Sep 30, 2011

نقد: المسافر | نادين لبكي | لبنان والمغرب والأوسكار | جاك ستاريت | كابتن أميركا | أندريه تاركوفسكي | مهرجان بيروت السينمائي


                                                                                                           

لحية أسبانية  للأوسكار


أكاديمية الفيلم الأسبانية انتخبت الفيلم الذي سيمثّل أسبانيا في مسابقة أوسكار أفضل فيلم أجنبي وهو -ليس- «البشرة التي أعيش فيها» لبدرو ألمادوڤار
الفيلم المرشّح هو «لحية سوداء» لأغوستي فيلارونغا الذي يتناول فيه الحرب الأهلية الأسبانية من منظور صبي يعيش في مقاطعة كاتالان. الفيلم مرشح رئيسي  لجوائز "غويا" الأسبانية في غالبية الأقسام من إخراج وكتابة وتمثيل وتصوير وكأفضل فيلم أيضا

مسلسل  |   كابتن أميركا موديل 1944 | الحلقة  2


مع نهاية الحلقة الأولى يتعرّض كابتن أميركا لخطر الموت، وهو سيتعرّض لخطر الموت في كل الأجزاء الخمس عشر اللاحقة. الطريقة التي كانوا يقومون بها كانت تصوير لقطات الخروج من الخطر حين تصوير المشهد نفسه، ثم حذف تلك اللقطات من نهاية الفصل الواحد لكي يبدو أن البطل الصنديد لم يكن لديه حظ في الخروج سليما. في مطلع الجزء اللاحق يضيفون اللقطات المحذوفة ومع نهايته يقومون بالعملية نفسها. مثلاً في نهاية الحلقة الثانية  المسمّاة: المعدم الميكانيكي
The Mechanical Executioner

نجد بطلنا بيرسل قد سقط أرضاً مغشياً عليه والمجرم الذي صارعه يُدير آلة حصاد (جرار زراعي) ويهرب. الجرار يتقدّم ببطء صوب كابتن أميركا الطريح بلا حركة وسيحوّله إلى متبّل إذا لم يقم من مكانه سريعاً. لكن كابتن أميركا لا يتحرّك. تنتهي الحلقة وفي مطلع الثالثة تضاف لقطتان تظهره يفيق قبل ثوان من وصول الجرار إليه ويهب واقفاً وبذلك يتفادى الموت في آخر لحظة
إذا ما تذكّرت جيّداً كان ما يفرّق بين "كابتن أميركا" الشاشة و"كابتن أميركا" الكوميكس أكثر مما يجمعهما. وقد تيقّنت من ذلك بالعودة إلى تحقيق منشور في مجلة Films in Review
وقد تيقّنت من ذلك بالعودة إلى تحقيق منشور في عدد قديم من  وحكاية هذه المجلة وحدها حكاية. إنها أقدم مجلة سينما في الولايات المتحدة إذ صدر العدد الأول منها سنة 1909 وفي أيام الخير كانت تصل المجلة إلى بيروت (تصوّروا!) مجلة صغيرة الحجم خاصّة بالسينما تصل إلى بيروت مطلع السبعينات وهذا الشاب يشتريها ويكوّن منها مجموعة لا بأس بها لا تزال أعدادها موجودة في خزانته (قلعة ذكرياته) في بيروت، وبل أضاف إليها ما اشتراه من أعداد لاحقة (قديمة وجديدة) كلّما شاهدها في الأسواق. في أيلول/ سبتمبر العام 1996 أشتريت آخر عدد منها من مكتبة في مدينة تورنتو خلال تواجدي في مهرجانها. والباقي مئات الصفحات من الذكريات
أحد أوجه الإختلاف أن كابتن أميركا في الكوميكس كان أقوى بدناً. في السينما كان مجرد رجل عادي مقنّع. صحيح أن اللكمة الأخيرة تكون له، لكنه يُضرب ويسقط ويقوم ويقاوم ويتعرّض للخطر. الإختلاف الثاني أنه في الكوميكس جندي كما أسلفت، بينما في المسلسل المذكور (أقرأ العدد الماضي إذا لم تفعل بعد) هو المدّعي العام بنفسه. الحلقة الأولى تحيط شخصيّته ببعض الغموض، لكن الحلقة الثانية توضح ذلك. ها هو يخرج من سيّارته التي أتمنّى لو عندي واحدة منها (أعتقد أنه كان يقود بلايماوث موديل 1940 او 1941) فيخلع ملابسه المدنية كاشفاً عن ملابسه القتالية ويهب لنجدة السجين الذي يريد أفراد العصابة الحصول منه على معلومات
الأفلام اللاحقة عن هذه الشخصية قليلة. الشخصية نفسها لم تكن ذات نجاح كبير بين القرّاء والتحمت بشخصيات أخرى تحت عنوان The Avengers
لكن أعلم بوجود فيلم تركي عنوانه «ثلاثة رجال أقوياء» (إبحث عنه إذا أردت تحت عنوانه الأصلي
3Dev Adam) تم إنجازه على يدي ت. فكرت أوشاك وكان لحين موته سنة 2003 مخرجاً جماهيرياً ناجحاً. الفكرة هنا ضم الكابتن أميركا لجانب المصارع المكسيكي المقنّع سانتو وبطل تركي (كلهم ممثلون أتراك) وتركهم يواجهون عصابات اسطمبول سنة 1973
الفيلم السينمائي الذي شاهدته قبل فيلم جو جونستون الأخير، كان يحمل عنواناً محدداً: «كابتن أميركا»، وكان من إخراج من إخراج ألبرت بايون سنة 1990 الذي أنجز معظم أفلامه الأولى، أي لمطلع التسعينات لحساب شركة كانون الإسرائيلية وكلّها، من وجهة نظر نقدية صارمة، تتراوح بين نجمة ونجمتين ونصف. ربما لو أتيح له العمل مع شركة تصرف أكثر على أفلامها لصنع عملاً يستحق ثلاثة نجوم، لكن أعماله المنتجة لحساب مناحيم غولان وإبن عمّه غلوباس والتي تشمل «سيبورغ» و«كيكبوكسر 2« هي من سقط المتاع كما يقولون٠

تقارير | لبنان والمغرب في سباق ملهم نحو الأوسكار

عمر قتلني لرشدي زم

بعد أيام قليلة من إعلان مركز السينما المغربي عن ترشيح فيلم »عمر قتلني» للمخرج رشدي زم ليمثّل السينما المغربية في مسابقة أوسكار أفضل فيلم أجنبي، تم الإعلان عن ترشيح الفيلم اللبناني »هلّق لوين؟» للمخرجة نادين لبكي للمسابقة نفسها

وهما ليسا أوّل من تم ترشيحه من أفلام أجنبية في مسابقة هي دائماً محط اهتمام الأوساط المختلفة، بل كانت النمسا وفنلندا وروسيا والمجر وإيران والنروج وكوريا الجنوبية وتايوان قد أعلنت أيضاً عن الأفلام التي ترشّحها لهذه المسابقة. وخلال الأيام الثلاث الأولى من الأسبوع الماضي، انضمت المانيا واليونان وبلجيكا وفرنسا وليتوانيا وهولندا ونروج وفيليبين وبولندا وبرتغال وصربيا والسويد وفنزويللا إلى القائمة التي ستستقبل المزيد من الترشيحات في هذا القسم حتى الأول من الشهر المقبل٠
الفيلم اللبناني هو ثاني أعمال المخرجة نادين لبكي السينمائية التي كانت حققت قبل أربع سنوات «غزل البنات»  كأول عمل روائي لها. لكن في حين دار «غزل البنات» او «كاراميل» كما درج أسمه أيضاً، حول حياة وهموم أربع نساء تتشاركن العمل في صالون نسائي، لجانب شخصيات مساندة أخرى، عمد «هلق لوين؟» إلى حكاية تقع في رحى حرب أهلية حيث تحاول نساء تجنيب القرية التي يعشن فيها نيران تلك الحرب عن طريق خطة إنقاذ تتداخل فيها عوامل كوميدية وعاطفية
أما الفيلم المغربي فهو «عمر قتلني» وهو الفيلم الفرنسي الإنتاج الذي أخرجه الممثل المغربي رشدي زم حول الحدائقي المغربي الذي سيق في أحد الأيام الى السجن ليقضي عقوبة مدّتها عشر سنوات بتهمة قتل سيّدة فرنسية علماً بأنه بريء من التهمة المنسوبة إليه. دراما حول العنصرية التي تتقدّم على الدفاع والبراهين وما تقود إليه من سوء العدالة. كون الفيلم فرنسي يجعل الترشيح المغربي له مجال تساؤل مهم، فهل لم تنجز السينما المغربية ذاتها ما يدعو إلى تقديمه لمسابقة دولية كهذه؟
المتابعون يدركون أن هناك نهضة جيّدة في السينما المغربية كميّة أوّلاً، ونوعية ثانياً. وما استقبال مهرجان أبوظبي السينمائي قريباً لثلاثة أفلام مغربية، هي «موت للبيع» لفوزي بن سعيدي و«رجال أحرار» لاسماعيل فروخي و»أيدي خشنة» لمحمد عسلي، الا تأكيداً على أن هناك أفلام مغربية تستحق (او يستحق أحدها على الأقل) اختياره لأجل مسابقة الأوسكار٠
لكن ما يبدو رجّح تبني المغرب للفيلم الفرنسي هو عاملان: الموضوع يتعلّق بشخصية مغربية، وهذا ليس تبريراً على الإطلاق، وحقيقة أن الفيلم نال إقبالاً كبيراً في الأسواق الفرنسية حين هبط العروض قبل شهرين
هذا العامل الثاني، وهو أيضاً ليس مبرراً عملياً، هو ما دفع السينما الفرنسية ذاتها إلى إنتخاب فيلم جماهيري آخر لترشيحه لمسابقة الأوسكار المقبلة هو «إعلان حرب»  للمخرجة فاليري دونزيللي التي تختار معالجة عاطفية- إستعراضية ذات حس تراجيدي حول زوجين شابّين يفاجآن بأن طفلهما مصاب بورم خبيث في المخ٠
إنها طلقة خاسرة، في الغالب، للسينما الفرنسية كون الأفلام القادمة من بلدان أخرى حتى الآن، أقوى موضوعاً ومعالجة. مشاهدة فيلم «بينا» الألماني لفيم فندرز في الدورة الأخيرة من مهرجان برلين جعلتنا ندرك أن الأبعاد الثلاثة تستطيع أن تلعب دوراً فنياً أيضاً وليس تقنياً بغاية جذب الجمهور. وفي مهرجان برلين أيضاً تم عرض الفيلم المجري «حصان تورينو» لبيلا تار.... سينما بسيطة التأليف مبهرة الوقع من مخرج حريص على أسلوبه المنفرد٠
هذان الفيلمان مرشّحان أيضاً جنباً لجنب أعمال أخرى ذات أهمية من بينها »في العتمة» للمخرجة البولندية  المخضرمة  أنجييسكا هولاند البالغة من العمر 62 سنة. و«حرقته الشمس- 2« للروسي نيكيتا ميخالكوف (أقدم هذه الأفلام عمراً إذ عرضه "كان" في العام الأسبق) و«سعيدة، سعيدة» للمخرجة النروجية آن سيوتسكي السعيدة بجولات فيلمها في العديد من المهرجانات حالياً (يعرض في زيورخ ومنه إلى أبوظبي بعد أن عرض في تورنتو٠
لكن الفيلم الفرنسي لن يقف وحده بين الأعمال التي تثير التساؤلات حول أحقيّتها. هناك الفيلم التايواني الجديد «رجال حقيقيون» الذي يدور حول مقاومة التايوانيين الأصليين للإستعمار الياباني مطلع القرن الماضي، وهو فيلم عرضه مهرجان فنيسيا في دورته الأخيرة


تحقيق | نادين لبكي ملطّخة بالخطيئة الأصلية


  هوڤيك حبشيان

انطلقت في الأسبوع الماضي في بيروت وسائر المناطق اللبنانية، العروض التجارية لفيلم نادين لبكي الثاني. يحمل العمل الذي عاد قبل خمسة أيام من مهرجان تورونتو بجائزة "جمهور"، عنواناً على شكل سؤال يتوضح في ختامه: "وهلأ لوين؟". هذا السؤال ردّ عليه ناقد مجلة "دفاتر السينما" فنسان مالوزا بالقول: "في الجدار!". لكن، هذه العقصة النقدية اللئيمة، وإن كانت تدغدغ بصراحة مشاعر النقاد، تكاد تكون يتيمة في نوعها. فمجمل الصحافة الفرنسية، مال الى تدبير معطيات للتعاطف مع الفيلم ومخرجته، لدى عرضه في الصالات الفرنسية قبل اسبوع. فالمرحلة التي تمر بها المنطقة العربية صعبة ودقيقة وخطرة، وكل ما يأتي منها تتم احالته على الوقائع التي تُبثّ على شاشات التلفزة، وهي "وقائع" تحمل قدراً من الزيف والتلاعب والتضليل. سواء اراد السينمائي، هنا، الاشارة الى واقعه المعيش أو امتنع عن ذلك، فمصير الأفلام التي تصدّرها المنطقة أن تلطخ بالخطيئة الأصلية: فعليها أن تقول شيئاً ما، وهذا الشيء عليه أن يكون سياسياً، من مثل اعلان موقف، إخبار، أقوال. التصوير كفعل تصويت. تحديد معسكر. وضوح كاملٌ وشامل، لا خلط أوراق! أي فيلم لا يقول شيئاً في اللحظة الآنية، يتم ايجاد صدى له في حاضر ما. في مقابل ذلك، لا يفهم بعض سينمائيي المنطقة الآتي: كل مخرج من المفروض أن ينتهي دوره بعد أن يقع الفيلم في عتمة الصالات وسوادها الرطب. ومن سوء حظّ بعض هؤلاء أن الطبيعة البشرية لا تتيح لهم ان يكونوا الفعل والمفعول به في آن واحد. او الناقد والمنقود. احدى اجمل المجازفات في السينما ان تولّد سلسلة مترابطة من سوء الفهم، لا يكاد ينتهي واحدٌ حتى يبدأ آخر. ملاك يحاول أن يعبث مع الشيطان وينتزع منه ذيله. ليس هناك أجمل من ان يفلت الفيلم من يد صاحبه، فيصبح إطلاق الاحكام فيه، المحقة منها وأيضاً الظالمة، في عهدة العامة٠
 انطلاقاً من هنا، واحدٌ منا قد يعتبر ما تفعله لبكي في فيلمها تأكيد لرغبة السينما اللبنانية في سلوك درب العلمنة، لكن، يكفيك ان تجالس المخرجة حتى تقول لك أن أمراً مماثلاً لم يعبر تفكيرها قطّ. ويأتيك نفي مماثل منها، اذا اعتبرتَ ان الفيلم ينطوي على قدر من النسوية والنرجسية. هناك المزيد: في حين تستعد صحافة المنوعات لاعتبار الفيلم ضرباً من ضروب العبقرية، أعرف جيداً وتماماً، ان الفيلم بعيد جداً من أن يرضي صاحبته، مئة في المئة. هذا يعني أن الفيلم يولد بين دفتين. دفة مَن يصنعه ودفة مَن يشاهده. هنا عظمة كل عمل لا ينطوي على علم دقيق. وهنا هنة بيئة، يتراجع فيها عدد النقاد المتابعين والمهمومين والمثقفين سينمائياً، ليصبح أي كلام هو "الكلام"٠
نجاح لبكي ينهي مرحلة وهم. اطاحة نظرية المؤامرة، التي يلبّسونها للسينما بهدف أبلستها، بدأت تكون ممكنة من الداخل، ومن دون معارك صوتية. التسلل المنتظر للفيلم في أروقة الأوسكار، وإن كان محمولاً على "راحات" فرنسية، لا يمكن الا ان يُعد رد اعتبار الى مخرجة لبنانية. الحدث، إن تحقق، قد يثلج صدور الكثيرين، لكن الأمر يحتاج الى ان تتوافر في سبيله موازنة كبيرة لتنظيم عروض صحافية في الولايات المتحدة واستئجار صفحات دعائية في الصحف الكبرى، الخ. علماً ان منافساً قبضاياً يقف امامه هو "نادر وسيمين: انفصال" لأصغر فرهادي، ويتجاوز فيلم لبكي أهمية، على المستويات كافة. لبنان في "حرب" ضد ايران بضيافة أميركية؟
من: "كاراميل": فيلم نادين لبكي الروائي الأول

في زمن لا يرتقي الفنّ الى الواقع وما يحمله من مضامين تحتاج الى مواهب كروسيلليني لنقلها الى الشاشة، تنير لبكي، مع غيرها في مجالات أخرى، العتمة التي نعيشها. مع هذا الفيلم الثاني، تتحول الى "قيمة وطنية". تحاول انتزاع تلك الصفة (الوطنية) التي لاكتها الألسنة من أفواه مجانين السياسة والاعيبها ووضعها في مكانها الصحّ. ثاني فيلم دائماً فخّ على شكل فجوة تقفز فوقه متسلحة بقناعة طفل تهتز في كلّ لحظة. لكن، من الخطأ الاعتقاد انها وقفت تحيي المصورين في كانّ او تشاطرت لحظة فرح مع الجيل الثاني من المهاجرين الكنديين في تورونتو من دون ان تكون مُدينة لأحد. فقبلها مخرجون من بلدها أبدعوا ووصلوا الى منتصف طريق التكريس، قبل ان تخونهم ظروفهم وطاقاتهم وترميهم في احضان العجز والنسيان.
هؤلاء أوصلوها الى منتصف الطريق ايضاً. بين "الى أين؟" لجورج نصر، أول فيلم لبناني يشارك في كانّ، و"هلأ لوين؟"، أكثر من 50 عاماً، ماذا حقق الفيلم اللبناني خلالها؟ ربما أطنان من المآسي والاقدار الخائبة لوضع بلد صغير على خريطة السينما. لذا، سينما نادين لبكي ملطخة بخطيئتها الأصلية: خطئية أولئك الذين ماتوا في لبنان ولم تتحقق احلامهم، وخطيئة الذين سيظلون يبتهجون بسينما غير مكتملة الأوصاف. والآن، بعد هذا كله، بات المطلوب حمايتها من بائعي السكاكر على أبواب السينمات، ومهرجانات خليجية تمنح أمثالها مئتي ألف دولار لتشارك في لجنة تحكيم. وغداً اذا جاءنا تاجر من تجار الكلمات يلقبها بالعالمية، فأفضل ردّ لها ان ترفض الصفة التافهةً: أي انسان يعيش في هذا العالم هو عالميّ

نقد| "المسافر" فيلم متمرّد على تقاليد السينما المصرية
المسافر | إخراج: أحمد ماهر

كمال رمزي - القاهرة

مثل الزمن، ينسال الفيلم ناعما بلا توقف. كل مشهد من مشاهده الطويلة، يوحى أن ثمة لحظات فى الحياة، من الممكن الإمساك بها، وتثبيتها، لكن إن عاجلا أو آجلا، تنطوى صفحتها لتظهر صفحة جديدة. فى افتتاحية الفيلم، مع ما نراه من حركة على طريق زراعى، خلال نافذة قطار، يتهادى صوت الراوى  (عمر الشريف) الدافئ، المتهدج بفعل الشيخوخة، ليعرب بصدق، عن ذاكرته التى علاها ضباب، وحياته التى لا يكاد يتذكر منها سوى ثلاثة أيام. منها، أحد أيام العام 1948، حيث سفره إلى بورسعيد، ليتسلم عمله فى مكتب التليغراف. وها هو، بأداء خالد النبوى الذى يجسد عمر الشريف شابا، يجد نفسه، بدافع من رعونة السن، أو بسبب أقدار غير مفهومة، طرفا فعالا فى مغامرة غريبة: يتسلل إلى السفينة الفاخرة، المتلألئة، ليلتقى بالشابة الفاتنة، نورا  (سيرين عبدالنور)  زاعما أنه فؤاد، الذى جاءت للزواج منه، والذى لم تره منذ غادرت بورسعيد وهى طفلة.. السفينة هنا، تعطى معنى أكبر من كونها مجرد وسيلة سفر، وربما تعنى الحياة، بمباهجها ومفارقاتها وغربائها، ويتحول بطلنا حسن (خالد النبوى) من متسلل إلى مقتحم، حين ينبهر بجمال نورا، فلا يملك إلا مواقعتها عنوة، وتستسلم له، وقد تكون تجاوبت. ويتعمد كاتب السيناريو، المخرج، أحمد ماهر، أن يغلق المشهد كله، بأغنية «حسن.. يا خولى الجنينة»، بما تفيض بها كلماتها من عواطف العشق واللوعة والراحة والألم.. ويأتى «فؤاد» ــ عمرو واكد ــ وعقب مشادة بينه وحسن، يتزوج من «نورا»، مما يغضب حسن، الذى يحاول إحراق السفينة.

«المسافر»، فيلم متمرد، يتحرر من تقاليد السينما المصرية، يبتعد عن الواقعية بمعالمها المعهودة، ولا يعتمد على قصة ذات بداية ووسط ونهاية لذلك فإنه يعد فيلم «حالة»، لا يفصح عن أفكاره على نحو مباشر، بجملة أو حكاية أو علاقة، ولكن يعبر عن رؤيته بعشرات التفاصيل التى تجرى فى شرايينه، من دون تعسف، فعلى سبيل المثال، لا يمكن إغفال الإيحاء بأحلام الرحيل والعودة، الرغبة فى الانطلاق والتواصل، فأسراب الطيور المحلقة فى الأفق تطالعنا فى البداية والنهاية، ومنذ المشاهد الأولى، تتوالى معظم سوائل السفر: عساكر يمتطون صهوات الجياد، الدراجات، عربات الكارو، السفن، السيارات، الأتوبيس النهرى.

أما اليوم الثانى فيدور فى عقب حرب 1973، فأغنيات تلك الفترة تنطلق من الراديوهات. ابنة «فؤاد»، «نادية»، بأداء سيرين عبدالنور أيضا، تعود من الخارج، تعامل «حسن» كما لو أنه والدها، حسب تأكيدات والدتها. يرتبك «حسن» ــ بأداء خالد النبوى ــ الذى أصبح مترددا، بحكم السن غالبا، ولكن بعد لحظات من الشك، يقتنع أنها ابنته. تخطره أن شقيقها التوءم مات غريقا، وعليهما التعرف على جثته ودفنها وتنفيذ وصيته بزواج «نادية» من صديقه «جابر»، المعوق ذهنيا، ويؤدى دوره محمد شومان على نحو شديد الإقناع، فهو لا يجنح للمغالاة، أو الكاريكاتير، ولكن يجسد ما يمكن أن ينطوى عليه «المعوق ذهنيا» من الإخلاص والبساطة والتواضع ونقاء الروح.. هنا، يبدو الفيلم كما لو أنه يتأمل مفارقات الحياة، فاللحاد العجوز، لا يتذكر، بيقين، مقبرة «نورا» كى يدفن ابنها بجوارها، ففى النهاية، كلها مقابر، والكل موتى. وصوان العزاء، يتحول إلى صوان فرح، وبدلامن نهنهة الحزن، ثمة بهجة أغنيات الزفاف. والواضح أن «نادية»، الجميلة مثل والدتها، وجدت فى عريسها الطيب، مرفأ أمان.

أسلوب أحمد ماهر يتسم بالمشهدية الطويلة، العامرة بالحركة، مع الاقتصاد فى حركة الكاميرا، والاستغناء عن اللقطات السريعة، والقريبة، والكبيرة، وهو فى هذا تمشى مع روح الفيلم القائمة على التأمل الهادئ للأمور، أيا كانت درجة سخونتها، مع الأخذ فى الاعتبار، تلك النزعة الجمالية التى تتوافر فى الفيلم، وهى ليست جمالية شكلية مصطنعة، ولكنها نابعة من قلب الأماكن، بالديكورات المدعومة بالصدق التاريخى التى حققها أنسى أبوسيف، والملابس المتوافقة مع الزمن، والشخصيات، التى صممتها دينا نديم، فضلا عن تدفق الحيوية وتعدد مستويات النظر، داخل المشهد الواحد، سواء طوليا أو عرضيا، فمثلا، داخل السفينة، يضع المصور الراسخ، ماركو أونوراتو، آلة التصوير، بحيث ترصد راقصات الطابق العلوى، والحوار الذى يدور بين «حسن» و«نورا»، فى النصف الأيمن من الطابق الأسفل، بينما على اليسار، نرى الطهاة، فى المطبخ، يعدون الطعام.. لكن هذا الأسلوب أدى إلى الاستغناء عن اللقطات القريبة، الكبيرة، وبالتالى عدم إبراز دقائق الانفعالات على وجوه الأبطال، فها هو خالد النبوى، يقف بلا انفعال واضح، أمام سيرين عبدالنور، التى خلبت لبه، فى اليوم الأول، قبل أن يهم بها.. ثم، فى «اليوم الثانى»، يجلس «حسن»، على السرير، بجانب ابنته «نادية»، وهو فى قبضة الحيرة، قبل اقتناعه بأبوته، من دون أن يظهر أى انفعال على وجهيهما، ذلك أنهما يعطيان ظهرهما.. للكاميرا.

فى «اليوم الثالث» عام 2011، يزداد الفيلم ألقا، بفضل عمر الشريف، أو «حسن»، بعد أن أصبح شيخا، يلتقى حفيده «على» ــ شريف رمزى ــ ابن «نادية».. الجد، يتمسك بحفيده، وكأنه يتمسك بالمستقبل، يريد أن يكون له امتدادات. وبرغم ضعفه، لم يفقد روح المغامرة، ولأنه يدرك عدم قدرته على الفعل والمواجهة، يدفع حفيده إلى الشجار مع بلطجى، ينتهى بتحطيم أنف «على»، عمر الشريف، فى نظرته، ومشيته، وطريقة كلامه، يعطى إحساسا بأنه «المسافر»، فى نهاية الرحلة، وفى حجرته، أمام التليفزيون، تحاول حمامات بيضاء أن تنطلق داخل الجدران. ألا توحى هذه المحاولة برغبة «حسن» العجوز، فى التحرر والفعل؟.. وألا يعنى إنهاء الفيلم بالأم التى تلقم ثديها لرضيع، داخل أتوبيس نهرى، بأن رحلة الحياة مستمرة، برغم أفول جيل وراء جيل، وقدوم مواليد جدد؟.. «المسافر»، فيلم جرىء فنيا، متفرد، لا يشبه، فى السينما المصرية، إلا نفسه٠

مهن سينمائية | مطلوب سائق ماهر للصوص البنوك

DRIVE: رايان غوزلينغ كما في

محمد رُضا
كل من يفكّر في سرقة مصرف يحتاج إليه. هناك العصابة التي سيقوم أفرادها باقتحام البنك فيتوزّعون في أرجائه شاهرين أسلحتهم على الموظّفين والزبائن معا وهؤلاء سينقسمون إلى فريقين: فريق يراقب حركة الناس ويرهبهم طالباً منهم الإنبطاح أرضاً، وفريق سينشغل في السطو على المال وربما الخزينة بكاملها. لكن الشخص الذي لا غنى عنه، يبقى خارج المصرف وراء مقود السيارة التي ستقل الغنيمة. السيارة في وضع المتأهب وعيناه تراقبان كل شيء ثم حال خروج العصابة من المصرف يهرعون إليه وقد بدأ ينطلق وتسمع رئيسهم يأمره قائلاً له: Go ... go .... go
إنه السائق. ليس أي سائق بل واحد ماهر في الهرب لأن البوليس سوف يكون في أعقاب العصابة سريعاً والشهود سيصفون نوع السيارة وعلى السائق أن يتحاشى الحواجز ولكي يفعل ذلك عليه أن يعرف الطرق، وأن يكون ماهراً في سرعته وليس متهوّراً. وعادة ما يتم تعيينه لهذه الصفات، فيسأل رئيس العصابة فريقه: "نريد سائقاً... هل تعرفون أحداً يصلح للمهمّة؟" فينبري أحدهم ويقترح فلاناً.
في »درايف»، الفيلم الذي يقوم ببطولته رايان غوزلينغ كشخصية بلا إسم (يسمّونه في الفيلم بإسم مهنته) هناك هذا الشاب المطلوب وراء المقود لمهاراته، ليس فقط للمهام الخارجة عن القانون، بل لكونه يعمل في النهار ممثلاً بديلاً، ينفّذ المشاهد التي لا يعرف البطل تنفيذها مثل .... قيادة السيارات بمهارة. في الليل وأوقات الفراغ يعمل «سائق» عصابات وسيارته المستخدمة هي شفروليه إمبالا ولسبب مهم: إذا كنت في سيارة عادية سوف لن تجتذب النظر. تصوّر لو كنت سائقاً تنتظر العصابة لكي تملأ أكياسها بالمسروقات وسيارتك بي أم دبليو 7 او ليكسوس إس أس او ألفا روميو والناس تمر من أمامك تنظر إليك وإلى السيارة بإعجاب شديد... هذا آخر ما تودّه لأنه ما أن يروا أفراد العصابة وهي تغادر المصرف حتى تحفر السيارة في عقولهم عميقاً لتستقر.
في «الهروب» لسام بكنباه (1972) قامت آلي ماكغرو بهذا الدور. زوجها ستيف ماكوين ورفاقه في الجريمة دخلوا المصرف لسلبه والخطّة اقتضت الهرب بسيّارتين، لكنها حين خروج ماكوين بالغنيمة تعطيه مكانها وينطلق هارباً.
حظ وورن بايتي مع سائقه كان سيئاً في فيلم «بوني وكلايد» لآرثر بن (1967). لقد أعطى الفرصة لمايكل ج. بولارد ليكون سائقه. لم يوصه أحد به، بل التقطه حين دخل بسيّارته (موديل الثلاثينات) إلى الكاراج للغسل والتعبئة فوجده شاباً متلهّفاً للمغامرة فضمّه بايتي إلى عصابته المؤلّفة من صديقته فاي داناواي فقط. عندما حان موعد تنفيذ السرقة الأولى دخل بايتي وصديقته المصرف وبقي بولارد وراء المقود، لكن غلطته هي أنه قرر ركن السيارة جانباً حتى لا يخالف القوانين. حينما خرج الإثنان من المصرف وجداه غير قادر على الخروج من مكانه سريعاً وحين وصل إليهما لاحقته لعنات بايتي وشتائمه حتى ما بعد المشهد التالي.
كان موقفاً كوميدياً بقدر ما كان مشوّقاً  أما فيلم »درايفر» او »سائق» الذي أخرجه وولتر هيل سنة 1978 فكان احتفاءاً كاملاً بصاحب هذه المهنة كما يؤديها رايان أونيل (أفضل دور للممثل الذي انطلق بفيلم «قصّة حب» قبل ثماني سنوات من ذلك التاريخ). سنجد هذه الشخصية موزّعة في نحو 50 فيلم على الأقل من بينها «تشارلي فاريك» و«زمن الهروب» و«المطاردة الكبرى« و»الجوهرة الساخنة» الخ... لكن لا بأس من تقديم أطرف طريقة للسرقة من دون مهارة قيادية: في فيلم ستانلي كوبريك «القتل» كانت الخطّة تقتضي دخول العصابة غرفة العمليات في الطابق العلوي من ميدان السباق وسرقة الأموال في كيس كبير. السائق سيقف تحت النافذة، فلا داعي لمغادرة المكان بسرعة وإحداث بلبلة او التعرّض للحرس في الطابق السفلي. سيفتح سترلنغ هايدن النافذة ويرمي الكيس فيلتقطه السائق عن الأرض ويضعه في السيارة وينطلق .... والسائق (الممثل المساند تد ديكورسيا) زيادة في الضمانة ليس سوى .... رجل بوليس!٠

مهرجانات | مهرجان  بيروت السينمائي الحادي عشر

نقولا طعمة - بيروت

تنطلق في الخامس من تشرين الأول (أكتوبر) المقبل  الدورة الحادية عشرة لمهرجان بيروت الدولي للسينما، بمشاركة 67 فيلماً من 29 دولة٠
ولفتت مديرة المهرجان كوليت نوفل في مؤتمر صحافي عقدته يوم الخميس في بيروت أن الأفلام تتوزيع على  سبع فئات هي: فئة الأفلام الشرق أوسطية الروائية، الأفلام الشرق أوسطية القصيرة، الأفلام الشرق أوسطية الوثائقية، البانوراما الدولية، ركن الأفلام القصيرة، أفلام المطبخ، أفلام الأطفال
ويتميز المهرجان بحضور لافت للسينما الإيرانية من خلال أفلام لستة مخرجين، والعراقية لخمسة مخرجين، ومن الخليج فيلم بحريني، وتحضر السينما المغاربية بثلاثة أفلام : تونسيان ومغربي. وتعززت المشاركة الأردنية هذه السنة إلى ثلاثة أفلام، ومثلها المشاركة المصرية
كوليت نوفل قالت إنها ركزت "في اختيار الأفلام على الجدة والنوعية. "أبرز الجديد لدينا هو اننا فتحنا قسما خاصا بالأطفال  سنوات من 4 إلى 10". وأسفت لأن "الأفلام التي واكبت التحركات الشعبية في العالم العربي لم تكن متوافرة للمهرجان لأنها مدعوة للعمل في دول الخليج حيث وجود دعم للإنتاج، وتعطى الأفضلية للخليج في استضافة العروض. وهذا ما سيفرض علينا تغيير موعد المهرجان لكي نكون بعد الخليج فنحصل على الأفلام التي تعرض هناك أولا. نعرف أننا نخسر الكثير من أفلام الشرق الأوسط والبلاد العربية”٠
وعن دورة مهرجان هذا العام قالت: "عندنا بعض المخرجين من الشرق الأوسط وعدد من المخرجين الأوروبيين، ولكن لن يحضر من أميركا من كبار المخرجين حيث لم نتمكن من التواصل معهم. كما آسف لغياب السينما السورية عن المهرجان لتعذر التواصل مع المجموعات التي لديها أفلام”٠
وقالت إنها "بانتظار قرارات الأمن العام لترى إن كان ثمة أفلام لن يسمح بعرضها كما حدث العام المنصرم”٠
يذكر أن الأمن العام اللبناني منع عرض أربعة أفلام العام المنصرم، مما دفع بنوفل لأن تخصص مهرجانا فرعيا أسمته "مهرجان الأفلام الممنوعة” من بينها “شو صار؟" للمخرج اللبناني ديغول عيد، و"الأيام الخضر" للإيرانية هانا مخملباف، و"غناء العروسين" لكارين إلبو

وتحدث الناقد الفني بيار أبي صعب، رئيس قسم الثقافة في جريدة "الأخبار" اللبنانية، عن المهرجان بقوله: "كان مهرجان بيروت الدولي للسينما مهرجانا رائدا، ثم ظهرت مهرجانات جديدة، ومتنوعة، والمهم في وظيفتها أنها ترد بيروت إلى الإبداع والثقافة، لأن الطاغي على السوق هو غزو الفيلم الهوليوودي، وفيلم "الأكشن"، وأفلام العنف، وما شابه، وقد تكون أفلاما جميلة ومسلية، لكنها فارغة من الداخل، ٠وسينما المؤلف لم تعد لها مكانتها في المدينة. الأفلام التي تأتي بها المهرجانات، تصالح الجمهور مع قسم كبير من السينما غير التجارية٠

وتابع: "بعد ذلك، تأتي فكرة نوعية الأفلام التي يؤتى بها، وقوتها السنة الماضية، وهذا العام تكمن في مجموعة أفلام هامة ومن روائع السينما، لكن يستحيل أن تعرض في الصالات، وستكون حاضرة في المهرجان." وتابع أبي صعب قائلا "ومن المهم أيضا أن  المهرجان يهتم بالأفلام "المزعجة" التي تطرح إشكاليات الأنظمة، والدين، والعلاقات الاجتماعية، والصراع الطبقي. فكوليت وفريقها يبحثون عن الأفلام المثيرة من هذا الجانب”.٠
ولاحظ أن "ما يقدمه المهرجان هو جيد لأنه يعيد المدينة  كساحة صراع فكري. ولا أستغرب مفاجآت لهذا العام كما جرى العام المنصرم خصوصا على مستوى السينما الإيرانية”٠
وعن السينما والتغيير، قال: "فهمت أهمية السينما منذ بدايتها بتدمير عادات ووعي الكتلة الشعبية. ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم، هناك عقود طويلة، دخل عليها التلفزيون والفيديو ووسائط مختلفة، وتنوعت واختلفت وبقي الثابت هو قدرتها على النفاذ لإيصال خطاب معين. السينما تغيرت وغيرت، لكن في العالم العربي كانت السينما معزولة، ولم تكن لها السوق الواسعة، وكثيرا ما منعت في المهرجانات في الدول العربية، وحتى عندنا في لبنان حيث هامش أوسع للحرية، لكن الأمن العام يتدخل ويمنع ويحجب نسبة مهمة من الأفلام المثيرة للإشكاليات”.
وعن تطور الفيلم الوثائقي عربيا، رأى أنه من "المطلوب أن يكون الفيلم الوثائقي أكثر تطورا. نحن أمام سينما وثائقية ليست دائما من خيار العاملين في السينما، فجزء من السينما الوثائقية العربية ينطبق عليها وصف "مكره لا بطل" لأن الفيلم الروائي يحتاج لميزانية أكبر، ومدة أطول، ونفس طويل، والوثائقي أسهل إيصالا للجمهور"٠
أضاف: ومع ذلك، نعتبر أن هناك ثورة صحية في العالم العربي، والفيلم الوثائقي فتح باب حرية التعبير عبر الصورة حيث صار بإمكان شباب يافعين صنع فيلم مقبول فنيا، وجماهيريا، وفكريا. السينما الوثائقية ناشطة، ويبقى أننا أمام خيار النوعية. وأعتبر الفورة جيدة، وما يجري أن الأفلام الكثيرة تطلق في الواقع، ومع أنها ليست كلها مشغولة بطريقة جيدة وراقية فنيا وفكريا، غير أن هناك أفلاما جيدة في لبنان وسوريا وفلسطين ومصر والمغرب العربي”. دخل"، و"غسيل سيارات"، و"يوم صيفي حار"، وسواها...

  • نُشرت أولاً في موقع "الجزيرة" السينمائي

عرض خاص | أفلام جاك ستارِت: ممثل ومخرج مجهول


"ولا تنسى وراء الأذن"... هاء ... هاء... هاء.
يقول ضابط الشرطة غولت وهو يراقب بلذّة قيام أحد رجاله بغسل رامبو بخرطوم المياه. بعبارته تلك يعطي الشرطي تعليمات هي في آن واحد طفولية (توجيه أمومي/ أبوي لطفل) وساخرة (كون الغسيل  يشبه غسيل السيارات وليس حمّاماً، ومفروضاً على رامبو وليس بموافقته) وسادي (يعكس شخصية غولت الذي كان حاول حلق ذقن رامبو بالموسى من دون ماء او صابون.
الفيلم هو «دم أوّل» أول أفلام رامبو. المخرج هو الراحل تد كوتشيف.  والممثل الذي يلعب دور غولت هو جاك ستاريت.
من شاهد الفيلم يتذكّره. قبل هذا المشهد يستلم غولت من رئيس بوليس البلدة الصغيرة تيسل (برايان دَاناهي) رامبو ويكرهه على الفور. بعد هذا المشهد سيضرب رامبو غولت ويتسبب في ورم في وجهه، وسضرب سواه من رجال البوليس ويهرب على درّاجة نارية من مركز البوليس ومن القرية كلّها بإتجاه الجبال. ردّ فعل غولت: ها هو في طائرة مروحية حاملاً بندقية قنّاصة يصوّبها إلى رامبو الذي بات الآن معلّقاً بيديه من فوق صخرة تطل على الوادي تحته. إنه هدف رائع لغولت لكن رصاصته الأولى لا تصيب. حين يعترض الطيّار يزجره غولت بشدّة. لقد قرر تنفيذ حكم القتل برامبو. رامبو يرمي نفسه إلى الوادي وتنقذ حياته أغصن الأشجار التي منعت ارتطامه، وها هو يمسك حجراً ويرمه على الطائرة المروحية التي أمرها غولت بالإنخفاض الخطر. الحجر يصيب الطائرة. غولت يفقد توازنه. يقع من الطائرة صارخاً و.... يموت٠

جاك ستاريت سينمائي من تلك الفترة المميّزة من حياة السينما. كان في التاسعة والعشرين من عمره سنة 1965 حين ظهر ممثلاً وفي الثالثة والثلاثين حين أخرج أول أفلامه سنة 1969. هو وتوم لوفلن (الشهير بـ "بيلي جاك") ووليام سميث (الممثل الذي قارع كلينت ايستوود في Any which way you can) شكّلوا مجموعة صغيرة من السينمائيين الذين أحبّوا الأفلام الصغيرة.
الفيلم الأول ممثلاً هو «الأب كإبنه» دراما رياضية من بطولة وإخراج توم لفلن مع التلفزيونية الشهيرة لاحقاً ستيفاني باورز وإبن المخرج الجيّد وليام ولمان، وليام ولمان جونيور. بعد حفنة أفلام، لعب دوراً آخر أهم في فيلم «ملائكة الجحيم علي درّاجات» (1967) الذي كان من إخراج سينمائي آخر من تلك الفترة  أسمه رتشارد رَش. لا رَش ولا ستاريت ولا عشرات سواهم تم تقديرهم جيّداً لا عندنا ولا عند أمم أخرى، لكن الكاييه دو سينما أصدرت كتاباً عن نحو مئة منهم في منتصف السبعينات اشتريته من دون أن أفقه كلمة فرنسية واحدة آنذاك.
«ملائكة الجحيم على درّاجات» كان من بطولة جاك نيكولسون الذي كان ينتمي إلى حفنة أخرى من الممثلين هي تلك التي عملت للمخرج/ المنتج روجر كورمان، والفيلم كان أحد فيلمين عمل فيهما ستاريت يتشابهان في النوع. الثاني «الذين  وُلدوا خاسرين»
The Born Losers
إنه نوع أفلام الدرّآجات النارية، تلك التي استوحى منها بعد سنوات قليلة، المخرج اللبناني الراحل سمير الغصيني فيلمه الأول «قطط شارع الحمرا». مخرج هذا الفيلم كان تي. سي. فرانك الذي هو نفسه توم لفلن، وكان من بطولته وفيه هو عائد من فييتنام ليجد أن البلدة التي يعيش فيها باتت مسرحاً لعصبة من راكبي الدرّاجات الأشرار الذي يخطفون البنات ومن بينهم الفتاة التي يحبّها.
جاك ستارت في فيلم ثالث في العام نفسه من النوع هو «ملائكة من الجحيم»
Angels From Hell
ٍRun, Angels, Run وآخر في العام التالي بعنوان «أهرب، أيها الملاك، أهرب»٠
Nam's Angels ثم خامس في العام 1970 بعنوان
وهما أول وثاني فيلم من إخراجه. المجموعة بأسرها هي عن أميركا التي تعرّضت لخضّة اجتماعية حين عاد المحاربون من فييتنام ليكتشفوا أنهم إذ خسروا الحرب هناك، أمامهم فرصة لخوض حرب أخري داخل البلاد على أحد جانبي القانون، فهم إما سيصبحون مجرمين، او مدافعين عن القانون بغياب قوّة بوليس فاعلة
أول فيلم شاهدته له هو »سلوتر» من بطولة جيم براون. لكن هذا سأتركه للعدد المقبل، وهو فيلم عرضته بيروت في العام 1972 لكني شاهدت أفلامه السابقة لذلك التاريخ على أسطوانات وعلى قنوات
Cry Blood, Apache  التلفزيون السينمائية، وأحدها، وهو
محاولة لوسترن فني.... التفاصيل في العدد المقبل

سينما وسينمائيون | أندريه تاركوفسكي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحلقة الثانية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أندريه روبليف... على حافة النار | محمد رُضا

بعد أربع سنوات على تحقيقه «طفولة إيڤان» قام أندريه تاركوڤسكي بتحقيق ثاني أعماله: «أندريه روبليف» (آو روبلييف حسب مصادر). شخصية فنية روسية مغلّفة بقدر من الغموض عاشت ما بين 1380 و1430 وتخصص في رسم الأيقونات وتصميم الكنائس الأرذوذكسية. كان تاركوڤسكي اختار أن يضع نصب عينيه البحث عن الحقيقة ليس بالمنهج الأكاديمي للمعرفة، ولا عبر طرح الاسئلة المباشرة، بل عبر منح شخصياته تلك المهمّة وعلى نحو فلسفي وثقافي. هو كتب لاحقاً أنه في كل أفلامه هناك «ثيم» واحد: "رجل مرتبط ببحث مثالي وعاطفي حول جواب لسؤال، من أجله يذهب إلى الحدود القصوى لفهم الواقع". بذلك حتى بطله الصبي إيڤان في فيلمه الأول ذاك كان يبحث عن الحقيقة ولو ضمن منظوره المضطرب كونه، كما قال جان-بول سارتر: "مجنون، وحش. بطل صغير. في الحقيقة هو أكثر ضحايا الحرب براءة وإثارة للعاطفة". وهو أكثر من ذلك أيضاً، كونه إذ فهم الحقيقة رسم موقعه حافظ عليه او لم يستطع.
«أندريه روبلوف» سمح لتاركوڤسكي زيارة نادرة، بين أعماله، للتاريخ. وهو ليس في وارد تقديم قصّة حياة، بل أراد فيلمه معالجة روائية حرة للفرد وللمجتمع. من خلالهما يعلّق على ما اعتبره سائداً من دون الدخول في تفاصيله. هذه مخاطرة محسوبة قد تهوي بأي فيلم آخر خصوصاً وأن الفاصل دقيق جدّاً بين تغييب الظروف والأسباب بإختيار سليم، وما قد ينتج عن تغييبها إذا لم يستطع المخرج الدفاع عن أسباب ذلك التغييب.
أندريه روبليف يرقب العالم المحيط به. وإذ يفعل تطالعه التصرّفات الشنيعة التي يمارسها الإنسان على سواه. هناك بشاعة حوله والمخرج يقصد التعريف بها لأن بطله في أزمة وجودية مهمّة: كيف يمكن للفنان أن يجد الجمال في القبح؟ كيف يمكن للفنان أن "يتفنن" إذا ما كان الواقع حوله مزر وبشع إلى حد محبط. هذا هو رهانه، وإذا ما فكّرنا قليلاً في الموضوع فإن مأزقه هو مأزق كل فنان حقيقي، بل كل مثقّف لا ينتمي: هل من الممكن له أن يبدع وسط عالم يتهاوى فساداً وايديولجياً وسياسياً واخلاقياً الخ؟ الجواب نعم. إذا ما كانت الزهرة تولد من رحم الطمى والصبّير، لم لا تولد من رحم وضع سياسي عقيم؟
روبلوف مفتاح تاركوفسكي لسبر هذا السؤال بالتحديد كما لسبر مواقف أخرى متعددة. في النهاية هو يحاول فهم الرجل ومأزقه وعرض عالمه.  وهو سوف لن يرسم بطله أيقونة كأيقوناته، ولا يجعله إنساناً مميّزاً بأي صفة، بل سيجعله يعيش اللحظة الحياتية كما تتوالى أمامه.
أذكر ذلك المشهد الذي يصل فيه روبليف إلى غابة يمارس فيها الرجال والنساء الحب مفتوحاً وجماعياً. إنهم قوم ملحدون، عكس روبليف وإيمانه. في البداية نراه مُثاراً لمرأى الرجال والنساء عرايا يتراكضون. على وجهه إبتسامة من سيمارس الجنس لأول مرّة، او من سيمارسه لأول مرّة منذ مرّته الأولى قبل سنوات بعيدة. هناك طفولة وبراءة وحين تتقدّم منه إمرأة يتقدّم منها بدوره. لكن في تلك اللحظة يلتقط رداءه ناراً موقدة. يتوقّف. المعنى واضح في هذا المجال فنار الخطيئة تبعته لتحذيره وهو استلم الرسالة ووافق عليها. يترك المرأة وشأنها (ولو أننا سنراها بعد قليل تهرب من الجنود الروس برمي نفسها في النهر).
روبليف غير سعيد بما يلحظه ويراه. وذلك السؤال الدائم حول مأزقه الإبداعي وكيفية أن يرسم ما هو روحاني، وكل روحاني هو جمال، يعاوده أكثر من مرّة. في إحدى المرّات يرمي الفنان دهانه الذي يرسم به على الحائط الذي كان من المفترض أن يقوم بالرسم عليه. ذلك في احتجاج واضح. لكن هذا الإحتجاج لا يكشف عن شجاعة (في الحقيقة هو احتجاج صامت يحمل البعض على السخرية في مشهد تال مباشرة) بل عن يدين مقيّدين، كما حاله مع الجنس. روبليف ربما لم يكن ليستطيع السقوط في الخطيئة حتى ولو ابتسم لخاطرها. موانعه في نشأته وفي مبادئه، او ربما في نقاوته.
تجربة روبليف مع العالم المحيط به ليست محددة لا بالإغواء الأنثوي، ولا برجال السُلطة الروسية العنيفين، ولا بموقف البعض من الفنانين حياله (رفض واستهزاء) او حيال سواه (فقع عينا أحدهم)، بل تشمل كذلك الحروب الفترة الزمنية. نتابع، بخوف، هجوم التتار على القوم. قتلهم لمساعد روبليف ورميهم إياه وسواه بالسهام. فجأة الحياة لا تساوي أكثر من إصابة. ومساعده ذاك يسقط مصاباً خلال هربه، لكنه يخرج من بين أشجار الغابة التي لجأ إليها والسهم في ظهره. يتقدّم إلى النهر ويرمي نفسه فيه لافظاً النفس. المساعد ذاته كان غسل فرشاته في الماء، وإذا ما تذكّرنا أعمال روبليف كلّها سنجد الماء عنده مقدّسة. هنا الماء والفن يمتزجان٠
وهناك مزيج آخر: في الوقت ذاته الذي يُلقى فيه تاركوڤسكي نظرته على الحرب كفعل قتل بلا بطولة، لا يسعه إلا وأن يكون فنّاناً بدوره. الفصل الذي تشيده مشاهد المعركة غير المتكافئة بين التتار والروس ليست مناسبة إثارية للدراما والتشويق، بل إثارية للعين. تاركوڤسكي علّمنا هنا أن التعليق على الحرب يكمن في تصويرها ثم مناوأتها بمعالجة فنيّة. تراقب العنف وتراقب ما يواجهه من إنسانية مُراقة. النيران والمياه. القتل كما يراه المقاتل وكما لابد لنا أن نراه: خسارة للحياة. وفي وسط هذا المزيج.... لقطة لسرب من الطيور (لا أذكر ما هي لكنها بيضاء كبيرة) تطير مبتعدة عن رحى المعركة٠

يتبع....


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2007- 2011


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular