Aug 24, 2011

مهرجانات | جان لوك غودار | السينما الصافية | الخطر الأحمر | سينما وسينمائيون: أندريه تاركوفسكي


Year 5 .  Issue  655

COVER STORY
رضا الباهي يقدّم براندو في تورنتو

واحد من أهم الأفلام المعروضة في مهرجان تورنتو السينمائي في دورته الجديدة الشهر المقبل «دائماً براندو» الذي أخرجه رضا الباهي ويقدّمه بإسم تونس في إطار العروض الدولية الأولى "برميير". الفيلم حمل سابقاً عنوان «براندو، براندو» حينما كان الممثل مارلون براندو على قيد الحياة. ويدور حول شاب يشبه براندو يسافر إلى هوليوود لكي يدخل التمثيل وسلاحه الوحيد هو ذلك الشبه. وإذ تتعرقل مساعيه بطبيعة الحال، يسعى لمقابلة براندو نفسه.... هذا حين كان براندو حيّاً، اما النسخة الجديدة فتحتاج إلى معاينة لمعرفة التغييرات التي قام بها المخرج على السيناريو الذي كان لي شرف المشاركة في كتابته في باريس  العام 2004


مهرجانات

 فانيسيا
فيلم الإنقاذ |  واحد من الأفلام التي ستتوجّه للعرض على شاشة الدورة المقبلة (من 31 أوغست إلى 12 سبتمبر) فيلم تايواني من أربع ساعات بعنوان »محاربو قوس القزح» الذي يتناول المقاومة التايوانية للإحتلال الياباني في الثلاثينات. الفيلم، تقول واشنطن بوست عبر مراسلها، هو أمل السينما التايوانية في إنقاذ صناعتها، وقد تكلّف 24 مليون دولار.
الإحتفاء بـبرناردو| برناردو برتولوتشي سيستلم جائزة الأسد الذهبي تقديراً خاصّاً عن حياته السينمائية. لا بأس، هذا مخرجهم الأول من بين الباقين على قيد الحياة..... لكن ألم ينل برتولوتشي جائزة مشابهة في العام 2007 بإسم «جائزة المهنة»  Career Golden Lion
نعم. بالتأكيد٠

 مونتريال
أفلام عربية | الأفلام العربية المشتركة في مهرجان مونتريال (كندا) المنعقد حالياً هي
حرقة | ليلى شايبة (الجزائر)٠
رسايل البحر | داوود عبد السيد (مصر)٠
رصاصة طايشة | جورج الهاشم (لبنان) الصورة >>٠
السفر الأخير | جمال العزيزي (الجزائر)٠
عيلة ميكي | أكرم فريد (مصر)٠
قيل لي مرّة | علياء خاشوق (سوريا)٠
مدينة الحياة | على مصطفى (الإمارات)٠
وداعاً بابل | عامر علوان (العراق)٠

أدنبروه
مصاعب مالية | يواجه مهرجان أدنبوره الدولي (أدنبره) مصاعب مالية كبييرة بعد إعلان »ذ بريتيش فيلم إنستتيوت« عن سحبه الدعم الذي كان يخصصه لهذا المهرجان. وسحبه الدعم ناتج عن تقويض حكومة براون المحافظة للمساعدات الثقافية والفنية للمؤسسات التي تنال مساعدات حكومية. قيمة الدعم الذي كان معهد الفيلم البريطاني يوفّره للمهرجان المعروف مليون و800 ألف جنيه استرليني٠

 تورنتو
336 فيلم | عدد الأفلام المشاركة في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي في دورته المقبلة (من السادس من الشهر المقبل) تحتوي على 336 فيلم جاءت من 65 دولة (مقابل 339 فيلم في الدورة الماضية)  من بينها 268 فيلم طويل. لجانب فيلم الباهي (أعلاه) هناك فيلم »حبيبي» لسوزان يوسف ممثلاً فلسطين ودولة الإمارات العربية المتحدة

قريباً: يوميات مهرجان فانيسيا مباشرة من المهرجان الإيطالي العتيد٠

سنوات ضوئية |  حكاية الفيلم الصافي


 حينما وجدت السينما نفسها متّهمة بأنها نسخة مشوّهة لفعلي المسرح والكتابة، كان من الطبيعي أن تبحث لنفسها عن خط دفاع ضد مثل هذه الإعتبارات المتعالية. المسرحيون اعتبروها "إعادة تكوين" شكلي للمسرح، وكان لهم بعض الحق في ذلك على أساس أن أفلام العقد الأول من القرن العشرين لم تكن أكثر من كاميرا ثابتة تعرض ما يمر أمامها او ما يتم تأليفه من دراما تمر أمامها. بذلك كانت أشبه إلى عين مشاهد يجلس في الصف الأول من المسرح٠
كتّاب النصوص النثرية اعتبروها أيضاً ناقل ثانوي كوسيط وكأهمية للمواد الأدبية. كيف يمكن لها أن تصوّر نصّاً لبودلير او فصلاً لشكسبير؟ وإذا ما استطاعت ما هو مستوى ما تقدّمه بالمقارنة مع مستوى المادة الأدبية الأصلية؟
كرد فعل على هذه الإتهامات، وكرغبة في رفع شأنها لتتساوى مع باقي الفنون، وُلدت النية لاعتبار إمكانية استحداث شيء أسمه «السينما الصافية»، تلك التي تقوم على منح الصورة الإعتبار الأول على أساس أنها، في حقيقة الأمر، السينما. وإذا ما كانت هناك فعلياً «سينما صافية» فهناك، بالتالي «فيلم صافٍ» على أساس أنه رقم في حالة يمكن أن تشمل أفلاماً كثيرة بدورها تشكّل سينما٠
هذه النظرية مثيرة لإعجاب هواة السينما الفعليين. عشّاقها والمؤمنون بأهميّتها الفنية ودورها الإجتماعي أيضاً. لكنها نظرية صعبة القبول. ليس فقط لأن الفيلم لا زال صرحاً لفنون ووسائط ثقافية وتعبيرية أخرى، كالموسيقا والرسم (او التشكيل الفني) والكتابة الدرامية والتمثيل، الى آخره، بل أيضاً، وأساساً، لأنه إذا ما تم الإستناد إلى قوّة الصورة وحدها، فإن الناتج قد لا يحمل أي قيمة فنية ذات مستوى قيّم٠
 لدينا مؤخراً فيلم ترنس مالك «شجرة الحياة» حيث تسبح الكاميرا في الأجواء وتعانق الفضاء والأزمنة وتلحظ تكوين الطبيعة الساحر وتلتقط روحانياتها. ذلك- في الوهلة الأولى قيمة فنية رائعة. لكن هذا لا يفصل مكوّنات العمل عن باقي الفنون. ولا أعتقد أن هناك شيئاً يمكن له أن يفصل عناصر الفيلم عن عناصر الوسائط الفنية والثقافية الأخرى- إلا إذا اعتبرنا أن الكاميرا في حركتها هي الطرح الفني الصافي الوحيد. لكن حينها على الفيلم بأسره أن يكون "صورة"، بينما هو في الواقع صورة وحكاية وتمثيل وألوان وهندسة ديكور وموسيقا وسواها٠
الخطر هو أنه إذا ما تم اعتبار الكاميرا عنصر منفصل  فإن قيمة الصورة ستهبط كونها، نظرياً على الأقل، تخلّصت من العناصر الفنية التي تشكل الجوانب والأبعاد الثقافية بالضرورة. في مقدّمة ذلك، النثر في شكل الحوار٠
هذا كان حال فيلم جون فورد »العربة» سنة 1939 الذي يتركنا لليوم في حالة تقرير مصير٠
من حق المرء أن يتساءل هنا، بعد ما ورد في الأسبوع الماضي حول اعتماد المشاهد المؤلفة من جهد الكاميرا والمونتاج على نحو شبه مطلق، عما إذا لم يكن  ذلك هو ما يجب أن تكون السينما عليه: صورة فقط. أليس استبدال الحوار بالكلمات قدر المستطاع هو جزء من صنع السينما أساساً؟ ؟ وإذا ما كان هذا صحيحاً، لم رفض بعض نقاد الستينات والسبعينات، المبدأ المذكور حين ترتفع حدّة فيلم ما بناءاً على الإيقاع واعتماداً على المشاهد البصرية إذا ما كانت سريعة او متسارعة؟
فيلم «العربة« لجون فورد، الذي اعتمدناه مثالاً، يتعلّق تماماً بهذه النقطة، إذ هناك ذلك الفصل من المشاهد التي تقع فيها المطاردة: محاربون من الأميركيين الأصليين (الهنود الحمر) ينطلقون لمطاردة عربة تحمل بضعة ركّاب تجرها ستة خيول كانت تمر فوق أرض صحراوية صلبة. المطاردة تطول. جون واين أكثر المدافعين عن العربة قدرة على القتال. في أحد مراحلها يصل محارب إلى مقدّمة العربة ويقفز من حصانه إلى الحصان الأمامي لإيقافها. حين يطلق عليه جون واين النار يقع بين الحصانين ثم تحتهما وتحت العربة. إنه شغل بهلواني رائع من كومبارس محترف،  والمشهد المشغول بدراية مونتاجية عالية، يندمج تماماً مع معارك ومطاردات ومشوّقات ذلك الفصل ويزيد من متعة خالصة عرفناها في رطل من الأفلام الأخرى. لكن هذا الفصل، طبقاً لبعض المعايير تنفيذ قد يكون مدهشاً وبل جيّداً، لكنه ليس فنّاً٠
كلمة الفصل في الحقيقة ليست بعيدة عن البلوغ. إنها في المونتاج الذي، إذا ما أمعنّا، هو الوحيد بين العناصر الرئيسية الذي لا علاقة له بإبداع فني خارج السينما. هناك مونتاج موسيقي بلا ريب، لكنه دخيل إذ يُكتب الفن الموسيقي من دونه ولا يحتاج إليه في العملية الإبداعية الرئيسية.  وهناك توليف في الرواية لكنه ليس بصرياً بل لغوياً ولا تتطبّق عليه شروط التوليف السينمائي ذاتها. كذلك ليس هناك مونتاج في المسرح ولا مونتاج في الرسم او النحت او الأوبرا الخ.... السينما صاحبة المونتاج وفنه والمونتاج هو الذي صنع ذلك الفصل من المشاهد. هو الذي اختار اللقطات الكثيرة التي تم تأليف الفصل منها. هو الذي وضّبها على نحو متتال وتبعاً لفترات زمنية متعاقبة لتخلق إيقاعاً ليخلق الإيقاع تشويقا٠
إذاً هناك أفلام خالصة. صافية حسب التعبير الإنكليزي. او على الأقل يستطيع الفيلم التخلّص من كل تبعاته في أي لحظة يريد ليقدم على إنجاز بصري كامل٠
أكثر من ذلك، التصوير الذي قد يربطه البعض بالفن المرسوم على أساس أن كليهما نقل لموضوع يتم التعبير عنه على لوحة او شاشة، يتباعد تماماً عن هذه الصفة بفضل ديناميكيّته وقدرته على الإستقلال بهويّته السينمائية بشكل كامل. بالتالي، كلاً من التصوير والمونتاج هما العنصران الأساسيان الذي لا سينما من دونهما٠

في الكاميرا | حل غودار للأزمة اليونانية | هوڤيك حبشيان


حلّ غودار للأزمة اليونانية:  ماذا لو أعطيناهم عشرة أورو كلما استعملنا كلمة "اذاً"!٠
إنه في الثمانين. لكنه أكثر السينمائيين شباباً بأفكاره النيّرة ورأيه السديد في كل شيء. بالنسبة الى الكثيرين هو "إله" السينما. أما لمن لا تروقه تجاربه ونظرياته في مجال البناء الدرامي وآليات المونتاج، فهو مدّعٍ ومتحامل ورجعيّ. عهدنا غودار طليعيّاً في كل شيء. الرماد يتحول تحت اصابعه أحرفاً من نار، والسينما لا تعود مثلما كانت عليه قبل دخوله في باطنها منذ ستينات القرن الماضي، بحثاً وتنقيباً عن كل ما هو مستجد ومثير وخارج على اطر الاقتناعات الشعبية. الأجمل من هذا كله، ان في امكانك استعمال تعبير ألدّ اعدائه، فرنسوا تروفو، لتصفه: السينمائي هو الله ومخلوقاته في آن واحد. نعم، هذا التعبير الآخاذ يُطبَّق الى حدّ بعيد على مَن اطلق على نفسه تسمية "يهوديّ السينما" واتُهم جوراً بأنه معاد للسامية. فغودار في هذا المعنى إله يحمي "معبد الصورة" لكنه عبدٌ مخرّب له ايضاً.
لم يقل كلمة الا صارت قصيدة سينمائية، لكن عندما أعلن ان السينما ماتت وانه لم يعد للسينمائي المؤلف وجودٌ لافت في عصرنا هذا، أدركنا أن غودار لم يعد يشاهد الأفلام كثيراً، أو على الأقل يتظاهر بعدم المشاهدة. لكن الأمر مرتبط، قبل أي شيء آخر، بالضجر الذي يشعر به غودار في عصر الهواتف النقالة المجهزة بكاميرات صغيرة تتيح لحاملها بأن يتحول مؤلفاً، أكثر من انه مرتبط بكونه غير مطلع على الجديد. اذاً، في مقابلة مع فياكرا غيبونز من صحيفة "الاندبندنت"، ينعى مخرج "بيارو المجنون" السينما، كما فعل ذلك من قبل، مراراً. لكن هذا لا يمنعه من الاستمرار في البحث عن لغات بصرية عصية على التقليد، من تلك التي جرّبها في آخر ما انجزه، "فيلم اشتراكية". انه اذاً إله لم يعد يؤمن بمخلوقاته٠
في المقابلة عينها، يطرح غودار حلاً طريفاً للأزمة الاقتصادية التي تعصف باليونان، هذا البلد الذي يعود الى ذكره كلما سنحت الفرصة. بالنسبة إليه، الاغريق اخترعوا المنطق. وارسطو كان خلف كلمة "اذاً"، وقد آن الأوان اليوم ليدفع الأوروبيون ثمن هذه الكلمة التي يستعملها سكان القارة القديمة ملايين المرات. يقول: "اذا دفعنا عشرة أورو لليونان في كل مرة نستخدم فيها كلمة "اذاً"، تُحلّ الأزمة اليونانية بيوم واحد ولا يضطر اليونانيون الى بيع البارتينون الى الألمان. لدينا كل الوسائل التكنولوجية لمطاردة أي استخدام لكلمة "اذاً" عبر "غوغل". حتى انه يمكننا ارسال الفاتورة عبر الـ"أي فون". في كل مرة، تقول فيها انجيلا ميركيل للأغريق إنها ستسلّفهم "اذاً" ليدفعوا الفوائد على السلفة، عليها "اذاً" ان تدفع لهم ما ندين لهم"٠
حلّ فكاهي يأتينا به غودار يذكّرنا بالبرقية الذكية التي أرسلها الى كانّ قبل عامين موضحاً فيها انه سيمتنع عن المشاركة في الندوة الصحافية للمهرجان لظروف "من نوع اغريقي"، ومشدداً على أنه مستعد ليذهب الى الموت من أجل المهرجان، لكن ليس أكثر من ذلك بخطوة! ماذا يعني "أكثر من ذلك بخطوة"؟ وما هو الأسوأ من الموت بالنسبة الى غودار؟ هذه الأحجية لا تجد شرحاً، ربما لكونها أبسط مما نعتقدها، كما يؤكدها غيبونز في المقابلة المذكورة، بيد انه من خلال مطالبته بـ"اعطاء أريسطو ما لأريسطو"، ينسى انه، لا يزال ربما الوحيد في العالم الذي يناهض فكرة الملكية الفكرية معتبراً اياها اختراعاً اريستوقراطياً سمجاً، لأنه، بحسب ما أعلن مرة، ليس للفنان حقوق، بل عليه واجبات. تناقضٌ آخر، بين فكرة وأخرى، ليس من شأنه الا تعميق اللغز الغوداري وعبقريته٠


 ببن الأفلام  | مخاوف أميركية متجددة: الخطر الأحمر لا يزال كما هو

حين ينطلق قريباً العرض المتأخر لفيلم «فجر أحمر» يكون هذا الإنتاج ذي الميزانية المتوسّطة (نحو 80 مليون دولار)، قد مرّ بمراحل عديدة وبضعة متغيّرات قبل الوصول إلى الشاشة.
في الأصل هو فيلم من إخراج جون ميليوس الذي كان في السبعينات واحداً من مخرجي اليمين الأميركي المعروفين. جون ميليوس هو صاحب فيلم «دلنجر» (1973) الذي كان ردّاً غير مباشر على فيلم العصابات المماثل «بوني وكلايد». هذا الثاني، وقد أخرجه آرثر بن سنة 1968 عبر عن وجهة نظر الشقيين المذكورين في العنوان، موفراً لهما البطولة ومسلّطاً ضوءاً إيجابياً ضد أميركا الثلاثينات والنظام البنوك الذي كانا يسرقانها كونه، وحسب وصف الفيلم، تسرق من الفقراء. «دلنجر»، وهو إسم رئيس عصابة أخرى ينقل حياة المجرم الشهير إنما يمنح القانون اليد العليا مجسّداً بشخصية مساعد لرئيس مباحث الأف بي آي (لعبه العتيد بن جونسون) الذي يصر على النيل من دلنجر وباقي أفراد العصابة وينجح في اصطيادهم واحداً وراء الآخر٠
«فجر أحمر» (1984) كان عن مجموعة من الشباب الأميركي الذي يفيق يوماً ليجد الولايات المتحدة وقد غزتها القوات الروسية. حسب الفيلم، الروس نجحوا في احتلالهم ولم يبق أمام الأميركيين سوى المقاومة والفيلم بالتالي معهم ضد الروس. لكن حين يُعرض الفيلم الجديد المأخوذ عن فيلم ميليوس سوف لن نر الروس بل الصينيين او جنس قريب من الصينيين، بعدما احتجّ رسميون صينيون وخفق قلب هوليوود ذعراً من أن تخسر السوق الصيني، فطلبت من صانعي الفيلم تغيير البذلات الصينية إلى كورية شمالية٠
لكن المفهوم لا يزال كما هو: غزو خارجي للعدو الكلاسيكي الكبير الذي سيحمل إلى البلاد حكماً جديداً يقضي على استقلالية الفرد ويفرض هيمنة الدولة. هذا على الرغم من أن بعض المواقع اليمينية المحافظة حالياً تكتب أن أوباما ينفّذ هذه السياسة وتصفه بأنه، وفريقه، إنما ماركسيين٠
كل ذلك يذكرنا بالحملة التي شهدتها هوليوود ما بين 1948 و1955 حين حاولت الاستديوهات المختلفة التأكيد على "أميركيّتها" عبر إنجاز أفلام معادية للشيوعية وذلك إرضاءاً للجنة التحقيق المكارثية. ما انتشر فوراً هو تقسيم المخرجين والممثلين الراضين بالتعاون لتنفيذ هذه الأفلام او لا. أولئك القابلون كانوا، إذاً، مؤيدين للتحقيقات الفدرالية ومع النظام الأميركي، وهؤلاء الذين كانوا لا يريدون الإشتراك في أفلام ذات صبغات ابتزازية وعاطفية لابد أنهم كانوا، حسبما انتشر في هوليوود آنذاك، متعاونون مع الطابور الشيوعي الخامس في البلاد٠
نتيجة لذلك، حفنة من الأفلام المحذّرة من الغزو الشيوعي وأفكاره. فكان »متآمر»، الفيلم الوحيد الذي ضمّ إليزابث تايلور وروبرت تايلور معاً، و«المرأة على الرصيف 13» و«إبني جون» وحتى المريخ صار شيوعياً في »كوكب المريخ الأحمر»٠
واحداً من أكثر المفارقات إثارة للطرافة أن المنتج الملياردير ذا الأطوار الغريبة هوارد هيوز قرر الإشتراك في الحملة بإنتاج فيلم بعنوان »تزوّجت من شيوعي» شارك في كتابته  إثني عشر كاتب سيناريو على مراحل مختلفة من دون أن يرضيه معظمها.  وعرض على ثلاثة عشر مخرجاً (كل على حدة) القيام بتحقيق هذا الفيلم، لكن سوء الكتابة وعدم الرغبة بالتعاون مع منتج عُرف عنه أنه صعب المراس، جعل هؤلاء يرفضون العمل، فما كان منهم الا أن أبلغ مكتب التحقيقات (الذي أداره جوزف مكارثي) بأسمائهم على اعتبار أنهم امتنعوا عن تحقيق فيلم وطني. المضحك أن بعض هؤلاء كانوا يميني الميول مثل هيوز مثل نيكولاس راي وجون كروموَل.
حين شوهد الفيلم، تحت عنوان «المرأة على الرصيف 13» تحت إدارة المخرج روبرت ستيفنسون، تبيّن أن ما من مخرج عاقل كان مهتمّاً لتحقيق الفيلم لسبب وجيه: إنه فيلم عصابات من دون شيوعيين إنما مع الإيحاء بأن المافيا وعصابات تلك الحقبة هي فلول شيوعية تسعى لتقويض النظام الأميركي!٠

في العام 1984 شاهدت «فجر أحمر» وكتبت المقالة التالية في مجلة "الحوادث" الصادرة في لندن

في العام 1966 كان النهار ما زال باكرا عندما اكتشف أميركي يعيش في بلدة ساحلية صغيرة أن الروس قد وطئوا البلاد. هرع يخبر جيرانه ويطلب النجدة من قوات الحرس الوطني. أغلقت المتاجر وساد الذعر وتحسب الجميع لما قد يقع قبل أن يدركوا أن الجنود الروس الذين يخشونهم هم أفراد فرقة صغيرة من البحرية السوفيياتية تعطلت بهم غواصتهم القديمة فقذفت بهم إلى الشاطيء الأميركي
في العام 1984 عاد الروس هذه المرّة مع قوات كوبية ونيكاراغوية كبيرة. النهار ما زال باكراً عندما استيقظ أهل البلدة على هبوط جوي معزز بالدبابات والأسلحة الثقيلة. قاذفات أر بي جي ورشاشات تحصد أرواح الناس وتدمر ممتلكاتهم. إنه هجوم. إحتلال. ولاية كولورادو وقعت تحت الغزو الذي زحف غرباً ولو أن القوات الأميركية أوقفته عن مشارف الصحراء الوسطى.
الفارق بين المرّتين، أن المرّة الأولى كان المضمون دعوة للسلام والتواصل بين القوّتين الكبيرتين عبْر فيلم «الروس قادمون، الروس قادمون» إخراج نورمان جويسون وبطولة ألان أركين وبرايان كيث وكارل راينر وإيفا ماري سانت وبول فورد، أما المرّة الثانية فإن المضمون لا يبشر فقط بحرب عالمية ثالثة يحتل فيها الروس كل أوروبا ويبيدون الصين ويغزون أميكا التي صارت معزولة عن العالم تقف وحيدة ضد الخطر الأحمر. بل يذهب المخرج جون ميليوس في تنبؤاته إلى حد استحالة السالم أصلاً وإلى واجب التصدي للغزو الأحمر٠
 الفيلم هو أول فيلم عسكري تحت مظلة السياسة الأميركية بإدارة رونالد ريغن الذي ينتقل إلى الهجوم في إشارة واضحة لحرب سينمائية باردة وبداية فترة تشبه تلك التي تلت محاكمات هوليوود في بداية الخمسينات والتي سميت بالفترة المكارثية.
»الفجر الأحمر» لا يقف وحده في هذه الهجمة فإلى جانبه  فيلم جديد آخر هو «موسكو على الهدسون» الذي يتحدّث عن جانب آخر من الحياة الأميركية تحت ظلال موسكوفية٠
في فيلم جون ميليوس تتحرك الكاميرا في البداية فوق منطقة محيطة ببلدة صغيرة. الطلاب في طريقهم الى المدرسة. الدرس عن جنكيز خان. معلم أفرو أميركي يشرح كيف غزا القائد المنغولي أوروبا وآسيا وكيف قاد إبنه فيما بعد الغزوات اللاحقة. فجأت تتعلّق عينا الأستاذ بالنافذة الكبيرة للغرفة وتتكسّر الكلمات في فمه ثم تتوقّف. إنه يرى تجسيداً للغزو الذي يقوم بشرحه. جنود المظلات الروس يهبطون حول المدرسة. لكنه يعتقد أنهم أميركيون. يخرج من المدرسة ويتوجّه إليهم فيبادره أحدهم بطلقات رشاشه فيخر صريعاً. آخر يفتح النار على المدرسة ويقذف ثالث بآر بي جي. بعض الطلاب يُصاب. خمسة منهم يفرون في شاحنة صغيرة وينجون من القذائف المنهمرة. لقد اكتشف الجميع فيي نحو دقيقة أن غزواً اجنبياً قد وقع. أميركا لن تكون بعد الان كما كانت من قبل٠
يتجه الخمسة إلى الجبال حيث يقررون البقاء والمقاومة، وبعد أن انضمت إلى الشبّان فتاتان تزداد هجمات المجموعة ضراوة موقعة في جنود الإحتلال خسائر جسيمة. تعالى وطأة هذه العمليات تدفع القيادة إلى تخطيط جديد إذ ترسل وراء هذه المجموعة فرقة تغزو الأماكن الجبلية الى يختبئون فيها، ثم حين لا ييفلح ذلك، يرسلون ثلاث طائرات مروحية (ميزانية الفيلم؟) في إثرهم. لكن المواجهة الأخيرة تقع مع شابين وحيدين بقيا على قيد الحياة وهما ينجحان في تدمير المعسكر الروسي القائم. أحدهما يموت والثاني يحمله مبتعداً. ضابط كوبي كنا رأيناه وهو يشجل خواطره متسائلاً عما حدث للثورة التي آمن بها. ومن قبل سمعناه يقول لضابط مخابرات روسي إنه كان من الثوار قبل أن يحوّله الروس إلى شرطي.  هذا الضابط كان يستطيع أن يقتل الناجي الوحيد لكنه يشير له بأن يستمر في هربه، ثم يرمي هو سلاحه من يده ويقف مفكّراً، فالثوري النظيف قد يكون انتهى، لكنه يستطيع أن يبقى على رجلاً نظيفاً٠
الفيلم ليس قعقعة أسلحة فقط وانفجارات وصرخات موت، بل فيه مواقف أريد لها أن تكون مادة للتفكير. لكن الأفكار او الأبعاد التي فيه تنهار تحت ثقل الرغبة في انتزاع تأييد الجمهور لمبدأ القتال ضد العدو٠
على هذا الجانب لا يختلف «فجر أحمر»  كثيراً عن العديد من الأفلام الحربية التقليدية: القذائف المعادية لا تصيب أهدافها. الجنود المعادون لا يعرفون القتال فيقفون لتسهل إصابتهم. القرارات تتحرك بالإتجاه المعاكس والأهم أن مخرجاً عامر واحتوى فكرة كهذه تدور في رحي حرب عالمية ثالثة (غير نووية) لا يعرف كيف يصوغها بتصوير واقعي ومنطق قابل للتصديق ورأي قابل للإحترام. ميليوس، الذي شارك في كتابة القصّة، اختار تحرير أميركا عن طريق خمسة شبّان وفتاتين. في حين أبقى الجيش الأميركي على شريط الصوت نسمعه ولا نراه. درامياً، هذا يؤدي إلى إثارة اهتمام الشبّان الأميركيين من رواد الأفلام أكثر وينجح، كما ثبت، في رسم صور البطولة لجيل الغد، في إشارة غير مباشرة لضرورة حماية هذا الجيل ودفعه للإلتحاق بالمؤسسة العسكرية. بالنتيجة، لا يختلف هذا المنطق عن  ذاك السائد بين الأوساط والذي يعززه فوز ريغان الجديد في الإنتخابات الأميركية٠


سينما وسينمائيون | ذلك المحيط الشاسع .... أندريه تاركوڤسكي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحلقة الأولى  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كنت بدأت هذا المسلسل، الذي قررته بناءاً على رغبة عدد من 
القرّاء وتمهيداً لوضعه بين دفّتي كتاب، بالمخرج برناردو 
 برتولوتشي. المخرج الثاني على القائمة هو أندريه تاركوڤسكي
الذي لا يزال عنوان السينما البديعة الأول. لكن لمن يتوقّع أن
أكتب بلغة توازي سينماه شعراً ونثراً و"نحتا في الزمن"، سيجد
أن الأسلوب المعتمد هو مغاير لذلك. هذا لإعتقادي أنه لا ينبغي
تبجيل  من نحب، بل تقديمهم كما هم وكما عرفناهم٠

 محمد رُضــا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولد أندريه تاركوڤسكي في مدينة زاڤراشي الروسية في الرابع من نيسان/ أبريل سنة 1932 وتوفّي بعد 54 سنة فقط في التاسع والعشرين من شهر كانون الأول/ ديسمبر 1986 في باريس، فرنسا٠ عدد سنوات العطاء 21 أخرج فيها سبعة أفلام روائية طويلة فقط هي
 My Name is Ivan  (1962)| إسمي إيڤان
Andrei Rublev (1969)| أندريه روبلوڤ
Solaris (1972) | سولاريس
The Mirror (1975)| المرآة
Stalker (1979)| المقتفي
Nostalgia (1983)| نوستالجيا
Offret (1986)| التضحية

لجانب الإخراج مثّل في أفلام قليلة (قطعاً ليس حبّاً في التمثيل خصوصاً وأن هذه المرّات وقعت في السنوات الأولى من حياته المهنية) وكتب السيناريو ووضع النظريات وألّف كتاباً لابد من قراءته لكل طالب او هاو او حتى محترف  عنوانه
Sculpturing in Time | النحت في الزمن
والده كان أرسين ألكساندروڤيتش تاركوڤسكي، شاعر استعان المخرج ببعض أشعاره في أفلامه لكي يغذّي المعاني التي يريد، لكنه لم يحوّل ذلك الي مظهر فولكلوري. أمه ماريا إيفانوڤا ڤيشنياكوڤا  التي درست الأداب وتخرّجت من أفضل معاهد الإتحاد السوڤييتي حينها (معهد مكسيم غوركي)٠
هناك معاناة تقف وراء كل إبداع. ربما من دونها لا يوجد إبداع وأنا لا أتحدّث عن معاناة إجتماعية عامّة مثل الظلم والفقر الخ... هذه حوافز ودواعي تغيير نبيلة، لكني أتحدّث عن جرح مؤلم لا يفقهه المرء وهو صغيراً. جرح مثل الوحدة او مثل الحاجة الى أب ووالده بالفعل ترك العائلة  منخرطاً في الجيش حين كان تاركوڤسكي في الحادية عشر من عمره. أمّه نزحت به (وبشقيقته مارينا) الى موسكو. خلال الحرب العالمي الثانية نزحت عائلته من دون هذه المرة الى مدينة أخري وتركت تاركوڤسكي يعيش وحيداً مع جدّته. حين التأمت العائلة من جديد قبيل نهاية الحرب، كان تاركوڤسكي قد اكتنز كل بواعث الرغبة الفنية. كان أخذ يعزف البيانو ويقرأ  ويصاحب هواة الشعر وطالبي الثقافة. في العام 1947 أصابه السل٠
ما تقدّم ليس فقط سيرة حياة بل سيرة أفلام استعان بها المخرج عناصر حديث لبعض أفلامه. في »المقتفي« الفتاة المصابة بالمرض. الأم والأب اللذان لا يتحدّثا ويتواصلا كثيراً. في »المرآة« الأم التي ترعى ولديها بغياب الأب٠
استكمل تاركوڤسكي دراسته (بما فيها العربية) حتى العام 1954 عندما قرر أن السينما هي ما يريد فعله في الحياة فانخرط في معهد الدولة السينماتوغرافي الذي درس فيه عدد كبير من السينمائيين الروس وغير الروس أيضاً، والمعروف بأحرفه الأولى
VGIK
خلال تلك الفترة كان بات من الممكن مشاهدة أفلام عمالقة آخرين أمثال اليابانيين كنجي ميتزوغوشي  وأكيرا كوروساوا والفرنسيين روبير بريسون وجان-كلود غودار. إطلع أيضاً على أفلام إنغمر برغمان و لوي بونويل، وفي أحاديثه وكتاباته لاحقاً كثيراً ما أشاد بهذه المجموعة التي يجمعها أنها نفّذت أفلامها من دون وصاية إنتاجية تتبع الرغبة الجماهيرية العامّة
فترة الدراسة إمتدت من العام 1954 الى العام 1960 وخلالها تعرّف على عدد من الأساتذة أبرزهم ميخائيل روم  وكان أحد أقرب رفاقه إليه المخرج أندريه كونتشالوڤسكي الذي أخرج بدوره عدداً من الأفلام الرائعة من بينها
Asya, Klyachina's Story, Uncle Vanya
وعلى الخصوص
Siberiade
قبل أن يتوجّه (والحديث لا يزال عن كونتشالوڤسكي) الى الولايات المتحدة حيث أخرج
Runaway Train, Tango & Cash
لكنه عاد الى روسيا ليحقق فيها عملاً رائعاً لا يزال أخيره وهو
House of Fools (2003)


الفيلم الأول: طفولة إيڤان 
Evan Childhood ****

بدأ المخرج تاركوڤسكي أعماله السينمائية بفيلم  »طفولة إيڤان« وهو لم يكن من إختياره مباشرة بل كان من  المفترض بالمخرج إدوارد أبالوڤ تحقيقه لكنه لم يستطع فانسحب. أمسك تاركوڤسكي بالمادّة ومنحها الكثير من خصوصيّته. هكذا من البداية نجد أن معالم السينما الخاصّة لتاركوڤسكي موجودة وأهمية ذلك تعود إلى أنها ترسم صورة حقيقية عن الفنان ممسكاً برؤيته ومختاراً عناصرها البصرية بكل عناية.  لا. ليس البصرية فقط، بل أيضاً المنتسبة الى الموضوع٠
قبل قليل، وفي الكلمة أعلاه، تحدّثت عن السينما المعادية للحرب وقلت إنه ليس ما تعرض فيها بل كيف تعرضها أساساً. »طفولة إيڤان« هو من هذه الناحية معاد للحرب رغم أن الفيلم ليس حربياً. إهتمام المخرج أنصبت على إيڤان، إبن الثانية عشر من العمر، الذي تصبح الحرب مأواه وتترك علاماتها القاسية على طفولته و-بالتالي- نموّه٠
في الوقت نفسه، هذا من أقل أفلام تاركوڤسكي غموضاً٠أدواته المستخدمة في سرد القصّة بسيطة. مفهومة ومقروءة من دون أن يكون الإنتقال منها الى صرح أعماله الأخرى إنقلاباً بحد ذاته او تغيير سلوك ومنهج بصري٠
يفتح الفيلم بفلاشباك حيث إيڤان لا يزال في الرابعة من العمر. الزمان الذي كان يعيش فيه (قبل الحرب العالمية الثانية). المكان الذي يعيش فيه (أكرانيا) دلالات موحية بسعادة غامرة وتاركوڤسكي يستخدم هذا الفلاشباك كحلم. حين نسمع طلقة رصاص لا يفيق النائم فقط، بل نفيق نحن معه. الثانية التي تنقلنا من اللقطات الأولى الى الأخرى الجديدة تحدث ما هو متوقّع منها: تركنا لعالم لم يكتمل معالمه (لم نكن نعلم أنه فلاشباك) ودخولنا الى عالم آخر أيضاً لا نعرف شيئاً عن معالمه٠ أيضاً الفلاشباك الذي نراه هو حلم إيڤان. إنه الصبي الذي كان يسترجع ماضيه حلماً. في العادة نحلم بحياتنا السابقة صغاراً ونحن مستيقظين. أحياناً ما نتحدّث عنه لمن معنا. نادراً ما نحلم حين كنّا صغاراً، ذلك أن الحلم ليس الذاكرة. لكن  عند تاركوڤسكي سعي للدمج قد لا تكون علمية، لكنها مفيدة وفي مكانها (إذ تقع في مقدّمة الفيلم) تماماً٠
في ذلك الإسترجاع الحلم نتعرّف على أم إيڤان (إرما رايوش تاركوفسكايا التي أصبحت زوجة تاركوڤسكي بعد الفيلم) والعلاقة الحانية بين أم وطفلها ستميّز أعمالاً أخرى لتاركوڤسكي. حين يستيقظ إيڤان (كما يؤديه
إنيقولاي بيرلياييف الذي يبلغ اليوم الحادية والستّين من العمر-إذا ما كان لا يزال على قيد الحياة) ، نراه في وقته الحاضر إبن إثنا عشر سنة ومن دون أم. بهذا الإختصار يوجز تاركوڤسكي وضعاً عاطفياً إنسانياً رائعاً: السنوات الحلوة لتاركوڤسكي هي تلك التي كان فيها مع والدته. الآن حالة أخرى والرصاص المندلع من مكان قريب مسموع هو الند لتلك الحالة العاطفية الإنسانية٠
نحن الآن في رحى الحرب. إيڤان عين روسية في الخطوط الألمانية لصغر سنّه ولمعرفته بالمنطقة الحرشية التي تقع فيها الأحداث. لا يستطيع الوصول الى حيث رئيسه المباشر كاتاسونيتش ستيفان كريولوف) فيغيّر من خطّته ويصل الى موقع روسي آخر يشرف عليه الضابط غالتسيف (إيڤيني زاريكوف) الذي يقرر إرسال إيڤان للمدرسة العسكرية بعيداً عن خطوط القتال. قبل أن يفعل ذلك القيادة تريد إيڤان القيام بمهمّة أخيرة٠ في الوقت الذي يستعرض فيه تاركوڤسكي قصّة الصبي يمد الحكاية بقصص أخرى ثمينة. »طفولة إيڤان« في مجمله ليست عن طفولته التي ضاعت فقط ، وليس عن براءته التي فُقدت عندما قتل النازيون والده وأمه وشقيقته (لاحظ أن تاركوڤسكي هو أيضاً إبن عائلة من أربعة بمن فيها شقيقة)، بل عن صعوبة الإنخراط في الحياة الطبيعية حين تتبدّى. الضابط المسؤول يهيم بفتاة القرية القريبة وحين تُتاح له فرصة مضاجعتها ينسحب لا عجزاً جنسياً ولكن عن عجز نفسي. نتيجة فقدانه -بدوره- براءة مماثلة. روحاً عاطفية تستطيع أن تتمادى الى حالة حب جسدية٠
 لكن عالم إيڤان نفسه هو المحور وعلاقته بثلاثة مذاهب من التفكير بين ثلاثة قياديين في حياته (المسؤول الأول عنه، الضابط ومسؤول الضابط) وعن كيف يصبح هذا المحور موضع نقاش تفرضه الحاجة إلى إيڤان جندياً في مقابل رغبة الضابط إبعاده تماماً عن الجبهة. إنه إيڤان الذي يصر على البقاء كما لو أنه قبول بالمستقبل الداكن الذي سنكتشف لاحقاً بأنه ينتظره. تلك المهمّة الأخيرة تضمّه وضابطه وآمر الفرقة في رحلة الى الشاطيء الآخر من نهر دنيستر حيث تكمن القوّات الألمانية. الغاية منها العودة بجثّتي جنديين روسيين تم شنقهما. الضابط وآمره يعودان من المهمّة سالمين. إيڤان لا يعود ولاحقاً ما تكشف أوراق وجدها الضابط أن إيڤان مات مشنوقاً ٠
رغم ذلك، نهاية الفيلم هي حلم آخر لإيڤان- من دون أن تكون هناك لحظة يقظة منه. في الحلم نراه يلعب وفتاة من عمره.  إنه تكملة لحلمه السابق الذي استيقظ منه. هذه المرّة لا يقظة من الحلم٠
النظرة التي يرسمها الفيلم هنا ذات وجهين: حانية وإنسانية من ناحية وداكنة ومفرّغة من الإنسانية تماماً من ناحية أخرى والناحيتان لا فصل بينهما. لو كان لداوم المخرج الإنتقال بينهما، لكن تاركوڤسكي يظهرهما واحداً وهو وإن يتحدّث عن جانبي الحرب (الروس والألمان) الا أنه ينظر الى الأعداء من الزاوية الطبيعية الوحيدة وهي تلك التي تكوّنت عند إيڤان بفعل تفريغ الحرب للبراءة منه، وبالتالي للقدرة على كره الحرب وليس كره الجندي على الخط المقابل منها والذي -بدوره- ليس لديه قرار بل فُرض عليه الدور الذي يؤدّيه٠
وكلمة أخرى هنا بالنسبة لما سيشكّل مستقبل تاركوڤسكي نفسه: الطبيعة الموحشة في هذا الفيلم في المكان الأول هي الوعاء الذي تعيش فيه الشخصيات. أفلام تاركوڤسكي جميعاً ستحتفي بالمكان على نحو خاص- حتى ذاك الذي في فيلمه الخيال- العلمي »سولاريس«٠ وسآتي على ذكره حين الوصول إليه٠


يتبع٠٠٠٠٠


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2007- 2011

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular