Sep 18, 2011

ٌYear 4/ Iss.: 674 | كابتن أميركا | سام بكنباه | مونتي هلمان | أندريه تاركوفسكي | ستيفن سبيلبرغ

Cover Story                                             


إعلان حرب ترشيح فرنسا للأوسكار

La Gerre est declarée
هو الفيلم الذي أعلنت  اللجنة
الوطنية للسينما في باريس ترشيحه
لمسابقة أوسكار أفضل فيلم أجنبي٠
يتبع الفيلم حكاية أبوين يغرقان في
أزمة اكتشافهما أن طفلهما لديه  ورم
في المخ.  الفيلم من إخراج ڤاليري
دونزيللي وبوشر بعرضه في صالات
باريس من الحادي والثلاثين من الشهر
الماضي بنجاح كبير (357,059 تذكرة
في أول أسبوعين من عروضه)٠
يبدأ الفيلم بقصّة شاب وفتاة تزوّجا عن حب
وأنجبا طفلاً وعاشا سعيدان إلى أن
يكتشفا مرض أبنيهما، وكيف واجها الأزمة الطاحنة٠


كابتن أميركا..... المحارب  الشرس والزمن الصعب


أيام الصيف في بيروت كنت أقضيها بين عمل نصف يوم في مكتبة تقع مقابل الجامعة الأميركية في بيروت وبين بيت استأجره والدي في الجبل. كنت في السادسة عشر من العمر وكنت أحيا في الخيال كما أفعل الآن وأكثر. إن لم يكن فيلماً فقصّة في كتاب، وإن لم يكن هذا فمجلات الكوميكس الأميركية. هذه كان الحصول عليها سهلاً كوني أعمل في المكتبة وفي أوقات الراحة كنت استأنس بزيارة "باتمان" و"ساد ساك" (هذه شخصية كوميدية) و«سوبرمان» و- أحياناً- «كابتن أميركا» الذي زارنا قبل حين في فيلم من إخراج جو جونستون وبطولة كريس إيڤنز٠
ظهر كابتن أميركا على صفحات الكوميكس أوّل مرّة سنة 1941  وتركيبته أنه شاب كان ينوي دخول الجيش لكن صحّته الهزيلة منعته. وافق، في المقابل، على أن تُجرى عليه تجربة تحوّله، إذا ما نجحت، إلى بطل مغوار، يتمتّع بالقوّة البدنية كما بالذكاء. كلاهما كان مطلوباً، في تلك الفترة وما بعدها، للتصدّى إلى شبكات التجسس والطوابير الخامسة والإرهابيين والمخرّبين٠
المسؤول العسكري الذي أشرف على تجهيزه قال له بلهجة الواثق
We'll call you Captain America, son! Because, like you, American shall gain the stregth and will to safeguard our shores"
قرأت هذه العبارة في مراجعة قام بها كاتب بإسم غابي تارتاكوفسكي، لابد أنه كان يبحث في صباه عن بطل يحتذي به. بالنسبة إليّ أفضل الأبطال كانوا دائماً المرتبطين بالبحث عن إنصاف فردي وعدالة إجتماعية ومناهضة النظام.... أي نظام لأنه لا يوجد نظام كامل ولا حتى متكامل على الأرض٠
المهم أن اختلاف كابتن أميركا عن «سوبرمان" او «باتمان» او سواهما هو أنه كان أقربهم إلى التعامل مع أشرار حقيقيين ومفاهيم موجودة على الأرض. الآخرون أتوا من كوكب بعيد او عاشوا في مدينة غير معروفة. وقصصهم حملتها أجنحة طارت بها وأجواؤها كانت خيالية: منشرحة وسعيدة (سوبرمان) وداكنة لا تخلو من البؤس (باتمان، سبايدر مان). كابتن أميركا كان محارباً سياسياً لديه أجندة للدفاع عن "الحرية والديمقراطية"- طبعاً حسب المفهوم الأميركي الذي يرى نفسه نموذجاً صالحاً للإقتداء حول العالم٠
سنحكي في السياسة لاحقاً (في الحقيقة لا أدري إذا كنا سنفعل ذلك حقاً فأنا أكتب ما يخطر لي أوّل بأوّل وليس لدي نص جاهز او ميل لإقحام السياسة في الجمال)٠
هذه البطولة لم تكن منفردة في سياق تفصيلي، فحتى الشخصيات الأخرى، كانت لديها ميولاً سياسية يمينية مثل «أيرون مان» و«الرائعون الأربعة». وحتى سوبرمان قال ذات مرّة في أحد مسلسلاته المطبوعة أن الطريقة الوحيدة لإيقاف الحرب (العالمية الثانية) هي إلقاء القبض على هتلر وستالين وتسليمهم إلى الأمم المتحدة٠

في سنة 1944 أصبح "كابتن أميركا" أوّل شخصية كوميكس من منشورات دار مارڤل تنتقل إلى السينما. شركة ريبابلك بيكتشرز حوّلت الشخصية إلى مسلسل سينمائي أسبوعي Serial
ريبابلك بيكتشرز كانت شركة مستقلة (أي ليست من الاستديوات الرئيسية السبع: ديزني، وورنر، مترو غولدوين ماير، كولمبيا، باراماونت، يونيفرسال،فوكس) وتأسست سنة 1934 وتوقّفت سنة 1959. أما  المسلسلات الأسبوعية، فهي ما تحدّثت عنه أكثر من مرّة من قبل: فيلم يُعرض على حلقات أسبوعية تنتهي كل حلقة في أقل من ربع ساعة بموقف يجعل المشاهدين يودّون معرفة كيف نجا البطل من موت محق.  إذا ما أردت القراءة عنها افتح على كلمة
Serial films او Cliffhangers
أما أنا فخبرتها في أواخرها حين كانت لا تزال تعرض في صالات المناطق الشعبية في بيروت في أواخر الخمسينات. ثم خبرتها ثانية مرّتين على الشاشة الصغيرة. محطة تلفزيونية غير فضائية كانت تبث هذه المسلسلات صباح كل يوم أحد ومحطة TCM
الشهيرة التي بثّت بعضها لاحقاً٠
أين صرنا؟ آه... بطل ذلك الفيلم المسلسل أسمه دِك بورسل الذي لعب في  فيلم ما بين وحتى العام . «كابتن أميركا» المذكور أخرجه إثنان هما إلمر كليفتون (له علاقة بـ 155 كاتباً او مخرجاً او منتجاً  أو ممثلاً) وجون إنغليش (100 فيلم ما بين مونتير في البداية ثم مخرج لمعظم مراحل حياته). بورسل نفسه مات شابّاً في الخامسة والثلاثين من العمر أنجز فيها 74 فيلماً
  أستطيع أن أتحدّث للأبد عن هذه التفاصيل وموضوع يدخلنا في موضوع آخر ويكفي ذكر عنوان واحد لفيلم لكي نجد أنفسنا أمام هلالات كثيرة نفتحها كل منّا يؤدّي إلى تواريخ مختلفة... رحلات فعلاً لا تنتهي... هذه هي السينما٠
لكني سأحاول الحد من شهوتي هذه والإلتزام بالموضوع. هاكم، إذاً، الحلقة الأولى من المسلسل
الفيلمي «كابتن أميركا»٠
اللقطة الأولى: هي للممثل في زي كابتن أميركا ثم هو في زيّ مدني: بذلة وقبّعة من تلك التي كنت أحب مشاهدة الممثلين يرتدونها ولم أجرّبها بنفسي بعدت تقديم شخصيات أخرى. نراه فوق موتوسيكل على طريق ملتوية اللقطة مأخوذة من سيارة تتقدّمه٠ ثم أسما المخرجين المذكورين كليفتون وإنغليش. بعد ذلك الحلقة الأولى وعنوانه "الموت القرمزي«. مباشرة بعد ذلك: رجل يقود سيّارة سوداء (لابد أن تكون سوداء- الفيلم بالأبيض والأسود وسيّارات ذلك الحين قلّما كانت بالألوان) في طريق جبلي ثم صوت يأمره بالإنصياع وقتل
Scarab نفسه. السائق ينفّذ. الصوت الآمر هو صوت المجرم الكبير
الأمر نفسه يصدر إلى رجل جالس في شقّته. يفتح النافذة ويلقي بنفسه. ثم ثالث ينتحر بإطلاق النار على نفسه.  مذيع أخبار يقرأ تعليقاً حول هذه الحوادث ويمهد للمشهد التالي" لقاء في مكتب النائب العام يبحث في هذا الموضوع.  نفهم من الحديث أن كابتن أميركا منزوٍ في مكان ما عن الأنظار: "لو كنّا نستطيع الإتصال به الآن". مساعده: : "أنا واثق أن هذه الأحداث ستخرجه من مخبئه ليساعدنا". حسناً، نتوقّع هنا أن نلتقي بالسيد كابتن أميركا بعد حين، مدركين أنه مختف عن الأنظار لسبب ما٠
الآن نحن إلى مكان آخر. أولاً على لقطة لإسم المكان: "متحف دراموند للفن والعلوم" . نفهم أن الثلاثة المنتحرين ينتمون كأعضاء إلى مجلس إدارة هذا المتحف. الكاميرا ثابتة على رجل جالس وراء مكتب تدرك مباشرة أنه شرير: فهو واجم. غير منفتح وعلى عينه اليمنى نظارة من تلك التي تعلّق في السترة. هذا الشخص الغامض يتحدّث مع "بروفسور" ويقول له أن "سكاراب" يريد معرفة ذلك الجهاز الذي اخترعته. إختراع صوتي يستطيع التسبب في دمار المنشآت. خلال الحديث يكشف الغامض على أنه هو نفسه «ذ سكاراب»: "في الوقت القصير الذي لديك سوف تنفّذ أوامري. أنت عبد الموت القرمزي" ... كيف لا يمكن أن تكون في مكاني وتشعر بالإثارة... هالو... أنا إبن السادسة عشر من العمر الآن وأنظر إلى الفيلم بنفس المشاعر والعيون (عينان في وجهي وعيون في مسام جسدي وعاطفتي)٠
سكاراب (الشرير المحترم ليونل أتوِل في الدور) كان طلب من البروفسور تدخين سيغار وهذا فعل، لكن سيغاره ملغوم بمادة تجعل المرء "عبداً" لتلك الأوامر. وسكاراب يطلب منه معلومات إضافية... هذا الشرس يريد أن يدمّر أميركا وهو يبدأ الآن بالبروفسور "لايمان" إذ يرسله مع أحد معاونيه لكي يقتله... او، حسب أفلام الفتوّات "يخلص عليه"٠
ليونل أتوِل في دور سكاراب
الآن، إثنان من رجال سكاراب يفتحان خزنة البروفسور لسرقة وثائق الإختراع. فجأة  يبرز البطل المقنّع ذي السترة التي تحمل نجمة كبيرة ويحمل مسدّساً. يطلب من رجلي العصابة رمي سلاحهما . طبعاً معركة يدوية ستقع بين كابتن أميركا والشريرين والموسيقا (التصويرية). بامبابا ... بابا  مممممبا وطاخ طوخ لنحو ثلاث دقائق. خلالها يهرب أحد الشريرين ويُقتل الثاني٠
موظّفة لدى النائب العام تبحث في أصول عقار هو الذي يحمل إسم "الموت القرمزي" ويؤثّر في المنوي قتلهم. الصيدلي الثالث الذي قامت بالتوجّه إليه يعلم بالعقار ويكشف عن نفسه وحين يفعل يقبض على
 الموظّفة (تؤديها ممثلة لم تبلغ شأناً أسمها لورنا غراي) وينوي التخلّص منها حين يدخل المدّعي العام  ويكتشف كذب الصيدلي حين يخبره أنها لم تأت إلى المحل.  هذا يتبعه إجبار الصيدلي على دخول المكتب الداخلي حيث كان قيّد الموظّفة إلى كرسي. حين يحلّها من قيدها. هذا المشهد ينتهي بهروبه من المكان ومقتل الصيدلي ومعاونه٠
خطّة سكاراب لمواجهة المدّعي العام هي الإيقاع به في فخ محكم. أحد رجاله يطلبه إلى مكتبه مدّعياً أنه يعرف شيئاً عن الموضوع. المدّعي العام لا يخشى الذهاب ليلاً (لكنه سيرسل كابتن أميركا للموعد)  وفي الواقع هذه الأفلام ليس لديها اهتمام بالبحث نفسياً والتدقيق في التفاصيل. ها هي لقطة جميلة التكوين: نوار لسيارة المدّعي العام تصل إلى الفخ في عتمة الليل ويترجّل منها كابتن أميركا. في الشقّة ينتظره الشرير بمسدّسه لكن يتغلّب عليه البطل (طبعاً). هذا ينقلنا إلى بروفسور آخر على بيّنة من الإختراع وسيجري عليه تجربة  أمام الموظّفة وإثنين من رجالها. قطع لرجل نجح في تسلّق المبنى وها هو يدخل من النافذة ليفتح الباب لرجلين مسلّحين. ينوون تدمير المبنى لكن ليس قبل وصول كابتن أميركا . خلال ذلك، تمد المرأة يدها إلى صدرها لكي تخرج مسدّساً (رغم أنها ترتدي جاكيت ضيّقة- أين يمكن أن تضع المسدّس؟) . الأشرار يقومون بسجن العالم والمرأة وباقي الرجال في غرفة وبتفعيل آلة التدمير في اللحظة التي يدخل فيها كابتن أميركا المكان. يغافله الأشرار. معركة يدوية أخرى. كابتن أميركا ليس أرنولد شوارتزنيغر وهو يتلقّى الضربات بنفس القدر الذي يوجه به الضربات. لقطات على الآلة ومؤشرها الذي إذا ما وصل إلى نهايته انفجر المكان. يتغلّب كابتن أميركا على الأشرار ويفتح الباب للعالم والمرأة والرجلين للهرب، ثم يحاول منع الآلة من التسبب في الهزّة الصوتية. لكن الكاميرا الان خارج المبنى وتصوّر تداعيه ولقطة أخرى على كابتن أميركا والحجارة تنهمر عليه و٠٠٠٠
Next Week: Chapter two
Mechanical Executioner
كيف سينجو الكابتن العنيد من الموت المحق؟ هذا هو السؤال الذي تترك الحلقة مشاهديها يتقلّبون الليالي على السرائر منتظرين حلول الأسبوع المقبل لمعرفة جوابه... نعم هذه هي سينما الأمس البعيد وهؤلاء كانوا أجدادنا وآباءنا من المشاهدين٠
 

كلاب من قش يعود وهوليوود لا زالت تخشى سام بكنباه

ينطلق في الأسبوع المقبل فيلم جديد للمخرج
Straw Dogs  رود لوري بعنوان
إنه الفيلم ذاته الذي كان المخرج النيّر سام بكنباه حققه سنة 1971 مع دستين هوفمن وسوزان جورج، ولم يكن من بين أفضل أعماله. ترى ما الذي تغيّر بين الأمس واليوم؟
 
في مطلع الستينات، دخل المخرج والمنتج الراحل مصطفى العقّاد ذات مرّة على المخرج (الراحل أيضاً) سام بكنباه طالباً منه النصيحة بشأن مهم. جمع الشاب المهاجر من سوريا إلى هوليوود شتات أفكاره وقال: "معروض عليّ أن أشترك في إعداد حلقات تلفزيونية، لكن المحطّة عرضت عليّ مبلغاً متدن من المال مقابل وضع أسمي في المقدّمة، او تغييب الأسم مع رفع الأجر. ماذا اختار؟".
نظر بكنباه، الذي كان آنذاك لديه حلقات تلفزيونية وكان العقاد يعمل معه في قسم الإنتاج وقال له: "خذ الإسم بالطبع. لماذا تريد المال؟".
الخيار لم يكن نفسه حين واجه المخرج الأميركي بكنباه (1925- 1984) النقد الغاضب حيال العنف في أفلامه. منذ البداية  توسّم لنفسه منهجاً مختلفاً في إخراج أفلامه التي انتمى معظمها إلى نوع الوسترن.  فأفلامه كانت عنيفة. ومع أن عنفها لم يكن مقززاً (لا دماء تسيح ولا لقطة قريبة على سكين يذبح الضحية او حالة تشوّه تسبب التقزز) الا أن مدلولاتها كانت قويّة إلى حد أنها أثارت لدى البعض الرافض خشية من معانيها. الأفلام الأولى  لبكبناه (الذي أزمع التطرّق لأفلامه في دراسة منفصلة) خرجت أيام الحرب الفييتنامية، وهي كانت صدى للعنف الدائر هناك. وهو أحب الوسترن، لكنه أحبّه على طريقته الخاصّة وليس على طريقة الكلاسيكيات التي عمد إليها الرعيل السابق من المخرجين أمثال جون فورد وهنري هاثاواي وبد بوويتيكر. أبطاله لم يكونوا مجموعة من المقتدين بالمفاهيم الإجتماعية ومطبّقي العدالة والإنصاف لأن هذه كانت، بالنسبة إليه، أكاذيب "مستخدمة لطمأنة المشاهدين". أبطاله كانوا سقطوا من حسابات المجتمع العلوي وأصبحوا الآن مطاردين ومضطهدين. في مجمل أفلامه هناك بحث عن الغرب المتوحّش وليس الغرب الحضاري لأن ذلك كان بداية النهاية للزمن الذي كان يعشقه. الحنين الذي كانت أفلامه تبثّه هو لغرب غير متحضّر لأن الحضارة أمر مشكوك بها.
وهذا هو لب موضوع فيلم من غير نوعية أفلام الغرب عنوانه «كلاب من القش» قام ببطولته دستين هوفمان والإنكليزية سوزان جورج سنة 1971 وقام بتصويره في بريطانيا (فيلمه الوحيد هناك). فبطله ديفيد، عالم حسابات أميركي متزوّج حديثاً وقد وصل للعيش في بلدة بريطانية ريفية. إنه، بالتقسيم أعلاه، رجل متحضّر. لكن حين تتمادى محاولات أبناء البلدة للنيل منه ومن زوجته (التي تتعرّض لاحقاً للإغتصاب) يستبدل الحضارة بالنزوع إلى القوّة، والسلام بالحرب. يبرر المخرج لبطله اللجوء إلى السلاح للإنتقام من كل هؤلاء الذين هددوا سلامته وأذوه في شرفه.
في  النسخة الجديدة الحبكة لا تزال ذاتها، لكن مكان الأحداث انتقل إلى بلدة في المسيسيبي ومهنة البطل تغيّرت من عالم حسابات إلى كاتب سيناريوهات (جيمس مارسدن) الذي ووجه بالإستفزاز والمعادة ورغبة البعض في الوصول إلى زوجته (كايت بوزوورث) من أول ما حطّ وزوجته البلدة. لكن الموضوع لا يزال واحداً: كيف يمكن لرجل مسالم أن يبقى مسالماً وهو  يجد نفسها محاصراً بالعنف الذي يحاول أن يتجنّبه.
هذا الفيلم هو واحد من ثلاثة أفلام مبرمجة لإعادة تقديم المخرج المعروف. فهناك «التكساسيون« الذي كتبه ولم يستطع تحقيقه، و«الزمرة المتوحّشة» أشهر أفلامه وكان أنجزه سنة 1969 وفيه جسّد المعاني المذكورة أعلاه فيما يتعلّق بالمجتمع والحضارة وتهشيم رومانسية الغرب الأميركي وتصوير العنف على أن نتاج المجتمع وليس اختياره المرفّه.
حنين بكنباه إلى غرب آخر اضمحل قبل بدء أحداث أي من أفلامه، موجود في «مسدسات بعد الظهر« (1962) مع إثنان من ممثلي الوسترن التقليديين (راندولف سكوت وجوول ماكراي) وقد تقدّم بهما السن ومفهوم كل منهما للفترة الزمنية المقبلة (مشارف القرن العشرين).
«الزمرة المتوحّشة» أيضاً يقع في مشارف القرن العشرين ويدور حول عصابة من لصوص المصارف يقودها وليام هولدن تتعرّض لكمين فتهرب إلى المكسيك حيث تتعرّض لكمين آخر. مع نهاية الفيلم لا يمكن إحصاء كم قتيل يسقط من الطرف المعادي، لكن المعركة من الشراسة بحيث باتت من كلاسيكيات السينما.
ذات مرّة قرر المخرج تحقيق فيلم غير عنيف استجابة لنقد النقاد. الفيلم كان وسترن عاطفي بعنوان «أنشودة كايبل هوغ» (1970) وفشل ذلك الفيلم، على جودته وجماله، كان سبباً في أن بكنباه لم يكترث بعد ذلك (سوى مرّة واحدة) بتحقيق أفلام "مسالمة"، بل ازداد شراسة ومعاداة للنظام حتى النهاية.


مشاريع ستيفن سبيلبرغ المتوالية: هل هناك فسحة للفن؟


قبل أسابيع قليلة أمّ المخرج والمنتج الشهير ستيفن سبيلبرغ إجتماعاً مع شركة تونتيث فوكس. تصافح المجتمعون سريعاً راسمين تلك الإبتسامات المطمئنة ثم جلسوا يتحدّثون في مشروع قدّمته شركة سبيلبرغ الخاصّة أمبلين (من شركاته الأخرى دريمووركس التي تعود ملكيّتها بالتساوي إليه وإلى منتجين آخرين) إلى شركة فوكس قبل نحو أسبوعين فقط من ذلك الإجتماع.
المشروع بعنوان «روبوبوكاليبس«   Robopocalypse  
مأخوذ عن كتاب  لدانيال هـ. ولسون شغل نفسه بموضوع الروبوتس وغازل فكرة إحتمال أن تثور على الإنسان في هبّة لا تبقي ولا تذر يصبح فيها الفرد العادي ضحية منزوعة السلاح، الا من تلك الأسلحة التي تصبح، في مواجهة الروبوتس، تقليدية وبدائية مهما كانت في حياة الإنسان متقدّمة. ومع أن الفكرة الأصلية عولجت أكثر من مرّة سابقاً، فتم تداولها في فيلم ستانلي كوبريك «2001: أوديسا الفضاء» وفي فيلم أندريه تاركوفسكي «سولاريس«، وعلى نحو أكثر تحديداً في فيلم مايكل كريتون «وستوورلد» سنة 1973 وعلى يدي أليكس بروياس في »أنا، روبوت» سنة 2004، الا أن الفيلم الذي كان في البال هو «ثورة كوكب القردة» الذي أنجزه روبرت يات هذا العام، ولحساب تونتييث سنتشري فوكس ذاتها، والذي أكثر من 350 مليون دولار عالمياً ولا يزال معروضاً.
«ثورة كوكب القردة» يدور حول القردة التي تثور على الإنسان وتنطلق لتحتل سان فرانسيسكو وما بعدها. في هذا الوضع، لا يجد الأميركي بديلاً من المواجهة مكتشفاً الذكاء والمهارة الفريدان الذي يتمتّع بهما القرود ما يجعل من النضال ضدهم أمراً صعباً٠
صحيح أن «روبوبوكاليبس« يدور حول روبوتس وليس قردة إلا أن المفهوم واحد: الإنسان يحتاج إلى ثورة تواجه الخطر المستحدث من قِبل دخلاء على المجتمع وتقاليده. لكن ما يستدعي الإنتباه هو أن نجاح فيلم القردة سارع بالخطوات الضرورية لإنتاج فيلم عن الروبوتس. وقد يكون في البال غير المعبّر عنه، النظر إلى أحداث شرق أوسطية حديثة خرج فيها الناس مواجهين طغيان أنظمة تسلّطت عليهم منذ عقود٠
بعد ساعة ونصف من الإجتماع انفض المجتمعون على ما التقوا عليه من وفاق وابتسامات وتحوّلوا إلى سكرتيراتهم ومحاميهم لإبرام العقود. لكن الناتج الرئيسي أيضاً ليس استعجال الخطوات لمشروع لم يكن وارداً قبل أشهر قليلة، فقط، بل حقيقة أن الفيلم سيكون من الضخامة بحيث سيحتل ستديوهين لتصويره: ستديو فوكس وستديو دريمووركس٠
Adverntures of Tintin

هذا الفيلم الذي تقرر حجز قاعاته في العام 2013 ليس عودة ستيفن سبيلبرغ للسينما الكبيرة ولا للسينما الخيال علمية ولا للسينما الترفيهية لأنه لم يتوقّف عن أي من هذه الأعمال.
مباشرة من بعد الإستقبال الحذر من مؤيدي الحق الفلسطيني ومؤيدي الدولة الإسرائيلية على حد سواء لفيلمه «ميونخ»، قام سبيلبرغ بإنتاج عدد كبير من الأفلام من إخراج سواه بدءاً بفيلمين من تحقيق كلينت ايستوود هما «رايات آبائنا» و«رسائل من إيوا جيما» وحين قرر العودة إلى الأخراج، أنجز جزءاً رابعاً من «إنديانا جونز» عنوانه «مملكة الجمجمة الكريستال» سنة 2008 اي بعد ثلاث سنوات كاملة من «ميونخ».  بعده واصل الإنتاج إلى حين دخوله الاستديو لإخراج «مغامرات تن تن» الذي ينتظر عروضه قبيل نهاية هذا العام. وما أن انتهى منه حتى باشر تنفيذ فيلم آخر من إخراجه هو «حصان الحرب» ينتظر أيضاً العرض في العام الحالي.
في الحقيقة سيطرح سبيلبرغ فيلمه الأول في الثالث والعشرين من كانون الأول/ ديسمبر المقبل، وسيطرح فيلمه الثاني في الثامن والعشرين» من الشهر ذاته، أي قبل يومين إثنين من بداية العام الجديد٠
وحسب روزنامته فإن ستة أفلام مدرجة على خطّته كمخرج من العام المقبل وحتى سنة 2014 يتقدّمها فيلم «لينكولن» الذي سيُباشر بتصويره في الشهر المقبل ليكون جاهزاً للعرض في ديسمبر 2012، وهو فيلم من بطولة دانيال داي- لويس في دور الرئيس الأميركي الأسبق، وجوزف غوردون- ليفيت وتومي لي جونز وجيمس سبايدر وسالي فيلد وديفيد ستراتذام من بين آخرين عديدين. دراما تاريخية تتناول حياة وممات ذلك الرئيس وأحد مشروعين أميركيين جديدين عنه.
 والناظر إلى مشاريع سبيلبرغ المستقبلية، إخراجاً او إنتاجاً، سيلاحظ وجود العديد من الأفلام التي تنتمي إلى سلاسل سينمائية معروفة. مثلاً هناك جزء رابع من «جيروسك بارك» وجزء ثالث من «رجال في الأسود» وفكرة لم تتبلور بعد لإعادة إنديانا جونز إلى العمل ولو من دون هاريسون فورد وذلك رغبة في استحواذ جيل جديد يجد فورد غير قادر على القيام بالمهام الصعبة المناطة به نظراً لاعتلائه سنّاً متقدّماً.
أما ناحية الإشتغال على الأفلام الخيال علمية عموماً فهي مزروعة في أكثر من مكان على خارطته المقبلة. «جوراسيك بارك 4« و»رجال في الأسود 3« بالإضافة إلى «روبوبوكاليبس« وفيلم آخر عنوانه «حين تتصادم الكواكب« كلّها من هذا النوع الأعلى كلفة والأكثر إقبالاً في الوقت ذاته٠
في وسط كل ذلك، قد يسأل المرء نفسه عمّا إذا كان ستيفن سبيلبرغ في وارد تحقيق فيلم لا يريد منه إنجاز أطنان من الأرباح... ربما طن او نصف طن، لكن ليس على النحو الذي تحققه أفلامه عادة٠
هنا لدينا زاويتا نظر الى الموضوع٠
الأول أن النجاحات الأسطورية للمخرج سبيلبرغ أصبحت متباعدة٠
في السبعينات ومطلع الثمانينات، عندما اندلعت نيران النجاحات الأولى، أنجز المخرج سريعاً صيته بمخرج البوكس- أوفيس الأول. أفلامه السابقة مثل «جوز» و«إنديانا جونز وغزاة تابوت العهد» و«إي تي» و»لقاءات قريبة من النوع الثالث» أنجزت في تلك الفترة مئات ملايين الدولارات علماً بأن سعر التذكرة كان أقل من نصف سعرها اليوم، هذا ما يجعلها الأعلى مردوداً حتى اليوم إذا ما عاملناها بسعر التذكرة الحالي (من 10 إلى 18 دولار للتذكرة)٠
بذلك فإن «إي تي»، سنة 1982 الذي تحدّث عن مجموعة من الأولاد يكتشفون وجود مخلوق فضائي على الأرض فيحاولون حمايته، الذي سجّل حول العالم 435 مليون دولار، يساوي بليون دولار اليوم وهو لا يزال على قمّة أكثر أفلامه رواجاً. هذا الفيلم متبوع بفيلم حديث هو الجزء الثاني من «ترانسفورمرز» لكن علاقة سبيلبرغ به هي عمله كمنتج منفّذ وليس مخرجاً او منتجاً٠
وفي الواقع ستّة من أفلامه العشر الأولى رواجاً، هي لأفلام نشأت او انتمت الى السبعينات والثمانينات. وخمسة منها هي من إخراجه٠
بالتالي، حين انطلق في منتصف السبعينات مسنوداً من قبل شركة يونيفرسال لتحقيق أفلامه الأولى مثل «جوز» و«شوغرلاند أكسبرس» و«غزاة تابوت العهد» أسس مهده كالمخرج الذي يزن ذهباً. ذاك الذي في رأي البعض آنذاك، يستطيع أن يصنع أي فيلم يُريد، هذا في الوقت الذي كان فيه زملاءه في مطلع الثمانينات يجدون أنه من الصعوبة لدرجة كبيرة استحواذ مقادير العمل والقرارات الفنية المتّصلة به. تجاوب البعض وامتنع البعض الآخر (ومنهم فرنسيس فورد كوبولا) الذي أصر على تحقيق الأفلام التي يريد حتى من دون مظلّة الشركات الهوليوودية الكبيرة٠

من ناحية أخرى، فإن طلات المخرج على المساحة الفنيّة من أعماله، هو على نفس القدر من التباعد.  في الثمانينات جرّب المنحى الفني مرتين فقط كان النجاح فيهما معتدلاً: مرّة حين أخرج الدراما الأفرو- أميركية «اللون القرمزي» والثانية حين حقق «إمبراطورية الشمس» (الذي لا زال من أفضل أعماله لليوم) والثالثة حين عالج موضوع الحب في »دائماً« حول روح الزوج التي تحوم في المكان بعد موته لتدافع عن زوجته.
ثم عاد إلى الفيلم الجاد في العام 1993 في فيلمه المثير للجدل «قائمة شيندلر» ثم في فيلمه الآخر »أميستاد» بعد خمس سنوات و»إنقاذ المجنّد رايان» (1998) محاولتيه الكوميديّتين في «اقبض عليّ إن كنت تستطيع» (2002) و»ذ ترمينال» (2004) كانتا وبالاً تجارياً ونقدياً كما كان حال فيلم كوميدي سابق له هو «1941« الذي انجزه سنة 1979 وكان من أفدح خسائره٠
قبل «ميونخ» أنجز فيلماً حاول فيه استخدام النوع الخيالي العلمي لخلق حالة ذهنية مرتفعة بين الجمهور وذلك في فيلم «ذكاء إصطناعي» لكن مرّة أخرى عارضه النقاد وتجاهله الجمهور. ليس كل النقاد وليس كل الجمهور إنما الى حد تحذيري. المرّة الأخيرة في إتجاه غير جماهيري تمّت مع «ميونخ» . وهو قال لهذا الناقد ذات مرّة خلال مقابلة: "ما وجدته مذهلاً بين النقاد هو أنهم يطالبونني بأن أخرج أفلاماً للكبار  وحين أفعل يطالبونني بالعودة إلى أفلام المغامرات«. وهذا ما يبدو ما استقر عليه رأي سبيلبرغ حتى الآن


النافذة الخلفية  |  حالة مونتي هلمان

الجائزة التقديرية التي نالها مونتي هلمان في مهرجان »فنيسيا« العام الماضي، عن مجمل أعماله تأتي في الوقت المناسب في تاريخ مخرج مقل ومثير للأقاويل. ليس معروفاً الى أي حد يستطيع المرء معه الحديث عنه من التعريف به، لكن ذلك لا يعني أنه أحد المخرجين المستقلّين الذين لمعوا في ستينات القرن الماضي وسبعيناته وخاضوا مشاق العمل خارج المؤسسة وأنجزوا أفلاماً تستدعي النقد٠
أفلامه- بإعترافه- لا يمكن تصنيفها على نحو محدد. وهو أمضى زمناً طويلاً في السينما لا يصنع أفلاماً، وحين صنع أفلاماً لم يدر بها الا القلّة. منحه روجر كورمان، وهو منتج مستقل لأفلام ذات أساليب تمزج الهوليوودي بالذاتي، فرصته الأولى (كما سنرى) في الستينات، وحتى فيلمه الأخير «الى لا مكان« الذي، على أكثر من نحو، يرمز الى مسيرته.
ولد في نيويورك سنة 1932 وترعرع في كاليفورنيا، وحسب قوله أدمن المسرح منذ أن كان فتى صغيراً ما دفعه لدراسة الدراما  والفيلم. عمله الأول كان في الكواليس المسرحية، والثاني كمساعد مونتير. بعد ذلك خاض الإخراج لأول مرّة سنة 1959 عندما منحه كورمان الفرصة لتحقيق فيلم رعب بعنوان
The Beast From Haunted Cave | الوحش من المغارة المسكونة٠
مع هذه الفرصة لم يعد هلمان يكترث للمسرح واجداً أن السينما هي كل ما يريد لنفسه. ذلك الفيلم، كما يُشير الناقد البريطاني الملم الراحل فيليب ستريك (أحد أفضل من قرأت لهم خلال سنوات نشأتي ومارس النقد حتى وفاته قبل أعوام قليلة) تم تصويره فوق ثلوج ولاية داكوتا الجنوبية.  قصّة عصابة سرقت منجم ذهب ولجأت الى مغارة تختفي فيها فإذا بالمغارة مسكونة بمخلوقات غريبة. هذا النسيج من الرعب والغانغستر والخيال العلمي ربما كان وسيلة لدفع هلمان الى الأمام، لكنه لم يشعر بأنه أنجز فيلماً جيّداً (وأنا لم أر الفيلم لأبدي رأياً)٠
فيلمه الثاني كان حربياً شاهدته له معروضاً على إحدى قنوات التلفزيون الأميركي قبل نحو ستّة أشهر. هو
Back Door To Hell ، «الباب الخلفي للجحيم»: دراما حربية مختلفة عن معظم أفلام الحرب العالمية الثانية من حيث أن البطولة ليست للفرد بل للمعاناة خلالها. تقع الأحداث خلال المعارك التي خاضتها الولايات المتحدة في الفيليبين. الفيلم كان من بطولة جاك نيكولسون في واحد من أدواره الأولى وجاك نيكولسون كان وجهاً شبه ثابت في أفلام روجر كورمان آنذاك ومن الطاقم الشبابي الذي التفت حول الفرص التي أتاحها المنتج كورمان ما جعله على معرفة بمونتي هلمان، لذلك كان من الطبيعي الى حد بعيد أن يكون فيلم هلمان الثالث من كتابة نيكولسون وبطولته أيضاً وهو «الطيران الى الغضب«٠
Flight To Fury (1965)
إذا كان الفيلمان السابقان زيّنا شاشات صالات قليلة في الولايات المتحدة، فإن هذا الفيلم الثالث لم يطر الى أي مكان بل انتهى الى العروض التلفزيونية من حينها٠

روجر كورمان تابع دفعه لمهنة هلمان ومما سبق لابد من القول أن فيلماً واحداً من تلك التي كان هلمان أنجزها حتى منتصف الستينات كان من إنتاج مؤسسة رئيسية وهي شركة فوكس وهو »باب خلفي للجحيم«.
اقترح كورمان على هلمان أن يخرج عملين من نوع الوسترن ومن بطولة جاك نيكولسون وهذا ما فعله هلمان  في العام 1966 حين انطلق لتصوير فيلم بعنوان The Shooting
هذا الفيلم هو أيضاً من عروض المحطّات التلفزيونية حالياً غالباً بسبب إسم جاك نيكولسون، لكن الى جانب ذلك هو نموذج لأسلوب هلمان في العمل. فالقصّة ليست سوى تبرير لمشاهد تختلق مواقفاً خارج المعتاد وخارج النمط. إنه فيلم انتقام يواجه فيه نيكولسون واحداً من وجوه الفترة الصاعدة التي أصبح له في الفترة ذاتها مكانة مهمّة وهو وورن أوتس  وهو لاحقاً أحد رجال سام بكنباه في »الزمرة المتوحّشة« وبطل فيلمه Bring Me the Head of Alfredo Garcia
مع نيكولسون وأوتس في البطولة ممثلة ناشئة أسمها ميلي بركنز وهي عادت الى فيلم هلمان التالي
الذي يمكن ترجمة عنوانه الى «رحلة الى الزوبعة« وفي الأصل Ride in the Whirlwind
ثلاثة كاوبوي يجدون أنفسهم متّهمين بأنهم يشكّلون عصابة وها هو القانون في أثرهم. مرّة أخرى القصّة تؤدي دوراً بعيداً والمقدّمة هي لتأليف أجواء وتقديم مشاهد تسخّر النوع لصالح التأليف.
هذا يضع المخرج في موقع المخرج- المؤلّف بلا ريب رغم السائد من الإعتقاد بأن هذه الصفة هي مضادّة تماماً للنوع، ويمكن لي أن أسهب في هذه النقطة لكن المجال يتطلّب موضوعاً مختلفاً. لكن المفاد هو أن ارتباط السينما الأميركية بالأنواع لا يعرف حدوداً بين ما هو مستقل وبين ماهو هوليوودي. المحك الفاصل هو المسافة التي يضعها المخرج بينه وبين الأسلوب القصصي التقليدي ومونتي هلمان وضع المسافة الصحيحة٠
أفضل الفيلمين هو «القتل« الذي يدور حول إمرأة (بركنز) تطلب مساندة صيّاد جوائز (أوتس) في رحلة عبر الصحراء. اليهما ينضم قاتل محترف (نيكولسون) يعتقد أن الصيّاد هو من يبحث عنه لقتله. لكن في نهاية الفيلم يكتشف أن من يبحث عنه شبيه له. هناك توتّر ناتج عن هذه المفارقة في فيلم يقوم -مسرحياً إذا جاز التعبير- على مفهوم الرحلة٠
إنه من المثير عودة هلمان للإخراج بفيلمه الجديد «الى لا مكان« في الوقت الذي قدّمت فيه مخرجة جديدة هي كاي رايهارد وبفيلم وسترن هو «انفصال ميك« يشابه أسلوباً وصياغة ما حققه هلمان في هذا النوع من السينما، لجانب أنه فيلم طريق او رحلة كما كان حال معظم أعمال هلمان في تلك الفترة وما بعد (راجع عنه العدد 589)٠

بعد فيلميه هذين، انقطع هلمان لخمس سنوات عن العمل. اشتغل في ركاب بعض الأفلام مساعداً هنا وكاتباً هناك ثم عاد في العام 1971 لإخراج أهم أعماله والوحيد من بينها الذي وجد انتشاراً (عُرض وشوهد لأول مرّة في بيروت). عنوان الفيلم مثيراً كوقع محدد:  Two- Lane Blacktop
 ولن تنفع ترجمة العنوان بكلمات معيّنة، لكنه يُشير الى شكل الطريق الريفي المؤلّف من خطين ذهاباً وإياباً وصولاً الى قمة متصاعدة تبدو من بعيد، ومن وجهة نظر السائق، سوداء٠
الفيلم (من بطولة وورن أوتس ودنيس ويلسون والمغني جيمس تايلور والناشئة لوري بيرد) عبارة عن رجلين مفلسين في سيارة شيفروليه موديل الخمسينات منطلقين فوق دروب الولايات الغربية. طريقتهما في دفع البنزين هي السباق مع سيّارات أخرى الى أن يلتقيا بسائق معين (أوتس) الذي ينقل السباق الى درجة قصوى من الجدّية والإحتراف.
هذا مونتي هلمان في أفضل حالاته من دون أن يقترب من أسلوب سواه. منفرد بين المستقلّين ولا علاقة بالهوليووديين وفي ذات الوقت أميركي الطباع والبيئة والثقافة الكامنة في أرض لا أحد. طرق وسط الصحارى مفتوحة على فضاء سريعاً ما يجسّد وجوداً وجدانياً لا يمكن تقليده.
فيلمه اللاحق هو »صراع ديوك« مع وورن أوتس أيضاً. هذه المرّة (1974) المبارزة هي مجال مختلف تماماً حيث يعمل بطل الفيلم في تدريب الديوك التي تهيأ للعب القمار. الفيلم رهينة شخصيته الرئيسية التي تمر بتدرّجات مختلفة من اللامبالاة الى موقف جديد يبحث فيه عن هويّته الوجودية. عنيف، وبعض مشاهد المباريات بين الديوك لا يمكن الا وأن تسبب لدى المُشاهد قدراً من النفور حسب الناقد ستريك الذي وَجَد الفيلم من أفضل أفلام المخر٠
الفيلم الأخير الي أن قام هلمان بتحقيق «الى لا مكان« [هناك نقد قادم له في "فيلم ريدر"] هو
China 9, Liberty 37 وحمل ذات المفردات اللغوية الخاصّة ليحكي كل ما يجول في عقل المخرج من دون أن يسرد ذلك في شكل روائي محدد.  العنوان هنا يرمز الى لوحات مدينتين »تشاينا« التي تبعد تسع أميال و"ليبرتي" التي تبعد 37 ميلاً. وبطولته -مرّة أخرى- لوورن أوتس الذي يكتشف علاقة بين زوجته (جيناي أغوتر) ورجل تم إنقاذه من الموت مقابل أن يبحث عنه ويقتله (فابيو تستي). ما قلته عن أفلام المخرج السابقة ينطبق تماماً هنا. بالنتيجة، ليس من بين ما أخرجه ما هو فيلم رائع بكل المواصفات او عظيم الى حد لا يمكن تفويته من قِبل المشاهد غير المتخصص، لكنه بالتأكيد مهم للآخرين

العدد المقبل: جاك ستاريت



سينما وسينمائيون | ذلك المحيط الشاسع.... أندريه تاركوڤسكي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحلقة الأولى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشرت هذه الحلقة الأولى من مسلسل "سينما وسينمائيون" حول
المخرج الفذ أندريه تاركوفسكي في العدد 655 ثم داهمنا مهرجان
فنيسيا السينمائي. أعيد نشر الحلقة الأولى تمهيداً للحلقات القادمة.

- محمد رُضــا



ولد أندريه تاركوڤسكي في مدينة زاڤراشي الروسية في الرابع من نيسان/ أبريل سنة 1932 وتوفّي بعد 54 سنة فقط في التاسع والعشرين من شهر كانون الأول/ ديسمبر 1986 في باريس، فرنسا٠ عدد سنوات العطاء 21 أخرج فيها سبعة أفلام روائية طويلة فقط هي
 My Name is Ivan  (1962)| إسمي إيڤان
Andrei Rublev (1969)| أندريه روبلوڤ
Solaris (1972) | سولاريس
The Mirror (1975)| المرآة
Stalker (1979)| المقتفي
Nostalgia (1983)| نوستالجيا
Offret (1986)| التضحية

لجانب الإخراج مثّل في أفلام قليلة (قطعاً ليس حبّاً في التمثيل خصوصاً وأن هذه المرّات وقعت في السنوات الأولى من حياته المهنية) وكتب السيناريو ووضع النظريات وألّف كتاباً لابد من قراءته لكل طالب او هاو او حتى محترف  عنوانه
Sculpturing in Time | النحت في الزمن
والده كان أرسين ألكساندروڤيتش تاركوڤسكي، شاعر استعان المخرج ببعض أشعاره في أفلامه لكي يغذّي المعاني التي يريد، لكنه لم يحوّل ذلك الي مظهر فولكلوري. أمه ماريا إيفانوڤا ڤيشنياكوڤا  التي درست الأداب وتخرّجت من أفضل معاهد الإتحاد السوڤييتي حينها (معهد مكسيم غوركي)٠
هناك معاناة تقف وراء كل إبداع. ربما من دونها لا يوجد إبداع وأنا لا أتحدّث عن معاناة إجتماعية عامّة مثل الظلم والفقر الخ... هذه حوافز ودواعي تغيير نبيلة، لكني أتحدّث عن جرح مؤلم لا يفقهه المرء وهو صغيراً. جرح مثل الوحدة او مثل الحاجة الى أب ووالده بالفعل ترك العائلة  منخرطاً في الجيش حين كان تاركوڤسكي في الحادية عشر من عمره. أمّه نزحت به (وبشقيقته مارينا) الى موسكو. خلال الحرب العالمي الثانية نزحت عائلته من دون هذه المرة الى مدينة أخري وتركت تاركوڤسكي يعيش وحيداً مع جدّته. حين التأمت العائلة من جديد قبيل نهاية الحرب، كان تاركوڤسكي قد اكتنز كل بواعث الرغبة الفنية. كان أخذ يعزف البيانو ويقرأ  ويصاحب هواة الشعر وطالبي الثقافة. في العام 1947 أصابه السل٠
ما تقدّم ليس فقط سيرة حياة بل سيرة أفلام استعان بها المخرج عناصر حديث لبعض أفلامه. في »المقتفي« الفتاة المصابة بالمرض. الأم والأب اللذان لا يتحدّثا ويتواصلا كثيراً. في »المرآة« الأم التي ترعى ولديها بغياب الأب٠
استكمل تاركوڤسكي دراسته (بما فيها العربية) حتى العام 1954 عندما قرر أن السينما هي ما يريد فعله في الحياة فانخرط في معهد الدولة السينماتوغرافي الذي درس فيه عدد كبير من السينمائيين الروس وغير الروس أيضاً، والمعروف بأحرفه الأولى
VGIK
خلال تلك الفترة كان بات من الممكن مشاهدة أفلام عمالقة آخرين أمثال اليابانيين كنجي ميتزوغوشي  وأكيرا كوروساوا والفرنسيين روبير بريسون وجان-كلود غودار. إطلع أيضاً على أفلام إنغمر برغمان و لوي بونويل، وفي أحاديثه وكتاباته لاحقاً كثيراً ما أشاد بهذه المجموعة التي يجمعها أنها نفّذت أفلامها من دون وصاية إنتاجية تتبع الرغبة الجماهيرية العامّة
فترة الدراسة إمتدت من العام 1954 الى العام 1960 وخلالها تعرّف على عدد من الأساتذة أبرزهم ميخائيل روم  وكان أحد أقرب رفاقه إليه المخرج أندريه كونتشالوڤسكي الذي أخرج بدوره عدداً من الأفلام الرائعة من بينها
Asya, Klyachina's Story, Uncle Vanya
وعلى الخصوص
Siberiade
قبل أن يتوجّه (والحديث لا يزال عن كونتشالوڤسكي) الى الولايات المتحدة حيث أخرج
Runaway Train, Tango & Cash
لكنه عاد الى روسيا ليحقق فيها عملاً رائعاً لا يزال أخيره وهو
House of Fools (2003)


الفيلم الأول: طفولة إيڤان 
Evan Childhood ****

بدأ المخرج تاركوڤسكي أعماله السينمائية بفيلم  »طفولة إيڤان« وهو لم يكن من إختياره مباشرة بل كان من  المفترض بالمخرج إدوارد أبالوڤ تحقيقه لكنه لم يستطع فانسحب. أمسك تاركوڤسكي بالمادّة ومنحها الكثير من خصوصيّته. هكذا من البداية نجد أن معالم السينما الخاصّة لتاركوڤسكي موجودة وأهمية ذلك تعود إلى أنها ترسم صورة حقيقية عن الفنان ممسكاً برؤيته ومختاراً عناصرها البصرية بكل عناية.  لا. ليس البصرية فقط، بل أيضاً المنتسبة الى الموضوع٠
قبل قليل، وفي الكلمة أعلاه، تحدّثت عن السينما المعادية للحرب وقلت إنه ليس ما تعرض فيها بل كيف تعرضها أساساً. »طفولة إيڤان« هو من هذه الناحية معاد للحرب رغم أن الفيلم ليس حربياً. إهتمام المخرج أنصبت على إيڤان، إبن الثانية عشر من العمر، الذي تصبح الحرب مأواه وتترك علاماتها القاسية على طفولته و-بالتالي- نموّه٠
في الوقت نفسه، هذا من أقل أفلام تاركوڤسكي غموضاً٠أدواته المستخدمة في سرد القصّة بسيطة. مفهومة ومقروءة من دون أن يكون الإنتقال منها الى صرح أعماله الأخرى إنقلاباً بحد ذاته او تغيير سلوك ومنهج بصري٠
يفتح الفيلم بفلاشباك حيث إيڤان لا يزال في الرابعة من العمر. الزمان الذي كان يعيش فيه (قبل الحرب العالمية الثانية). المكان الذي يعيش فيه (أكرانيا) دلالات موحية بسعادة غامرة وتاركوڤسكي يستخدم هذا الفلاشباك كحلم. حين نسمع طلقة رصاص لا يفيق النائم فقط، بل نفيق نحن معه. الثانية التي تنقلنا من اللقطات الأولى الى الأخرى الجديدة تحدث ما هو متوقّع منها: تركنا لعالم لم يكتمل معالمه (لم نكن نعلم أنه فلاشباك) ودخولنا الى عالم آخر أيضاً لا نعرف شيئاً عن معالمه٠ أيضاً الفلاشباك الذي نراه هو حلم إيڤان. إنه الصبي الذي كان يسترجع ماضيه حلماً. في العادة نحلم بحياتنا السابقة صغاراً ونحن مستيقظين. أحياناً ما نتحدّث عنه لمن معنا. نادراً ما نحلم حين كنّا صغاراً، ذلك أن الحلم ليس الذاكرة. لكن  عند تاركوڤسكي سعي للدمج قد لا تكون علمية، لكنها مفيدة وفي مكانها (إذ تقع في مقدّمة الفيلم) تماماً٠
في ذلك الإسترجاع الحلم نتعرّف على أم إيڤان (إرما رايوش تاركوفسكايا التي أصبحت زوجة تاركوڤسكي بعد الفيلم) والعلاقة الحانية بين أم وطفلها ستميّز أعمالاً أخرى لتاركوڤسكي. حين يستيقظ إيڤان (كما يؤديه
إنيقولاي بيرلياييف الذي يبلغ اليوم الحادية والستّين من العمر-إذا ما كان لا يزال على قيد الحياة) ، نراه في وقته الحاضر إبن إثنا عشر سنة ومن دون أم. بهذا الإختصار يوجز تاركوڤسكي وضعاً عاطفياً إنسانياً رائعاً: السنوات الحلوة لتاركوڤسكي هي تلك التي كان فيها مع والدته. الآن حالة أخرى والرصاص المندلع من مكان قريب مسموع هو الند لتلك الحالة العاطفية الإنسانية٠
نحن الآن في رحى الحرب. إيڤان عين روسية في الخطوط الألمانية لصغر سنّه ولمعرفته بالمنطقة الحرشية التي تقع فيها الأحداث. لا يستطيع الوصول الى حيث رئيسه المباشر كاتاسونيتش ستيفان كريولوف) فيغيّر من خطّته ويصل الى موقع روسي آخر يشرف عليه الضابط غالتسيف (إيڤيني زاريكوف) الذي يقرر إرسال إيڤان للمدرسة العسكرية بعيداً عن خطوط القتال. قبل أن يفعل ذلك القيادة تريد إيڤان القيام بمهمّة أخيرة٠ في الوقت الذي يستعرض فيه تاركوڤسكي قصّة الصبي يمد الحكاية بقصص أخرى ثمينة. »طفولة إيڤان« في مجمله ليست عن طفولته التي ضاعت فقط ، وليس عن براءته التي فُقدت عندما قتل النازيون والده وأمه وشقيقته (لاحظ أن تاركوڤسكي هو أيضاً إبن عائلة من أربعة بمن فيها شقيقة)، بل عن صعوبة الإنخراط في الحياة الطبيعية حين تتبدّى. الضابط المسؤول يهيم بفتاة القرية القريبة وحين تُتاح له فرصة مضاجعتها ينسحب لا عجزاً جنسياً ولكن عن عجز نفسي. نتيجة فقدانه -بدوره- براءة مماثلة. روحاً عاطفية تستطيع أن تتمادى الى حالة حب جسدية٠
 لكن عالم إيڤان نفسه هو المحور وعلاقته بثلاثة مذاهب من التفكير بين ثلاثة قياديين في حياته (المسؤول الأول عنه، الضابط ومسؤول الضابط) وعن كيف يصبح هذا المحور موضع نقاش تفرضه الحاجة إلى إيڤان جندياً في مقابل رغبة الضابط إبعاده تماماً عن الجبهة. إنه إيڤان الذي يصر على البقاء كما لو أنه قبول بالمستقبل الداكن الذي سنكتشف لاحقاً بأنه ينتظره. تلك المهمّة الأخيرة تضمّه وضابطه وآمر الفرقة في رحلة الى الشاطيء الآخر من نهر دنيستر حيث تكمن القوّات الألمانية. الغاية منها العودة بجثّتي جنديين روسيين تم شنقهما. الضابط وآمره يعودان من المهمّة سالمين. إيڤان لا يعود ولاحقاً ما تكشف أوراق وجدها الضابط أن إيڤان مات مشنوقاً ٠
رغم ذلك، نهاية الفيلم هي حلم آخر لإيڤان- من دون أن تكون هناك لحظة يقظة منه. في الحلم نراه يلعب وفتاة من عمره.  إنه تكملة لحلمه السابق الذي استيقظ منه. هذه المرّة لا يقظة من الحلم٠
النظرة التي يرسمها الفيلم هنا ذات وجهين: حانية وإنسانية من ناحية وداكنة ومفرّغة من الإنسانية تماماً من ناحية أخرى والناحيتان لا فصل بينهما. لو كان لداوم المخرج الإنتقال بينهما، لكن تاركوڤسكي يظهرهما واحداً وهو وإن يتحدّث عن جانبي الحرب (الروس والألمان) الا أنه ينظر الى الأعداء من الزاوية الطبيعية الوحيدة وهي تلك التي تكوّنت عند إيڤان بفعل تفريغ الحرب للبراءة منه، وبالتالي للقدرة على كره الحرب وليس كره الجندي على الخط المقابل منها والذي -بدوره- ليس لديه قرار بل فُرض عليه الدور الذي يؤدّيه٠
وكلمة أخرى هنا بالنسبة لما سيشكّل مستقبل تاركوڤسكي نفسه: الطبيعة الموحشة في هذا الفيلم في المكان الأول هي الوعاء الذي تعيش فيه الشخصيات. أفلام تاركوڤسكي جميعاً ستحتفي بالمكان على نحو خاص- حتى ذاك الذي في فيلمه الخيال- العلمي »سولاريس«٠ وسآتي على ذكره حين الوصول إليه٠


يتبع.....


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2007- 2011



Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular