Sep 10, 2011

Venice 7 | نقد الفيلم الرابح بالذهبية بالإضافة إلى أفلام أخرى


Year 5 | Issue 673

المفكرة | الثورة على الشاشة

تم عرض فيلم سوري وفيلم مصري يوم أمس (الجمعة) يدوران حول الثورة التي تقع في الأولى وتلك التي وقعت في مصر. الإستقبال كان جيّداً لكن الإقبال لم يملأ الصالة ذات السبعمئة مقعد او نحو ذلك٠
الفيلم السوري عنوانه «حاضنة الشمس» ومخرجه هو عمّار البيك، أما الفيلم المصري فهو ثلاثة أفلام مجتمعة تحت عنوان «التحرير» ويعرض الثورة من ثلاث وجهات نظر لثلاثة مخرجين: تامر عزّت، أتين أمين  وعمرو سلامة.
عمّار البيك لا يملك دعماً إنتاجياً حتى يصنع فيلماً من ساعة ونصف. كذلك فإن النظام لا زال جاثماً فوق الصدور بحيث لا يستطيع الإعتماد علي معونة أحد او حتى يصنع فيلمه على نحو واضح ومكشوف. لكنه في نحو ربع ساعة جسّد الفكرة الجيّدة التي استطاع تحقيقها: زوجان وطفل وتلفزيون يعرض ثورة ميدان التحرير. يرتّبان نفسيهما كل بمفرده. الزوج يغسل يديه من الدهان الذي استخدمه للوحة التي سيحملها. تخرج. يخرج. لقطة للبيت من الخارج وأصوات المتظاهرين مرتفعة. قطع لمستشفى والرجل لجانب زوجته المصابة. ثم لمستشفى آخر الزوجة تضع فيه وليدهما. بهذا الخلط هرب قدر المستطاع من تبعات الموقف فدمج الثورة المصرية بتلك السورية كإمتداد واحد، وعاد إلى الطفولة حيث المستقبل المرهون والمنتظر لجيل يعيش أياماً أفضل٠
»التحرير» يتناول ثلاث مواقع في أفلامه الثلاثة: المتظاهرون ومطالباتهم، رجال الأمن وشراستهم (عنوان هذا القسم هو «الشرس») ثم حسني مبارك كدكتاتور. وفي حين ينجز الفيلم الأول بانوراما واسعة للمتظاهرين ليست جديدة الصور بقدر ما ملتحمة ومولّفة على نحو جيّد، يتناول الفيلم الثاني الموقف الصعب لرجال الأمن: هم رجال أمن لديهم أوامر اعتادوا على تنفيذها وأمامهم شعب يريد استبدال من أصدر تلك الأوامر، وبذلك هم في الوسط تماماً. أحد الذين تحدّثت الكاميرا إليهم يحاول الدفاع عن دوره، لكن ذلك ما يمنح الفيلم "السكوب" الواسع الذي ينشده٠
الجزء الثالث هو عن تلك العناصر العشرة التي عمد إليها النظام للحفاظ على نفسه وفي مقدّمتها "صبغة الشعر" ومنها إنتشار الإسم والأغاني والحديث عن العدو الوهمي والأمن والقانون وصولاً إلى الإنكار. كل شيء مباشر هنا لكنه متوقّع لأن مثل هذا الفيلم يرد في أجندة كل ثورة او ثورة مضادة. السينما كثيراً ما خدمت نظاماً مُعيّناً وحين اختلف خدمت النظام البديل. كذلك هي عادت نظاماً وحين تغيّر عادت النظام الجديد أيضاً٠
هذه الأفلام، ومن قبلها مصرية وتونسية في كان، ستبقى محك اهتمام الغربيين لأنهم على علاقة بنا وبالتالي هذا هو اليوم الموعود لمثل هذه الأفلام لكي تتحدّث عما لم تكن تستطيع الحديث فيه قبل ذلك٠
مع نهاية الفيلم المصري، شعرت بحزن شديد: كل هؤلاء القتلى الذين دفعوا حياتهم قبل الثورة وخلالها ولا يزالون في مقابل الحياة الشريفة التي يستحقّون، وتلك الحفنة (الأربعين ألف حرامي كما يقول الفيلم) الذي أكلوا لحوم أخوانهم من دون ذرّة ضمير... كل هذه السنوات التي اقتنصت من عمر الإنسان وقانصها نعم بالبذخ والرفاهية ولم يوماً جائعاً الا لمزيد من الفساد والإثراء والنظر بعيداً عن المواطنين... كيف لا أحزن يا زمن  انطوى ولا زالت النهاية بعيدة٠


ظاهرة  فينسيا هذا العام: إقتباسات  مسرحية ونصوص أدبية وسينما رائعة

Killer Joe

أحداث فيلم «حقول قتل تكساسية» مستوحاة من أحداث واقعية كما تقول المخرجة آمي كانان مان، إبنة منتج الفيلم والمخرج مايكل مان. وبذلك هو واحد من القلّة هذا العام التي تدّعي أن أحداثها لها علاقة بالواقع٠
الأكثر ظهوراً في أفلام المهرجان الإيطالي هذه السنة هو كم الإقتباسات المسرحية الأدبية التي وجدت طريقها إليه. من فيلم رومان بولانسكي «أشلاء» عن مسرحية ياسمينا ريزا إلى فيلم ألكسندر زوخوروف «فوست» عن نص يوهان وولفغانغ غوتيه، ولو بتحوير شديد، مروراً بـفيلم آل باتشينو «وايلد سالومي» عن مسرحية أوسكار وايلد وهو في جانب أساسي منه فيلم مسرحي.
في الحقيقة أول ثلاثة أفلام عرضت في المسابقة كانت ذات أصول مسرحية. فيلم جورج كلوني، الذي افتتح المهرجان، وعنوانه «منتصف أشهر مارس» له جذوره في مسرحية لبو ويليمون بعنوان «فراغوت نورث» إسم محطة مترو في مدينة واشنطن، وقدّمها منذ العام 2008 وتناولت، كالفيلم، السعي للسلطة والفساد الذي يتخلل هذا السعي وبسببه٠
الفيلم الثاني في هذا النطاق كان فيلم «أشلاء» الذي هو أكثر الأفلام الواردة في هذا المجال صدقاً وأمانة للمسرحية التي وضعتها الإيرانية الأصل ياسمينا ريزا تحت عنوان »إله الأشلاء» والذي نقلت نصّه من الفرنسية إلى الإنكليزية وجالت به دولاً عدّة قبل أن يقرر المنتج الجزائري الأصل سعيد بن سعيد تحويله إلى فيلم للمخرج رومان بولانسكي يحافظ تماماً على البناء المسرحي وحواره ومواقفه٠
الثالث وروداً كان الفيلم الجديد للمخرج الكندي ديفيد كروننبيرغ بعنوان «منهج خطر» المقتبس عن مسرحية لكريستوفر همبتون المسمّاة بـ »الصورة الناطقة» والذي تم تقديمها مؤخراً في نيويورك٠
أيضاً في الإطار المسرحي فيلم وليام فريدكن «جيلر جو« (إسم علم) الذي تم استيحائه عن مسرحية لتراسي لَتس. وكان المخرج الأميركي قام بالإقتباس عن نفس الكاتب قبل نحو سبع سنوات حين قدّم فيلمه السابق «حشرة». وفي نطاق ما هو أميركي أيضاً، من حيث  الرنتاج على الأقل، هناك فيلم آل باتشينو الذي يبحث في المؤلف المسرحي أوسكار وايلد وفي صلة مسرحيته «سالومي» بسعي باتشينو لفهم الكاتب ومسرحيته ونفسه في آن واحد٠


أدبياً، يتصدّر اللائحة فيلم أندريا أرنولد «مرتفعات وذرينغ» وفيلم توماس ألفردسون «سمكري، خياط، جندي، جاسوس«. الأول عن رواية إميلي برونتي الكلاسيكية الشهيرة التي تم اقتباسها للسينما أكثر من عشر مرّات ناطقة وبضعة أفلام صامتة أولى، والثانية عن رواية جاسوسية لجون لو كاري انتقلت إلى الشاشة الصغيرة من قبل سنوات غير بعيدة بنجاح كبير. كلا الفيلمين بريطانيين. لكن كما أن الهوية لا تضمن قوّة الفيلم او مستواه، فكذلك الحال لا يعني الإقتباس الأدبي او المسرحي أن الفيلم المقتبس أفضل من ذاك الذي يُكتب للشاشة.
لكن السائد في هذا النطاق، أن هذه الأفلام المقتبسة لم تحاول تغيير الحوار المستخدم فيها. رومان بولانسكي حافظ عليه على نحو شبه حرفي في «أشلاء»، وكذلك فعل كل من وليام فرديكن («كيلر جو») وديفيد كروننبيرغ («منهج خطر»)٠
كذلك لا يخفي صانعو هذه الأفلام إعتمادهم على الحوار بكثرته ووفرته. بكلمات أخرى، المقتبس ليس فقط العمل المسرحي بحواره، بل بكثافة حواره. ما يعني أن جدران عازلة تم أقامتها بين النص وبين احتمال تغيير الشكل المسرحي للعمل وذلك عن طريق العمل بمقتضى المادة الأصلية٠
حين يأتي الأمر إلى التحرر من النص، فإن فيلم الروسي زوخوروف «فوست« هو الفيلم الذي يمكن اعتباره نموذجاً حول كيف يمكن أن تخرج من النص من دون أن تتنكر للأصل. «فوست» ليس فيلماً سهل العمل وليس فيلماً سريع الذوبان، بل هو لا يذوب مطلقاً نظراً لثقله وشموخه الأسلوبي، علماً بأنه ليس الفيلم الأفضل لمخرجه من بين أعماله العديدة الأخرى٠
في «فوست» حوار مكثّف بالطبع، لكنه ينتمي بأسره إلى كتابة المخرج وليس إلى كتابة غوتيه. وهذا على عكس معظم الأفلام الأخرى أعلاه التي حين اقتبست ضمّت في اقتباساتها الحوار المستخدم في الأصل، او كثير منه على أي حال٠
هذا يترك تأثيراً فعلياً علي كيف ستتجه الجائزة. هل إلى فيلم له علاقة بهذه الأصول الأدبية؟ وهل إلى ممثل او ممثلة أدوا الشخصيات بتوجّه ممسرح؟ او إلى إخراج حقق الكثير ليبعد شبح الأصل (كما «فوست») او إلي إخراج اعتمد على الأصل كثيراً («أشلاء» مثلاً). مهماً يكن فإن هذه النسبة الكبيرة تبقي علاقة السينما بالمصادر الروائية الأخرى حيّة ومثار اهتمام الأدباء ومثقفي السينما على حد سواء٠


بين الأفلام

زوخوروف يقدّم «فوست» جديداً ومغايراً

Faust
إخراج: ألكسندر زوخوروف
أدوار أولى: يوهانس زيلر، أنطون أداسينسكي، أيزولدا دشواك
إقتباس أدبي - روسيا/ ألمانيا
تقييم الناقد: *** (من خمسة)٠
ألكسندر زخوروف

المتداول أن نسخة غوتيه من «فوست»، الرجل الذي باع روحه للشيطان، هي التي استند عليها المخرج الروسي المعروف في قراءته السينمائية للأصل وترجمتها إلى الشاشة. لكن الإختلاف كبير بين الأصل وبين العمل السينمائي إلى درجة أن المرء يمكن بكثير من الصواب القول أن هناك نسخة زوخوروفية من فوست كما أن هناك نسخاً لغوتيه ومورنو والبريطاني كريستوفر مارلو.
زوخوروف يقول أن هذا الفيلم هو الجزء الرابع والأخير من رباعيّته التي شملت على التوالي »مولوك» (عن هتلر)، »توروس« (عن ستالين) و»الشمس» (عن الإمبراطور الياباني هيروهيتو). لكن هناك تباينا مهمّا في هذا الصدد: الشخصيات الثلاث المذكورة هي حقيقية، واقعية، و-تاريخياً- قريبة. شخصية فوست لا أصلاً معروفاً او محدداً لها، فهي، حسب مؤرّخين توارثتها الحكايات من نحو خمسئة سنة. إلى ذلك، فإن الشخصيات الثلاث السابقة انتمت إلى الحرب العالمية الثانية وفعلت فيها كما تفاعلت معها. بالتالي، يمكن طرح السؤال حول العلاقة المفترضة بينها وبين فوست. لكن فقط مع هذا الإستنتاج يتّضح لنا كيف ربط المخرج الشخصية الحالية بسابقاتها: في كل من هذه الأفلام، بما فيها «فوست» فإن الطرح هو مكمن الخير والشر في الذات الواحدة، والإيمان بالقوّة التي لن يستطيع الإنسان الحفاظ عليها او تطويعها لتكون لصالح الآخرين في الوقت ذاته وبنفس المستوى.
فوست- زوكوروف هو طبيب طموح وواعد ومفلس. وهو يتعرّف على الشيطان في ملابس بشرية (انطون أداسينسكي) تخفي تحتها بدناً ليس بشرياً ولا طاهراً. والشيطان يعرّف عن نفسه هكذا، والمخرج يقدّمه بوضوح، على عكس ما ورد في نسخة المخرج الألماني مورناو سنة 1926 (غالباً بتأثير من كتابة غوتيه) حيث تم تقديمه شخصاً مغري الحديث، مخادعاً وعلى قدر كبير من الدهاء٠
ما يعد الشيطان به فوست، ليس الحياة المديدة  والشباب الدائم مقابل خدمته، في الحقيقة هو لا يعده بذلك الا في فصل لاحق من الفيلم. فوست هو الذي لاحقه راغباً في الخلاص من وضعه. نعم كان يشكو من فقره، لكنه كان يحب فتاة قتل أخيها ولم تكن تحبّه. مقابل أن يفوز بها، وقع على تعهد بأن يخدم الشيطان لسنوات مقبلة٠
لا شيء كان يمكن لفوست القيام به من دون امتلاك القوّة. القوّة على فعل الشر أساساً، وهذا هو الطرح الواصل بين هذا الفيلم (الذي يستحق قراءة أكثر تفصيلاً بالطبع) وبين أفلام زوخوروف السابقة٠
بصرياً، هذا هو زوخوروف من دون تغيير. الحياة الداكنة والطبيعة المعتمة والألوان الرمادية في الداخل والخارج. لكن هذا الفيلم مشغول أكثر على الكاميرا (مدير التصوير برونو دلبونيل الذي صوّر الفيلم الفرنسي «أميلي«). تلك السحبات الطويلة والمشاهد المطرّزة بالتفاصيل البيئية والدقيقة تجعل الفيلم أكثر أمانة للفترة التي تقع فيها الأحداث (في أواخر القرن التاسع عشر) والمكان (قرية من مخلّفات العصر الحجري في ألمانيا) من أي فيلم تاريخي قريب شوهد هنا او منذ بضع سنوات مضت٠


نقلة نصف موفّقة لساترابي
Chicken With Plums 
إخراج: مرجان ساترابي  وفنسنت بارونو
أدوار أولى: ماثيو أماريك، إدوار باير، ماريا دي ميدارو، غولشفته فرحاني٠
النوع:  دراما ساخرة [فرنسا/ ألمانيا/ بلجيكا- 2011]٠
تقييم الناقد: ** (من خمسة)٠

 مشاهدتان متواليتان (الأولى انقطعت بعد نصف ساعة بسبب موعد لم يكن من الممكن تأجيله) لم تغيّرا كثيراً في رد الفعل المستنتج من فيلم المخرجين ساترابي وبارونو٠
بعضنا يتذكّر أنهما المسؤولان عن الفيلم الكرتوني «بيرسيبوليس» الذي وضعت فيه المخرجة مرجان ساترابي ذكرياتها في إيران وتجربتها ف الهجرة إلى أوروبا ورأيها الصريح فيما آلت إليه الحياة الإيرانية الإجتماعية والمدنية بفضل النظام والحكم الحاليين. ذلك الفيلم شاء أن يكشف حب المخرجة لإيران الأولى حين كانت الحريّة الفردية لا زالت ممكنة وحين كان الفرح بتغيير نظام الشاه لا يزال واعداً بنظام أفضل منه قبل أن ينقلب الحلم إلى كابوس٠
الفيلم الجديد «دجاج مع خوخ مجفف» ليس كرتونياً الا بمقدار بضع لقطات هنا وهناك، بل دراما حيّة تتحدّث عن طهران العام 1958 من خلال سيرة عازف الموسيقا ناصر علي الذي نتابع هنا قصّة الأيام السبعة الأخيرة من حياته بمزيج من المواقف المضحكة والساخرة والدرامية الجادة٠
وفي حين أن المرء يستطيع أن يفهم ضرورات التصوير في ستديو بابلسبيرغ في برلين، كون المخرجة من المغضوب عليهم في بلادها، الا أنه يتمنّى لو أن الفيلم امتلك الجرأة الكافية للإتيان بممثلين يتحدّثون اللغة الفارسية عوض التضحية بهذا القدر من الواقع (ذاك الذي مارسته المخرجة وزميلها في الفيلم السابق على أي حال) لأجل جلب ممثلين معروفين في أدوار صغيرة مثل الجزائري جمال دبّوس والإيطاليّتين شيارا ماستروياني وإيزابيلا روسيلليني، وإسناد البطولة إلى مجموعة فرنسية بالكامل تقريباً.
طبعاً الضرورات التجارية تبدو كل ما يحتاجه الإنتاج من دافع، علماً بأن فيلم بارونو وساترابي السابق تكلّم بالفارسية، معظم الوقت، وأنجز نجاحاً جماهيرياً كبيراً. هذا النطق بلغة تختلف عن شخصيات وموقع وبالتالي واقع الحدث، تذكّر بأفلام الوسترن التي كان النقاد الأجانب قبل سواهم يعارضونها لأنها كانت تصوّر الهنود الحمر كما لو كانوا خريجي أوكسفورد او هارفارد٠
لجانب هذه النقطة فإن العمل الجديد للمخرجين يتواصل في قدر معتدل من النجاح. ناصر علي كسر آلة الكمان التي كان يعزف عليها وحين لا يجد بديلاً لها يرضيه يعزم على الإنتحار. بعد نحو ربع ساعة من الفيلم يتحوّل العمل إلى سرد لتلك الأيام السبعة التي ستفصل بين عزمه ذاك ونهايته المقبلة مع تعليق يصاحب الفيلم مصدره، حسب الفيلم، الملاك عزرائيل الذي يرصد خطوات الموسيقار وما يمر به من متاعب عاطفية ونفسية٠
في النواحي التنفيذية البحتة، فإن الفيلم يتعامل مع مجموعة من الفنيين والفانين الذي لا يمكن لهم القيام بخطوة غير مهنية وماهرة وادة. لكن على صعيد الإخراج نفسه، فإن العمل يحتاج الى ضوابط بين الفقرات أفضل من تلك المعتمدة. في أحيان كثيرة، يبدو الفيلم يعمد إلى خلط السخرية بالواقع لأن المناسبة فرضت ذلك. ماثيو أماريك جيّد في العموم، لكن مع تذكّر أن الدراما تعوزها المصداقية فإن صياغته للشخصية التي يؤدي هي صياغة تتبعه بالتالي ولا تتبع الواقع٠
ساترابي هي التي تبقى في مقدّمة هذا العمل بين المخرجين الشريكين. إنه عالمها وتاريخها وذكرياتها وهذا ما يمنح العمل ذلك القدر من التميّز. على ذلك، من المحتمل أن لا يحقق الفيلم الأثر ذاته، خصوصاً بين الذين كانوا يتوقّعون فيلماً آخر ذا موضوع سياسي معاصر ليجدوا أنفسه في فيلم قد يطرح في أفضل الأحوال أفكاراً ثم يسحبها٠


معاناة طبيعية وأخرى غير طبيعية في الفيلم الياباني

Himizu
إخراج: سيون سونو
أدوار أولى: شوتا سومتاني، تتسو واتانابي،فومي نيكايدو
دراما - اليابان
تقييم الناقد: *** (من خمسة)٠

عانت اليابان من الكارثة النووية مرّتين. الأولى حين ألقت الولايات المتحدة عليها قنبلتان سنة 1945 والثانية تلك التي نتجت عن الهزّة الأرضية التي وقعت في مطلع العام الحالي، وأدّت، فيما أدّت إليه، إلى ضرر في بعض المفاعلات النووية ما أدّى إلى تسرّب الإشعاع النووي مضيفاً الى أضرار الزلزال والتسونامي الذي وقع مباشرة بعد الزلزال المدمّر.
هذه المرّة رد فعل السينما اليابانية جاء أسرع بكثير من رد فعلها على كارثتي ناكازاغي وهيروشيما، وفيلم »هيميزو« هو أحد الأفلام الروائية الأولى، إن لم يكن الأول بالفعل.
بداية جيّدة تحلّق فيها الكاميرا فوق أرض موحلة لتقف على حياة بعض الشخصيات التي خسرت كل شيء وتعيش الآن في أكواخ من التنك بجانب أحد الأنهر. على الرغم من فداحة الحادثة فإن المشكلة التي تعانيها بعض شخصيات الفيلم، وفي المقدّمة بطله الشاب، هي العنف المنتشر بين شخصيات تلك البيئة. الأب يضرب إبنه الشاب، وإبنه يضرب صديقته وفي مشاهد لاحقة تنجلي تلك الممارسات عن إطارها الأوسع من دكانة التصرّفات والآثار الإجتماعية وصولاً إلى الجريمة المنظّمة.
سوميدا (شوتا سومتاني) و«شازاوا (فومي نيكايدو) لديهما، في عرف الفيلم، الكثير مما يستطيعا توفيره للمشاهد. كلاهما يحلم بحياة أفضل، وعلى الرغم من تصرّفاته، الا أنه يكترث لها أما هي فتحبّه لأنها تراه فتى وقّاداً يرسم ويكتب. والده سكير لا نفع فيه ولا حناناً في القلب، يبحث عن مال إبنه او زوجته لكي يشرب به، وفي أحد المرّات يختفي، وما هي الا بضع مشاهد لاحقة ويكتشف الصبي أن منظّمة الياكوزا تبحث عن أبيه لاسترداد عشرات ألوف الين الياباني. حين لا تجده على الصبي أن يرد الدين علماً بأن الصبي لا يملك ما يصرفه على نفسه.
إنها دراما تخرج عن نطاقها الإجتماعي المقترح لتدخل في دراما السلوكيات والحياة الفردية ومعاناتها ذات المسببات المختلفة. التصوير جيّد لواقعيّته، والمناخ العام للأحداث ومواقعها يضيف الى الدراما بلا ريب. لكن المخرج سونو (وكان له فيلم آخر في "كان" الماضي عنوانه «رومانسياً مذنب») لا يتميّز بوحدة العمل. المشهد قد يليه ما يناسبه او ما يبتعد عنه في خلط بين الأسلوبية والفوضى٠

بقى من الزمن ساعات!٠

Last Day  on Earth
إخراج: أبل فيرارا
أدوار أولى: وليام دافو، شينين لي، ناتاشا ليوني
دراما - الولايات المتحدة
تقييم الناقد: ** (من خمسة)٠

في نهاية هذا الفيلم المتكلّف وغير المنطقي، يقول أحدهم «آل غور كان على صواب«. العبارة تقصد رد اعتبار للسياسي آل غور الذي تحوّل إلى مناضل بيئي يحذّر من ويلاته وأخطاره في كل المناسبات الممكنة والذي شوهد خطيباً وملقّناً وواعظاً في فيلم «الساعة الحادية عشر» (او «ساعة الفصل» كما هو المقصود بالعبارة) التسجيلي حول المخاطر التي يتعرّض إليها كوكب الأرض وما يعيش فوقه من نباتات وحشرات وحيوانات وبشر. ليس أنه على خطأ  وأن الحياة على الأرض أبعد ما تكون عن المخاطر التي ابتدعها الإنسان من خلال ممارساته غير المسؤولة، بل بات غور مصدر سخرية من الذين يعتقدون أن الرجل زادها او أنه وجد في علم البيئة ما لم يجده او يجيده في علم السياسة.
مهما كان فإن نهاية فيلم فيرارا، تأتي في أعقاب بحث المخرج عن خلاص من الورطة التي أسمها الحياة على الأرض، وهو يجدها في معالجات مادية وروحانية. في الجانب الأول، فإن بطليه وليم دافو وشانين لي، يمارسان الحب هرباً من المخاطر. وفي الثاني، يتعالى، لاحقاً، التوجّه صوب الدين كخلاص من متاعب تلك الساعات الأخيرة على الأرض وما تحمله من فناء.
في الحالتين لا شيء يجسّد ما يرغبه الفيلم في رسالته. ولا حتى تتبلور هذه الرسالة إلى منحى قائماً يمكن الدفاع عنه او فهم مبرراته.  هناك بالطبع ذلك الجانب من الفيلم الذي يتناول فيه رغبة المخرج القول بأنه في مثل هذه الساعات الحاسمة لابد لنا من أن نضم إلى صدورنا من نحب من أفراد عائلة وأصدقاء. مفهوم نبيل، لكن هل إذا ما بقي من الزمن ساعة او ساعتين سيكون بمقدور معظم الناس صرفهما على تحقيق مثل هذا المطلب؟
ليس أن فيرارا استعار بطله دافو من المخرج الدنماركي لارس فون ترايير، فقط، بل ماثله في تقديم فيلم عن نهاية العالم كما نعرفه بسبب كارثة وشيكة، فالمخرج الدنماركي قدّم في "كان" فيلمه الذي استقبل جيّداً «مالنخوليا» قراءة في مستقبل قريب ونهائي كهذا. كلاهما يقصد أن يتحدّث من خلال الفن بعيداً عن كوارثيات هوليوود. لكن المشكلة هي أن مشاكل الأرض المطروحة لا علاقة حتمية لها بعمر كوكبنا هذا ولا يمكن حل قرون من المشاكل في ساعات من الخوف٩



 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2007- 2011

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular