوره الأول على الشاشة كإبن مل غيبسون في «الوطني» (2000)٠
الخط بين الإقتباس مع حريّة التغيير تبعاً لأي ظرف، وبين هذا المنوال من الإستبدال الجذري لروح الرواية عريض ومليء بالثقوب. إنه أقرب إلى إعتداء منه إلى استلهام او اقتباس وفيه ينضم دارتنيان (لرمان) إلى "الفرسان" الثلاثة كما هو معهود والتشكيلة تدخل من موقعة لتخرج من موقعة سابقة مع قصّة حب بين دارتنيان وميلادي (جوفوفيتش، زوجة المخرج) خالية من العاطفة. في الحقيقة، وعلى الرغم من تكرار العبارة الشهيرة «واحد للكل والكل لواحد» فإن كل ممثل هنا يلعب لنفسه. لا كيمياء ولا فيزياء ولا حتى زمالة حقيقية. الكلمات تخرج بلكناتها المختلفة وعلى نحو مفجع كون الكاتبين (أليكس ليتفاك وأندرو ديفيز وهذا ليس أندرو ديفيز مخرج أفلام أكشن أفضل) فكّرا في شخصيات وحارات هارلم وبروكلين أكثر مما فكّرا في شخصيات فرنسية او بريطانية. الهم هنا هو إبهار المشاهدين بالمؤثرات والأبعاد الثلاثة ويكاد المرء أن يقول أن كل من التقط نظارة ثلاثية الأبعاد عند مدخل السينما رضي بأن يترك عقله عند الباب كبديل٠

نُسخ سابقة

كلهم «فرسان» لكن المهم نسخة أي مخرج كانت الأفضل. من بين 26 نسخة سينمائية (وهناك سبع نسخ تلفزيونية) أخترت الخمسة التي شاهدت

The Three Musketeers | Fred Niblo  (1921) ***
 نسخة صامتة من بطولة دوغلاس فاربانكس في دور دارتنيان، وليون باري وجورج سيعمان ويوجين باليت في أدوار أثوس وبورثوس وأراميس. لا بأس بها كمتعة في إطار المغامرات الصامتة٠
The Three Musketeers | Allan Dwan (1939) **
تنفيذ تقني جدير بالمخرج ألان دوان الأكثر شبهاً بنيازي مصطفى (رحمه الله) من حيث كثرة الأفلام وخفّة حركتها. البطولة هنا لدون أميش ولثلاثة أشقاء تم تقديمهم بإسم "الأخوة ريتز«٠
The Three Musketeers | George Sidney (1948) **
النسخة التي شوهدت أكثر من سواها من بين أفلام الخمسين سنة الأولى من السينما. انتاج بذخ مع اعتناء مترو غولدوين ماير المعروف بالديكور والتصاميم. لكن هذا أفضل ما لدى المخرج جورج سيدني توفيره رغم وجود جين كيلي ولانا تيرنر. المواقف سهلة وهوليوودية النمط كثيراً٠
The Three Musketeers | André Hunebelle  (1953) ***
إخراج جيّد لواحد من مواطني الكاتب في هذا الإنتاج الفرنسي/ الإيطالي مع جورج مارشال وبورفيل في بعض الأدوار الأولى. كان يجب إسناد بطولة نسخة جورج سيدني إليه٠
The Three Musketeers |  ٍRichard Lester (1973) ****
أفضل إقتباس شوهد لليوم أنجزه البريطاني الجيّد  (والمختفي بعدما عمل لاحقاً في ستديو  تويكنغهام  الذي امتلكه الراحل مصطفى العقّاد) رتشارد لستر مع مزيج من المرح والخفّة والجدارة من جميع أبطال الفيلم:  مايكل يورك (دارتنيان)، أوليفر ريد (أثوس)، رتشارد شمبرلين (أراميس) وفرانك فينلاي (بورتوس)٠


فيلم غسّان سلهب الجديد | نديم جرجوره
الجبل: داخل الذات وخارجها

المخرج غسّان سلهب

"على صعيد القصّة، هو فيلم سهل ومتقشّف، لا تركيب فيه. الفكرة كذلك خالية من أية فذلكة. لذلك، أميل إلى وصفه بالإحساس أكثر منه فكرة". حدّد غسان سلهب علاقته بفيلمه الروائي الطويل الرابع "الجبل" بهذا. رسم صورة عامّة أقرب إلى تعارف أوّل بين الفيلم ومُشاهديه. لكنه، بهذا، ترك مجالاً واسعاً لاجتهادات. لأقوال وانفعالات وتأمّلات. قال إن "الجبل" مختلف عن أفلامه السابقة. الاختلاف واضحٌ في الكتابة والبناء. واضحٌ في الجغرافيا والشخصية. واضحٌ في الالتباس الأعمق للحدّ الفاصل بين حياة وموت أيضاً. حدّد غسان سلهب علاقته بـ"الجبل" هكذا. قال إن الذاتيّ لاعبٌ أساسي في إنتاج نصّ متفلّت من الذاتيّ في الوقت نفسه. هو لم يقل هذا مباشرة. الإسقاط شخصيّ. العلاقة الذاتية بفيلم ذاتيّ لمخرج متوغّل في دواخل ذاته وأعماقها وارتباطاتها، انعكاس مبطّن لعلاقة أخرى ذاهبة بصاحبها إلى ذاته. أو ساعية بصاحبها لذاته٠

فيلم "الجبل" نتاج رغبة ذاتية في العزلة. في اختبار العزلة ومتاهاتها. أفلامه الثلاثة السابقة مليئة بمناخات العزلة والتمزّق الداخلي. بالبحث عن هذا الحدّ القاتل والواهي بين حياة وموت. بالتباس الحكاية والواقع. غير أن "الجبل" متفرّد، قليلاً: في الشكل، اختيار الأسود والأبيض تمرينٌ على اكتشاف جديد لمعنى السينما الأصيلة. اختيار شخصية واحدة/ ممثل واحد محوراً للحبكة والفضاء المفتوح على أسئلة لا تنتهي، تمرينٌ على تحطيم الجدران المرتفعة وسط المدينة وداخل الاشتغال السينمائي. تمرين على جعل الكاميرا أقرب إلى عيون مفتوحة على قسوة الأسئلة المعلّقة، والأشكال البصرية المتاحة. في المضمون، تفلّت أقصى من ضجيج المدينة، في مقابل تمسّك أقوى بسكينة الطبيعة المشتبه بها بأنها مصدر ضجيج من نوع آخر. أو بأنها دافع إلى انفجار الضجيج الداخلي. الانتقال من المدينة إلى الجبل خطوة واختبار جديدين. تقليص الشخصيات إلى واحدة فقط تمرين على اجتهاد العقل والمخيّلة في إعادة صنع الحكاية والصُوَر. تحرير النصّ السينمائي وترجمته البصرية من زحمة الناس واشتباك التناقضات الخارجية بالداخلية وسط أزقّة المدينة وفضائها المفتوح على الخيبة والموت والقهر، مرادفٌ لإملاء النص وترجمته بإفرازات الجبل المنقضّة على الذات الفردية، تفكيكاً وتماهياً بها صوب المجهول.
ليست الأرض وحدها "مجهولة" (الفيلم الروائي الطويل الثاني لغسان سلهب حمل عنوان "أرض مجهولة"، 2002). الذات أيضاً. في أفلامه الروائية الطويلة الثلاثة السابقة، مسار واحد لانكسار واحد. الشبح العائد من موته في "أشباح بيروت" (1998)، لا يختلف عن التائهين (كل تائه وحيد في توهانه) الآخرين وسط نيران الخراب والألم المعتملة في ذوات المقيمين على الحافة الأخيرة للفوضى، في "أرض مجهولة". التوهان بين الذات وانفعالاتها المحطّمة والشوارع المعتمة في ظلال مدينة ونفس وجسد، في "أطلال" (2006)، شكّل امتداداً طبيعياً لتوهان حاصل في زوايا العقل والروح داخل الفنان الذاهب إلى عزلته الجبلية لنقاء مفقود، أو لسكينة مُجهَضَة، في "الجبل" (2010). في أحد حواراته الصحافية الأخيرة، ركّز سلهب مراراً على مسألة الانفصال، أو الانقطاع. على اختلاط التجربة الشخصية البحتة بالاشتغال السينمائي. على الذهاب بالذاتيّ إلى النصّ والعام معاً. في "الجبل"، مفردات الانفصال والانقطاع والاختبار الذاتي والاختلاط الحاصل بينها كلّها حاضرة بفعالية: كأن الفنان/ الشخصية الوحيدة في النصّ (فادي أبي سمرا) امتدادٌ للمخرج في تطويع الاختبار الذاتي وفتح منافذه على احتمالات شتّى. أي على جعل المسار الدراميّ معطوفاً على التناغم الشخصي بين الممثل والمخرج، وصولاً إلى تناغم ذاتيّ من نوع آخر: بين الفنان/ الشخصية الوحيدة في الفيلم والمخرج نفسه، المطلّ في المشهد الأخير (من دون البوح بالطريقة والشكل اللذين أطلاّ بهما)٠

الشبح (عوني قوّاص) العائد من موته في "أشباح بيروت"، منقضّاً على المدينة والرفاق والناس تفكيكاً وتخريباً، بدا لي مُقدّمة للفنان الأشبه بشبح، الذاهب إلى حتفه في "الجبل". التوهان القائم داخل ذوات أناس (كارول عبّود وربيع مروّة وكارلوس شاهين وغيرهم) غير محصّنين ضد الخيبة والوحدة والانكفاء في "أرض مجهولة"، بدا لي شبيهاً بالفنان المقيم في خيبته ووحدته وانكفائه داخل غرفة معزولة، في جبل معزول. خليل (كارلوس شاهين)، الطبيب المتحوّل إلى مصّاص دماء في مدينة أشباح وليل وصمت مدوّ كضجيج لا يرحم، مرآة شفّافة للفنان المتآكل داخلياً، والمنقضّ على نفسه تشريحاً وتفكيكاً وفتكاً. بهذا كلّه، يُصبح السياق واحداً: المسار الذاتيّ مرتبط بمسار حيّز مكانيّ وفضاء زمنيّ. مرتبط بتبدّلات قاهرة. مرتبط بسلوك مخضّب بعنف ساحق وغليان مؤذ.
استخدام الأسود والأبيض في تصوير "الجبل" ثنائي التوجّه، غالباً: تمرين بصري جمالي على استخدام الكاميرا والألوان المنسّقة مع تحوّلات الذات والروح. إمعان في تأديب العين والعقل والانفعال على مواكبة الإيقاع البطيء المنسجم وغليان الداخل في ذات الفنان. المتناسق وقسوة العلاقة القائمة بين جدران الغرفة وجسد الفنان وعتمة اللحظات، وانفتاح الخاتمة على تلوين أحمر، كذاك الحاصل في رائعة ستيفن سبيلبيرغ "لائحة شيندلر" مثلاً. الإحساس، الذي جعله غسان سلهب "عنواناً" عريضاً لعلاقة ما بالفيلم، أقدر التعابير على جعل النصّ المروي بصرياً شكلاً من أشكال الانصياع إلى معنى التواصل مع الصورة وأبعادها. مع الصورة ومروياتها. مع الصورة وتشنّجاتها الجمالية في صعق المُشَاهِد، ودفعه إلى التماس ماهية النصّ وإفرازاته الحكائية والدرامية. الإحساس أسلم طريق إلى المعرفة البصرية بمكوّنات "الجبل". بل بمكوّنات السينما.
في مطلع الصفحة الأولى للموقع الإلكتروني الخاصّ بغسان سلهب، وُضعت الجملة التالية: "قيل كل شيء، أو تقريباً كل شيء، عن المغامرة الإنسانية الغريبة هذه. يبقى أن نعيشها مجدّداً". غالب الظنّ أن "الجبل" دعوة مفتوحة لاختبار معنى جعل الإحساس أسلوباً آخر لعيش مغامرة إنسانية غريبة مجدّداً٠


سينما وسينمائيون | ذلك المحيط الشاسع.... أندريه تاركوڤسكي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحلقة الرابعة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رموز في المسافة والزمن

تقطع المسافة بين البيت ومكان العمل في فترة زمنية محسوبة. لنقل، ايجازاً لكل الحسابات والإستثناءات والإحتمالات، أنها عشر دقائق بداية من باب المنزل ووصولاً إلى باب المكتب. الدقائق العشر هذه تبدو روتينية، لكن كل يوم هو مختلف عن اليوم السابق، حتى بالنسبة إليك. ربما الصحيفة التي اعتدت أن تشتريها من عند البائع القريب لم تصل. ربما لاحظت كيساً من الزبالة ممزّق ومهمل لم يكن موجوداً بالأمس. او حقيبة متروكة او عصفوراً حط اليوم على غصن قريب ثم طار بعدما لاحظته. غداً لن يفعل ذلك. المارّة مختلفون دائماً. السيارات. دورة الأرض تختلف بضعة ثواني في كل يوم فتؤثر في حركة الشمس. اليوم قد يكون أدفأ من البارحة او أبرد. ربما لديك اليوم صداع خفيف، او بالك مشغول، او خطواتك أسرع قليلاً بسبب موعد مبكر.  في السينما لديك خيارات والمنتشر أيضاً هو خروج من البيت، وصول إلى الشارع، وصول إلى المكتب. او إلغاء المسافة كلها والبدء بالمكتب.
عند تاركوفسكي الفترة التي تقضيها من وإلى هي فترة محتفى بها بزمانها الحالي. الإختلاف تقني من ناحية، فالمخرج الآخر سوف يعمد إلى المونتاج على أساس أنه لا لزوم لـ "حكاية طريق"، لكن تاركوفسكي يذكّرنا أن حكاية الطريق هذه قد لا تقل أهمية عن الحكاية الأخرى، عما كنت تفعله في البيت وما ستفعله في المكتب. بل هي مهمّة والا لما كانت في فيلمه. لذلك لا مونتاج يقص التركيبة الزمنية الطبيعية. الصحافية في فيلمه «مرآة» تركض في أروقة المبنى الذي تعمل فيه حين اكتشفت أن خبراً ما لا يجب أن يُنشر. كان يمكن له أن يصوّر بداية الركض، ثم نهايته مع مشهد في المنتصف. لكن المخرج اختار مصاحبتها وملاحقتها. اختار رصدها. لماذا؟
أبطال فيلم «ستوكر» («المقتنفي») الثلاثة يركبون تلك العربة الحديدية التي تنطلق من الحدود المحروسة التي تسللوا منها إلى المنطقة المحرّمة. تنطلق العربة على سكّة الحديد ويجلس الثلاثة (المقتفي او المرشد، المثقّف والعالم) كل ينظر صوب ناحية مختلفة ولا أحد يتكلّم. دقيقة. دقيقتان. ثلاثة. الكاميرا لا زالت ترصد هؤلاء من موقع ثابت. لماذا؟
الجواب على "لماذا" المشهد الأول يختلف عن الجواب بالنسبة للمشهد الثاني لكنهما يلتقيان في مسألتين أساسيّتين: المخرج وفن "النحت في الزمن" وهو عنوان كتابه الرائع عن سينماه، استغلاله الفاصل بين نقطة الإنطلاق ونقطة الوصول للوثبة التالية٠
أما الإختلاف فهو في نطاق آخر٠
حين تهرع الصحافية بناءاً على مكالمة تلقتها من مكتبها في أحد الطوابق إلى الطابق السفلي حيث المطبعة تكون استجابت لدواعي غير مفصح عنها. ندرك حين وصولها أن هناك خبراً او جزءاً من مقال ليس من المفترض له أن يُنشر وأنها، بصفتها الوظيفية، عليها الحضور للإشراف على حذفه. الآن، وقد تبيّن الأمر نبدأ فهم فحوى الدقائق التي صرفها المخرج على بطلته تركض في الأروقة: إنها تركض تحسّباً للمسؤولية. الحوار لا يقول، لكن المشاهد سيفهم أن الخبر له عواقب وخيمة وهي ستعاقب إذا ما سمحت به: إذاً ركضها ذاك لم يكن فقط تتويجاً لحب المخرج للقطات الطويلة ولقضاء فترة زمنية قريبة من الفترة الطبيعية للمشوار، بل أيضاً لشحن الموقف الذي يبدو بسيطاً من الخارج. اللهفة للوصول سريعاً في حد ذاته رسالة سياسية نقدية لجو الحد من التعبير الذي يفرض روتين عمل غير سعيد٠

لكن في «ستوكر» السبب مختلف. كان الثلاثة نجوا من ملاحقة حرس المنطقة. وخاضوا في ذلك مخاطرة محسوبة. إلى ذلك الحين، صوّر المخرج الفيلم بالأبيض والأسود. حين يركبون العربة وتنطلق بهم وثلاثتهم فوقها. يتوقّف الزمن عملياً. هناك رحلة يجب أن يتم اجتيازها ولا يمكن لها أن تكون التعبير عنها إلا من خلال مفردات. أولاً: الأبيض والأسود أصبح ألواناً. ثانياً: الرحلة لابد أن تُصوّر بزمنها الطبيعي قدر الإمكان. لو استغرقت ربع ساعة، فسبع دقائق منها كافية للتعبير عنها. و"اللابد" هذه مرتبطة بما ينتج عنها: ظاهرياً لا شيء. داخلياً كل شيء. وإذ تصل العربة إلى داخل المنطقة ندرك أن هذه الدواخل باتت مستعدة في نفوس أصحابها لمفاجآت الرحلة وتبعاتها. على عكس معظم المخرجين، الحركة لا تؤلّف الحركة عند تاركوفسكي: الإيقاع هو الذي يؤلّفها ويمنحها معناها٠


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2007- 2011


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular