Sep 2, 2011

Venice International Film Festival- 3 | نقد فيلم رومان بولانسكي الجديد | بين بوليت والإتصال الفرنسي: ماكوين ضد هاكمان

YEAR 5 | ISSUE 658                                                                                                                                  


 مفكّرة | هل لك أن تتخيل محمد رُضا ومادونا؟

لم أكن أعلم شيئاً عن الموعد الذي تم إعطائي إياه مع مادونا. لم أطلبه او أسع إليه. لم أفكّر فيها الا من خلال الفيلم الذي شاهدته لها. طموح مقبول ورغبة حارّة في الإنتماء إلي السينما كسبيل للتعبير عن الذات كما تقول. لكن قبل ساعتين من منتصف الليل، قابلت صدفة الملحق الصحافي للفيلم وسألني هل أستطيع التأكيد على الموعد. علمت أنني سأبدو غير محترف لكني سألته على أي حال: "أي موعد؟". أجاب: "محمد. لقد أرسلت إليك إيميل ظهر اليوم. موعد مع مادونا" خرجت سريعاً من دهشتي وقلت: "آه... آسف كثرة المواعيد ضيّعتني. نعم بالتأكيد". تركني هارعاً وهو يردد: "لا تنسى.... الساعة الثانية عشر إلا ربعاً في الإكسلسيور- الطابق الثالث"٠
كنت هناك في الحادية عشر والنصف في اليوم التالي والتقيت بأربعة آخرين من جمعية مراسلي هوليوود الأجانب التي لا زلت عضواً فيها رغم أني قليل الحضور. ووصلت في الساعة الثانية عشر وجلسنا معها ثلاثة أرباع الساعة. سألتها معظم الأسئلة التي لها علاقة بالفيلم، بينما أمطرتها صحافية مجرية وأخرى أميركية بأسئلة حول حياتها الخاصّة٠
ما خرجت به هو أن لقاء المخرج، حتى ولو كان الفيلم لا يحتمل التأويل، ضروري للناقد. طبعاً أستطيع أن أنقد أي شيء يتحرّك على الشاشة من دون لقاء مخرجه، لكن إذا ما تم اللقاء فإن معرفة أفضل تتسلل إلى المادة٠
الحديث بعد غد في هذه المجلة وغداً حديث مع الممثل الجيد بول جياماتي٠


  فيروس سودربيرغ قابل للإنتشار

فيلمان أميركيان انطلقا من مهرجان فنيسيا في العام الماضي وأنجزا نجاحاً جيّداً على الصعيدين النقدي والجماهيري. الأول «بجعة سوداء» الذي نالت عنه نتالي بورتمن أوسكارها الأول كأفضل ممثلة (بينما رُشّح الفيلم في أربعة مجالات أخرى بينها أفضل فيلم وأفضل مخرج)، والثاني «البلدة» الذي وإن لم تؤدي خطواته إلى ترشيحات الأوسكار، الا أنه كان عملاً جديراً بالإهتمام ضمن نوعه٠
شركة وورنر هي التي اختارت مهرجان «فنيسيا» لفيلم »البلدة« الذي أخرجه بن أفلك وقام ببطولته، وهذا العام هي التي اختارت هذا المهرجان لإطلاق فيلمها الجديد «مُعدي» التي تراه جديراً بالأوسكارات وعملاً سيلتفّ من حوله النقاد والوسط السينمائي بأكمله٠
واقع الحال أن «مُعدي»، الذي يتبوأ بإخراجه ستيفن سودربيرغ، وبصرف النظر عن حجم إسم المخرج المعروف، يحتاج إلى رعاية من تلك التي حظى بها «بلدة».  تقول رئيسة التسويق الدولي سو كرول: "الفيلمان متشابهان من حيث أنهما يتضمّنان موضوعين لهما قابلية لدى الجمهور". هذا صحيح، على اختلاف الموضوعين: «البلدة» كان حول لص مصارف يقع في الحب بينما هو وعصابته لا يستطيعان الخروج من العملية المقبلة، أما «مُعدي» فيدور حول ڤيروس قاتل يحوم في المدينة وينتقل باللمس ويهدد الحياة على الأرض٠
سو كرول تضيف: "مهرجان ڤنيسيا مناسبة مهمّة لنا لكي نطلق هذه الأفلام الخاصّة"٠
كم حصد «البلدة» عالمياً؟
"جمع من أنحاء العالم 154 مليون دولار، لكن ميزانيّته لم تتعدّ 37 مليون دولار"
سو تعتقد أن «مُعدي»، الذي يتصدّر بطولته كل من مات ديمون  وماريون كوتيار وجون هوكس وجود لو وغوينيث بولترو: "بسبب تعدد ممثليه، وبسبب موضوعه، أتوقّع له نجاحاً أعلى في كل المستويات"٠


CARNAGE ***نقد
أشلاء: جديد رومان بولانسكي أربع شخصيات في مسرحية مصوّرة 

 
الأسم الأول على الشاشة هو للمنتج سعيد بن سعيد. بعده إسم المخرج رومان بولانسكي وعنوان الفيلم «أشلاء»، ومع إنتهاء دورة الأسماء من ممثلين وفنيين يحيلنا الفيلم من الشاشة السوداء إلى لقطة لحديقة عامّة ومجموعة من الفتيان في لقطة بعيدة. أحدهم يحمل عصا وآخر ينهره. لا أصوات صادرة إيحاءاً  بلبعد مسافة الكاميرا (وبالتالي المشاهد) عن تلك المجموعة، لكن الصبي الذي يحمل عصا يهوى بها على وجه الآخر ويمضي مبتعداً٠
هذا المشهد سيكون أحد مشهدين وحيدين خارج الشقّة التي ستقع فيها حكاية الفيلم بأسره. النص مأخوذ بأمانة عن مسرحية  للكاتبة الفرنسية ياسمين رضا (يهودية الأبوين رغم أسمها) كانت نالت نجاحاً لا بأس به منذ أن قدّمت لأول مرّة على أحد مسارح زيورخ قبل أن تنتشر في العواصم الأوروبية من العام 2007 وتنال جائزة لورنس أوليفييه في لندن ثم تتّجه إلى الولايات المتحدة حيث نالت جائزة توني في العام 2009
 بعد ذلك المشهد، تدور الحكاية كلها داخلياً. المكان هو شقّة نيويوركية واسعة لعائلة لونغستريت التي تعرّض إبنها للضربة المؤذية وبإستثناء ثلاثة مشاهد قصيرة الأمد تقع مباشرة ما بين مدخل الشقّة وباب المصعد في الردهة الخارجية، فإن الكاميرا ستبقى داخل المكان طوال الفيلم. هذا بالطبع ليس عملاً سبّاقاً من نوعه، لكنه أكثر صعوبة مما يتبدّى للعين من المرّة الأولى. على ذلك، فإن الفيلم بكلّه، واحد من أخف أعمال المخرج بولانسكي إلى اليوم. كوميديا مواقف حول عائلتين تتفقان وتختلفان وتمضيان نحو ساعة ونصف أمامنا في مشاكل محقّة وأخرى مبتدعة. الفيلم لا يسقط أرضاً تحت وطأة الأصل المسرحي وما يفرضه من حدود ومساحة، بسبب خبرة بولانسكي المشهودة وحسن توقيته وإقحامه المُشاهد في عالمه المشيّد، كذلك بسبب جودة أداء كل من جودي فوستر وجون س. رايلي من ناحية وكايت وينسلت وكريستوف وولتز من ناحية أخرى٠
فعائلة كووان التي ضرب إبنها إبن عائلة لونغستريت تلبي دعوة زيارة لونغستريت للتفاهم حول ما يجب فعله. المشهد الأول داخل الشقّة يصوّر بينيلوبي وهي تطبع رسالة تصف فيها ما حدث وقد وقف وراءها زوجها مايكل (رايلي) ونانسي كوان (وينسلت) وزوجها ألان (وولتز). كان يمكن اعتبار كتابة الرسالة وتوجه نانسي وألان إلى باب الخروج هو كل شيء لو لم يدعوهما مايكل مجدداً للبقاء لاختبار الحلوى التي صنعتها زوجته. ومع أن آل كووان يتوجّهان بعد ذلك مرّتين إلى المصعد لكي يستقلانه ويغادران الا أنهما يعودان إلى الشقّة في كل مرّة لمواصلة الحديث لا في موضوع الخلاف بين الصبيين الذي كان انتقل إلى العائلتين، بل في أمور كثيرة تكشف- على طريقة ليست بعيدة عن طريقة وودي ألن في أفلامه المتكررة- عن خلافات العائلة الواحدة فيما بينها٠
لا قصّة أخرى غير تلك المواقف التي تقع داخل الشقّة والتي يعالجها المخرج كوميدياً، كما الأصل المسرحي. الكوميديا ليست حصراً على أداءات كوميدية، وهذا ما يرفع من شأنها هنا. فالمشاكل المطروحة والتي تتناول الشخصيات الأربعة مثل خيط تشدّه فيكر مداه في تفاعلات متلاحقة. الحوار يسود هنا بطبيعة الحال، لكن الأداء ليس ملك الحوار وحده، بل يتعامل الممثلون معه بطلاقة ملحوظة ويشتركون في صياغة الحس السينمائي الذي يُجيد بولانسكي الشغل به وعليه. ولأن النص لا يريد تفويت فرصة متابعة شأن واحد من شؤون كل شخصية، فإن الكثير مبني على ألان الذي يعمل محامياً والذي لا يستطيع مغادرة هاتفة لأكثر من لحظات ما يُثير انزعاج الجميع خاصّة زوجته التي تلقي بالهاتف في وعاء الزهور. لكن أحد أفضل اللحظات هو ذلك التهديد غير المباشر الناتج عن مواجهة كلامية بين ألان ومايكل. الثاني يؤمن خدمات المنازل الصحية والثاني يحاول السخرية من عمله. ما هو  مثير أيضاً للمتابعة أداء لبينيلوبي (فوستر) المتشنّج حسب المطلوب. الأربعة في النهاية أمّوا خبرات مسرحية ومارسوا هنا أداءات جديرة.  لكن الفيلم هو فعل درامي سريع وبلا أثر أبعد من ذلك. وفنّه محدود بدوره. لا يمكن صنع عمل سينمائي شامخ من هذا النص خصوصاً أن استمراره يؤدي إلى ضعف مبرراته تدريجياً. وحسناً فعل بولانسكي بتحديد دقائق عروضه بحيث لا تتجاوز الثمانين دقيقة. عدد الممثلين الرئيسيين أربعة وهؤلاء عليهم شغل المساحة المتوفّرة والعين المتابعة وبعض الزخم يودي بافتقار قدر من الكيمياء بين فوستر ورايلي كزوجين، او ربما بين فوستر وكل ما ٠

بولانسكي لم يصوّر فيلمه في نيويورك طبعاً لأنه لا يستطيع السفر إلى هناك، لكن في فيلم محصور المكان لا توجد معالم للمدينة بالضرورة٠



 بين «بوليت» و«الإتصال الفرنسي« / ستيف ماكوين ضد جين هاكمان

Bullitt:   ستيف ماكوين في
French Connection:  جين هاكمان في

بعد ثلاث سنوات على قيام المنتج فيليب د أنطوني بتحقيق الفيلم الذي جلب له نجاحاً مبهراً، وهو «بوليت»، قام سنة 1971 بإنتاج فيلم آخر من الطينة ذاتها عنوانه «الإتصال الفرنسي». مخرج ذلك الفيلم هو وليام فريدكن الذي لا يزال مستمرّاً في العمل إلى اليوم والذي يعرض آخر إنتاجاته في مهرجان "ڤنيسيا" السينمائي الدولي وعنوانه «جو القاتل»٠
نقاد السينما عادة ما ينظرون إلى الفيلم البوليسي نظرة الطبيب إلى الداء المستعصي، لكن نقاد الأفلام، وهم الرعيل الأكثر تأكيداً على ما هو جوهري بالنسبة للسينما، بدءاً من قيمة الصورة والأسلوب البصري المستخدم ومدى نجاحه، يعاينون هذه الأفلام بتفهّم أكبر. وكما أن «بوليت»، الذي أخرجه البريطاني بيتر ياتس وقام ببطولته الراحل ستيف ماكوين، لم يكن فيلماً عابراً في سماء السينما، فإن «الإتصال الفرنسي» حط بقوّة حين عالجه وليام فريدكن وقام ببطولته جين هاكمان وروي شايدر يبرهن عن جدواه اليوم كما فعل حين افتتح في الصالات الأميركية في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر سنة 1971
في «بوليت»، المأخوذ عن رواية لروبرت ل. بايك، هناك التحري بوليت (تُكتب مختلفة قليلاً عن كلمة «رصاصة« بالإنكليزية)، الذي يوكل المدّعي العام كالمرز (روبرت ڤون) إليه عملية حراسة شاهد عيان جيء به من شيكاغو للشهادة في قضية العصابة المنظّمة. لكن مجرمين إثنين، أحدهما  نال الشيب رأسه ويرتدي معطفاً قديماً حشر فيه بندقية «بوب أب» قصيرة المدى وفادحة التأثير والثاني أطول قامة يرتدي نظّارة طبيّة ويعتمر ما يشبه الإبتسامة الدائمة، يقتحمان النزل الرخيص الذي تم وضع الشاهد فيه ويطلق أولهما النار على الشاهد وعلى حارسه وهو أحد رجال بوليت.
بوليت الآن يريد تعقّب القاتلين، بينما يرغب كالمرز تسجيل نصر يساعده في الإنتخابات المقبلة، لكن بوليت يوقفه عند حدّه قائلاً له: "أنت تمشي في جانبك من الشارع وأنا أمشي في جانبي". بوليت لا يستجيب لرغبة أحد وهو يمضي بعناد شديد للكشف عن القاتلين وهذا سوف لن يأخذ منه وقتاً طويلاً لأن القاتلين يتعقّبانه. وفي فصل من المطاردات هو الأفضل في السينما إلى اليوم، مزدان نصفه بموسيقى من لالو شفرين أنجز الفيلم نقلته كاملاً من مستوى فيلم التحقيقات الجيّد إلى مستوى فيلم المطاردات المبهر أيضاً. تصوير وليام أ. فراكر للمطاردة (مدير التصوير والمخرج كانا في السيارة التي قادها ستيف ماكوين بنفسه) أمّن المعالجة التسجيلية لها، فإذا بها مثيرة وقابلة للتصديق في وقت واحد٠
من سان فرانسيسكو إلى نيويورك نقل المنتج د أنطوني أحداث فيلمه التالي «الإتصال الفرنسي»: أيضاً تحر عنيد لا يوقفه شيء عن كشف الجريمة والجريمة هنا، نقلاً عن رواية لروبين مور، يتعقّب التحري جيمي دويل (هاكمان) وشريكه  بَدي روسو (روي شايدر)، تاجر مخدّرات فرنسي حذق أسمه ألان (فرناندو راي) ولا يرضى أن يفلت منه. هناك العناد ذاته، البيئة المعايدة لشغل التحري القادمة من داخل وخارج المؤسسة البوليسية، والمطاردة وهي هذه المرّة كناية عن سيارة وقطار المدينة حيث يحاول دويل الحيلولة دون هروب اليد اليمنى لألان (الفرنسي الراحل مرسيل بوزوفي) ويقتله بالفعل عند أعلى السلّم المؤدي إلى جسر المحطّة فوق منطقة قبيحة من نيويورك.
أسلوب ياتس مختلف كلّياً، يحمل في نثراته خلفيته في الفيلم التسجيلي وفهمه الفني لماهية الفيلم البوليسي. كذلك يختلف تمثيل ماكوين عن تمثيل جين هاكمان كما النهار من الليل. كلاهما جيّد لكن ماكوين بإبقاء الشخصية تحت خط التفاعل العاطفي شحن الفيلم بطاقة أكثر تأثيراً من تلك التي شحنها جين هاكمان المنفعل دائماً والحافظ لموقع الكاميرا منه طوال الوقت٠

شيء عن وليام فريدكن
وفي حين أن فيليب د. أنطوني كان منتجاً جديداً (بعد هذين الفيلمين أنجز فيلماً بولسياً آخر هو « ذ سڤن أبس» قام بإخراجه بنفسه قبل أن يكتفي من السينما ويتّجه إلى التلفزيون، فإن  وليام فريدكن، مخرج «الإتصال الفرنسي»، الذي أعيد إطلاقه على أسطوانات قبل فترة وجيزة، كان خاض السينما من العام 1967 عندما ترك العمل التلفزيوني (بعد ثلاثة أعوام فيه) طالباً المزيد من حريّة التعبير وإثبات الوجود. فيلمه الأول، وهو «أزمنة طيّبة»،  لم يترك تأثيراً على أي صعيد لكنه كان مركبة موظّفة لحساب المغنيين صوني وشير (هو مات بعد عدّة سنوات وهي لا تزال إسماً فنيّاً معروفاً وآخر أفلامها ورد قبل عامين بعنوان «برليسك»).
«حفلة عيد الميلاد» (1969) كان فيلم فريدكن الثاني. مصدره مسرحية هارولد بنتر حول رجلين ينزلان في فندق صغير ويغيّرا حياة موظّف الإستقبال. حينها بدا الفيلم كما لو كان سيترك أثراً فنيّاً دائماً، لكن اعتماده على المسرحية جعله يترجمها صورياً لا أكثر ما استعجل خفوت الفيلم بعد أن أثار الإنتباه لفترة وجيزة.
فيلمه اللاحق «الليلة التي غزو فيها مينسكي» (في العام نفسه) كان أفضل حالاً لكنه مر كذلك بلا تأثير فني او جماهيري يذكر.
حتى الآن لم يعكس المخرج ميلاً صوب نوع معيّن، ولا يمكن القول أنه كان ذا أسلوب بصري يحمل بصمة. وهذا استمر في فيلمه الرابع «الفتيان في الفرقة» واحد من أولى المحاولات الرئيسية للحديث عن المثليين في السينما. الناتج هو فيلم لا يؤذي مشاعر أحد له نكهة خفيفة ويُثير الفضول أكثر مما يُثير التقدير.
«الإتصال الفرنسي« ورد إذاً في تلك الفترة التأسيسية وكان أكثر أعماله نجاحاً حتى ذلك الحين. المفاجأة التي لم تكن موقوتة، هي الفيلم الذي ورد مباشرة بعده: «طارد الأرواح» او The Exorcist
فيلم الرعب الذي لم تكن السينما خبرته على هذا النحو من قبل: شيطان يتلبّس فتاة صغيرة (ليندا بلير التي لم تظهر في فيلم جيّد بعد ذلك) ووالدتها (إيلين بيرستين) تسعى للأب ميرين (ماكس فون سيدو) لعله يستخرج ذلك الشيطان منها. ثم يتدخل البوليس (لي ج. كوب) لمعرفة ما الذي يدور في هذا البيت الغامض ولماذا كل ذلك الصخب الدائر داخله.
«طارد الأرواح» فيلم صراع بين الخير والشر، ثم بين الخير والخير، على أساس أن الراهب الشاب الذي جيء به لاحقاً لإتمام ما سبق للأب ميرين القيام به، يبدأ بإفشاء سرّه: هو أيضاً ليس على ثقة من إيمانه المبرم. في الفيلم الشيطان حذق، لكن الخير محظوظ، وهذا لا يمكن أن يكون نتيجة إيمان ثابت أساساً. إلى ذلك، فإن فريدكن، الذي برهن عن ملكيّة تقنية جيّدة في «الإتصال الفرنسي» يُمارس هنا نوعاً أكثر استشفافاً. إنه مرتاح للتعامل المباشر مع كنه الموضوع لأجل إبهار المشاهد بمهارات تقنية محضة: رأس الفتاة وهو يلتف حول نفسه ومشهدها وهي ترتفع عن السرير من تلقاء نفسها، والمزج بين الفكرة المرعبة والتنفيذ الرخيص لها، كل ذلك يمنح الفيلم درجة متوسّطة فنياً ولو أنه من أكثر أعمال السينما في السنة ذاتها التي شهدت »بادلاندز» لترنس مالك و»شوارع منحطة» لمارتن سكورسيزي و»لا تنظر الآن» لـ (المنسي تماماً) نيكولاس روغ و»اللدغة« لجورج روي هيل و»أماركورد» لفديريكو فيلليني و»الأم والعاهرة» لجان أوستاش و»أو لاكي مان» لندساي أندرسن و«بات غاريت وبيلي ذ كيد« لسام بكنباه. لا عجب أن «طارد الأرواح» نال هذا القدر من المكانة بوجود مثل هذا الزخم من الأعمال الأكثر جدارة٠

أعمال فريدكن تواصلت لليوم وشملت عودته إلى سينما الرعب أكثر من مرّة من دون نتائج فنية او جماهيرية تذكر. في البداية كان هناك «المشعوذ» (1977) ثم  »الحارس«، »المصطاد« و«حشرة« وهذا الأخير أسوأها على الإطلاق. إلى هذا النوع أنجز أفلاماً بوليسية منها »كروزينغ»  حول آل باتشينو يدّعي أنه مثلي ويقتل المثليين، و»عملية برينكس» و«لكي تموت وتحيا في لوس أنجيليس«٠
في العام 2000 أنجز فيلماً  بعنوان «شروط التعامل» حول حق الجندي الأميركي قتل اليمنيين ضد تفريق كون لا أحد منهم بريئاً من رغبة قتل الأميركي.  فيلم رعب رابع بعنوان »المصطاد« لم يثمر عن شيء٠
فيلمه الجديد «جو القاتل»، الذي سيعرضه مهرجان فنيسيا خلال أيام، هو معالجة كوميدية خفيفة حول شاب (ماثيو ماكونوهي) يريد قتل والدته الشريرة للإستئثار بمالها لدفع الدين الذي يطالبه به أشرار الفيلم. إلى أي مستوى سينتمي هذا الفيلم هو أمر ينتظر المشاهدة، لكن لا شيء في ماضي المخرج يدفع المرء إلى توقّعات كبيرة بإستثناء ذلك الفيلم الفريد «الإتصال الفرنسي« وإدارة المخرج الجيّدة لممثليه في معظم ما أنجزه حتى الآن٠

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2007- 2011


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular