Jul 24, 2011

Year 5, Issue 652 | صراع على الصين | المرأة: صورة صيفية مهزوزة | في التصوير: إدغار هوڤر حسب ايستوود | الحقيقة ونصفها في أفلام روبرت فلاهرتي الوثائقية



ـــــــــــــــــــــ 
Cover/Story
هاريسون فورد
 من حصان لحصان
  

سيقوم الممثل هاريسون فورد ببطولة فيلم 
وسترن جديد عنوان: قبّعات سوداء
Black Hats
هاريسون فورد. يؤدي فيه شخصية وايات إيرب التي 
لعبها سابقاً عدد كبير من الممثلين من بينهم جيمس 
غارنر، بيرت لانكاستر وهنري فوندا وكَڤن كوستنر
وجووَل ماكراي وإيرول فلين بين آخرين. لفورد فيلم
 وسترن + خيالي علمي حالياً في الأسواق بعنوان:
كاوبويز وغرباء
Cowboys And Aliens

1 | تقارير
صراع الجبابرة على السوق الصيني
ُThe Beginning of Great Revival |                                                       بداية نهضة عظيمة
 في الوقت الذي يحقق فيه فيلم »هاري بوتر والمقدّسات المميتة- الجزء الثاني« نجاحات فائقة حول العالم، يجد الصينيون أنفسهم غير قادرين على مشاهدة هذا الفيلم في الوقت الراهن بسبب قيام السلطات بتأخير موعد عرضه٠
»هاري بوتر....« ليس الوحيد غير المعروض بل ينضم إلى قائمة من الأفلام الأميركية المنتظرة من بينها »ترانسفورمرز: الجانب المظلم من القمر« و»آثار السهرة 2«، والسبب لا يعود إلى عدم وجود صالات، او إلى خشية السلطات منافسة هوليوود لأفلامها، ولو أن هذه الخشية دافعاً أساسياً لتدخل الدولة في توقيت عروض الأفلام الأجنبية، بل إلى حقيقة أنها تريد لفيلم معين من انتاجاتها الإنفراد بالساحة وتحقيق أعلى قدر من الإقبال٠
الفيلم هو »بداية نهضة عظيمة« الذي انطلق للتوزيع المحلّي في الشهر الماضي وأنجز إلى الآن  أكثر من  46 مليون دولار- هذا إذا ما صدّقنا الأرقام التي وفّرتها المراجع الصينية. ليس أن الرقم كبير لا يمكن تصديقه، لكن الحاصل أن موقعاً صينياً  مستقلاً نشر قبل أسابيع ما يثبت أن بعض التذاكر المباعة لأفلام صينية أخرى،  جيّرت إيراداتها لكي توحي بأن الفيلم إنما يلاقي إقبالاً كبيراً٠
إنه فيلم تريد الصين من رعاياها مشاهدته، فهو دعاية للحزب الشيوعي الصيني وحكم ماو زيدونغ  يؤرخ لقيام الحزب واستلامه الثورة ويجد في ذلك البداية الحقيقية لنشأة صين عظيمة انتصرت في مواقعها المختلفة ولا زالت تزدهر إلى اليوم بفضل ما أرساه الحزب من دعائم٠
لا يذكر الفيلم الإنعطاف الكبير نحو الإستثمارات الرأسمالية التي أمّتها الصين في الداخل والخارج، ولا عن تطويع النظام الإقتصادي الداخلي وتوجيهه ليخدم مجتمعاً بات يعيش على نظام استهلاكي شبه كامل٠
كما يفرض جهاز السينما في مصر عدداً محدوداً من الأفلام الأجنبية لأجل تشجيع السينما المحلية، هناك قرار صيني بأن لا يزيد عدد الأفلام الأجنبية المعروضة في الصين عن عشرين فيلم في السنة. وهي خطوة تشجّع الإنتاج المحلي الذي يبلغ عدده حالياً قرابة نحو 250 فيلم في العام تتوزّع على 6200 صالة،  لكنها تكشف عن أنه لو تم فتح باب التنافس حرّاً وعلى مصراعيه، لتأثّرت السوق المحلية بشدّة نظراً لأن أهواء المشاهدين الصينيين وميولهم الحالية ليست في أفلام محلية بالضرورة، بل فيما توفّره السينما الأميركية من أعمال خيالية جاذبة إن لم يكن لشيء فلأن السينما الصينية لا تحقق مثلها. صحيح أن كبار المخرجين الصينيين من طاقم زانغ ييمو وتشن كايغي صاروا منشغلين بأفلام فانتازية من التاريخ الصيني، لكن الصحيح في المقابل هو أن هذه الأفلام تبقى صينية تواصل الحديث عن عهود سابقة لعقود وقرون سبقت ولادة الحزب الشيوعي الصيني في حين تحفل السينما الهوليوودية بأنواع عديدة من الأفلام من بينها الخيال العلمي والفانتازي الغرائبي والكوميدي وأفلام الحركة والمغامرات ومعظمها من الإنتاجات المكلفة.
وعبثاً حاولت هوليوود، مرّة تلو المرّة، دعوة الصين إلى فتح أسواقها إلى إنتاجاتها، وفي كل مرّة يلتزم الصينيون بمبدأ «ابتسم عوض أن تقول لا«. آخر هذه المرّات كانت في مطلع هذا العام عندما تداعى منتجون (من بينهم ستيفن سبيلبرغ) لرفع سقف المسموح به من أفلام أميركية وذلك  بمناسبة مهرجان شنغهاي السينمائي الأخير٠
Let the Bullets Fly |                                                                دع الرصاص يطير

سبب الإهتمام يعود إلى أن صالات السينما الصينية تنجز إيرادات تغري هوليوود باقتطاع ما تستطيع منها. فحصيلة العام الماضي من الإيرادات بلغت  بليون و570 مليون دولار. هذا بزيادة لم تسجلها دولة أخرى من قبل مقدارها 64 بالمئة عن العام الأسبق. المماثل في أهميّته أن نسبة الإيرادات الأميركية من هذه الحصيلة بلغت 44 بالمئة على الرغم من قلّة عدد الأفلام الأميركية المعروضة- حسبما كشفت صحيفة »ذ نيويورك تايمز« مؤخراً.
 لكن في حين أن الأفلام الأميركية معروفة بتعدد أنواعها، فإن السينما الصينية عرفت كيف تستفيد من ظاهرة الإقبال عليها. بعض أهم النجاحات الأخيرة فيلم بعنوان »دع الرصاص يطير« مع يون فات تشو حول عصابات متناحرة في العشرينات، و»مدينة الحياة والموت« وهو واحد من عدد متزايد من الأفلام الصينية حول فترة الإحتلال الياباني للصين. االعودة إلى التاريخ ملجأ للهرب من طرح الحاضر. لذلك فإن »بداية نهضة عظيمة« يبدو فيلما "عصرياً" بالمقارنة٠
2 |  تقارير
الصورة النسائية مهتزّة وأفضلها أبعدها
Meek's Cutoff                                                        |                              وقفة ميك     

بينما ليس مطلوباً من  فيلم »ترانسفورمرز: الجانب المظلم من القمر« تغيير وجهته لكي يوفّر صورة أنثوية جيّدة، الا أن اختياره تقديم المرأة كموديل جنسي ولا شيء أكثر من ذلك، هو إدانة لمنهج كامل من الأعمال التي لا مكان فيها لتقديم المرأة كمشارك فعلي في مجتمع قابع، كما نرى في ذلك الفيلم، تحت خطر الدمار الشامل.
على عكس »أليانز« حيث سيغورني ويفر هي شريك قرار ومقاتل شديد المراس ضد الوحش الفضائي، فإن »ترانسفورمرز 3« ليس سوى حوارات لاهية في مشاهد ترسم صورة متوقّعة وليست واقعية للمرأة كحضور جذّاب تماماً كقطعة ديكور في منزل مرفّه. لا هم لبطلته (روزي هنتيغتون وايتلي) سوى التأكيد لبطل الفيلم (شايا لابوف) بحبّها وإخلاصها له ولو أنها تعكس في مشاهد أخرى قربها من رئيسها في العمل (باتريك دمبسي) واهتمامها البالغ بمظهرها المؤلّف من سيارة مرسيدس يزيد سعرها عن 120 ألف دولار، ومن قطعة ملابس قصيرة الأطراف كما لو أن حبّها لبطل الفيلم يعني أيضاً رغبتها في جذب سواه.
ليس أن بطل الفيلم هو بطل فعلي. صحيح أنه أنقذ العالم مرّتين من قبل كما يردد في الفيلم، لكنه شخصية قلقة ومفرطة في الحيرة ما يجعل المسألة بأسرها إطاراً لا قيمة له علي الصعيد الشخصي٠
نجد مثيلاً لذلك في فيلم »هاري بوتر« الجديد. هاري (كما يؤديه دانيال ردكليف) هو كل شيء في الفيلم- وهذا مقبول ضمن شروط اللعبة، لكن هل هذا مبرر لإبقاء الممثلة المفترض بها أن تكون شريكته في المغامرة (إيما وتسون) مجرد ظل لا فعل له؟
والمشكلة أكثر فداحة حين يقصد الفيلم أن يتحدّث عن المرأة فيختار نموذجاً سيئاً لها: هي أستاذة جانحة وسيئة لا تتمتع بالمواصفات السلوكية الصالحة في »معلّمة سيئة« (كاميرون داياز)، وهي أستاذة لا تؤمن مطلقاً بما تقوم به في »لاري كراون« (جوليا روبرتس). أما في »مونتي كارلو« فبطلات الفيلم الثلاث لا يعكسن سوى مناسبة فطرية للضحك والتندّر ولا شيء عن ملكية ثقافية او قدرة إنسانية من أي نوع٠
وإنه من الغريب إلى حد بعيد، أن يكون أحد أفضل الأفلام التي قدّمت المرأة جيّداً في الأشهر الإثنا عشر الماضية واحد بعنوان »وقفة ميك«٠
إنه فيلم لم يشاهده الا حفنة من الذين اكتشفوا وجوده بعد عرضه الدولي الأول في مهرجان "فانيسيا". في الولايات المتحدة حين تم إطلاقه، انزلق بعيداً عن الأعين من أسبوعه الأول وعلى نحو لا يدعو للتعجّب في وسط الوضع السائد على جانبي الفيلم: السينما والجمهور٠
فيلم وسترن من إخراج كيلي رايشارد وبطولة ميشيل وليامز وزو كازان وشيلي هندرسون يتحدّث عن قافلة من الرجال والنساء في طريقها عبر البراري إلى الغرب الأميركي. الخط ليس جديداً في سينما الغرب الأميركي، لكن بعض ما هو مختلف هنا، هو أنه عن المرأة التي كان القرار يؤخذ من دون مشاركتها في مثل هذه المسائل المصيرية في حياة الأسرة، والتي تتمرّد على الوضع فتبدأ بالتدخل في تلك القرارات وتسيير القافلة وتحديد من تثق به ومن لا تثق به من أشخاص وقرارات
إنه ليس فيلم بطولات لمجموعة من الرجال المتحاربين حول من يسيطر على ماذا، بل عمل يعمد إلى دراسة واقعية (من دون أن يكون شكله واقعياً) لكيف كان عليه حال الغرب الأميركي وشظف العيش وما تكبّدته المرأة خلاله من مشاق في سبيل خلق فرص الحياة في المكان الذي قررت الهجرة إليه. الغرب الأميركي، من هنا، يبدو المؤسس لا لبيئة اجتماعية غربي نهر المسيسيبي فقط، بل للمرأة حين قررت أن تختار مستقبلها وتفتح آفاق الحياة الجديدة بنفسها٠

شخصيات | ج. إدغار هوڤر حسب كلينت ايستوود

دخل المخرج والممثل كلينت ايستوود مرحلة ما بعد التصوير لفيلمه الجديد " ج. إدغار" الذي كان تصويره بدأ في السابع من شباط/ فبراير الماضي، أي بعد نحو سنة من قيام دستين لانس بلاك، الكاتب الذي نال الأوسكار عن سيناريو "ميلك" قبل ثلاثة أعوام، بوضع سيناريو هذا الفيلم.
ايستوود لا يمثّل في هذا الفيلم، وآخر مرّة وقف فيها أمام الكاميرا كانت قبل عامين حين أقدم على بطولة وإخراج »غران تورينو«، لكنه هو أحد منتجي هذا الفيلم لجانب كل من برايان غرايزر ورون هوارد وروبرت لورنز. ما حرص عليه ايستوود هو الإستعانة بمدير تصويره الدائم توم ستيرن ومونتيره المفضّل جووَل كوكس.

ما هو مُثير هنا حقيقة أن إيستوود (81 سنة) لا زال في عنفوان مهنته، ينجز أعماله بصورة متواصلة ولا يخطأ الخطوات فإذا بكل ما ينجزه يحمل ما يكفي من سمات فنيّة وإجادة تنفيذية ما يجعله حدثاً مهمّاً على صعيد السينما الأميركية وصعيد السينما ذات المواصفات الفنية الجيّدة عالمياً.
لكن هناك عاملاً آخر سيضيف إلى »ج. إدغار« المزيد من الأهمية هذه المرّة: الفيلم دراما بيوغرافية عن شخصية لوّنت بفكرها وسلوكها الحياة السياسية الأميركية لأكثر من أربعة عقود. فالفيلم هو دراسة عن حياة ومهنة ج. إدغار هوڤر، رئيس مكتب المباحث الفدرالية (الأف بي آي) الذي تسلّم المنصب مباشرة بعد مساهمته في تأسيس الوكالة المعروفة سنة 1935 وحتى وفاته العام 1972 عن سبع وسبعين سنة. خلال فترته تلك مرّ في سمائه أكثر من رئيس جمهورية، بدءاً من فرانكلين روزفلت وصولاً الى رتشارد نيكسون، أي مروراً بهاري ترومان ودوايت أيزنهاور وجون ف. كندي ثم ليندون جونسون.

شخصية هوڤر الغامضة
هوڤر عُرف بتشدده كمحافظ يميني منذ أن قاد حملة التصدّى للشبكات النازية التي كانت بدأت تعمل في الولايات المتحدة. لكن الإهتمام انتقل بهوڤر، وبالعديد من المحافظين الأميركيين وفي مقدّمتهم السيناتور جوزف مكارثي، الى التصدّي إلى ما عُرف بالراديكاليين والمثقّفين اليساريين كما النقابيين في الإتحاد العمّالية، الذين تم اعتبارهم شيوعيين. والحقيقة هي أنه كشف خلايا شيوعية في الولايات المتحدة (وساعد في الكشف عن خلايا مماثلة في بريطانيا) لكن هذه الخلايا لم تكن مؤلّفة من سينمائيين ومسرحيين وكتّاب ومبدعين ومثقّفين بالضرورة، بل كان هؤلاء في عمومهم، مجرّد يساريين او يساريين متعاطفين مع المباديء الشيوعية بدرجات متفاوتة. ما كانت تتألّف منه تلك الخلايا عناصر مدرّبة على التخريب والجاسوسية. وفي حين أن الرئيس ترومان أثنى على هوڤر وجهده في سبيل الحفاظ على أمن أميركا، يُقال أن ليندون جونسون لم يكن يميل إلى بقاء هوڤر على كرسي رئاسة الأف بي آي وفكّر في إعفائه، لكنه خشي على مستقبل هذه المؤسسة الأمنية إذا ما تركها هوڤر او نُحّي عنها، كما يقول بعض المؤرخين
هذا، يَعِد فيلم ايستوود، سيكون مطروحاً في فيلم يتولّى ليوناردو ديكابريو بطولته (في دور هوڤر) محاطاً بناوومي وواتس، جوش لوكاس، أرمي هامر جودي دنش، من بين آخرين عديدين. وإذ يبدو المشروع، من وجهة نظر المتابع لأفلام ايستوود، ملائماً لمخرج اعتبره النقاد يمينياً ولم ينفِ هذا الإعتبار مطلقاً، الا أن فيه جانباً آخر قد ينسف التوقّع بأن الفيلم سيحمل وجهة نظر يمينية: السيناريو الذي كتبه بلاك يدور حول ما تردد من أن هوڤر كان شاذاً جنسياً. أنه كان على علاقة وطيدة مع نائبه، وأنه كان يؤم الحفلات الجنسية الجماعية وأنه شوهد، في حفلتين منها على الأقل، يرتدي فستاناً أسود اللون.
لكن في حين أن ذلك جائز بطبيعة الحال، الا أنه من المحتمل أيضاً أن لا يكون أكثر من شائعات ردّدها أعداء لهوڤر بغية اغتيال سمعته. من هؤلاء الأعداء الروس كما المافيا المنظّمة (التي يُقال أنها مسكت على هوڤر وثائق في هذا الصدد جعلته يحجم عن التصدّي لها). إلى ذلك كلّه، الكاتب بلاك، وهو شاذ بدوره، مهتم بالحديث عن المثليين كما عبّر في فيلمه "ميلك". لكن في حين أن ذلك الفيلم تحدّث بإيجابية عن شخصية بطله هارڤي ميلك (قام به شون بن) الذي كان سياسياً شاذّاً، لابد له أن يتحدّث هنا سلبياً عن شخصية هوڤر، كون بلاك  من الواقفين يسار خط الوسط بنفسه٠

تغيير مكان
هنا تدخل اعتبارات  أخرى بالغة الأهمية٠
معظم النقاد إذ يعتبرون كلينت ايستوود مخرجاً يمينياً ينسجون هذا الموقف من حياته الخاصّة التي عُرفت بتعاطفه مع الحزب الجمهوري، ومن أفلامه الأولى خصوصاً حين كان يلعب شخصية التحري هاري كالاهان، المعروف بـهاري القذر. الفيلم الأول كان سنة 1971 وهو الذي نصب التقليد الذي سار عليه معظم أبطال الشخصيات البوليسية (من شوارتزنيغر وستالوني إلى تشاك نوريس وستيفن سيغال مروراً بعشرات غيرهم) لكن ايستوود غيّر إتجاهه مستبدلاً ذلك التوجّه بقناعات جديدة يمكن تحديد بدايتها في فيلم «غير المسامَح» (1992) حين أظهر شريف بلدة (جين هاكمن) بالغ السادية والإعتزاز بنفسه وشديد العنصرية يتصدّى لصديق ايستوود في الفيلم (مورغن فريمان) ويقتله لسواد بشرته ولو بإدعاء أسباب أخرى، وكيف أصر المقاتل المتقاعد بل موني (ايستوود) على الإنتقام من الشريف وجماعته. المشهد الكاشف عن موقف الفيلم هو ذلك الذي يرفض فيه الشريف رؤية الواقع، فبيته (رمز الوطن) يخر ماءاً حين تُمطر، لكنه لا يريد الإعتراف بذلك. هذا إلى جانب المعالجة الشاملة التي لا تترك شكّاً في أنه معتدل التفكير مستعد لتقديم نقده للنظام عموماً.
بعد خمس سنوات، وفي فيلم آخر اشترك في تمثيله جين هاكمن وكلينت ايستوود بعنوان »سُلطة تامّة« رأينا رئيس الجمهورية الأميركي يقوم بقتل إمرأة ليل ولو من دون قصد.
مزيد من الدلالات تواردت حتى العام 2006  حين أخرج »رايات آبائنا« الذي انتقد فيه الإعلام والأكاذيب التي قد يبتدعها لبث روح وطنية و»رسائل من إيوو جيما« حول شجاعة المحارب الياباني في دفاعه المستميت عن جزيرة إيوو جيما.
ما هو أهم ملاحظة مراجعة ايستوود لمواقفه في فيلم »غران تورينو« (2009) حيث يقدّم نفسه كشخص محافظ جدّاً وعنصري بالسليقة، يتلوّن قليلاً ويكشف عن استعداده لفهم وتبنّى الآخر حينما تواجه العائلة الفييتنامية التي تسكن بالقرب منه معضلة سوف يدفع حياته ثمناً لحلّها.
ذلك كله بحاجة الى تحليل أكثر تحديداً لا يتّسع المجال له هنا، لكن »هوڤر« قد يصلح لوضع الأمور في نصابها. والمؤكد أن الشخصية كما يؤديها ليوناردو ديكابريو ستختلف عن تلك الشخصيات التي رسمتها الأفلام السابقة عن رئيس مباحث الأف بي آي. إذ أن هناك ما لا يقل عن ثمانية عشر فيلماً قدّمت ج. إدغار هوڤر معظمها في سياق سرد مختلف يمنح هوڤر تواجداً محدوداً. من بين هؤلاء الممثل تريتي ويليامز في »هوڤر ضد آل كندي« (1983) وكَڤن دَن في »تشابلن« (1992) ثم بوب هوسكينز في »نيكسون« (فيلم أوليفر ستون سنة 1995) وآخر المجسّدين كان بيلي كرودب في فيلم مايكل مان الحديث »أعداء عامّون« او
Public Enemies  سنة 2010
ملاحظات وثائقية الحقيقة ونصفها في أفلام روبرت فلاهرتي الإنسانية

في واحدة من القصص التي تم كشف النقاب عنها خلال العام الماضي، نجد المخرج الأميركي روبرت فلاهرتي يسطر حكاية يقول أن صيّاداً من الأسكيمو رواها له حين التقاه في أحد الأسواق. 
قال الصيّاد، وأنقل هنا ما ورد موجزاً إذ تمتد الحكاية لأكثر من عشر صفحات في المجلة التي نشرتها، أنه قرر وعائلته الكبرى، من زوجات وأولاد وزوجات أولاده وأولادهم وكلابهم جميعاً، الرحيل من الموطن الذي كانوا يعيشون فيه وذلك بعد كثير من النقاش. فالبعض منهم لم يكن مع هذا الرحيل. عارضه لأن أحداً لا يعرف ما الذي سيؤتيه ذلك.  لكنهم في النهاية استجابوا للدواعي بعدما أخفقنوا في ايجاد الطعام اللازم لهم ولكلابهم التي أخذت تنحل وتتساقط ميّتة بفعل الجوع. تلك الكلاب، يقول الصيّاد، كانت تُطعم للكلاب الحيّة لعلها "تسند بطنها". لكن خطر الجوع بقي ماثلاً والصيد لم يعد متوفّراً ما استدعى قيام الرحلة
يكمل الصيّاد فيقول أنه وصل إلى الساحل بعد عاصفة ثلجية كبيرة ومن هناك استقل وأفراد عائلته الواسعة قاربين وانطلقاً صوب موقع تردد أنه جزيرة أخرى يتوفّر فيها الطعام والماء. الرحلة استغرقت بضع أيام وقبل الوصول غرقت إحدى المركبتين بمن فيها وماتوا. الصيّاد ومجموعته وصلوا إلى اليابسة البيضاء حيث وجدوا أمامهم أرضاً قاحلة، لكن وجودهم عند الشاطيء جعلهم يعتاشون من طيوره وأسماكه والحيوانات البرمائية التي عليه. ثم بدأ التقشّف مرّة أخرى، وعاني الجميع من اختفاء الطعام من جديد، ومن عواصف أودت ببعض الأفراد ما دفع الصياد ومن بقي من عائلته إلى العودة من حيث جاؤوا. حين وصولهم إلى الساحل حيث سوق البلدة التقى بروبرت فلاهرتي، الذي يقال عنه سيّد السينما الوثائقية وأوّل من عمل لها وقصّ له ما حدث له.

طبعاً لا دلائل على أي شيء من هذا، لكن لماذا يفبرك صيّاد مأساة كهذه إذا لم تقع معه؟ فلاهرتي لم يشك فيها ونقلها بأسلوب القصّاص نقلاً عن الصيّاد. لكن ليس القصّاص الروائي، بل القصّاص التسجيلي، ذاك الذي يرصد الأحداث بتفاصيل ويؤمها كأحداث واقعية. تماماً كما سرد المخرج أفلامه الوثائقية التي دار بعضها في مجاهل الأسكيمو وولاية ألاسكا ناقلاً شريحة حياة كانت بالغة الغرابة. فإذا ما كانت الوثائقيات اللاحقة بكاميرات مخرجين آخرين نقلت الصحارى العربية والغابات الأفريقية والمجاهل اللاتينية، فإن ما خصّه فلاهرتي هنا هو الحياة فوق البساط الأبيض في تلك الصقاع البعيدة حيث اختار ذات يوم قبل مئات السنين، او ربما ألوفها، شعب (او شعوب؟) العيش هناك بادعاً وسيلة تأقلم ناقلاً إلى الغير الشبه الكامل بين الإنسان والحيوان، فالدب لا يستطيع العيش في الصحراء، ولا الجمال تعيش في الصقيع القطبي.  لا النخيل ينمو في الدول الإستوائية، ولا غاباتها تعيش على أطراف البحر المتوسّط. لم لا يكون هذا حال البشر او بعضهم على الأقل؟
Nanook of the North                                 |                                    نانوك الشمال

أنجز  فلاهرتي، الذي وُلد سنة 1884 ومات عن 67 سنة في الثالث والعشرين من تموز/ يوليو سنة 1951 فيلمه الأوّل "نانوك الشمال" سنة 1922 الذي، إذ تنظر إليه الآن، لابد أن ينتابك السؤال حول ما الذي حدث لتلك البيئة ولبشرها أجمعين، وأن تلاحظ عالماً بكامله اختلف عما نعيشه اليوم كمن لو أننا غيّرنا الكوكب الذي نعيش فوقه. كنا فوق "الأرض- 1" وأصبحنا فوق "الأرض - 2"، بلغة صانعي الخيال العلمي٠
كان فلاهرتي طمس في ثلوج الأسكا قبل تصوير هذا الفيلم الطويل (نحو ثمانين دقيقة) ببضعة أشهر حين جاء ليصوّر فيلماً قصيراً لصالح إحدى شركات المناجم. لكن إذ عاد لتحقيق هذا الفيلم عاد ليبقى راغباً في نقل الحياة كما هي فيما يُعتبر أول فيلم وثائقي في العالم٠
لكن هذا الإعتبار قد لا يكون صحيحاً لأننا بذلك نبخس الأفلام السابقة له، التي قامت على تصوير فعل واحد ما من دون خيال او رواية، حقّها. فعلى بساطة تكوين "وصول القطار إلى المحطّة" او "مغادرة القطار القدس" او "عرب سويسرا"، وكلّها أفلام نصّت على لقطة طويلة واحدة خلت من أي إدارة لمن يظهر فيها او من طرف لحكاية، هي أفلام وثائقية أيام لم يكن هناك من ينعتها بذلك.
بالنسبة لفلاهرتي، فإن الغاية كانت تصوير عائلة الصيّاد نانوك لمدّة عام واحد. والفيلم يتابعه وأفراد عائلته في حياتهم داخل البيوت الثلجية تلك وخارجها. يرصد عاداتهم. يقف على طريقتهم في الحياة ويلحظ كيف يصطادون وماذا يفعلون بصيدهم ولا يغفل عن إظهار قدر اعتمادهم على كلابهم ورعايتهم لها.
هذا كلّه جميل وموح لولا أن المشاهد إذا ما كان قرأ سابقاً عن الفيلم، فإنه من المحتمل أنه قرأ أيضاً عن أن ليس كل ما يشاهده هنا منقول كما هو.  المثال الأكثر إنتشاراً في هذا الصدد هو ما قيل من أن المرأ التي تم تقديمها على أساس أنها زوجة نانوك لم تكن زوجته فعلياً. ولا يجد الواحد منّا بدّاً من طرح الاسئلة حيال ذلك الإدّعاء: لماذا جلب فلاهرتي ممثّلة لكي تبدو كما لو كانت زوجة نانوك؟ ماذا عن زوجته الحقيقية؟ لكن في المقابل، هل هناك دخان من دون نار؟
من ناحية ثانية، تتبدّى لك بعض المشاهد كما لو كانت مرتّبة. ومن السهل هنا ترتيب تلك المشاهد لتبدو حقيقية. فالمخرج يستطيع أن يطلب من أحد أبناء نانوك التسبب في معركة بين كلبين وذلك لتصويرها، او من نانوك، الذي ربما عاد من الصيد لتوّه، أن يذهب إلى نقطة أخرى ويحفر حفرة في الثلج لصيد السمك كعادة أبناء قبيلة إنويت التي ينتمي إليها.
 لكن ذلك، وبقدر محدود، أمر لابد منه. صحيح أنه ينحو بالوثيقة صوب التسجيل، لكن أليس من المعادي للفيلم أصلاً مجرّد تصوير الأمور كما تقع حتى ولو لم تقع بإيقاع وتوال مطلوبين؟

ما يمنحنا إياه هذا الفيلم هو بادرة فلاهرتي لتصوير حالات معيّنة تكشف أن ما استرعى انتباهه في المقام الأول هو غرابة العيش وسط عناصر الطبيعة القاهرة. قوّة الإنسان ضد الطبيعة ذاتها، وفنون حياته تبعاً لمقوّماتها وشروطها. هذا لأن أفلامه اللاحقة، مثل »العصر الذهبي" و"رجل أران" صوّرا في مناطق متباعدة لكي تنقل المفاد ذاته. هذا المفاد، او الرسالة إذا شئت، اكتسبت تطوّراً مهمّاً حين انتقل المخرج من تصوير البراري إلى تصوير المدن. فالمدينة في أفلامه اللاحقة في الأربعينات مثلاً، كانت محط صراع ليس بعيداً عن صراع الإنسان في البرية الموحشة: هذه المرّة هو صراع الإنسان ضد الصناعات. الروح البشرية ضد الآلة. وهو موضوع حيكت فيه العديد من الأفلام الروائية وغير الروائية. ضد الآلة او ضد الذين يتبنّونها. ففي فيلمه "الأرض" سنة 1942 رأيناه يوجّه اهتمامه إلى الزراعة. الإنسان لا يزال المحور. الظروف المغايرة هي السماء التي تظلله. إنه فيلم جيّد وطويل النفس حول أناس الأرض وكيف يعيشون فوقها. فجأة تدرك أن المسألة عند فلاهرتي، زوّر بعض مشاهده في "نانوك الشمال" أم لا، هي إنسانية يتابع من خلالها حياة نابضة تعيش على كفاف. تزرع وتثمر وتقطف ولا ينالها سوى ضن الحياة عليها٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2007- 2011٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular