Sep 1, 2011

Venice Film Festival Daily- 2 | نقد فيلم الإفتتاح وفيلم جديد للمخرج نصف المستقل تود هاينز

Year 5 | Issue 657                                                                                 



يوم أميركي مبكر عن المرأة الغامضة والسياسي الذي كشّر عن أنيابه

The Ides of March

The Ides of March ****

في حديث سابق تم بين هذا الناقد وبين جورج كلوني فوق جزيرة قريبة من الليدو حيث يُقام مهرجان فنيسيا كل عام تحدّث الممثل والمخرج عن حبّه لسينما السبعينات وذكر أنه معجب جدّاً بالدراميات السياسية التي تم إطلاقها في ذلك الحين ومنها، حسب كلامه، «كل رجال الرئيس»، و«بارالاكس فيو» وكلاهما للمخرج المهم في تلك الحقبة ألان ج. باكولا.
«منتصف أشهر مارس»٠ The Ides of March
إسم يبقى ماثلاً عند نهاية الفيلم لأن الأصل محفور في التاريخ الروماني، إذ يعتقد أنه اليوم الذي تم اغتيال جوليوس سيزار. في فيلم جورج كلوني الجديد، نهاية الفيلم توحي بإغتيال مماثل مع اختلاف الظروف. كلوني يؤدي دور حاكم الولاية مايك موريس الذي لديه حظ كبير في انتخابات الرئاسة ومجموعة رائعة من الأفكار والمباديء لا يساوم عليها. في مطلع الفيلم نستمع إلى بعض تلك المباديء: "أنا لست مسيحياً، ولست ملحداً. لست يهودياً ولست مسلماً. أنا أؤمن بالدستور الأميركي".
خلال الفيلم سنستمع إلى مباديء أخرى تعكس آراء الرجل ومواقفه من المشاكل التي تعيشها الولايات المتحدة الأميركية. يخطب ضد القلّة من الأثرياء التي تهيمن على المقدّرات الإقتصادية للبلاد، ومع حق الطلاب في تعليم مجاني كامل. ينتقد تراجع الولايات المتحدة عن مكانتها السابقة ويدعو إلى بداية عصر جديد من الثورة التكنولوجية تكون الرائدة فيه. الأهم: "علينا أن نجلس وأعداء أميركا على طاولة المفاوضات، عوض أن نلقي على العراق القنابل".
هذه الكلمات تضعه في شريحة الساعين لتغيير وجه الولايات المتحدة، ومن يعرف كلوني يدرك أنه يؤمن فعلاً بهذه الآراء فهو ليبرالي ويساري ولديه أجندة تثير نقمة اليمين، والأهم أنه شارك في كتابة الفيلم (مع غرانت هوسلوف الذي أخرج «الرجال الذي يحدّقون بالماعز» من بطولة كلوني وعرض هنا قبل عامين) وشارك كذلك في إنتاجه لجانب إخراجه وتمثيله. وإذا ما قرر كلوني بعد أربع سنوات أو أكثر ترشيح نفسه لانتخابات الرئاسة فإنه ليس من المثير للعجب مطلقاً أن نسمع منه خطباً شبيهة بهذه التي يرددها في الفيلم.
رغم ذلك، هو جوهر الدراما لكنه ليس جوهر المشاهد. البطولة الفعلية هي لمساعده في الحملة الإنتخابية ستيفن مايرز (رايان غوزلينغ) الذي يبدأ الفيلم بلقطة متوسّطة عليه وينتهي به أيضاً. في الأولى هو شاب مقبل على السياسة بعنفوان شاب وبمثاليات جادّة، وفي الثانية، يقف بوجه صامت يعبّر فيه عن اكتشافه فساداً اضطر لأن يمارسه. اللقطة الأخيرة هي له من بعد أن كشف عن أنيابه.
ستيفن يدير عمله بمهارة ويؤمن بأفكار المرشّح الديمقراطي ويدافع عنه. على الخط يبرز توم دافي (الرائع بول جياماتي) الذي يعمل لصالح مرشح ديمقراطي مناويء منافس. توم يتصل بستيفن طالباً منه لقاءاً وخطأ ستيفن الساذج هو أنه استجاب من دون إعلام رئيسه المباشر بول (فيليب سايمور هوفمان- الذي لا يقل روعة). كان اتصل به لإعلامه لكنه لم يجده ولم يعد الكرّة. يسأله أن يعمل له لكن ستيفن يرفض. في الوقت ذاته يبدأ علاقة بفتاة تعمل في فريق الحملة الإنتخابية أسمها مولي (إيفان راتشل وود). في ثاني لقاء بينهما يكتشف أنها حامل من المرشّح موريس. إنقاذاً لمرشّحه يعمد إلى صرفها من الخدمة وإجبارها على الإجهاض ولاحقاً ما يكتشف إنها انتحرت. لا يزال يحاول تغطية فضيحة انتخابية حينما تبادره الصحافية آيدا هوروفيتز (ماريسا توماي) بنيّتها نشر خبر لقائه بتوم الذي كان من المفترض أن يبقى سرّاً. نتيجة ذلك يقوم بول بفصل ستيفن ويقوم ستيفن بتهديد المرشّح الرئاسي بإفشاء سر العلاقة مع مولي المنتحرة ما سيؤثر سلباً بالتأكيد على حملته الإنتخابية.
ينتهي الفيلم عند نقطة سوداوية: تلك العلاقات الخاصّة التي قد تودي بالمضامين والطموحات الكبيرة. على الشاشة كل شيء من مطلع الفيلم إلى نهايته مُحاك بفاعلية. تشويق سياسي من الدرجة الأولى حول الفساد وكيف يقضي علي النوايا الصادقة وحول اللعبة السياسية في خلفية كل حملة انخابية.
كلوني المتأثر بسينما السبعينات يعمد إلى محاكاتها. الكاميرا الثابتة (غالباً) النبرة الهادئة (رغم كثرة الحوار) والمعالجة التي لا تريد أن تمنح المشاهد أكذوبة ما او حلاً سعيداً.
كلوني ناضج هنا أكثر من أي وقت مضى، ومثل فيلمه «ليلة طيّبة، وحظ طيّب» قبل سنوات يقرر لنفسه دوراً مسانداً مانحاً رايان غوزلينغ الكرة ليلعب بها في ميدان مكتظ بممثلين جيّدين بأحجام مختلفة. بعض الخلل السردي في النصف الثاني (إثر معرفة ستيفن بانتحار مولي) يؤثر على النهاية (يجعلها مبهمة بعض الشيء. لكن الفيلم بأسره، وعلى الرغم من محدودية ميزانيّته، هو تحية للسينما الرصينة التي تركتها هوليوود وراءها طوال ثلاث عقود.
ميلدرد العائدة من معاناة الماضي
Mildred Pierce
Mildred Pierce ***
 
خارج المسابقة، قدّم المهرجان باكراً ست ساعات تلفزيونية الإعداد والإخراج قام السينمائي تود هاينز بتحقيقها سينمائياً لحساب محطة HBO
وهي محطّة أميركية فضائية متخصصة بالأفلام والمنوّعات ولها نصيب كبير من الإقبال بين الجمهور وآخر أكبر في استحواذ بعض كبار العاملين في السينما الأميركية مثل توم هانكس وستيفن سبيلبرغ وسواهم. هذه المرّة تمّ الإتفاق مع المخرج المستقل تود هاينز، الذي سبق له وأن أنجز عملاً نال إعجاب كثيرين من أهل المهنة النقدية وفي الوسط السينمائي ككل عنوانه «بعيداً عن الجنّة» سنة 2005. والمشروع هو ذاك الذي شاهدناه معروضاً في اليوم ما قبل الأول (عادة درج عليها المهرجان) بعنوان «ميلدرد بيرس».
في الأصل «ميلدرد بيرس» دراما جنائية من تأليف جيمس م. كاين نقلها سنة 1945المخرج مايكل كورتيز (الشهير بفيلم «كازابلانكا») الى السينما من بطولة جوان كروفورد.
كثيرون من المتابعين قد يعتقدون أن الفيلم الجديد هو إعادة للفيلم القديم، لكن هذا ليس صحيحاً. ليس لفيلم  تبلغ ساعات عرضه أضعاف النسخة الأميركية السابقة. المشاهدة التي شملت أربع ساعات أولى فقط، تفيد عملاً يتجاوز النسخة السابقة لا زمنياً فقط، بل بما تحشده من مواقف. بذلك، يتجاوز الفيلم الحالي ما خطّه الكاتب في روايته من حيث تمدده صوب نقاط بعيدة. إنه في الأساس دراما أميركية خالصة (كعادة أفلام هاينز التي سابقاً ما تأثرت بميلودراميات السينمائي دوغلاس سيرك) حول صعود وهبوط إمرأة عاملة ومحاولاتها سباق الظروف المحيطة بها والتبوأ فوق العواصف التي تهب عليها ربما تستطيع بذلك الإستمرار في الحياة العملية بنجاح. المعالجة تنحو للتراجيديا ولا تحتوي على أي شيء له علاقة بمعالجة كيرتيز التي صنعت فيلماً تشويقياً حسب معطيات فترته.
هاينز بارد حيال موضوعه ما يحوّل بطلته إلى إمرأة غامضة النوازع على عكس ما كانت عليه في الرواية وفي الفيلم السابقين. ما استفاد هاينز منه بالتأكيد الطموح الذي دفنه كاين بين دفّتي كتابه. سابقاً ما كان يكتب بلغة المتكلّم ليتحدّث لقرائه عن تجربة تخص الشخصية الأولى التي يضع نفسه في ملابسها: شخصية العاثر الحظ الذي يحط في نزل ويشترك مع الزوجة في قتل صاحبه في «ساعي البريد يدق الباب مرّتين دائماً» وشخصية رجل التأمين الذي يندفع في مغامرة غير محسوبة حبّاً بإمرأة تريد قتل زوجتها لكي ترثه وخداعه في الوقت نفسه في «تأمين مزدوج». في «ميلدرد بيرس» لم يكن ليستطيع تبنّي وجهة نظر البطلة كونها أنثى، لكنه في الوقت نفسه أنجز ما حاول من خلاله المضي بعيداً عن الرواية البوليسية وإن لم ينبذ مسألة الشخصيات ذوات الحظ العاثر.
حافظ هاينز أيضاً على الفترة التي تقع فيها الأحداث من دون تعريضها لمعاصرة كانت ستقحم الزمن الحالي في تركيبة درامية خاصّة. إنها الفترة التي كانت فيها الولايات المتحدة تحاول الخروج من أزمتها الإقتصادية في تلك السنوات الجافّة واليائسة. ميلدرد بيرس (تقوم بها كايت وينسلت) تحاول مساعدة زوجها، لتجد نفسها الوحيدة التي تتصدّى للصعاب المعيشية. كيت وينسلت تمنح الفيلم تجانساً مع الموضوع كان غائباً  عن أداء كرفورد في نسخة كورتيز. كروفورد كانت تمثل نجوميّتها. وينسلت تمثّل شخصية ميلدرد بيرس كما رأت ذلك مناسباً: متواضعة، قلقة ومحيطة بالتفاصيل الحياتية لدرجة مؤذية.
جانب آخر من الصراع كامن بين ميلدرد بيرس وإبنتها، وهو الصراع الذي يتبلور في الساعة الثالثة من هذا الفيلم، ولم أستطع مواكبته في الساعتين الرابعة والخامسة لكي أعرف كيف ينتهي.

1. Ides of March.jpg     رايان غوزلينغ وإيفان راتشل وود في لقطة من: منتصف أشهر مارس
2. Mildred Pierce.jpg    لقطة من: ميلدرد بيرس




 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2007- 2011

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular