Oct 25, 2011

Year 5| Issue 676| الناقد وفلسفة الفيلم: المشاهد | الأوسكار والعرب | السينما البريطانية والثورة الإجتماعية | أندريه تاركوفسكي- الحلقة الثالثة


الناقد وفلسفة الفيلم

أولويات الفيلم| المشاهد
في هذه السلسلة الجديدة من «الناقد وفلسفة الفيلم» سوف استعرض بإسهاب أكثر جوانب تحيط بالفيلم كنتيجة وبكيفية قراءة الفيلم جيّداً. هذه الدراسة المكمّلة لمقالات نشرت هنا منذ أشهر وأعوام، تهدف، فيما تهدفه، لإنشاء نقاد سينما جيّدين، سواء أكتبوا مقالات نقدية او اختاروا أن يكونوا نقاداً  يستطيعون التعبير بلغة سينمائية جيّدة وغير غوغائية

يتكوّن الفيلم، من حيث علاقته مع ولادته ونتيجته من هذه المراحل

  • فكرة
  • إنتاج
  • تنفيذ
  • توزيع
  • نقاد + جمهور

ومن حيث أدواته

فكرة (سيناريو)٠
رؤية (مخرج)٠
كاميرا (تصوير)٠
توليف (صياغة)٠
تمويل (إنتاج)٠
عرض (صالات)٠

    أما من حيث أسسه البشرية المختلفة فهناك

    • الصانعون
    • المشاهدون
    • النقاد

    الصانعون، في هذه الخلاصة، يضعون العمل أمام الجمهور الذي يتمدد عادة حسب نوع الفيلم المُشاهد. هو محدد الحجم، على نحو طبيعي، إذا كان الفيلم لم يقصد التعددية بل لقاء جمهور مُعيّن، او هو واسع الأرضية إذا ما كانت الغاية في الأصل التوجّه إلى الجمهور العام. ولا يعني ذلك أن كل فيلم ذي توجّه خاص يفشل وكل فيلم مصنوع لتلبية الجمهور الواسع ناجح. في الحقيقة، ورغم أن ثمانية من كل عشرة أفلام تحقق على مدى سنوات ما يتجاوز به كلفته، هناك ثلاثة من كل عشرة تنجز نجاحات تجارية مضاعفة لكلفتها- وذلك في نهاية كل عام٠
    إذاً المشاهد هو مرآة الصانع. كلاهما على خط واحد. الناقد هو في منتصف هذا الخط. لقد افتتح لنفسه محطة يمر بها الفيلم فيكتب عنه قبل او خلال (وفي صحفنا بعد شهور وسنوات أحياناً) عرضه. وظيفته، إذا ما كانت هذه وظيفة، هي تقديم الفيلم مسبراً أغوار صنعته، هذه التي تتضمن العناصر التالية ومجملها

    الرؤية الفنية
    أسلوب المعالجة
    التكنيك
    قراءة المخرج لموضوعه وتتابعاته
    المضمون
    الأفكار المختلفة التي تنطلق منه
      نوع العمل على أكثر من صعيد (ذاتي في مقابل تنفيذي/ نوعه الأدبي/ نوعه الفني/ مدرسته التعبيرية الخ..)٠
        البعض منا يقسم ما سبق إلى: الشكل والمضمون. لكن العناصر المذكورة تتجاوز الشكل وتتجاوز المضمون، ولنا معها لقاء لاحق٠
      إذ يصل الفيلم إلى عيني الناقد ثم إلى نفسه وخلفيّته ونشأته ومبادئه ووجدانياته، وتربيته وميوله وشخصيّته، عليه أن يعيد تصدير الفيلم إلى المشاهدين. هذا العمل، في محض كيانه، تطوّعي بمعنى أن صانعي هذا المنتوج لم يخلقوا لجانب المخرج والكاتب والمصوّر والمونتير والمنتج وعامل الديكور والطاهي والطابع ومصحح الألوان وعشرات سواهم، وظيفة ما للناقد. صحيح أن هناك عدد كبير من الأفلام ستتوجّه إليه، لكنه ليس في صلب العملية الإبداعية والإنتاجية على الإطلاق٠ على الرغم من ذلك هو محسوب كحالة مستقلّة (ونتحدّث عن الناقد الحقيقي وليس ذي العلاقات) يُقصد حين الحاجة إليه (حين يكون الفيلم فنيّاً وبحاجة إلى دعم الناقد) ويُهمل حين لا تدعو الحاجة (ويكون التوجّه منصبّاً للجمهور أولاً وأخيراً)٠
      لكن بصرف النظر عن هذا الوسيط (الناقد)، فإن المُشاهد عليه أن يكون قادراً على أن يقرأ الفيلم للإلمام به. هذه ليست مهمّة سهلة ولا هي بالمستحيلة أيضاً. القاريء القادر على قراءة الفيلم جيّداً لا يحتاج إلى الناقد إلا من حيث رغبته هو في تبادل الرأي معه إذا أراد او معرفة ما إذا كان هناك أشياء أخرى عليه الإلمام بها قبل أن يختم على قراءته بالموافقة٠
      وإذا ما كان القاريء سيستطيع قراءة الفيلم قراءة جيّدة فإن الناقد يستطيع أن يصبح، إذا ما أراد وعلى نحو لا يخلو من التلقائية، من دون عمل ولو على نحو نظري، هذا لأن الناقد الجيّد لديه أدوات لا يملكها المشاهد بالضرورة، وهناك دائماً أجيال متعاقبة ما تجعله مطلوباً خصوصاًِ في البلدان ذات المستوى الثقافي العالي٠

      لكن ما هي قراءة الفيلم؟ كيف يمكن لها أن تكون؟ كيف يمكن لها أن تكون صائبة؟

        يتبع٠٠٠٠


      موجة السينما البريطانية الجديدة (موديل الستينات)٠
      سألني الزميل والصديق يوسف شريف رزق الله عن الفيلم الذي أخرجه بيتر ياتس في بريطانيا قبل توجّهه إلى هوليوود لتحقيق «بوليت»، أول فيلم له هناك. حاولت أن أتذكّر  ولم أفلح، كذلك لم يستطع هو أن يتذكّر، لكن السؤال بلور عندي الرغبة في العودة إلى تلك الفترة (وأنا لا تنقصني العودة طالما أنني أعيش في زمن مضى أكثر مما أعيش في حاضري هذا) حين كان ياتس وأترابه ينجزون أفلاماً عرفت بشقّها طريق مختلف يشبه في صفاته العامّة العديد من الأعمال المغايرة للسائد حينها، ويختلف في أسلوبه عن المدارس الأوروبية الأخرى التي أنجزت نقلاتها الفنية والنوعية في المرحلة ذاتها، وأقربها بالطبع- جغرافياً على الأقل- السينما الفرنسية٠
      ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
      غرفة علوية

      فيلم بيتر ياتس، وهو مخرج فذ، بعنوان سرقة: دراما بوليسية مشدودة الوتر من بطولة ستانلي بايكر وجوانا بيتيت وجيمس بوث سنة 1967 والحكاية المروية تقول أنه حين شاهد ستيف ماكوين الفيلم اقترح المخرج ياتس على شركة وورنر ووافقت عليه. لكن «سرقة» لم يكن من أوائل الأفلام المنتمية إلى السينما البريطانية الجديدة وللتفسير لم يكن ياتس من السينمائيين الغاضبين، تلك المجموعة التي ضمّت مخرجين أعادوا طرح المسلّمات الإجتماعية والأخلاقية والإجتماعية وطرحوا الاسئلة٠
      لكن هؤلاء، ومنهم كارل رايز وليندساي أندرسن وجاك كلايتون وتوني رتشردسون وسواهم هم من الدائرة الأكبر للمخرجين المختلفين عن السائد الذين وإن لم يكن أحدهم غاضباً سياسياً الا أنهم جميعاً وفّروا رؤية جديدة للفيلم البريطاني ومن بين هؤلاء رتشرد لستر وييرزي سكوليموفسكي وبيتر ياتس٠
      في العام 1956 اشتركت بريطانيا وفرنسا مع إسرائيل  في الهجوم على مصر. كان جمال عبد الناصر أمم قناة السويس وأرسى قواعد طموحاته القومية، الأمر الذي لم ينل رضى بريطانيا التي كانت تحاول التمسّك بأهداب مرحلتها الإستعمارية وأيّدتها فرنسا في ذلك وهي الدولة التي كانت لديها أيضاً بقايا مستعمرات احتلّتها ومنها الجزائر. أما إسرائيل، فكانت تخشى المد القومي بأسره وربما كانت وضعت نصب عينيها احتلال سيناء أيضاً. لكن مهما يكن من أمر فإن البريطانيين خرجوا إلى الشوارع في مظاهرات مضادة للعدوان الثلاثي٠
      أهمية هذا المنظور هو أن المظاهرات العارمة  أنجبت تغييرات عميقة في المجتمع البريطاني عاكسة حجماً كبيراً من وعي الشباب من الطبقتين المتوسّطة والفقيرة بأهمية التغيير. على عكس الثورات الحالية، فإن ردّة الفعل كانت، على الصعيد السينمائي، فنيّة وليست عاطفية. المسألة في مثل هذه الأوضاع ليست الإمساك بالكاميرا والخروج إلى الشارع لتسجيل اللحظة. هذا وضع طبيعي لكنه ليس وضعاً سينمائياً. المسألة هي كيف تتمازج الأحداث بالفكر وتؤثر فيه ثم كيف يُصاغ الفكر للتعبير عن نفسه فنّاً٠
      البارقة الأولى من أن هناك سينما تعبّر عن جيل جديد يختلف ويتبنّى غضب الشباب على الآباء والأوضاع المتوارثة معاً كانت عبر فيلم أخرجه دون شافي عنوانه «الرجل في الطابق الأعلى« او
      The Man Upstairs
      وفيه قصّة عالم (رتشرد أتنبوروغ) يفقد رجاحة عقله وويقدم على مهاجمة جيرانه وذلك بعدما فقد أحد زملائه في حادثة. يهرع البوليس إلى المكان ويحاول اقتحام المكان لكن عنف العالم يؤدي إلى سقوط جريح. هذا ما يفتح باب الجدال بين رئيس البوليس المعيّن للتحقيق وبين المسؤول الإجتماعي الذي انتدب لمعالجة الوضع. والخلاف نفسه يدور بين الجيران، بعضهم متعاطف والبعض غاضب٠    
      دون شافي لم يكن مخرجاً جيّداً، وهو من منتصف الستينات بدأ سلسلة من الأفلام الرديئة وما دون، لكنه هنا أمسك بجوانب موضوع يطرح، من خلال الأحداث، مسائل إجتماعية ومعيشية حول صراع الطبقات في بريطانيا٠
      الفيلم الثاني الذي نقرأ فيه ذلك المنحى لطرح المتغيّرات او ضروراتها هو فيلم لجاك كلايتون عنوانه
      Room at the Top  غرفة على السطح
      إنه فيلم مأخوذ عن رواية لجون براين، الأولى له والتي لا زالت أشهر أعماله لجانب «لعبة البكاء» تلك التي أخرجها نيل جوردان سنة 1992، لكن القصّة الأولى هي التي ربطته بأدب "الشبّان الغاضبين" في تلك الآونة وتدور حول شاب (لورنس هارڤي) يعمل في مكتب حكومي وعلى علاقة بإمرأتين: فتاة إبنة لثري، وإمرأة كبيرة متزوّجة. لست معجباً بالفيلم لكن النقاد آنذاك شاركوا الجمهور إعجابهم خصوصاً وأن المشاهد العاطفية كانت أجرأ مما تعود الجانبين على مشاهدته في فيلم بريطاني٠
      في العام نفسه (1959) تقدّم ثلاثة مخرجين، هم لندساي أندرسن وكارل رايز وتوني رتشردسن من جمهور مسرح الفيلم البريطاني بمجموعة من الأفلام التي صوّروها تحت عنوان  جامع ومثير هو «سينما حرّة».   لم أر أي من هذه الأفلام- للأسف- لكن حسب أرشيف »ناشنال فيلم ثيتر» البريطاني فإن أحدها، وهو «أطفال الثلاثاء» نال أوسكاراً من الأكاديمية وقد أخرجه توني رتشردسن٠
      حسب الأرشيف نفسه، فإن الأفلام لم تكن سواسية، وهذا طبيعي، لكنها حملت نظرة ومعالجة طازجتان للسينما البريطانية. ولم يكن هناك هم الإخراج وحده، بل انطلق المخرج لندساي أندرسن في كتابة بعض المقالات التحريضية ضد النظام الطبقي والوضع الإجتماعي الذي رآه ينهش في لحم ضحاياه. ولديه مقالة
      Stand Up! Stand Up! سياسية في مجلة "سايت أند ساوند» سنة 1959 عنوانها
      توني رتشردسن التفت إلى المسرح ليقدّم أعمالاً لجون أوسبورن حققت نجاحاً ملحوظاً لكن حين قرر اقتباس مسرحية «أنظر وراءك بغضب» الى الشاشة الكبيرة سنة 1959 لم تحقق المحاولة نجاحاً يُذكر٠
      على فشلها الجماهيري، الا أن الفيلم ساعد في تأسيس ذلك التيار والنطق بإسمه. إنه حكاية الخريج الجامعي جيمي بورتر (رتشرد بيرتون)  الناقم على كل أشكال المجتمع من الكنيسة إلى الطبقة العليا إلى الحكومة وما يراه من ازدواجية معايير. علاقته مع زوجته (ماري أور) تعاني من شتائمه وازدرائه لها رغم أنه يحبّها.  صديقتها تشجّعها على تركه، لكنها تجد نفسها مجذوبة إليه ولاحقاً تتركه بدورها رغم أنها أصبحت حاملاً منه٠
      Saturday Night and Sunday Morning  بعده بعام  وُلد: السبت ليلاً والأحد صباحاً
      فيلم للمخرج كارل رايز  وهو تشيكي الأصل كان هاجر في منتصف الخمسينات او نحوها إلى بريطانيا (كما فعل البولنديان ييرزي سكولوموفسكي
      ورومان بولانسكي في الفترة ذاتها تقريباً)٠
      ليل السبت، صباح  الأحد

      مثل «أنظر إلى الخلف بغضب» يقوم هذا الفيلم على حكاية رجل وعلاقته بإمرأتين يحب واحدة لكن الأخرى حامل منه. الرواية لألان سيليتو الذي كتب
       بعد عامين واحداً من أفضل أفلام الموجة البريطانية الجديدة وهو 
      The Loneliness of the Long Distance Runner وحدة عداء المسافات الطويلة
      توني رتشردسون أنتج «السبت ليلاً....» وأخرج «وحدة عدّاء المسافات الطويلة»  وفي حين قام ألبرت فيني ببطولة الفيلم الأول، لعب توني كورتني بطولة الفيلم الثاني وكلاهما لم يكن معروفاً من قبل. وفي حين كان المصوّر المفضّل لرايز هو فريدي فرنسيس (الذي انقلب مخرجاً لأفلام رعب بريطانية من إنتاج هامر) كان المصوّر المفضل لدي رتشردسون هو ليسالي، كلاهما مبدع بالتصوير عموماً وبالتصوير الأبيض والأسود على وجه خاص. وفي سنة 1961 قام رتشردسن بتقديم فيلم آخر هو «طعم العسل» مع دورا برايان وريتا توشنغهام، وهي الوحيدة من بين الممثلين التي أنجزت شهرة، ولو محدودة، لاحقاً٠
      بذلك، بدا رتشردسن أكثر أترابه نشاطاً في هذا النوع من السينما، وكان هذا وضعه فعلاً، لكن المشكلة في أعماله إنها أوّلاً تشابهت في مواضيعها (في «طعم العسل» هناك فتاة حائرة بين رجلين وحامل من أحدهما) واعتمدت دائماً على روايات ومسرحيات ما جعلها فرع مما كان مطلوباً رغم أنها دائماً ما كانت تحمل نقداً إجتماعياً للمسلّمات
      في العام 1963  أقدم ليندساي أندرسن علي تحقيق أول فيلم روائي طويل له وهو: هذه الحياة  الرياضية  This Sporting Life
      وفيه تعرّض لفساد أحد النوادي الرياضية على خلفية قصّة حب بين بطلي الفيلم رتشارد هاريس وراتشل روبرتس. وبعد ذلك أنجز فيلماً عنوانه «أحمر، أبيض وزيرو« ثم قدّم أحد أفضل فيلمين من أعماله وهو 
      If....
      If....

      في 1968 تبعه بفيلمه الممتاز الثاني "أو لاكي مان» سنة 1973 كلاهما ترك تأثيراً على عموم هواة السينما وليس فقط على متتبّعي السينما البريطانية الجديدة٠
      فيلم «إذا»  ليس فقط فيلم جيّد في هذا الإطار، بل هو من بين  أقوى الأفلام البريطانية من حيث تأثيره ورسالته  وأفضل فيلم "ثوري" أنتجته. يلتقي وفيلم الأميركي ستانلي كوبريك «كلوكوورك أورانج» (1971)  في رسالته المعادية لمجتمع كابت، لكنه يقفز فوقه حين يصل الأمر إلى الدعوة الصريحة للتصدّي إلى مطبّقي النظم. يتحدّث عن بريطانيا مرمز إليها بمدرسة. الأساتذة هم السُلطة والطلاب هم الشعب والصرخة هي ضرورة التغيير المطلق لصالح الطلاب/ الشعب ضد مفاهيم جامدة لا معنى لها٠
      نال الفيلم ذهبية مهرجان "كان" في العام 1969 أي بعد عام واحد على ثورة الطلاب الفرنسيين التي عطّلت أعمال المهرجان سنة 1968. مالكولم مكدووَل (الذي ظهر بعد أربع سنوات في «كلوكوورك أورانج»)  هو قائد المتمرّدين الطلاب وكان لا يزال شابّاً واعداً، قبل أن يصبح واحداً من أفضل ممثلي السينما (أكمل مهنته في هوليوود)٠
      O Lucky Man  مكدووَل أيضاً كان بطل فيلم أندرسن الآخر: رجل محظوظ
      الذي صعّد فيه المخرج من لهجته ضد الرأسمالية. والفيلم متّصل من حيث أنه يمكن اعتباره تكملة لحياة بطله بعد تخرّجه والإقبال على العالم الكبير حاملاً مثالياته وابتسامته وغير مدرك لما ينتظره من مفاجآت غير سارّة. جزء مهم من جودة العمل مرتبط أيضاً بأغنية تحمل العنوان نفسه من ألان برايس تتردد، وغيرها، لكي تربط فواصل الفيلم مانحة إياه أسلوباً "جازياً"  جميلاً. في العام 1981 تم تقديم عمل ثالث بنفس الشخصية تحت عنوان «بريتانيا هوسبيتال» أعتبر أيضاً تكملة رغم أن ما يفرق بين كل فيلم أكثر مما يجمع بينه وبين سواه. الكاتب في الأفلام الثلاثة هو واحد : ديفيد شروِن٠

      يتبع


      الأوسكار والعرب 
      موضوع الحرب والسينما اللبنانية  
      مع وصول فيلم نادين لبكي «وهلأ لوين؟» إلى الترشيحات الأولى، قبل النهائية، لمسابقة أوسكار أفضل فيلم أجنبي، تكون المخرجة اللبنانية قد أنجزت ثاني جهد لها في هذا السبيل. في العام 2007 حققت فيلمها الروائي الأول «كاراميل»  الذي مثّل، أيضاً، لبنان في تلك الترشيحات الأولى. ولكي نكون واضحين، هذه الترشيحات هي التي تبعث بها الهيئات السينمائية الرسمية او شبه الرسمية في دولها وليست اختيارات أكاديمية العلوم والفنون السينمائية مانحة الأوسكار. الإختيارات هي الترشيحات الرسمية وهي التي يقدم عليها أعضاء الأكاديمية بعد مشاهدتهم لكل ما تم إرساله. وهي محددة بخمسة أفلام فقط تُتلى عناوينها في لحظة توزيع هذه الجائزة وترتفع الآمال الخمسة مرّة أخرى وأخيرة قبل أن تهبط أربعة منها. ولا مرّة كان الفيلم الرابح عربياً علماً بأنه وصل لتلك الترشيحات الرسمية أكثر من مرّة.
      بيروت الغربية لزياد الدويري

      ليس المقترح هنا عرض تاريخ الأوسكار وأفلامه ونتائجه، لكن حين يصل الأمر إلى محاولات السينما العربية دخول المسابقة فإن هناك ما يمكن طرحه على غير صعيد: ما هي المواصفات المطلوبة للفيلم العربي لكي يصل إلى الخارج؟ للتواصل مع الآخر؟ لكي يفوز بالعروض العالمية دخل او لم يدخل مسابقة الأوسكار؟ لماذا السينما الإيرانية تبدو الأنشط في هذا المجال وليس السينما العربية؟ لم هي التي تفوز بالجوائز الكبرى في برلين ولوكارنو وروتردام وسواها من المهرجانات الرئيسية وأفلامنا تبدو ضعيفة ومتفرّقة؟ ثم ما هي مفردات هذه اللغة المطلوبة إذا كانت اللغة هي أصل المشكلة؟ وامتداداً: هل الموضوع هو الذي يحدد وصول الفيلم إلى العالمية او الشكل الذي يرتديه، بما في ذلك الأسلوب والمعالجة او أنهما منفصلان؟ 

      الاسئلة لا تريد أن تنتهي والسؤال التالي يحمل جوابه بنفسه: لماذا فيلم شادي عبد السلام الفني أصبح كلاسيكياً واستقبل بترحيب نقدي عالمي تكرر حين أعيد عرضه في العام الماضي، بينما لم يحظ «المسافر» لأحمد ماهر، قبل ثلاث سنوات، الا بأقل قدر من الإهتمام حين تم عرضه في مهرجان فنيسيا، ثم حين تكرر عرضه في مهرجانات أخرى؟ كل من هذين الفيلمين تشبّع برؤية صاحبه. حقيقة أن رؤية عبد السلام كانت أفضل او لم تكن هذا ليس ما يحدد الجواب على هذا السؤال، لأنه من المفترض أن ينتهج الفيلم الفني، وكلاهما فني، طريقاً واحدة حتى ولو كانت النتائج مختلفة. لكن «المسافر» لم يحظ بسبر غور الطريق. انكفأ سريعاً وها هو معروض حالياً في القاهرة بإقبال أقل من معتدل. ومع أنني سأعود إلى هذا الجانب من الموضوع في حلقة مقبلة، الا أنه مطروح بإصرار في هذا النطاق، لأن السؤال يعكس وضعاً ربما ليس طبيعياً.

      هناك لغة تواصل مع الجمهور غير العربي بالتأكيد. إذا لاحظنا الأفلام اللبنانية التي حطّت رحاها على أبواب الأوسكار من العام  1998 وجدناها حافلة بذلك: «بيروت الغربية» لزياد الدويري (1989)، »البيت الزهري» لجوانا حاجي توما وخليل جريج (1999)، «لمّا حكيت مريم» لأسد فولديكار (2002)، «طائرة من ورق» لرندة الشهال (2003)، «بوسطة» لفيليب عرقتنجي (2006)، «كاراميل» لنادين لبكي (2007)، «تحت القصف» لفيليب عرقتنجي (2008) و«وهلأ لوين؟» لنادين لبكي (2011) لوجدناها 
      تلتقي بأنها تلتقي في مواصفات مهمّة: 
      خمسة منها تتحدّث عن حروب او ما بعدها: «بيروت الغربية»، «البيت الزهري»، «طيارة من ورق»، «تحت القصف» و«وهلأ لوين؟«. 
      خمسة منها هي الأفلام الأولى لأصحابها: تلك المذكورة أعلاه بإستنثاء «طيارة من ورق» لرندة الشهّال. الفيلم الخامس عوضاً عنه هو «لما حكيت مريم» (الذي لا يزال وحيد مخرجه للآن).
      وأخيراً، كل  هذه الأفلام عرضت في مهرجانات دولية ووجدت إهتماماً بين روّادها وإعلامييها.
      إبن بابل لمحمد الدرّآجي

      كذلك كانت الحرب موضوع فيلم محمد الدراجي «أحلام» حين أزلف فيلمه إلى الأوسكار ممثلاً العراق سنة 2007 وكانت القضيّة الفلسطينية محور فيلم الفلسطيني هاني أبو أسعد «الجنّة الآن» وفيلم إيليا سليمان «يد إلهية» وفيلما الجزائري رشيد بوشارب  «أيام المجد» و«خارج عن القانون» للجزائري رشيد بوشارب كانت عن موضوع حرب الإستقلال الجزائري (أول فيلم له وصل الأوسكار كان «غبار الحياة» سنة 1996)
      كل هذه الأفلام أخفقت في الوصول إلى الأوسكار، بإستثناء فيلم هاني أبو أسعد وأفلام رشيد بوشارب الثلاثة.  
      ماذا يقول لنا ذلك؟ موضوع الحرب لازمة بسبب تعرّضنا، نحن العرب، لها منذ العام 1948، من فلسطين النكبة إلى فلسطين هذه اليوم ومن الحروب ضدها إلى الحروب بسببها (بما في ذلك الحرب الأهلية اللبنانية) ومن حرب الإستقلال الجزائري إلى حربي الخليج والوضع في العراق. طبيعياً أن تشكّل هذا القدر من الإهتمام، ومن الطبيعي أن نحاول تصدير هذا الإهتمام إلى العالم. بنجاح أحياناً ومن دون نجاح في أحيان كثيرة.  حقيقة أن الأفلام اللبنانية، وقد تبلورت هنا كنموذج، دارت في غالبيّتها، ومنذ انتهاء الحرب الأهلية في مطلع التسعينات، عن الحرب لم يكن خياراً، بالتالي وعلى الرغم من كثرة عددها في حصيلة الأفلام المرشّحة للأوسكار، الا أن موضوع الحرب ليس ما أوصلها إلى هناك. الذي أوصلها هو موضوع آخر...

       التجربة الصعبة للسينما المصرية  

      هناك نفحة خاصّة للسينما اللبنانية أوصلتها إلى لا إلى الأوسكار فحسب بل إلى المهرجانات والأسواق التجارية الأوروبية والأميركية. إنها ذات النفحة التي تمتّع بها المخرج الراحل يوسف شاهين: شبابية اللغة السينمائية المستخدمة للتعبير عما يريد المخرج إيصاله. إذا ما قارنّا بين أفلام شاهين وأفلام أترابه من جيله ومن أجيال لاحقة (او حتى سابقة) لاحظنا تفرّده. هذا وحده لا يعني أنه أفضل أو لا من صلاح أبوسيف او عاطف سالم او كمال الشيخ او الآخرين، لكنه بالتأكيد يعني أنه يعرف كيف يتواصل مع ذاته الفنية،  ويستخرج منها تلك الملامح التي تُثير اهتمام المجتمع الغربي (كما العربي عموماً). 
      الجمهور الأجنبي أثبت مراراً وتكراراً أنه يهتم بالشكل وبحداثة اللغة وجمالية الأسلوب وهو يبدّيها على المضمون الا في حالة إذا ما كان المضمون نابعاً من وضع يريد الغرب معرفة المزيد عنه ويتوخّى من ذلك المخرج أن يوفّر له هذه المعرفة.
      هذا هو السبب الذي من أجله التمّ هواة السينما والمثقفون في الغرب حول تجربة المخرج العراقي محمد الدرّاجي «إبن بابل» لكن هل حكاية الصبي، في «إبن بابل«،  الذي جاء يبحث عن أبيه بصحبة جدّته أفضل صُنعاً ورهافة وإجادة في السرد وفي اللغة من حكاية الصبي الذي يكتشف مساويء الحروب ويجد أمامه تحدّيات أكبر من سنواته الصغيرة في «طفولة إيڤان» لأندريه تاركوفسكي؟ بالطبع لا. لكن هناك الرغبة المشروعة في مشاهدة شهادة حول زمن ما بعد حكم صدّام حسين وما فعله الرئيس الراحل بشعبه. محمد الدرّاجي تولّى فتح ذلك الموضوع المهم ونجح في مهمّة الإجابة على تلك الرغبة. 
      لكن ذلك لم يدخله الترشيح الرسمي للأوسكار حينها (2010)  ولا أستطيع، او سواي، الفتوى في الدوافع والمسببات التي من أجلها أخفق الفيلم في ولوج التصفية النهائية الا من باب مقارنته بالأفلام التي ربحت ذلك الترشيح الرسمي وهي «حرائق» لدنيس فيلانيوف (كندا ودار عن الحرب الأهلية في بلد "مثل لبنان")،  »خارج عن القانون» لرشيد بوشارب (الجزائر)، «سن كلب» ليورغوس لانتيموس (اليونان) «في عالم أفضل» لسوزان باير (دنمارك وهو الفيلم الذي ربح الأوسكار) و«بيوتيفول» لأليخاندرو غونزاليس أناريتو.
      السينما العراقية بدأت بإرسال ترشيحاتها إلى الأوسكار من العام 2005 حين اختارت الفيلم الناطق بالكردية «تحية للثلج» لجميل رستامي. تبعته في العام التالي بفيلم محمد الدرّاجي «أحلام» ثم بفيلم جميل رستامي الآخر «جاني غال» سنة 2007 ليليه الدرّاجي مجدداً بفيلم «إبن بابل» وغني عن القول أن هذه المحاولات حتى الآن لم تخترق الجدار الخارجي، لكن ذلك ليس أمراً فريداً او ناشزاً: معظم الدول التي شاركت منذ عشرات السنين لم تصل إلى الترشيحات الرسمية الأخيرة من بينها مصر.
      إذا كانت التجربة العراقية في الأوسكار لم تتعد بعد أربعة أفلام، فإن مصر بعثت من العام 1958 بسبعة وعشرين فيلماً لم يجد المحكّمون في أكاديمية العلوم والفنون السينمائية سبباً لقبول واحد منها. سآتي على السبب الأكثر ترجيحاً بعد قليل، لكن الملاحظ أن أفلاماً ليوسف شاهين، هنري بركات، كمال الشيخ، صلاح أبوسيف، سعيد مرزوق، على بدرخان، داوود عبد السيد، محمد خان كانت من بين تلك الأفلام التي لم تتخط العتبة الأولى لجانب أفلام لحسين كمال وشريف عرفة ومجدي أحمد علي. 
      المحاولة الأولى كانت ليوسف شاهين حين تقدّمت مصر بفيلمه »باب الحديد« لتلك الترشيحات. وبعد ذلك تم إرسال فيلمين آخرين له هما «الإسكندرية ... ليه؟» و«المصير»، لكنهما وجدا الصد نفسه.

      المومياء لشادي عبد السلام

      في هذا الإطار فإن السبب أوسع من أن يتم تحديده بأوضاع ثابتة. هناك حقيقة أساسية تُعد عاملاً فاعلاً  وإن كان ليس العامل الوحيد، وهو أن الثقافة التي تنتج أفلاماً مثل «القاهرة 30« و«المستحيل» و«زوجتي والكلب» و«على من نطلق الرصاص» و»المصير« هي مختلفة عن ثقافة أعضاء الأكاديمية الذين من واجبهم النظر إلى فنيّة الفيلم وليس ثقافته وبالتالي مصدره. الجانب الملاصق لهذا السبب هو أن مصر لم تكن محبوبة من العام 1958 الى الستينات التي تم فيها ترشيح تسعة أفلام. الهيمنة الصهيونية كانت من القوّة حينها بحيث لم يكن من الممكن أن يخترق فيلم عربي الحصار خصوصاً إذا ما انتمى لمصر جمال عبد الناصر وحرب السويس والعدوان الثلاثي والموقف السياسي الثابت حيال إسرائيل.
      المسألة الثقافية هي أيضاً مسألة اختيار مفردات التعبير اللغوية التي يتحدّث فيها فيلم للعالم. في سنة  2006 قدّم المخرج مروان حامد باكورة أعماله «عمارة يعقوبيان» وسواء أعجب الناقد العربي بذلك الفيلم، وهو بالتأكيد يحمل ما يدعو للإعجاب، او لم يعجب، فإن المسألة هي أنه بثقل طروحاته وبأسلوب عمله الكلاسيكي لم يكن ليستطيع مخاطبة الغير. تماماً كما كان الحال عندما قدّم علي بدرخان «أهل القمّة»  (1981) وحسين كمال »إمبراطورية ميم» (1973) او سعيد مرزوق «أريد حلاً» (1975). بل أن الأكاديمية استبعدت الفيلم الذي كان حاز على إعجاب الأوروبيين كما لم يفعل فيلم مصري من قبل وهو «المومياء» (1970)،
      في المقابل، استطاعت إسرائيل دخول الترشيحات الرسمية تسع مرّات من أصل 43 مرّة قدّمت فيها أفلاماً لمسابقة أفضل فيلم أجنبي. أول مرّة قدّمت فيه فيلماً للأوسكار كانت سنة 1964 عبر فيلم بعنوان «صلاح» لإفرام كيشون  وتم إدخاله الترشيحات. في الأعوام 1971 و 1972 و1973 وصلت إسرائيل الى الترشيحات الرسمية. بعد ذلك دخلت الترشيحات خمس مرّات أخرى آخرها عبر فيلم »عجمي» الذي هو من تمويلها ومن إخراج فلسطيني هو اسكندر قبطي وإسرائيلي هو يارون شاني. 
      لم تنل إسرائيل أي أوسكار إلى الآن، لكنها من الدول الموجودة دوماً كما نرى. في العام 1977 بلغ التزلّف حدّاً دفع بالأكاديمية لقبول فيلم مناحيم غولان «غارة على إنتابي«، أحد أكثر أفلام ذلك العام رداءة في الإخراج والتمثيل ومن أكثرها تنميطاً وبعداً عن التحليل السياسي.
      هل كان ذلك الفيلم أفضل من «على من نطلق الرصاص؟» لكمال الشيخ الذي رُشح قبله بعام، او من «الإسكندرية ... ليه؟» الذي رشّح بعده بعام؟ (لم يتم ترشيح فيلم مصري في العام ذاته).
      الحصيلة تحتاج إلى صفحات أكثر بكثير وربما إلى كتاب. المسألة هي أن المساهمات العربية التي حملت جديداً في الطرح وخفّة في أسلوب النقاش (كتلك اللبنانية) وتلك التي تمتّعت بأسلوب وعناصر إنتاج فرنسية (لنقل أفلام الجزائري رشيد بوشارب) نجحت أكثر من أفلام سواها من الدول العربية في دخول الترشيحات الرسمية بما فيها المصرية. 
      هل سينجح فيلم عربي ما في نيل الأوسكار يوماً؟ ربما. لا ننسى أنه في مقابل كل فيلم عربي جيّد، هناك عشرات جيّدة أخرى وأنه مقابل كل فيلم عربي دخل الترشيحات الرسمية كانت هناك دوماً أفلام أفضل وبعضها أكثر قرباً من الثقافة المريحة للأجنبي. 
      السؤال الثاني هنا هو: وهل الأوسكار فعلاً مهم للسينما العربية؟ قبل الإجابة على هذا السؤال: هل هو مهم للسينما أساساً. بكلمة واحدة نعم، لكن ليست الأهمية الفنية بل الإعلامية والتجارية والإنتاجية والذاتية. مارلين مونرو، الممثلة التي تغاضى الكثيرون عن موهبتها مهتمّين بجمالها، كانت، نظرياً، على حق حين نظرت إلى تمثال الأوسكار  ذات مرّة وقالت: "يذكّرني برجل تم اقتطاع جزء من دماغه... الجزء المفكّر"!




      سينما وسينمائيون | ذلك المحيط الشاسع.... أندريه تاركوڤسكي
      ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحلقة الثالثة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
       في الحلقتين الأولى والثانية اخترت استعراض فيلمين كنوع من
      التمهيد. مدخلاً للحديث عن تاركوفسكي نفسه. المادّة التالية هـي 
      بدورها نافذة على الحلقة الشاملة والأخيرة في العدد القادم.


      الطبيعة كحالة غير طبيعية للوجود
      يحتاج كل فيلم إلى مشاهدته مرّتين. الأولى يستوعب المُشاهد ما يقع على صعيد أوّلي. يتابع الحكاية، يلحظ أسلوب معالجتها، يسجّل ملاحظاته على الفيلم ويتّخذ موقفاً. في المرّة الثانية تصبح كل نتائج المرّة الأولى أشبه بمسودّة إنطباعية وذهنية تبحث عن صقل. بعض النقاد يستطيعون صقلها عن طريق علمهم بالشيء واستنتاجاتهم (ومعظم النقاد حول العالم يشاهدون الفيلم مرّة واحدة)، لكنها المرّة التي إذا ما عمد إليها الناقد متواضعاً سيتأكد تماماً من أمور لا تحتمل الإلتباس. سوف ينتبه إلى احتمالات جديدة ومصادر أخرى تسهم في تكوين الصورة شاملة وكاملة. هذا إلى جانب أنه ربما وجد أنه، لأي سبب كان، فوّت تفاصيل مهمّة

      هذا ينطبق أكثر مما ينطبق على أفلام أندريه تاركوڤسكي مع إضافة: المشاهدة الثانية بدورها سوف لن تكون نهائية 
      أحد أسباب ذلك أنه في أفلامه كافة يتأرجح السؤال حول أين هي الحقيقة فيما نراه. هناك إمرأة تنظر 
      إلى المرآة. تتذكّر زوجها بعدما سمعنا صوته. فجأة هو الزوج الذي ينظر حوله في بيت ذي جدران متصدّعة ومياه منسابة  («مرآة»). وهو الرجل الذي يتذكّر زوجته فتظهر له. ينظر إلى الكاميرا كأنما يراها فيها («سولاريس»)، وهو العالم المسيّج والممنوع بأسره في «المقتفي» حيث تدخل الشخصيات وتخرج من دون نظام واضح ولو أن النظام موجود بصرامة في الواقع 
      ككل مخرج ـ مؤلف، لدى تاركوفسكي مجموعة من الخصائص التي نراها في كل أعماله. منها ما ينبثق عن أسلوبه، ومنها ما هو نتيجة تفكيره وآرائه وهذه وتلك تؤلف  السينما الخاصة به. من هذه الخصائص، في مستهل ما تفتح الكاميرا عليه عادة، الجمال والشاعرية المنفردتين في المناظر، ومواقع التصوير، التي يختارها
      الحرب الضروس في الغابات والبراري المعزولة في «طفولة إيڤان».(1962) والعالم القديم بين الغابة والنهر الكبير والبلدات الصغيرة في «أندريه روبلوف» (1966) ثم البيت الريفي والمركبة الفضائية في  فيلمه الخيالي العلمي الوحيد «سولاريس» (1972) والبيت الريفي ومكاتب صحيفة مع طلّة مختصرة على شوارع عاجقة في «مرآة» (1975) والبيت عند المحطّة والحانة الصغيرة ثم رحاب الغابة الممنوعة المحاطة بالحرس في «المقتفي» (1979)، وبعد ذلك هو القرية الصغيرة في «نوستالجيا» (1983) و»الأماكن الطبيعية من ريف وبلدات صغيرة في «التضحية» (1986) الذي شيء له أن يكون آخر أعماله إذ مات في نفس العام
      كل أفلامه تدور خارج المدن وحين أقول هذا فإني لا أعني أن الرجل يذهب إلى أشد الأماكن جمالاً ويفتح عليها كاميرته ليصورها، فهذا ليس مطلقاً ما في بال تاركوفسكي. في أفلامه لا تجد حركة مجانية واحدة. ليس هناك من لقطات إستعراضية لأفق رحب  ولا لقطة من كاميرا مثبتة على كتف جبل عال أو عند شلال كبير أو أي شيء من هذا النحو فعوضاً عن  استعراض المناظر الطبيعية وإعطائها الصفة الجمالية التقليدية،  يسند إليها دوراً في مقدمة الصورة فلا تصبح خلفية لما يدور، بل أرضية أساسية له. هذا الدور، كما في «أندريه روبلوف»، «المرآة» و«المقتفي» ـ على الأخص ـ يتألف من التفاصيل الصغيرة التي تقع، من المفردات الحية التي تشترك في العيش على تلك الأرض: الشجرة، الريح، المطر، السهل، جدول الماء  وفي خلال هذا يبتعد تاركوفسكي عن محاولة تجميل هذه المفردات. 
      فهو لا يهتم لزوايا خاصة لها، ولا يتقصد تصوير شمس عند الغروب أو بدر ليلة جميلة، بل يصورها هي ذاتها، فإذا بورقة خريف تسبح فوق جدول ماء  في «أندريه روبلوف» تصير هي اللقطة التي يريدها تاركوفسكي. هي الذات عندما تترك الكاميرا كل شيء وتسبح معها إلى حين. وإذا بهبوب لفحات الهواء الصغيرة والعابرة يصير قضية موحية وبالغة الشاعرية في «المرآة». وفي «المقتفي» نتفرج على المطر حيث لا يوجد للآن سينمائي آخر صوّر هبوط المطر كما صوّره تاركوفسكي فهو لا يدخل على مطر هاطل بل يتركنا نرقب هطوله نقطة نقطة، ثم نرقب غزارته، ثم تبقى أعيننا معلقة (ولا شيء آخر يحدث في الصورة) حين يخف تدريجياً ثم ينقطع ـ تماماً وكأننا ملتطين تحت سقف واحد من تلك البيوت القديمة في هذه الطبيعة
      مرآة

      رغم كل هذا هناك الإحساس الدائم بالغموض وبالوحدانية. تاركوفسكي يبدو لي وكأنه لم يولد في غرفة نوم أو ولادة. بل على أرض الطبيعة حيث بقي فيها وترعرع عليها ملاحظاً إياها في كل أحوالها وفصولها. وليست هذه المميزات، في النظر إلى الطبيعة والاهتمام بإبراز تفاصيلها الدقيقة، سوى تعبير عن وجدان متآلف، شاعرياً ونفسياً، معها ينجح المخرج به في تقديم الطبيعة كحالة  غير طبيعية للوجود 
      كذلك من الخصائص التي نجدها عند تاركوفسكي تفسير وجود الإنسان ومعناه والوقوف إلى جانبه. هذا الإنسان ودواخله وعواطفه هي الحقيقة، ونلاحظ في «سولاريس» و«المقتفي»  أن العلم ومن فيه من علماء يقف في مواجهة الإنسان ومشاعره وبالتالي ضد الحقيقة 
      إننا مع رجل من الأرض يسافر إلى الفضاء ويكتشف موت صديق له نتيجة عارض غامض. هناك يلتقي بزوجته التي هي ميتة في الواقع. وما يحدث هو نجوى ممزوجة بالخيال بينه وبين زوجته فإذا بها الواقع الذي في داخل الرجل  كما الحقيقة التي تشده إلى الأرض. هي التفسير الذي يحمله تجاه المستقبل والحياة الحاضرة على حد سواء وتوغل العلم فيهما. لقد وضع المخرج الحقيقة والبحث عنها (وهما مفتاح بحث وفهم كل أفلامه) في موقف مضاد للعلم، فالعالم (نيكولاي غرينغكو وهو نفسه الذي لعب دور الكاتب في «المقتفي») لا يتحسس المرأة، لا يتفاعل معها، لا يتجاوب مع مشاعرها بل ينكر عليها تلك المشاعر، وفوق ذلك لا علاقات جسدية بينه وبينها (حتى ولا مجرد لمس) وهي الصور التي تبرهن عن موقفه المضاد للحقيقة. هنا يستخدم المخرج وضعاً فريداً: المرأة التي هي في الخيال في عالم هو في الإفتراضات، تعود لتذكّر العالم بأنه ضنّ عليها بالحب ما يجعل البعد المرتسم إدانة للرجل وليصبح عمله في الواقع (العلم) جزء من تلك الإدانة. في ذلك خطورة تاركوفسكي من الناحية السياسية، فهو يبحث في الروحانيات معادياً الإلتزام بالماديات ما يجعل أعماله كلّها، ومعظمها صُوّر في الإتحاد السوفييتي، مناوئة لنظام من العلاقات الآلية تحت غطاء من اللاروحانيات. بطله في »سولاريس« عكسه، فذلك  إنسان يؤمن بالمادة أساساً للكون والحياة وعنصراً أبدياً للبقاء، وينفصل عن كل العواطف والروحانيات ويتوغل في الفراغ (الكون) باسم العلم والتقدم ـ وهو بذلك كله يقف عند الطرف النقيض لموقف الإنسان ـ الطبيعة الحقيقة، ذلك القادم من الأرض. مع الماء المنهمر مطراً والحديقة الغنّاء والسلام المصاحب للجمال
      هذه الصورة الصارخة والاتهامية الكبيرة تتكرر في «المقتفي» («ستوكر») لكن الجديد المهم هو أنه هنا لا ينحصر في العالم وحده، بل يشمل أيضاً إنسان آخر قدم من المدينة ومن المجتمع العلوي منها وهو المثقف، إذ هو انفصل عن الحقيقة وعن الإنسان كما يري الفيلم بوضوح

      يتبع  




       ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

      All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2007- 2011 


      Featured Post

      خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

       خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

      Popular