Sep 4, 2011

Venice International Film Festival- 4 | بول جياماتي | عرض أربع أفلام جديدة | هل يتبوأ تورنتو القمة بين المهرجانات العالمية؟

  YEAR 5 | ISSUE: 659

المفكّرة | كايرا نايتلي قمّة الأداء او قاعه؟

ما هو موقف قراء النقد السينمائي حين يُطالعون آراءاً مختلفة حول فيلم او أداء ممثل او كتابة سيناريست؟
هل هذا الفيلم مشوّق كما يقول هذا الناقد، او ممل كما يقول ناقد آخر؟ هل القصّة تقليدية كما عند أحدهما او هي حكاية مبدعة كما عند الآخر؟ وكيف لا يتّفقان على أداء ممثل او ممثلة معيّنة؟ لماذا يقول الأول أن أداء الممثل الفلاني رائع، بينما يقول الآخر أن أداءه بليد او سيء؟
الجواب السريع هو أن على القاريء أن يمضي لما بعد الأسطر الظاهرة ليعرف من أين يأتي الناقد بموقفه؟ هل ناقده عادة ما لا يعجبه العجب او أن ناقده متساهل مع أحد جوانب الأفلام أكثر مما يستحق؟ بقدر ما ما يمنح الناقد مبررات لموقفه، بقدر ما يتأكد هذا الموقف ويصبح رأياً مؤثّراً وفاعلاً٠
يوم أول أمس (الجمعة) دخلت الممثلة كايرا نايتلي عرين التجاذب بين من أعجب بتمثيلها في فيلم ديفيد كروننبيرغ الجديد «نظام خطر»  ورآه جديراً بالأوسكار، وبين آخرين اعتبروا ما أدّته أقل مستوى مما وعدت به في أفلامها السابقة٠
إكسان بروكس، أحد نقاد صحيفة «الغارديان» البريطانية وجد تمثيلها جدير بالأوسكار، لكن زميله ديفيد غريتن وصف تمثيلها في «دايلي تلغراف» بأنه "منفعل إلى درجة خطيرة"٠
جوستين تشونغ، من مجلة "فاراياتي" رأي أن تمثيلها "نقطة مثيرة للمتاعب"، في حين أن زميله في المجلة المنافسة لها "ذ هوليوود ريبورتر" وجد تمثيلها "ممتازاً"٠
والمسألة ليست مسألة كايرا نايتلي وحدها. جودي فوستر في فيلم رومان بولانسكي «أشلاء» لديها المشكلة ذاتها: هل كانت متشنّجة أكثر من اللازم أم أنها أدت دور المتشنّجة أكثر من اللازم جيّداً؟ الأول يعني أنها كانت متكلّفة والثاني يعني أن مثّلت سلوك المتكلّفة بإتقان٠
السؤال الآخر الذي يطرحه هذا التباين في وجهات النظر (خصوصاً حين ينتصف بين مؤيد ومشجب) هو إذا ما كان هذا التباين يؤدي إلى عدم ثقة القاريء بأي من هذين الطرفين. والحقيقة أن لديه الحق تماماً طالما أنه بات من الصعب التفرقة بين ما هو مكتوب عن دراية وبين ما هو مكتوب ليبدو أنه دراية، وهذا الإنشقاق له تداعياته ومجاله بحث آخر. لكن المهم هنا هو أن القاريء نتيجة هذا التباين في الآراء، يستطيع أن يقرأ الإثنين ثم يقرر بنفسه. وإذا ما تكرر توافق رأيه مع رأي أحد الناقدين يستطيع أن يلتزم به. بذلك يطبّق مبدأ كتب عنه أحد النقاد البريطانيين في الخمسينات تحت عنوان "ناقدك المفضّل إذا أصاب أو أخطأ"٠


بول جياماتي يتحدّث عن دوره في «منتصف أشهر مارس»٠
أنظر إلى الدور كتجربة في تقمّص الشخص الآخر الذي لا أعرفه
Sideways :  بول جياماتي مع توماس هايدن  تشيرش في

من لا يتمتّع بملامح جميلة، ووجه حسن وقوام رشيق، لكنه يحب التمثيل ويحلم بالوقوف، ولو أحياناً، أمام الممثلات الجميلات، عليه أن يُشاهد الأفلام التي مثّلها بول جياماتي (نحو خمسين فيلم في عشرين سنة). ليس كلّها بالطبع لكن خصوصاً تلك التي تم إنتاجها في السنوات الخمس الأخيرة، خصوصاً دوره كتحرِ في «الخيالي» ودوره البطولي كعاشق تكاد فرصة الفوز بمن يحب تفوته في «إتجاهات جانبية» او دوره الحالي في «منتصف أشهر مارس» كرئيس للحملة الإعلامية للمرشّح المناويء لبطل الفيلم جورج كلوني٠
بول جياماتي يتمتّع بأداء يجعل الدور الذي يقوم به ضرورة فنية للعين. يمضي ضد التوقّعات حتى ولو كان من السهل تلوين دوره في الفيلم (طيّب او شرير)، وبتشخيص يتيح له رفع مستوى المادّة المكتوبة بمجرّد منحها خصائصه. وهو فوق كل ذلك، بدين، قصير ويميل إلى الصلع٠
وهو، في الوقت نفسه، خفيف الظل وسريع البديهة. في العام الماضي كان هذا الناقد يستعد لمغادرة فندق أكسلسيور في مركب سريع قاصداً مؤتمراً صحافياً حينما تقدّم منه بول جياماتي متذمّراً: "هؤلاء المصوّرون. ماذا يريدون مني؟". وقفنا جانباً وراء حاجز لم يستطع المصوّرون الثلاثة تخطيه وأدركت أنه لا يعرف أنني من الوسط الإعلامي نفسه الذي يحاول أن يتحاشاه. لم أكشف غطائي ودردشنا لنحو خمس دقائق قبل أن ينطلق كل منا في إتجاهه. هو فجأة قرر التوجّه إلى جزيرة سان ماركو وأنا صوب موعدي.
في اليوم التالي، كان لديه موعداً مع "جمعية مراسلي هوليوود الأجانب" ووصل في الوقت وأخذ يصافح باليد وكنت الرابع في الدور. فوجيء بي ونظر إليّ مندهشاً ثم ضحك طويلاً.
الفيلم الذي حضر ڤنيسيا في العام الماضي لأجله كان فيلماً كوميدياً بعنوان «نسخة بارني»، كوميديا حول يهودي من المعتقد أنه قتل زوجاته السابقات ويخطط لقتل زوجته الحالية. كل ما في الفيلم، إخراجاً وكتابة معتدل، ما عدا تمثيله كان أفضل من أي شيء آخر فيه.
هذا العام هو أحد الممثلين الرئيسيين لفيلم الإفتتاح «منتصف أشهر آذار» لجورج كلوني. في أول مشاهده، يقف هناك ملقياً نظرة غير مريحة على غريمه فيليب سايمور هوفمان وموجّهاً إليه تحية متبوعة بعبارات تعكس ما بين الإثنين من عداوة. لكن أهم مشاهده هو حين يطلب منه رايان غوزلينغ العمل الذي كان وعده به فيتنصّل منه: "إذهب واختفي من هنا. إبحث عن بلدة صغيرة وافتتح فيها مطعماً، أي شيء. لكن لا تبقى في هذه المهنة، ستمتصّك وتترك جافاً"٠
قبل حفلة ساهرة أقيمت على شرف فيلم «منتصف أشهر مارس» تسنّى لي ولعدد من أعضاء الجمعية ذاتها الجلوس إليه لنصف ساعة. هذه هي النتيجة

- هل تعرف مخططين استراتيجيين في حملات الرئاسة
بنيت عليهم شخصيّتك؟
لا أعرف أحداً من هؤلاء ولا أريد أن أعرف أحداً منهم. بالنتيجة كلّهم مشتركون في لعبة من المصالح السياسية هي تلك التي يقصد الفيلم كشفها. وشخصيّتي في «منتصف أشهر آذار» هي جزء من هذا الكشف. أثق أن مثل شخصيّتي متوفّر. الإختلاف هو كيف ألعب الدور٠

- من بين أكثر ما هو لافت في الفيلم الحوار. وبعض أفضل
الحوار جاء من نصيبك خصوصاً في أحد مشاهدك الأخيرة٠
هل توافق؟
تماماً. الحوار في هذا الفيلم لم يكن عبثاً. وهو أيضاً قابل للتصديق. تستطيع أن تتصرّف به كيفما يحلو لك كممثل، لكنه سيبقى طاغياً. مفرداته مهمّة ورسالته واقعية وقريب من الشخصيات إلى حد بعيد. كل ما كان عليّ القيام به هو البحث عن العجينة المناسبة. تلك التي تمنح الكلمات شكلها٠
من اليمين: فيليب سايمور مور، جورج كلوني وبول جياماتي


- لكن هذا بالتحديد شأنك في أفلامك جميعاً. أليس كذلك؟
مثّلت أفلاماً لا أريد ذكر عناوينها كان عليّ أن أضيف إلى مشاهدها الحوار والشكل معاً حين لم يكن الحوار المكتوب جيّد إلى ما فيه الكفاية او غير معبّر حقّاً. طبعاً بالتوافق مع المخرج. بعض المخرجين يتركون لك الحرية المطلقة لكني لا أحب ذلك. أريده أن يكون صاحب القرار قبل أن أتخذ قراري بكيف سألعب الدور٠

- ما هو الدور او الفيلم الذي تمنيّت لو لم تؤديه؟
لا يخلو الأمر من بعض الأفلام التي لن أذكرها، كما قلت قبل قليل٠

- هل يمكن للممثل أن يكون أفضل من الفيلم؟
نعم ممكن. هناك الكثير من الأفلام التي لا يرفعها الا التمثيل الجيّد. بعض المخرجين محظوظين حين يكسبون ثقة ممثلين جيّدين رغم أن أعمالهم ليست دائماً جيّدة٠

- أنت إبن كاتب معروف ورئيس أكاديمي لواحدة من أعرق
الجامعات الأميركية... ما هو الذي جعلك تقبل على السينما
عوض الأدب مثلاً؟
كانت لدي طموحات أدبية بالفعل. أردت أن أكتب الرواية لكني فجأة وجدت نفسي متعلّق بالتمثيل. أوّلاً على مسرح الجامعة وثانياً في الأفلام بعد ذلك. أعتقد أنني وأخي ماركوس (ممثل أيضاً) أردنا التعبير عن أنفسنا بلغة تختلف عن لغة واهتمامات والدينا. وأنا سعيد لهذا الخيار. لا أعتقد أنني كنت سأفلح كثيراً لو تبعت خطوات والدي٠

- هل الكم الملحوظ من الأفلام المستقلة او شبه المستقلة التي
مثلتها كان نتيجة تخطيط من طرفك؟
لم يكن تخطيطاً في البداية. في مطلع التسعينات كنت مستعداً لتمثيل أي دور يُعرض عليّ. لكن يجد الممثل نفسه أحياناً في إتجاه تفرضه ظروف دون سواها. بالنسبة إليّ أعتقد أني كنت محط اهتمام مخرجين مستقلّين تماماً كحال عدد كبير من الممثلين الذين لا يتم اكتشافهم على أغلفة المجلات او يدخلون المهنة عبر وسائل فنية أخرى


- سألت أنطوني هوبكنز مرّة عن متى يستطيع الممثل إدراك
الفارق بين الإجادة والتكلّف فقال أن كل ممثل لديه سقف إذا
ما خرقه خسر نفسه. هل تؤيد ذلك؟
كلام صادر عن سير هوبكنز. كيف لا؟ لكني أستطيع أن أضيف أن هذا السقف ليس واحداً بين كل الممثلين. هو مرتفع هنا ومنخفض هناك وبعض الممثلين ليس لديهم أي سقف على الإطلاق (يضحك). بالنسبة لي أعتقد أنني أنظر إلى الدور كتجربة في تقمّص الشخص الآخر الذي لا أعرفه. أبدأ بتقليد ما ليس موجوداً، ثم أحاول أن أمنحه الجلد والعظام واللحم. أجعله آدمياً. المهم هو أن يكون آدمياً قابلاً للتصديق وفي هذه الحالة، الخطر هو أن يُضيف الممثل ولو بادرة صغيرة تخل بنظامه.

- كيف وجدت جورج كلوني مخرجاً؟
لو انتقلت إلى الإخراج يوماً أريد أن أكون مثله في اختياراتي من الموضوعات كما في طريقة عملي. إنه فنان يبحث عن الحقيقة في أعماله. هل لاحظت ذلك؟

- وهل تنوي أن تنتقل إلى الإخراج؟
لا. داعبتني الفكرة قبل سنوات، لكني استبعدتها في هذه المرحلة بسبب كثرة الأفلام التي أقوم بها.




بين الأفلام

Crazy Horse **
إخراج: فردريك وايزمان
وثائقي- فرنسا

موضوع الفيلم هو ذلك الملهى الفرنسي المعروف بـ «كرايزي هورس»  وهو يُحيط بتاريخه فيمهّد الفيلم لموضوعه بالتنقيب عن المحطّات الأهم في تاريخه. المثير هنا هو أن هذا التاريخ لا يتناول السنوات التي مرّت على الملهى من حين إنشائه مطلع الخمسينات، بل على عروضه أيضاً واختلاف تلك العروض باختلاف المراحل و"النمر" الإستعراضية ذاتها. هناك لغة يحاول المخرج التأكيد عليها وهي انسيابية الجسد تبعاً للحركة، لكن يفتقد العمل جوانب متعددة يجعل تلك الإستعراضات تبدو متكررة والفترة التي يستغرقها العرض (ساعتين وثلاثة عشر دقيقة) أطول بكثير مما يجب. مما يفتقده مثلاً، البحث في الجوانب الفنية المؤسسة لكل تلك الإستعراضات التي شغفت الفرنسيين والزوار طوال تلك الفترة وكان لها الأثر الكبير في نجاح المشروع منذ تأسيسه. هناك، كبديل، الكثير من تصوير ما وراء "الكواليس" لكن بعد حين  لا تنطق تلك المشاهد بأي جديد. ساعة ونصف كانت ممكنة لفيلم ليس لديه أكثر من ذلك ليسرده، لكنه يفعل على أي حال.

W.E **
إخراج: مادونا
روائي - بريطاني

الفيلم الثاني للمخرجة مادونا، هو دراما بقصّتين تسيران  متوازيين: الأولى عن الملك إدوارد الثامن (جيمس دارسي) وحبّه للأميركية ووليس (أندريا رايزبورو) وكيف أدّى ذلك الحب للتضحية بحكمه في قصّة بدأت فصولها بعد الشهر الأول من استلامه الحكم (سنة 1936). والثانية حول إمرأة م نيويورك (آبي كورنيش) على علاقة عاطفية برجل أمن روسي. رغم طموحات المخرجة فإن الخطّين لا يلتقيان الا من حيث كونهما رفيقا درب هذا الفيلم. قصّة الملك إدوارد تطغى كونها أكثر إثارة للإهتمام بينما تبدو الثانية كما لو كانت مجرد تنويع على الموضوع او إضافة غير ضرورية له.  وكان الملك إدوارد الثامن (الذي توفي في العام 1972)  استجاب لعواطفه وقرر الزواج من إمرأة كانت تزوّجت مرّتين من قبل، وحين أدرك أن الحكومة البريطانية لا تستطيع قبول هذا الموقف، ترك منصبه تلبية لنداء قلبه وسط أزمة سياسية عاتية ولو أن هذه الإستقالة لم تخلق نهاية سعيدة له او للمرأة التي أحب. يسعى الفيلم لإحاطة كلّية بالتاريخ من دون الدخول في تفاصيله ويختار المحطّات التي يتوقّف عندها وبل يُغير ما يريد من الوقائع. لكن البديل لكل ذلك يبقى مهزوراً ومحدود الأثر. هذا إنتاج محدود التمويل، تم تصويره بالسوبر 8 وبمقاس 16 مم ثم نفخه إلى 35 مم مع نتائج فنيّة لا بأس بها وإن ليست متكاملة. على ذلك لا يمكن إغفال حقيقة أن المخرجة تعكس طموحاً كبيراً لم يتحقق على الشاشة بالحجم المنشود٠

Dangerous Methods **
إخراج: ديفيد كروننبيرغ
روائي- كندي/ ألماني
ديفيد كروننبيرغ                                      

دراما قاسية الوقع وباردة الأطراف في وقت معاً حول  صراع أدمغة بين سيغموند فرويد (فيغو مورتنسن) وكارل يونغ (مايكل فاسبندر) ينتقل إلى القلب والعاطفة مع دخول إمرأة أسمها سابينا (كايرا نايتلي) حياتهما. في البداية تلجأ إلى يونغ للتداوي من هوس جنسي، وإذ تفتقد الحب والإكتفاء العاطفي فإنها تجذب إليها يونغ (المتزوّج) الذي يصبح جزءاً من المشكلة خصوصاً حينما يكتشف فرويد أن تلميذه في مهنة الطب النفسي سمح لنفسه بتجاوز الحدود. لكن سابينا تنتقل لاحقاً من يونغ إلى فرويد وعلى هذا الأخير الحذر من الوقوع في المطب نفسه. الفيلم ليس دراما نفسية على الإطلاق ولا يحتوي على تشخيص يتجاوز المنطوق في الحوار. على الرغم من أن للفيلم محيطاً شاسعاً من النماذج الثقافية يستند إليها لتقديم  عالمه الثلاثيناتي، وأجواء ما قبل نشوء الحرب العالمية الثانية (أجواء فيلم مادونا ذاتها)، فإن المطروح محدود بالرغبة في السرد ولا شيء أكثر. هناك تمثيل جيّد من كل المعنيين بما في ذلك كايرا نايتلي، ولو أن المخرج تركها تبتدع سلوكاً قد يُثير التساؤل. لكن الواقع والحقيقة ليسا من مهام هذا الفيلم الذي ينزوي بعد قليل من بداية عرضه إلى ما يجمع بين أعمال كروننبيرغ كلّها: أفكار عميقة يتم تسطيحها ومعالجتها ببرود غير ضروري٠




هل يتبوأ تورنتو السينمائي القمّة بين المهرجانات العالمية؟

    Twixt:  ڤال كيلمر في فيلم فرنسيس فورد كوبولا الجديد

قبل أن يسدل مهرجان فنيسيا ستار دورته الثامنة والستين، في الحادي عشر من الشهر الحالي، تنطلق الدورة السادسة والثلاثين من مهرجان تورنتو وذلك في الثامن من أيلول/ سبتمبر٠
هذا ليس تعارضاً في المواعيد يقع للمرّة الأولى. كلا المهرجانين ثابت في مواعيده منذ عقود، لكن الحاصل هو أن مهرجان تورنتو يتقاطع ومهرجان فنيسيا في مثل هذا الوقت من كل عام. وفي البداية لم يكن ذلك يشكّل إزعاجاً كبيراً للمهرجان الإيطالي على أساس أن مكانته الفنية ليست ذات نقاش. اليوم، ومنذ بضع سنوات، باتت هذه المكانة أضعف من أن تشكّل العنصر الطاغي في أهمية المهرجان الإيطالي مقارنة مع أهمية المهرجان الكندي- بكلمات أخرى: يؤكد تورنتو تواجده فنياً وإعلامياً وتجارياً على نحو يؤثر في كيف يتم تشكيل أيام مهرجان فنيسيا وبرمجة ما يعرضه من أفلام٠
مهرجان تورنتو السينمائي بدأ قبل 36 سنة كمحفل للعروض الفيلمية التي يتم تجميعها من مهرجانات عدّة. كان تجميع الأفلام داخل في تسميته: "تورنتو: مهرجان المهرجانات" حتى أواخر الثمانينات حين قرر التحوّل إلى مهرجان تنتسب إليه الأفلام بإختيار منتجيها ومخرجيها كما حال المهرجانات الدولية الكبيرة الأخرى من كان وبرلين وفنيسيا وموسكو وطوكيو وسان سيباستيان وكارلوفي فاري وسواها. يعني أنه عوض استقبال أفلام عرضت في تلك المهرجانات وتكوين برنامج تورنتو منها، انتقل هذا المهرجان إلى طموح أن تكون لديه أفلامه الخاصّة التي تقصده.
هذا لم يكن سهلاً في البداية، فالعالم السينمائي نظر إلى المهرجانات القابعة في الشمال الأميركي على أنها تعريفية وهامشية في معظم الأحوال. لكن مثابرة القائمين على تورنتو أنجزت هذه النقلة بنجاح. منذ منتصف التسعينات لم يعد فقط مكاناً يحفل بـ"البرمييرات" الدولية، بل المكان الذي تقصده سينمات العالم لكي تنطلق منه صوب السوق الأميركية، كما تقصده هوليوود لافتتاح موسم الجوائز المقبل٠
  Salmon Fishing

هذه السنة لديه 54 عرضاً دوليّاً أوّلاً أي لم يسبق له العرض في أي مكان من العالم، من بينها الفيلم الجديد للمخرج الفذ فرنسيس فورد كوبولا وعنوانه «تويكست»، من بطولة فال كيلمر، بروس ديرن وبن تشابلن،  والفيلم البريطاني «صيد السالمون في اليمن» للاسي هولستروم مع إيوان مكروغر وإميلي هانت وكرستين سكوت توماس،  والفيلم البريطاني «البحر الأزرق العميق» لترنس ديفيز وبطولة راتشل وايز وتوم هدلستون،  و«السيدة» للمخرج الفرنسي لوك بيسون، و«مجهول» للمخرج الأميركي رولاند إيميريش٠
بين عروضه في هذا المجال فيلمان عربيان هما «دائماً براندو» لرضا الباهي و»في حضن أمي» لمحمد وعطية الدراجي. وهناك أفلام عربية أخرى، إنما من خارج هذه الفئة التي نتحدّث عنها. الأنباء تفيد في الواقع عن وجود ثمانية أفلام حملها مخرجوها إلى المهرجان الكندي راغبين في التواجد جنباً إلى جنب مخرجين آسيويين وأوروبيين باتوا يجدون في تورنتو المناسبة الأهم بين المهرجانات الدولية الأخرى كونه عبارة عن سوق كبير من الأفلام من دون أن يحتوي على سوق منتظم بالمعنى المتداول في مهرجانات رئيسية أخرى مثل برلين او دبي او كان. من بين الأفلام العربية الأخرى المعروضة هناك، وإن سبق عرضه في مهرجانات أخرى، «هلق لوين؟» للمخرجة اللبنانية نادين لبكي٠
إنه نجاح مطرد لمهرجان نظرت إليه المهرجانات الرئيسية الأخرى نظرة مطمئنة لفترة طويلة قبل أن تعيد النظر إليه كمحفل يُحسب له حساب كبير. ها هي تصرف ملايين الدولارات على النجوم والأفلام والحفلات والبرامج، بينما يخطف تورنتو كل هذه النشاطات قبل وصولها إلى أي من المهرجانات الأخرى. وملايين أخرى تُصرف على العناية بالمسابقات ولجان تحكيمها بينما لا يكترث تورنتو لكل ذلك. كل ما يريده هو أن يعرض الأفلام وحسب ويبقى باب النفاذ إلى السوق الأميركية الشمالية مدركاً حاجة السينمائيين إلى دخوله.
العارفون في الوسط باتوا يعتقدون أن تورنتو، الذي كان المهرجان الرابع في الترتيب العام، ربما تخطّى تلك المرحلة او سيفعل ذلك في غضون سنوات قليلة مقبلة. إنه، كما يقول منتجون أوروبيون اليوم، المستقبل الفعلي لمهرجانات السينما. وكما لم تمنحه المهرجانات الأوروبية الإهتمام الشامل سابقاً، عزف عنه معظم النقاد العرب واعتبروه أنه، مرّة أخرى، مجرد عرض أفلام سبق عرضها في مهرجانات أخرى. اليوم يتبدّى الوضع مقلوباً. أفلام يعرضها تورنتو هي التي ستجول مهرجانات أخرى من بعده٠



 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2007- 2011


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular