Aug 14, 2011

السينما كما هي | الثورات واقعية وافتراضية على الشاشة | سودربيرغ يرسم نهاية واقعية لنهاية الحياة على الأرض | الحلقة الأخيرة من سينما برناردو برتولوتشي| غياب هند رستم ومحمود مبسوط |جوليان شنابل ومأزقه |

Year 5 | Issue 654
إحكي  يا شهرزاد


سينما اليوم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شهرزاد في نيويورك
فيلم يسري نصر الله «أحكي لي يا شهرزاد» وصل، بعد عامين من إنتاجه إلى نيويورك  حيث بوشر بعرضه في الثاني عشر من هذا الشهر.  وقد منحه موقع "ميتاكريتيك"  ما يعادل ثلاثة نجوم بناء على آراء ثمانية نقاد شاهدوه وكتبوا عنه. هذه ثلاثة آراء مختارة

جانيت كاتسليس  من "ذ نيويورك تايمز"، منحته **** نجوم وقالت فيه: "حيوي وسريع وملوّن بحرارة ولمعظم الوقت فإن تمثيله رائع. الفيلم يقظ بحذق حيال برامج المقابلات كعربة لاهتمامات المرأة"٠

فرناندو كروس من »سلانت ماغازين"  منحه *** نجوم وقال فيه: "الفيلم يتتوج بالإيمان بعنصر القصّة كوسيلة فنية عظيمة لرفع الحجاب عن المجتمع"٠

نِك شاغر عن »ذ فيلاج فويس« اكتفي بنجمتين وقال: "حكاية نسوية مصرية مسرودة بتعاطف شديد ومعالجة تلفزيونية"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
غريق الأرشيف
في بيروت الآن أزور والدتي الطريحة وشقيقتاي الجميلتين والبلد الذي صرت لا أعرفه. لكني أيضاً أزور، وكما الحال دائماً أرشيفي المؤلّف من أكثر من 500 مقالة وربما أكثر بكثير. أجلس بين الورق الأصفر أقرأ وأجمع  وأتذكّ و تذكّرني الأوراق ما نسيت. أقرأ عجباً. أشياء كتبتها تبدو الآن مبكرة وما زلت عليها. أشياء أخرى كتبتها تبدو ساذجة ومغلوطة. أشياء كُتبت عني وأشياء كتبتها عن الآخرين. كم العالم قصير وصغير إذ يجمعه المرء بين يديه. وأكثر ضراوة هو التالي: يغلط المرء حين لا يعترف بالواقع، لكنه لا يريد أن يعترف بالواقع فيغلط. الواقع يشدّه من ناحية وطموحاته من الناحية الثانية، وهو أخيراً ما يعود إلى الواقع فيعترف به، لكن المؤلم هو أنه لن ينسى طموحاته ولا يستطيع أن يودعها خارج نفسه٠
الأكثر ألماً بالطبع هو أن ترى صورة لك وأنت في السابعة عشر. ليس فقط أن المرء كبر سنّاً- هذا لا بأس به طالما أنه لا يزال معافى وفي صحة فكرية وبدنية جيّدة. المؤلم هو أنه اعتقد نفسه في وقت ما أنه إنما يستطيع أن يمسك بمستقبله كله. الآن وقد صار المستقبل ماضياً يدرك أنه لم يفعل٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بوشارب يحقق ثلاثية
 
يقوم المخرج الجزائري- الفرنسي رشيد بوشارب بتصوير «تماماً كإمرأة" من بطولة الأميركية سيينا ميلر والإيرانية غولشفته فارهاني ويدور حول زوجتين انفصلتا عن زوجيهما. الخاص بهذا المشروع هو أنه الفيلم الأول من ثلاثية يزمع بوشارب تحقيقها بالإنكليزية (وكان حقق فيلماً واحداً بالإنكليزية من قبل هو «نهر لندن»). الثاني  »شرطي بلفيل» الذي سيدخل تصويره في منتصف العام المقبل حول شرطي فرنسي إنما عربي الأصل تم إرساله للعمل لجانب شرطية في لوس أنجيليس٠
أما الفيلم الثالث فيباشر تصويره في مطلع العام 2013 وسيكون من بطولة الأميركي فورست ويتيكر في دور رجل مسلم تم إطلاق سراحه من السجن إثر حوادث شغب ناتجة عن البارانويا من الإسلام والعرب٠



مهرجانات 
إيزابل  أوبير                               
 ستوكهولم |  تضيف الممثلة الفرنسية إيزابيل أوبير جائزة شرفية أخرى إلى جوائزها التي نالتها في مسيرتها السينمائية الطويلة  وذلك خلال إقامة مهرجان ستوكهولم السينمائي الدولي الذي ينطلق من التاسع إلى العشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل. كانت الممثلة نالت جائزة  مماثلة عن مجمل أعمالها من مهرجان لوكارنو السويسري هذا العام

سان سابستيان | والممثلة الأميركية غلن كلوز سوف تحصل على ذلك التقدير نفسه إنما من خلال دورته المقبلة  (التاسعة والخمسين) من المهرجان الأسباني، سان سابستيان. وسيعرض لها فيلم جديد قامت ببطولته هو «ألبرت نوبس» للمخرج رودريغو غارسيا الذي شاركت بإنتاجه وتتولّى بطولته إلى جانب ميا واسيكوفسكا وجوناثان رايز مايرز وبرندان غليسون٠
 
لوكارنو | وعلى ذكر لوكارنو هذا العام، فإن الفيلم الفائز بالجائزة الأولى لدورته المنتهية حديثاً (الرابعة والستين)، هو إنتاج أرجنتين/ سويسري مشترك بعنوان »العودة للبقاء« لميلاغروس مومنتثولر، ويتناول حكاية ثلاث شقيقات ووقع وفاة والدتهن على كل منهن. الفيلم نفسه حاز جائزة الفيبريسي أيضاً الفيلم كان واحداً من عشرين فيلم في المسابقة  علما بأن عدد المعروض من الأفلام وصل إلى 260 فيلم (منها 60 قصيرة)٠


أوراق ناقد | محمد رُضا
السينما كما هي
هل ما زال صحيحاً أن السينما هي الصنف الذي يعشقه هذا الناقد او ذلك الجمهور وحديهما أم أن الفواصل أكثر هشاشة مما اعتقدنا؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإعتقاد الذي ساد النقد السينمائي العربي في أواخر الستينات، حين بدأت الكتابة بخجل، هو أن السينما الجيّدة لا يمكن أن تكون استهلاكية. على السينما أن تلعب دوراً طليعياً في خدمة المجتمع، وهي، في عرف كثيرين، سلاح "يطلق 24 رصاصة في الثانية« وأن لينين قال بأنها "أهم سلاح بين الفنون" او شيئاً من هذا القبيل، إذاً هي أهم سلاح بين الفنون، ليس من وجهة نظر فنية او ثقافية بل من وجهة نظر أيديولوجية بحتة
The Tree of Life                                                                                                                                                            

هذا الإعتقاد كان، ولا يزال،  إتجاهاً ثقافياً وسياسياً قائماً بحد ذاته، تماماً كما كان الإتجاه المناهض: السينما ليست رسالة، بل صناعة لا يمكن أن تلعب أي دور بخلاف دورها الترفيهي لترويج الحكايات لأنها مصنوعة لكي تسلّي الناس أولاً وأخيراً. وهي مهمّة لأنها سبيل لنشر الترفيه والتسلية في أفضل صورة ممكنة وتبعاً لما يهوى الناس مشاهدته وليس لما يرغب المخرج تحقيقه.
بينهما، خط وسطي ليس من السهل وصفه بإختصار: السينما لابد أن يكون لها رسالة مفيدة، لابد أن تلعب دوراً في التوعية العامّة وأن تساهم في بلورة الإنسان مثقّفاً ومنفتحاً ومسلّحاً بالمعرفة. لكن كل هذه الغايات لا يجب أن تقوم لذاتها، بل تحتاج لأن تذوب في كيان فني٠
من ناحية أخرى، فإن الفيلم عمل جماهيري ويجب أن يسعى لأن يكون كذلك إذا ما كانت ظروفه تتطلّب ذلك. لكن إذا ما لم يسع صانعوه لإتقان كل عناصر العمل (حتى ولو فشلوا في بعضها) فإن الناتج إهانة للمشاهد قبل سواه. لكي ينجح في سبيله ذاك، عليه أن يلجأ إلى الكيان الفني ذاته الذي يلجأ إليه أصحاب الإتجاه الآخر.
منطقياً، فإن إذابة كلا الإتجاهين في الفن هو ما يجعل الفيلم، بصرف النظر عن الإتجاه الذي يمشي في ظلّه، جيّداً وناجحاً في غايته، سواء أكانت هذه الغاية جماهيرية او إنتقائية. الفن هو كمال الأشياء، وصاحب العمل، أياً كان، بحاجة لأن يكمل الشيء الذي يقوم به على أفضل وجه يستطيع. بذلك فإن النتيجة المنطقية هي أن ما يقوم به هو فعل فني بتدرجاته ودرجاته٠
الواقع هو أن للجنة أكثر من باب، كذلك للسينما. ومشكلة المنتمين بقوّة إلى توجّه دون سواه، في الفن او في الدين او في السياسة او حتى في الرياضة، هو أنهم يعتقدون أن دخول وفهم وقبول لعمل  له باب وحيد هو الذي يملكون مفتاحه. لكن المسألة ليست كذلك، وإلا لكان البشر خلقوا بشكل وسلوك ونمط ولون واحد. لكانوا أصحاب ملامح وسحنات وأصوات وعواطف واحدة.... ومصير واحد أيضاً٠

طبعاً هناك مسافة كبيرة بيننا وبين الستينات والسبعينات. بعض الملتزمين بالإتجاه الأول باتوا من دعاة الإتجاه الثاني، وبعض من كان في الجانب الثاني انتقلوا إلى الساحة المقابلة وهي عادة يدأب عليها عديدون من أصحاب المصالح الذين لا يمكن أن يروا الحقيقة. المرء بات يشك إذا كان هناك حبّاً لأي شيء. إذا كان بعض النقاد- وبل بعض المخرجين أيضاً- يحبّون السينما فعلاً، او إذا كان جمهرة السياسيين يحبّون الوطن الذي ينتمون إليه، والحال ذاته في كل حرفة بعدما سادت المصلحة وانتشر اللجوء إلى سلاح التواصل اللا إنساني.  لكن على الرغم من تلك المسافة الكبيرة فإن الوضع لا يزال على حاله، والفهم ذو النظرة القائمة على العناد والتفكير الأحادي هو السائد. بالتالي، فإن معظم التعريفات السائدة هي ليست أكثر من أخطاء متداولة تبقى كذلك إلى أن تتم برمجة فهم حقيقي وصائب لماهية السينما اعتماداً على الهوية الفنية الكاملة لها وليس على أي شيء آخر٠

من طارزان لبرغمان
هذا الفهم هو الذي يضع المخرجين (مبدعي الفن السابع الأساسيين) في أماكنهم الصحيحة. إنه السبب في أن الملتزم سياسياً بالماركسية، سيرغي أيزنشتين والمتمرّد عليها، أندريه تاركوڤسكي هما في ميزان الإبداع نفسه، رغم تباين فهمهما للسينما: المونتاج للصدم وتفعيل الوقع الناتج عن اختيار اللقطة من المشهد والبحث في مكوّنات الثورة،  مقابل الإنفتاح على الحياة وتأملها وإعادة الإعتبار للروحانيات والثقافات المناخية بنظرة تأمّلية تضع المونتاج ثانياً.
إنه السبب في أن يوسف شاهين كان مخرجاً جيّداً بسبب خطابه الذاتي، وكمال الشيخ كان أيضاً مخرجاً جيّداً بسبب قدرته الفائقة على صياغة الفيلم فنيّاً٠

والفهم القابل للتناقضات هو الذي يسمح بأن نعترف بأن هوارد هوكس مخرج سينمائي فذ كذلك كلود سوتيه على الرغم من السنوات الضوئية التي تباعد كل عن الآخر.
وبل هو الفهم الحقيقي لكيفية قبول أن هوليوود وطناً سينمائياً متفاعلاً أنجز في تاريخه ألوف الأفلام الجيّدة، كذلك حال السينمات ذات المنهج الفني التي عرفتها الدول الأخرى كافّة. 
ما يعني أن الحكم في النهاية يجب أن يبقى حكماً فنياً- وبالتحديد سينمائياً، وليس سياسياً او منهجياً او فكرياً.
لقد حاول نقاد ذلك الحين وبعض مخرجيه جعلنا، حين لم نكن أكثر من متيّمين حبّاً بكل السينما من طارزان إلى برغمان، نعتقد أن ما هو أميركي هو منتوج مشوّه وأن الأفلام الأوروبية هي التي تملك الحل المثالي لسينما الإنسان. وحين بدأت حركات السينما العربية بالتوالد، فإنها هي الأمل الوحيد في سينما عربية جيّدة وجادّة وتحقق النجاحات الكبيرة.
طبعاً التاريخ أثبت أن النجاحات كانت فردية ولم تكن كبيرة إلى الحد الذي يوازي ما كان مأمولاً. وبل كانت قليلة ومتباعدة. أن كل الإتجاهات الثورية وكل الإتجاهات التجارية أخفقت معاً في تحفيز العالم على متابعة الا القليل من الأفلام العربية وتبعاً لحالات وظروف خاصّة٠
الفيلم الذي خرج بالسعفة الذهبية هذا العام هو "شجرة الحياة" للمخرج الأميركي ترنس مالك. فوزه ساعده على بيع نحو مليوني تذكرة إضافية او نحوها. هذا يعني أن هناك مليوني مشاهد أقبلوا لمشاهدة فيلم هو صعب وقابل لتفسيرات عدّة. لو أن الفيلم الرابح كان فيلماً عربياً فهل كان سيبيع أكثر من بضع آلاف تذكرة في باريس او لندن او نيويورك؟
السبب ليس سياسياً ولا يتبع حب الغرب لذاته (الغرب المحب لذاته لن يقبل على أفلام النخبة بالضرورة، وهو أقبل على أفلام تركية وإيرانية وتايوانية وهندية وكورية ويابانية) بل لأن العالم العربي كان أفلس قبل سنوات طويلة بحيث أن لا شيء بات قادراً على إحداث حالة جذب فاعلة وشائعة. أفلس حين لم يحقق أفلاماً متحررة من الرقابة. أفلس حين لم ينجز أعمالاً فنية تخرج عن القوالب كلّها. وأفلس حين تلاقت كل إفلاساته الأدبية والفنية والثقافية والإجتماعية والسياسية والعلمية والرياضية والإقتصادية في نشر ضباب سام فوق الناس منعها من التفكير والإبداع والتعبير وصيّرها لكي تكون تابعاً أميناً او مناوئاً متعاوناً (على أساس أن هناك مناوئون أحراراً لا يمكن لهم أن يتعاونوا)٠
أفلس العربي حين ظن أنه إذا لم يقبل على المتغيّرات الفورية الحاصلة فسيبقى متخلّفاً أما إذا ما قبل بها فإنه سيردم الهوّة الشاسعة التي كان يشعر بها قائمة بينه وبين العالم الغربي.
 طبعاً التقدّم مهم ومطلوب، لكن كيف يكون إذا ما تقدّم التقدّم على الإنسان؟ في أكثر من فيلم من أفلام المخرج التونسي رضا الباهي هناك هذه المسألة بعينها، بدءاً من فيلمه القصير «العتبات الممنوعة« المأخوذ عن حكاية واقعة لسائحة شابّة اغتصبها شاب تونسي في قرية القيراوان حين جاءت، بثيابها الكاشفة، تزور. لكن ما رآه الباهي في ذلك الفيلم وفي سواه أن المأساة لا تكمن في فعل الإغتصاب وحده، بل في أن الدولة فتحت أبواب السياحة قبل أن تفتح أبواب التطوير والثقافة٠

تأبين
قالوا لنا أيضاً أن سينما المؤلّف هي السينما التي يجب أن يتبنّاها الناس جميعاً: جمهور سائد ومخرجون وكتّاب ومنتجون وموزّعون ونقاد. ليتبيّن لبعضهم لاحقاً ما رفضنا تصديقه وهو أنه يمكن تجزأة السينما إلى  كيانات منفصلة. وما ساعد على عدم تصديق الدواعي التي سيقت هي إزدواجية المعايير. كيف يمكن لفرانسوا تروفو وجان- لوك غودار وكلود شابرول، من بين غيرهم، إعتبار ألفرد هيتشكوك مخرجاً مؤلّفاً، في حين أن النقاد العرب كانوا يعتبرونه مجرد "مخرج رعب" (منزلة دونية)؟ وكيف كانوا على استعداد لقبول مخرجين شبّان بقضايا لكن من دون خبرات فنية (وهذا لا يزال جارياً لليوم) واستبعاد مخرجين أصحاب حرفة لا غُبار عليها، لمجرد أنهم يحققون أفلامهم للجمهور؟ والاسئلة تزداد تعقيداً وأوّلها: من يؤلف الفيلم؟  هل بمجرّد أن يكتب المخرج فيلمه بنفسه يصبح مؤلّفاً؟ او بمجرد أن ينحو إلى أسلوب تأمّلي؟ او إذا ما حمل الكاميرا مرتجّة ومهزوزة طوال الفيلم؟
لماذا عبّاس كياروستامي مخرجاً- مؤلّفاً في حين أن صلاح أبوسيف لم يُعتبر (لا من الغرب ولا من معظم أبناء العربية) مؤلّفاً وهو الذي صاغ أعماله تبعاً لأسلوب يحمل بصمته تماماً كما حملت أفلام كياروستامي أسلوباً يحمل بصمته؟ وحين يفرض المنتج رؤيته على المخرج، كيف لا يمكن أن يعني ذلك أن المنتج هو المؤلف؟ ثم كيف يكون أي من أركان العمل مؤلّفاً إذا كان الآخرون من حوله ساهموا في إنجاز رؤيته ونقل نظرته؟ هل "السقّا مات" او "لك يوم يا ظالم" او "شباب إمرأة" أقل تأليفاً من "الرياح ستحملنا" او "عشرة" او "نسخة مصدّقة" او أي من تلك الخزعبلات التي اعتبرها النقّاد أفلاماً؟
أين هي سينما المؤلّف؟ سأل صحافي "ذ غارديان" المخرج السويسري جان-لوك غودار فرد عليه معترفاً: "انتهت منذ زمن بعيد". سأل ناقد من مجلة "سايت أند ساوند" المخرج الفرنسي كلود شابرول: "ماذا حدث لسينما الموجة الجديدة؟" فأبّنها وصلى على روحها.
اليوم كل السينما مهددة بالموت، تقليدية وبديلة، محافظة وليبرالية، بلهاء ومبدعة، يسارية ويمينية، ترفيهية وجادة... كلها. لم يصل النصل إلى الرقبة تماماً لكن الخطر جاثم ويقترب أكثر مع كل اختراع يسرق الصورة من الخيال ومن آلة التصوير ليضعها في "تشيب" صغير في كاميرا دجيتال او في الكومبيوتر او في الهاتف النقّال. لكن شيئاً لن يغيّر الحقيقة: كل السينما بكل اتجاهاتها وأيديولوجيّاتها متساوية من حيث أنها تحوي السيء والجيد. إلى حين ليس بالبعيد كانت نصف إنتاجات هوليوود جيّدة في الوقت الذي كانت فيه معظم إنتاجاتها استهلاكية. ومنذ بداية الموجات المتحررة من السينما السائدة، وهي موزّعة بين أفلام جيّدة وأخرى مفتعلة. أعمال تنضح بالفن والثقافة والجمال وأخرى ميكانيكية، إيغوستيكية، مفتعلة تكذب وتصدّق، وغالبية النقاد، كذبها٠




ثورات افتراضية وأخرى واقعية على الشاشة من مطلع القرن الماضي إلى اليوم

If.....                                                                                                                                                                                               

بعد أيام يتوجّه سينمائيون مصريون وتونسيون وسوريون إلى مهرجان فانيسيا السينمائي حاملين معهم أشرطة وثائقية جديدة حول أحداث ديسمبر ويناير وما بعدها، تلك التي أدّت إلى ما تمر به هذه الدول، وما  قد ينجم عنها تطوّرات غير محسوبة. وإذا ما صحّت الأنباء، هناك فيلم تسجيلي مصري طويل، وفيلمين سوريين قصيرين، وربما فيلم تونسي او إثنين.
وفي حين أنه ليس من المتوقّع أن تكون هذه الأعمال أكثر من ريبورتاجات تسجيلية عن الأحداث الا أن نقد هذه الأفلام ومعاينتها، مباشرة من المهرجان، هو الذي سيبيّن لنا قيمتها كأعمال سينمائية. ما هو مؤكد الآن أن السينما تناولت الثورات على أكثر من نحو. كانت نبضاً يتوقّع حيناً، وتسجيلاً لما بعد الحدث حيناً آخر، وفي أكثر من حالة، استندت إلى نظريات وافتراضات لا تقل شأناً عن تلك التي عاينت أحداثاً واقعية٠
العام 1968 يبدو بارزاً، عنوة عن السنوات السابقة او اللاحقة له، في هذا المجال٠
فيه قام المخرج البريطاني لندساي أندرسن بتحقيق فيلم عن ثورة شبابية بعنوان »إذا....« (النقط جزء من العنوان). فيه سرد، عن سيناريو لديفيد شروِين، حكاية ثلاثة طلاّب يتمردّون على نظام المدرسة الداخلية التي ينتمون إليها. والرسالة كانت معادية للتحجّر في تطبيق المناهج، والجمود في العقليات الإدارية في المدارس البريطانية. لم يكن فيلماً سياسياً (أعتقد ما كان يمكن أن يجعله كذلك هو الشغل على ربط أكثر عضوياً بين القصّة وأبعادها)، لكنه بالتأكيد كان فيلماً معبّراً عن سياسة. وهو جاء في العام ذاته التي انفجرت فيها أحداث السوربون في فرنسا، تلك التي قادت إلى تظاهرات الشباب احتجاجاً على نُظم مدرسية اعتبروها، كما اعتبرها المخرج البريطاني، بليدة وبحاجة إلى التغيير٠

أشياء كثيرة تغيّرت تبعاً لاحتجاج شبيبة 1968 من بينها مشاركة السينما لها ليس عبر تصوير أفلام عنها، بل عبر اشتراك مخرجين سينمائيين فيها. جان-لوك غودار أرادها نواة لثورة يسارية شاملة،  وفرنسوا تروفو باركها كحركة تمرّد عليها أن تحقق مطالبها وتقف عند ذلك الحد. والإثنان اختلفا سياسياً حولها، ثم اختلفا في كل شيء بعد ذلك فشاعت بينهما رسائل هجومية حينما امتنع، حسب رواية محايدة، تروفو الطلب من منتجه تمويل فيلم لزميله غودار.
غودار مضى في منهجه الذي باعده عن منهج لا تروفو وحده بل مناهج كل المخرجين من أبناء جيله. وكما يقول الفرنسي كلود شابرول في مقابلة نشرتها له مجلة «سايت أند ساوند» في الثمانينات، »لم يكن هناك أساساً ما يوحّدنا بعدما قرر كل منّا الإنطلاق منفرداً»، وهو يقصد نقاد الكاييه دو سينما الذين تحوّلوا إلى الإخراج مثله ومثل إريك رومير وجاك ريفيت وتروفو وغودار. رغبة الأخير كانت تحقيق الفيلم الثوري في تلك المرحلة (الثانية بين ثلاث مراحل سينمائية يمكن تقسيم مهنة غودار لها) التي شملت على أفلام مثل «صنع في الولايات المتحدة« و»الصيني« و»متعة التعلّم» و«برافدا» و«رسالة إلى جين».
لكن السينما الفرنسية، التي شهدت وجهاً متجدداً لها حين انتقل نقاد الكاييه دو سينما، وهي مجلة لا زالت تصدر لليوم، للإخراج، ثم انضم إليهم منظّرون جدد من خارجها أثروا، بدرجات متفاوتة، الحياة السينمائية في فرنسا مقتلعينه من جذوره الجامدة والكلاسيكية و»سينما الآباء« كما كانوا يلقّبونها. طبعاً الحديث هنا عن جان فيغو، ألان رينيه، روبير بريسون، جان- بيير موكي، كلود سوتيه، ايف بواسيه وميشيل ميلر من بين آخرين عديدين انتهجوا خطّاً مختلفاً من أساليب التعبير ومن القضايا، تتدرّج من الفوضوي إلى التجديد في المباديء السردية من دون رفضها٠
Birth of a Nation

ما هو مثير للتأمّل اليوم، حقيقة أن العام المذكور، 1986، أطلق فيلماً آخر شبيه إلى حد بفيلم مايكل أندرسن وذلك الولايات المتحدة. باري شير سينمائي منسي ربما لأنه أنجز فقط خمسة أفلام تفاوتت في مستوياتها ما بين العام 1967 والعام 1975. ثاني أفلامه كان قائمة على افتراضية أن يثور شباب أميركا على مسنّيها فيصلون إلى الحكم ويطبّقون مبدأ التخلص من كل من يتجاوز الثلاثين سنة من العمر. ألهم الفيلم حماسة الناقد الراحل سمير نصري فكتب عنه معجباً، لكن الفيلم فيه مشاكل، ككل فيلم آخر أنجزه شير. وأفضل أفلامه لم يكن، بالتالي، هذا الفيلم، بل شريط بوليسي عن العنصرية أنجز سنة  1972 بعنوان «عبر الشارع 110»٠
 طبعاً، لم تحتكر سنة 1968 الأفلام التي دارت حول الثورات بل هذه تمددت زمنياً من مطلع القرن الماضي ولا تزال تُنتج إلى اليوم. والكثير من النقّاد، في هذه الحالة، يعتبرون »البارجة بوتمكين« ذاك الذي حققه سيرغي أيزنشتاين  سنة  1925 عن الثورة الشيوعية كفيلم أوّل تعامل والثورة. لكن الحقيقة هي أنه بما أن الثورات تختلف في أسبابها ومناهجها وأحجامها ونتائجها، فإنه من الأولى اعتبار فيلم »مولد أمّة« سنة 1915 أول فيلم كبير عن ثورة.
نعم أحداثه تدور في رحى الحرب الأهلية الأميركية. تلك قسّمت الولايات المتحدة بعد 85 سنة على نيلها استقلالها، إلى شمال وجنوب. لقد تمرّدت إحدى عشر ولاية جنوبية على قرار الحكومة الأميركية بتحرير العبيد ومنحهم حقوقاً وأعلنت رغبتها في الإستقلال عن باقي الولايات الأميركية وهاجمت بعض المواقع الحكومية ما أدّى بالحكومة إلى شن الحرب على الجنوب، تلك التي امتدت لأربع سنوات (1861- 1865) وانتهت بهزيمة الجنوب. فيلم غريفيث الصامت يؤسس للحال قبل تلك الحرب متناولاً قصّة عائلتين جنوبيّتين وما آلا إليه حين نشبت الحرب، ثم عندما دخل الجنود السود البلدة داحرين القوّات الجنوبية المدافعة عنها وأخذوا يهاجمون النساء بغية اغتصابهن. في اللحظة الحاسمة ينطلق المنقذون: عصبة الكوكلس كلان الملثّمة التي تنطلق للدفاع عن الشرف الأبيض وتهاجم الحامية الأفرو-أميركية وتنقذ الوضع بأسره.
إنها ثورة البيض على السود، في الحدود الظاهرة. لكن في العمق هي ثورة هؤلاء العصبة المعبّرة، في الفيلم عن مشاعر ملايين الأميركيين المناوئين لحرية العبيد، ضد الولايات الشمالية وضد ما تعتبره تقدّماً غير مرغوب به
لقد كال نقاد السينما لغريفيث اعتبارين جوهريين. الأوّل أن غريفيث حقق فيلماً جيّداً، والثاني أنه حقق فيلماً جيّداً وعنصرياً. والحقيقة أنه فيلم ينضح بإنجازات تقنية وفنية سبّاقة ومميّزة، في إطار الفترة التاريخية التي أنتج فيها، لكنه فيلم عنصري كامل خصوصاً وأن تنميط الشخصيات السوداء انطلق من مطلع الفيلم وليس في ختامه فقط
Battle of Algeria                                                                                                                                                 

بدوره، تعامل المخرج الإيطالي جيلو بونتيكورفو مع الثورة الجزائرية سنة 1966 عندما أخرج »معركة الجزائر« من إنتاج الجزائري سعدي ياسف الذي اشترك في أحد الأدوار الرئيسية أيضاً. إنه فيلم فريد بين أفلام الثورات رصد فيه المخرج الوضع بكامله من خلال أسلوب ريبورتاجي حول قيام البوليس الفرنسي الخاص في الجزائر العاصمة بمحاصرة منزل آوى إليه عدد من المناضلين الجزائريين، ثم أخذ ينتقل زمنياً بين أحداث مختلفة،  سارداً مراحل ثورة الشعب الجزائري داخل العاصمة والعنف والعنف المضاد وصولاً إلى المشهد النهائي حيث زغاريد الجزائريات تملأ المدينة بأسرها إيذاناً بأن مقتل المحاصرين هو بداية النهاية للإستعمار الفرنسي. ما بين البداية والنهاية انتقى من الأحداث ما هو مؤسس على وقائع ومنها وصول كولونيل جديد إلى العاصمة أسمه ماثيو (جان مارتان) بناءاً على الحاجة المتزايدة لمواجهة أعمال "الإرهاب" (بالوصف الفرنسي) لجبهة التحرير الجزائري وكيف أنه وجد أن التعذيب هو الطريقة الناجحة لكسر الحلقة، فكل ما يريده هو أن يعترف أحد المقبوض عليهم، ولو تحت وطأة التعذيب، بمكمن اختباء أصحابه، لكي يقوم الجيش بتطويق المكان وتفجيره إذا ما اقتضى الأمر.
ورد هذا الفيلم بعد ثماني سنوات على قيام المخرج يوسف شاهين بتحقيق فيلمه »جميلة الجزائرية« الذي يدور حول تلك الثورة، ولو بحدود موضوعه. وهو المخرج الذي تعامل لاحقاً مع ثورات ومسيرات عدّة. في »العصفور» (1972) منتقداً الوضع السياسي الذي تبلور تبعاً لهزيمة 1967 وصولاً إلى »هي فوضى« آخر أفلامه (وبإشتراك خالد يوسف وراء الكاميرا) الذي قد ينظر إليه بعضنا على أساس أنه ولّد تلك الشرارة البطيئة التي انفجرت مؤخراً لكن ذلك سيبقى بحاجة إلى إثبات.






 نهاية الأرض من جديد وواقعياً هذه المرّة

Contagion                                                                                                                                                     

في الحادي عشر من شهر أيلول/ سبتمبر المقبل، وبينما يعيش البعض ذكرى كارثة العام 2001 المؤسفة، يستقبل الناس، في كل مكان، فيلماً يبشّر بكارثة مختلفة. 
إنه »مُعدي«، فيلم من إخراج ستيفن سودربيرغ وبطولة  مجموعة لافتة من الأسماء المهمّة مثل ماريون كوتيار، مات دامون، جود لو، لورنس فيشبورن، كيت وينزلت، جنيفر إيل، غوينيث بولترو وإليوت غولد. ذلك، إلى جانب الممثل المصري عمرو واكد.
إذ يتوجّه الفيلم إلى مهرجان فنيسيا المقبل، يطمح كذلك  للبقاء في بال أعضاء أكاديمية العلوم والفنون السينمائية لدخول ترشيحات الأوسكار في مطلع العام القادم.٠
وهو يدور حول السعال. ليس أي سُعال، بل ذلك المعدي الذي قد ينتشر بين الناس عبر التنفّس واللمس. في هذه الدراما التي تشترك مع أخريات في التبشير بأن زوال الحياة على الأرض له أكثر من وسيلة، تتحدّث عن انتشار وباء شديد لا يعرف حدوداً ولا يوجد ما يوقفه عند حدّه.... ليس قبل انتهاء الفيلم على الأقل.
وفي حين أن أفلاماً عدّة تبارت في السنوات الخمسة عشر الأخيرة للحديث عن نهاية الحياة على الأرض، الا أن »معدي» يختلف عن سواه بأنه يخلو من الفانتازيا التي صاحبت الأفلام الأخرى. يخلو من تضخيم المسألة لكي توفّر المؤثرات الخاصّة التي سريعاً ما تصبح جوهر السبب الذي من أجله تم إنجاز الفيلم. هذا كان واضحاً في أفلام الكوارث الطبيعية مثل »تويستر« و»بركان» و»تأثير عميق« التي تحدّثت عن عاصفة عاتية وبركان متفجّر ثم زلزال يتسبب في »تسونامي« هائل يبتلع المدن الأميركية الساحلية.
والملاحظ لهذه الأفلام يدرك أن تغييراً مهمّاً يفصل بين تلك الأفلام المذكورة ومثيلاتها عن أفلام أخرى حول نهاية العالم خرجت تباعاً في السنوات الثلاث الأخيرة مثل »كتاب إيلاي« و»الطريق«.
«كتاب إيلاي« تبلور عن رحلة حامل كتاب (دنزل واشنطن) في حياة ما بعد الدمار الشامل يواجه في سبيل الوصول إلى ما تبقّى من مدنية أشراراً وقطاع طرق لكنه يستمر في وجهته رغم المخاطر. «الطريق» كان أكثر واقعية إذ تناول حكاية رجل (فيغو مورتنسن) وإبنه الصغير الباحثين عن ملاذ بعد كارثة كونية خلفت دماراً شاملاً ووسط خطر الوقوع بين أنياب آكلي لحوم بشرية.

ما سيميّز »مُعدي» على نحو مشهود أنه يقع خلال الكارثة وليس بعدها. وسوف يعتمد على قدر محدود للغاية من المؤثرات الخاصّة. سيكون دراما من نوع «تجارة«، فيلم سودربيرغ السابق الذي تناول مسألة تجارة المخدّرات من دون أن يدلف إلى سينما الأكشن والعصابات.
بذلك فإن العامل الذي يحدو بفيلم سودربيرغ للنجاح قائم على إثارة مخاوف الناس، كشأن معظم الأفلام الكوارثية الأخرى، إنما من خلال الواقع وليس الخيال. العبارة التي بدأت ملصقات الفيلم المنتشرة في هوليوود، والتي ستحملها الإعلانات قد لا تبرز هذه الناحية إذ تكتفي بالإعلان قائلة: "لا تتحدّث مع أحد. لا تلمس أحداً". لكن مشاهدة الفيلم وحدها هي التي ستقرر كم قدر الواقعية المعتمدة لإيصال هذه الرسالة التحذيرية، وعمّا إذا ما كان الفيلم- رغم واقعيّته- لا زال خيال مؤلّفين او نبوءة في زمن ترتفع فيه مخاوف الناس من الآفات والحروب والأخبار المتحدّثة عن سنوات عجاف تصيب المحاصيل ومياه الشرب وما غير ذلك من أسباب ترددها وسائل الإعلام جنباً لجنب الحروب المستشرية وأعمال العنف المختلفة٠
في مهرجان فانيسيا المقبل، سيكون للفيلم وقعاً مختلفاً قليلاً على مشاهديه. هؤلاء هم مجموعة كبيرة من الذين عادة ما يواجهون الأفلام بسخرية مكبوتة وحس بأن لا شيء من هذا كلّه يخرج عن المتوقّع في السينما. إذا ما استطاع الفيلم إثارة مخاوف هؤلاء (او على الأقل إعجابهم) فإنه بذلك سيكون قادراً على إنجاز مهمّته النوعية بين المشاهدين في المدن المكتظّة والصالات التي يتجالس فيها الناس جنباً إلى جنب من لا يعرفون عنه٠.
وإذا ما جرت العادة سماع سعال بعض المشاهدين، ربما لكثرة التدخين، او تبعاً لنزلة برد خفيفة، فإن هذه العادة ستكون سبباً للقلق. لا تستغرب إذا ما وجدت حركة تنقّل من كرسي إلى آخر خلال العرض!٠




سينما وسينمائيون |  برناردو برتولوتشي | ثائر بلا قضية
5
 الحلقة الأخيرة من دراسة  غير مزركشة او مأخوذة بالمسلّمات
عن سينما برناردو برتولوتشي

برناردو برتولوتشي مع كيانو ريفز خلال تصوير "بوذا الصغير"                                                                                                                         ٠    

رحلة برتولوتشي الصينية أنجبت بعد »الإمبراطور الأخير« فيلمه المغربي الأحداث »السماء الساترة» الذي مر حديثه معنا ثم عاد فأنجب فيلماً آخر تقع أحداثه في الصين، او في بعض مناطقها وهو »بوذا الصغير». وإذا ما كان برتولوتشي عاين موضع الإنسان الحائر في »السماء الساترة« والضحية في »الإمبراطور الأخير»، فهو نهج إلى إخلائه من المواقع والتجسيدات الحيّة في أفلامه حين وصل الأمر إلى »بوذا الصغير» سنة 1996
إنه أسوأ ما قام بإخراجه في الحقبة التي نزع فيها إلى "العالمية". على الأقل كان برتولوتشي أكثر إيفاءاً بشروط التثوير الفني حين كان يؤم أعماله الإيطالية. وإذا ما لاحظنا نجد أن هذه الأفلام الإيطالية الصرفة  من  العام 1962 إلى العام 1970، كما تقدّم معنا في الفصول السابقة، كانت الأكثر برتولوتشية مما ذهب إليه حين نشر أفلامه أوروبياً («التانغو الأخير في باريس» ثم في »لا لونا» الذي صُوّر في إيطاليا لكنه لم يعكس إيطاليا- ولم يعكس هويّة أبطاله الأميركيين- أيضاً)٠
مع «الإمبراطور الأخير» ، وكما تقدّم أيضاً مارس طموحه نقل المعالجة الملحمية التاريخية من السينما الإيطالية، كما مارسها في «1900» سنة 1976 إلى السينما الأميركية/ البريطانية، ثم تابع هذا المنهج في «السماء الساترة» وهو أقل متانة من «الإمبراطور الأخير» ثم في «بوذا الصغير» الأقل من الثلاثة إجادة، وبل أقل أفلامه كلّها ضرورة٠
أعتقد أن برتولوتشي انتقل، قبل سنوات قليلة من هذا الفيلم، من الشيوعية إلى حالة لا إنتماء إلى أن وجد نفسه في الديانة البوذية. خلال ذلك، وكما مرّ معنا، لم يخف خيبة أمله في الشيوعية مجسّداً هذه الخيبة في شخصيات تطرح تساؤلاتها حول الحقيقة، وهي وإن لم تُبد قراراً نهائياً، الا أن ذلك كان بدوره مرجعياً في يقين المخرج. تلك الفترة التي ساد فيها الخروج من نقد الذات شهدت سنوات قليلة من اللا إلتزام، بعدها، وفي «بوذا الصغير» نجده يقدّم عملاً يلمّع البوذية كما لم يفعل أي فيلم من قبل. طبعاً لو كانت هناك قضيّة  عميقة لكان الأمر مسألة اختيار هو حر تماماً به، لكن حين يفتقد الفيلم ثلاثة عناصر مهمّة: السبب الجوهري والنقد الذاتي والقيمة الفنيّة الناتجة عن رؤية تخلق أسلوب تعبير شائك، فإن ما يبقى هو السؤال السرمدي: "لماذا"؟
مثل عادته ينتقل المخرج بين أزمنة. في عالم اليوم، هناك عائلة أميركية. هو (كريس أيزاك) الذي تتعثّر حياته العملية فهو مهندس خسر مشروعاً كان سيدر عليه شهرة ومالاً، وخسر- نتيجة ذلك- شريكه الذي آثر الإنتحار. الزوجة (بردجت فوندا)  ست بيت مثقّفة ومتفانية. إبنهما (كيانو ريفز) فتى مُطيع  وهاديء الطباع. إذا ما بدت هذه المواصفات مبسّطة فالحق على المخرج الذي وضع القصّة وكاتبي السيناريو مارك ببلو (لاحقاً ما حاول الإخراج) ورودي وورلتزر. فهذه الشخصيات الثلاث تعاني من قلّة الإهتمام بمنحها عمقاً كفيلاً بجعلنا نتعامل معها بإهتمام. حين يأتي ناسك بوذي لزيارة المنزل من دون موعد سابق، فإن المعتاد هو "لا شكراً". او، في مرحلة لاحقة، "لكني لا أؤمن بالتناسخ ولا أصدّق أن إبني هو معلّمك الذي بات قبل تسع سنوات". لكن العائلة تستمع وتتجاوب وحين يعرض البوذي الطيّب على العائلة (التي بالضرورة ومن دون قصد المخرج: ساذجة) أن يسافر الإبن وأبيه إلى التيبت لكي يلم الصبي بأصوله البشرية وحياته السابقة ليس هناك من موقف معارض. الصبي وأبيه ينطلقان في رحلة استكشاف "ذوات" والأم تبقى في البيت من دون احتجاج٠
الآن، كثيرون منّا يقدّرون تصوير فيتوريو ستورارو معظمنا لأن آخرين في الغرب سبقنا إلى ذلك. الحقيقة هي أن ستورارو مدير تصوير لديه قدرات فنيّة جميلة استخدمها من دون هوادة في أفلامه مع برتولوتشي منذ بداياته، لكن هذا لا ينفي أن المرء يفضّله في تلك الأعمال ذات المسحة السايكولوجية (كما «استراتيجية العنكبوت») او ذات المعين التجسيدي للحياة الإجتماعية والثقافية الإيطالية (كما في «1900»)  على ثلاثيّته »الإمبراطور الأخير» و«السماء الساترة» و»بوذا الصغير»٠
في «بوذا الصغير» هناك مشكلة "فنية" جوهرية: اختيار الألوان يختلف بين تلك الأميركية عن تلك التيبيتية. المسألة ليست اختلاف الطبيعة. مدينة بوسطن لها ألوانها، وجبال التيبت لها ألوانها بطبيعة الحال، لكن التدخّل هو في منح المشاهد الأميركية ألواناً رمادية دلالة افتقارها إلى الحياة، وتلك التيبيتية ألواناً حمراء وصفراء وبرتقالية، للخصب والحيوية او ما إلى ذلك. هذا ليس فنّا، بل إقحاماً ينم عن سذاجة. الإختلاف الطبيعي معالج بمنحى فني مناسب كان كافياً للتدليل، لكن حين يصبح ذلك التدليل كناية عن اختيارات لونية فهو أمر أضعف من أن يُبرر.
وهذا تماماً كحال القصّة ذاتها. بوصول صاحبنا وأبيه إلى التيبت يتكشّف أن الصبي ربما كان وربما لم يكن فعلياً استنساخ المعلّم البوذي- إذاً ما الذي كنّا نشاهده طوال هذا الوقت المهدور ولماذا؟
Stealing Beauty                                                                                                    

مرت ثلاث سنوات إثر هذا الفيلم قبل أن نرى عملاً آخر لبرتولوتشي هو «سرقة جمال» (1996): دراما عاطفية هشّة حول فتاة أميركية (ضرورة التوزيع) تصل إلى بلدة ايطالية صغيرة بحثاً عن أبيها وهي لا تعرفه لكنه لابد أنه واحد من ثلاث رجال سحرتهم حين وصولها بجمالها الساطع. في الوقت ذاته هناك بحث آخر: تريد شاباً جميلاً تفقد عذريّتها معه. وبرتولوتشي مأخوذاً بالقصّة التي بين يديه (لم يكتبها هذه المرّة) بحيث لم يكترث لإضافة أي بعد على ذلك الجمال المتصنّع للفيلم وفتاته.
فيلمه اللاحق »محصور» هو أفضل حالاً بقليل، لكن السذاجة في مواقفه تقطر مثل حنفية. من باب الإعتراف أن مشاهدتي الأولى للفيلم حين خرج للعروض في لندن، كانت أكثر إيجابية من مشاهدتي الثانية له قبل خمسة أشهر. لقد أعجبت بالموضوع القائم على حكاية أفريقية شابّة (ثاندي نيوتن) تعمل خادمة في بيت برجوازي أوروبي (ديفيد ثيوليس) وحين يقع في حبّها تشترط أن يتدخل لإطلاق سراح زوجها المسجون سياسياً في إحدى الدول الأفريقية. العلاقات المدروسة، او هكذا بدت، بين الأطراف: الأوروبي والأفريقية ثم- غيابياً- زوجها، أنبتت حالة مثيرة للإهتمام، كذلك المكان الذي تقع فيه معظم الأحداث (شقّة كبيرة مؤلّفة من بضع طوابق) والفحوى السياسي الناتج عن ذلك الوضع. لكن الفيلم، لاحقاً، يكشف عن كم فقد برتولوتشي أكثر مما كسب من قيمة. التزامه بقضيّة سياسية (الدكتاتورية وضحاياها من المساجين السياسيين والمرأة التي تعيش محرومة من الجنس لكنها متماسكة لمعظم الوقت والمخلصة في كل الحالات لزوجها) هش في نهاية الأمر ومجيّر لخدمة لقطات غزل ببطلة الفيلم. على عكس أفلامه القليلة السابقة التمثيل هنا أفضل من قبل بطليه. الثالث، لا شخصية فعلية له على الإطلاق.
«الحالمون» لا يزال آخر أفلامه إلى اليوم. أنجزه سنة 2003 وتمّت مقارنته بـ «آخر تانغو في باريس» من حيث مكان أحداثه (باريس- داخل شقّة) ومن حيث جرأته الجنسية، كما من حيث أسلوب المخرج عموماً. في هذا الإطار لابد من الإشارة إلى أن لوحات الرسام فرنسيس باكون التي تظهر في مطلع «آخر تانغو...» تعكس تلاقياً بين برتولوتشي والفنان المذكور فاتني الحديث عنه حين تناولت الفيلم السابق. هناك وحدة بحث خاص في لوحات باكون تلاقت والسينما التي في بال برتولوتشي.  كلاهما فنان يبحث عن انصهار حقيقي في العالم الذي يعيشه، وكان ذلك المنحى موجوداً في أغلب أعمال برتولوتشي، الجيّد منها والأقل جودة (او الأقل أقل جودة). هذا الإنصهار كان جزءاً من «آخر تانغو....» وجزءاً من «الحالمون» مترجماً بين الشخصيات المختلفة ثم بينها وبين العالم المحيط.
كاتب السيناريو هو غيلبرت أدير ناقد سينمائي بريطاني معروف وقع في هوى السينما في الستينات كما فعلنا جميعاً وعايش، بالطبع، أحداث ثورة 1968 الفرنسية. وسيناريو هذا الفيلم ينقلنا إلى تلك الفترة. لكن في حين يتم إنشاء الفيلم على خلفية تلك الثورة، ينتقل بعد ذلك منفصلاً عن كل المحيط السياسي والثقافي ليلج الشأن العاطفي المنفصل.  ومثل أعمال برتولوتشي السابقة، يضع الفيلم أهمية كبيرة لإظهار الحيرة الجنسية واستخدامها كوسيط سياسي. المشكلة أن السياسة معدومة هنا ما يترك الفيلم وشخصياته عارية فقط.




 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2007- 2011
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular