Jul 12, 2011

ثائر بلا قضية- الحلقة الثالثة من دراسة حول برناردو برتولوتشي | ماذا حدث لجيل الثمانينات؟ | عودة الوحش النووي | سينما تركية في بيروت

Year 5 | Issue 650                                                                             

سنوات ضوئية |  محمد رُضا
 ضد العالم
انتبه يا أيها القاريء: عليك أن تخرج مما أنت عليه -بصرف النظر عما أنت عليه- وتتطلّع إلى ما أنت عليه من الخارج ولو إلى حين. لا تخف. لا تخشى أن تفقد طريق العودة إلى حيث كنت. تستطيع أن تفعل ذلك بسهولة. عليك أن تكتشف منظرك من الناحية الأخرى.
أخرج من رأيك المسبق الذي يتحكّم بكل رؤيتك الى كل شيء ثم عد إلى حيث تريد. اكتشف القيمة الفعلية للحياة. لقد خلقها الله تعالى ثرية وغنية ومتوفّرة الأشكال. كل شيء فيها متعدد وأكثر من جنس واحد: النمل ليس واحداً، بل هناك البني والأسود والأبيض. هناك الكبير والمتوسّط والصغير جدّاً. التين... هناك الأبيض والأسود والأخضر والذي يشوبه الإحمرار. الطيور بالآلاف. أشكال أوراق الشجر بالألاف. أنواع العشب والشجر في البر والبحر بمئات الألوف. رمل الصحراء يختلف في سيناء عنه في صحارى عُمان وتلك عنها في صحارى الهند وتلك عنها في صحاري أريزونا. الأسماك متعددة طعماً وشكلاً وألواناً. ونحن جزءاً من هذا التنوّع ولو أننا نعيش على هذه الأرض كما لو كان علينا أن نكتفي بما نحن عليه. إذا ما نشأنا على شيء، فنحن بالفعل ننشأ عليه حتى الموت.
فكّر معي٠
هناك مجاعة أفريقية قريبة يعاني منها المسلم في الصومال. لمَ المساعدات أجنبية وليست عربية؟ ألم يخبرني أحد أن الصومال "بلد عربي"؟
هناك أطفال شوارع في القاهرة لمَ لا يوجد من يعتني بهم بإستثناء الهيئات التي تحتاج لمن يعتني بها لكي تستطيع إنجاز عملها؟
هناك مئات ألوف الشباب العربي الذي يريد أن يحقق طموحاته فقط ليجد أن جدراناً كبيرة تُحيط بطموحاته. لم ليس هناك من يكسر له هذه الحواجز؟
 هناك من يرمي القمح في البحر لكي لا ينزل سعر الرغيف... لماذا هذا العالم الواسع بقوانينه لا يتدخل لحماية الشعوب من هذا الإرهاب؟
هناك من يبيت لياليه جائعاً. آباء يبكون بصمت لأنه لا يستطيع إطعام عائلته او دفع تكاليف علاج او رسوم مدرسة؟ لم لا يكترث أحد؟
هناك تأسيس لمجتمعات تتألّف من أقلية بالغة الثراء تقود كل شيء. أنت -بالنسبة إليها- رقم في البورصة. لا قيمة لك إلا إذا دفعت لها. اشتريت منها. أفدتها. لكن من يهتم بك؟
هناك خطّة فعلية ممارسة تقصد أن نفكّر بطريقة واحدة. نتصرّف بسلوك واحد. نشاهد البرامج نفسها. نجهل ونرمي الثقافة كلها. نقبل على الغث والرديء. نفقد هويّاتنا الإجتماعية وبعدها الشخصية . خطّة وضعتها المراكز الإقتصادية لترويج السلع الأولى. حتى يزداد المالكون ثراءاً عليك أن تكون من يدفع ولكي تدفع عليك أن ترتدي الثياب ذاتها وترقص بالطريقة ذاتها وتشتري السيارة الجديدة وتستبدل الكومبيوتر او الهاتف كل ستة أشهر . لكي تنتمي الى العصر، يقولون لك، عليك أن تتجدد وأن تفهم في الجديد والتكنولوجيا وأن تنبذ التفكير القديم٠
هل تقرأ ما أكتب؟ هل تفهم ما أقول؟ أين أنت من مؤامرة تستهدف الإنسان الذي فيك؟ تحويلك إلى مستهلك تشتري من الخارج وتعيش ٠ والرد عند البعض: أن تعيش في الطرف الأقصى فتبقى جاهلاً وضد التنوير والحياة الحقّة مؤمناً أن دورك أن تدمّر حياة الآخرين بإسم الدين

الناس تعيش في مكعّبات. تلك التي فوق الخط وتلك التي تحته. تلك التي فوق الخط ترتفع. تلك التي تحته تهبط. كلما ارتفعت الى فوق دست على الذين تحت. وحين تدوس... إنما تدوس على إنسانيّتك٠
لماذا أكتب هذا؟ لوميض أمل في أننا يوماً نستطيع الخروج من الصندوق الذي بات سجناً وننظر إلى الحياة من جديد. أعتقد أننا سوف لن نرضى العودة الى الصندوق بعد ذلك٠


تقارير
 ماذا حدث لجيل الثمانينات: سبايك لي، جيم جارموش والآخرون؟
محمد رُضا

سبايك لي سيعاود إخراج الفيلم الكوري "أولد بوي"٠

يثير التعجّب كيف أن النقاد، من دون تحديد هوية كون الظاهرة منتشرة، باتوا ينسون قبل سواهم المخرجون الذين لمعوا ولو في الفترة القريبة من أيامنا الحالية. لا نتحدّث عن  الفرنسي لوي مال والبولندي كريستوف زانوتسي والإيطالي إيليو بتري والمجري ستفيان شابو والبريطاني كن راسل وسواهم  من مخرجي السبعينات ومطلع الثمانينات، فهذا قد يكون صعباً على ذاكرة البعض، بل عن المخرجين الذين ثابروا على الإبداع من أواخر الثمانينات وحتى السنوات الأخيرة من التسعينات، ثم غابوا عندما واصلت الرياح الجري بما لا تشتهي أنفسهم.
نتحدّث بالتالي عن سبايك لي الذي قدّم "حمى الغابة" و"مالكولم أكس" و"كروكلين" و"أفعل الشيء الصحيح" وعن ديفيد لينش الذي أعتبر اكتشافاً في العام 1988 عندما قدّم "مخمل أزرق" وتبعه بـ "متوحش في القلب" و"الطريق المفقود" و"قصّة ستريت".
عن جيم يارموش، المبدع الذي جعل من أفلامه الصغيرة أساطير جميلة مثل "قهوة وسجائر" و"أغرب من الجنّة" و"القطار الغامض" و، قبل بضع سنوات "زهور مكسورة".
ثم عن ألكسندر باين الذي أحب النقاد فيلمه الأخير "طرق جانبية" (2004) والذي سبق له وأن قدّم جاك نيكولسون في دور رائع في فيلم بعنوان "حول شميد" (2002)، وجون سايلس، المخرج غير المقدّر (ولا المُشاهَد كفاية) صاحب أفلام جيّدة تحمل قضايا مثل  "لون ستار" و"رجال مسلّحون" و"مدينة فضيّة" وأميغو" (آخرها).
وهناك العديد ممن تابعهم المرء في المهرجانات كما في العروض التجارية القليلة التي أتيحت لهم. ممن شغلوا أنفسهم بمسائل فنية مهمّة غلّفت ما لديهم سرده وقصّه من حكايات الشخصيات التي لديها ما تشغلنا به من مسائل هي منّا وفينا او، في أسوأ الأحتمالات، تهمّنا لأنها حقيقية ومتعارف عليها٠
ما الذي حدث؟
ألكسندر باين حين أخرج "عن شميد" بطولة جاك نيكولسون

 من أين نبدأ؟ التكنولوجيا المتقدّمة بعناد لإخماد الأنفس المستقلّة في حياة اليوم وتحويل الناس الى أجساد مسلوبة من أرواحها. الحكومات التي إما لا تكترث او ليس لديها مال لتكترث. الناس التي لم يعد يشغلها من السينما سوى البوب كورن والكثيرون الذين يرضون بترك الجزء المفكّر من الدماغ عند باب الصالة قبل دخولهم٠
هناك بعض الحركة عند عدد من هؤلاء المذكورين٠
في حين أن جون سايلس منكبّاً على كتابة وتصليح سيناريوهات لكي يعتاش، نجد أن المخرج ألكسندر باين سيعود الى الظهور في أواخر هذا العام حال ينتهي من مراحل بعد التصوير من فيلمه الجديد "الأحفاد" متمتّعاً بتأييد جورج كلوني في دور البطولة.
جيم جارموش أنجز كتابة فيلم يستعد للبدء بتصويره مزوّداً بتأييد بضعة ممثلين يهتمّون بالقيمة الفنية في أعمالهم ومنهم تيلدا سوينتون وجون هيرت ومايكل فاسبندر. الفيلم لا يزال بلا عنوان.
مثل حال جون سايلس، يبحث ديفيد لينش عن التمويل وحسب آخر المعلومات عنه، فإن المخرج ذي الأسلوب البصري النافذ، ليس لديه أي مشروع حالياً بإستثناء تحقيق بضعة أفلام قصيرة أقدم على تصوير آخرها قبل أسابيع تحت عنوان "قبّعتان".
هذا يتركنا مع المخرج الأفرو- أميركي سبايك لي، الذي وبعد سنوات من عزلة مماثلة وقّع اتفاقاً على إخراج "أولدبوي"، وهو سيكون عن نص بنفس العنوان أخرجه الكوري بارك تشان ووك وترك تأثيراً كبيراً على من شاهده قبل نحو سبع سنوات.
"أولدبوي" يتحدّث عن رجل يتم خطفه ووضعه في زنزانة كبيرة من قبل مجهول حيث يتحوّل المكان الى تحضير نفسي كبير يسبق إطلاقه من جديد لتقع المواجهة بين السجين وسجّانه. المشروع كان عرض على المخرج ستيفن سبيلبرغ منتجاً وول سميث ممثلاً، لكن هذا الزواج المهني لم يقع.
في النهاية قد يستطيع كل هؤلاء العودة وتعويض بعض خساراتهم عن السنوات التي مضت من دون عمل، لكن الخوف لا يزال يترصّد خصوصاً وأن عالمنا وصل الى حضيض ثقافي خطير يضيف عبئاً على الأفلام المستقلّة فعلاً ومبدعيها٠


غودزيللا .... الوحش النووي يعود

 يأتي التحضير لإطلاق بضعة أفلام غودزيللا في موعد مثير للإهتمام. هناك حلقات تلفزيونية يتم إعدادها أميركيا، فيلم طويل تم تصويره في جنوب أفريقيا وآخر إيطالي التمويل سيباشر بتحقيقه خلال الربيع المقبل. هذا إلى جانب عودة الوحش المنتظرة من خلال فيلم ياباني- البلد الرسمي لإطلاق هذا الوحش أصلاً.
ما هو مثير في الأمر هو المفاعل النووي الذي أصيب بدمار شامل نتيجة الزلزال الأرضي الذي ضرب اليابان في ربيع هذا العام، والرابط بين الإثنين موجود بشدّة، فالوحش الياباني العملاق الذي خرج من أعماق البحار أوّل مرّة سنة 1954 كان مميّزاً بين كل وحوش أفلام الخيال العلمي بأنه لم يكن نتيجة هجوم من كوكب آخر ولا هو سكان أرض منسية او جزيرة معزولة، كما في "كينغ كونغ"، بل وحش ينتمي الى الهجوم النووي الذي تعرضت إليه اليابان  حينما ألقت الولايات المتحدة قنبلتين نوويّتين. الأولى فوق هيروشيما بتاريخ السادس من آب/أغسطس سنة 1945 والثانية بعد ثلاثة أيام في العام نفسه.
بالنسبة لعديدين، كان ذلك الهجوم النووي إيذاناً بانتهاء الحرب الأميركية- اليابانية لصالح الولايات المتحدة. خطوة، يقولون لك، لابد منها والا لاستمر القتال بين الطرفين ربما لسنوات أخرى. بالنسبة لآخرين، هو هجوم أكبر حجماً من أي حرب والمرّة الوحيدة إلى اليوم التي استخدم فيها الإنسان القنبلة النووية ضد شعب آخر.
بالنسبة لليابانيين، كانت الكارثة مؤلمة وبالغة الأثر. نعم أنهت قدرة اليابان على مواصلة الحرب، لكنها زرعت في الوجدان الياباني جروحاً بليغة. "غودزيللا"، الوحش الخارج من أعماق البحار هو نتاج لتلك القنبلة ليس بتفسير علمي طبعاً، بل بتفسير سايكولوجي جماعي يمثّل الخطر الذي شهده اليابانيون والذين تسبب في هلع مستديم من ويلات تلك التجربة.  أفلام "غودزيللا" (او "غوجيرا" كما ينطلق يابانياً)، لم تكن عن الوحش ذاته، بقدر ما كانت عن الشعب الذي خرج من القنبلة النووية ليجد أنه مهدد بدمار شامل آخر. الرسالة الضمنية، هي معاداة للقنبلة النووية من ناحية ولأي حرب يمكن أن تقع لليابانيين من ناحية أخرى.
"غودزيللا" الأول، أخرجه الراحل إيشيرو هوندا ويحمل بصمات التجربة النووية في أكثر من مشهد. الهجوم المباغت وردّات فعل الناس العاديين نتيجة له. الدمار والموت مصوّران بمشاهد قريبة تتيح للمشاهد التفاعل إيجاباً (ولو عاطفياً) مع المادّة وترشده الى الربط بين الحاصل على الشاشة والذي حصل على الأرض قبل عشر سنوات او نحوها. ثم هناك مشهد المصابين المعالجين في المستشفى الذي استقاه المخرج من مشهد مماثل تم تصويره بعد سقوط القنبلة فوق هيروشيما.
فيلم آخر في الخمسينات ("غودزيلا يهاجم ثانية") قبل أن تنطلق السلسلة متتابعة في الستينات وتسجل وقعها الفاعل في الذات ورسالتها المعادية. لكن في حين أن هذه الأفلام كانت تستند الى تقنيات بدائية وميزانيات تحد من تطلّعاتها وسيناريوهات مكررة المواقف من فيلم لآخر، كان النقاد الغربيون مستعدون للمرور بها من دون الإلتفات إليها مكتفين بتحليل الأفلام الخيالية- العلمية الأميركية على اعتبار أن  عناصرها الإنتاجية أهم وبالتالي صياغاتها الفنية أكثر اكتمالاً. من حيث الرسالة السياسية، كان لمعظم تلك الأفلام الأميركية رسالاتها المحافظة ضد الخطر الماثل في التدخل الشيوعي وخطر انتشار أيديولوجيّته في الغرب.
لكن في قلب نحو عشرين فيلم ياباني شكّلت السلسلة الطويلة من أفلام غودزيللا، فإن طروحات تلك الأفلام كانت معنية أكثر بالوقع على الإنسان حاملة تحذيراً عالمياً لم يكترث له الا القلّة من احتمال إعادة الكرّة وتصفية الحسابات بسلاح الدمار الشامل٠



سينما تركيّة أخاذة شهدتها بيروت حوت على عسل وقرود
هوڤيك حبشيان

Bal |  عسل

أقيمت قبل أسبوعين تظاهرة مخصصة للسينما التركية الجديدة. سبعة أفلام اقترحت على الجمهور اللبناني على مدار خمسة أيام. الافتتاح لـ "عسل" لسميح كابلانوغلو الفائز بـ"الدب الذهبي" في الدورة ما قبل الأخيرة من مهرجان برلين. لجانب فيلمين للموهبة الأوضح في السينما التركية الحديثة: نوري بيلجي جيلان. "ثلاثة قرود" و"أوزاك" عرّفاه الى السينيفيليين المحليين. أما بقية البرنامج فتضمّنت افلاماً لأوجير كيجيلتان ("تاكيا"، الحائز جائزة عالمية) ومراد شكر الذي عرض له "هدف حياتي" وآخرين.
كانت هذه مناسبة مهمة للتعرف الى بعض الاتجاهات الجديدة في سينما لها حاضر لافت لها اطلالات متكررة في المهرجانات الدولية، غير انها مقلة وغير منتشرة تجارياً 
"عسل" (2010) يختتم به المخرج التركي سميح كابلانوغلو ثلاثية أطلق عليها تسمية "ثلاثية يوسف"، مؤلفة من "بيض" و"حليب" و"عسل". انه تمجيد للسينما التأملية التي رفعتها الى المراتب العالية أسماء كبيرة مثل عباس كيارستمي وأندره تاركوفسكي٠
ترافق الشريط ثلاث شخصيات: أب وأم وولدهما. يعمل الأب في استخراج العسل من عمق الغابات. ذات يوم يخبره ابنه يوسف البالغ السادسة من العمر، الذي يرافق والده الى تلك الأمكنة، بأنه حلم، لكن والده يمنعه، لسبب ما، من رواية هذا الحلم بصوت عال. ثمة علاقة قوية تربط الواحد بالآخر، والمُشاهد لا يعرف ما هو الحلم لأن يوسف يرويه لوالده همساً. في غضون ذلك، يهجر النحل المنطقة، وهذا ما يضع مصير العائلة في الخطر، وتأخذ الحوادث في التطور حين يواجه يوسف صعوبة في النطق ليتحول ذلك تدريجياً الى صمت، ولا أحد يستطيع شيئاً حياله. وفي حين يتسلق الوالد الغابات الجبلية، تحاول الأم تحفيز ابنها على الكلام. وتزداد أزمة العائلة حين يطول غياب الأب، لكن يوسف مقتنع بأنه سيعود، لذا يذهب للبحث عنه في جبال الاناضول الشاهقة.
يصنع كابلانوغلو، البالغ من العمر 48 عاماً، اسماً جديراً بالثقة منذ بضعة أعوام داخل الحصن المنيع للمهرجانات الدولية. انطلق بدايةً من مهرجان القارات الثلاث (نانت، فرنسا)، في تشرين الثاني من عام 2005. لم يكن يتكلم آنذاك لغة أخرى غير التركية، ما كان يعوق التواصل معه. شاب اربعيني خجول قليل الكلام، مثل أفلامه. في ذلك المهرجان حيث جاء ومعه "سقوط الملاك"، فاز بـ"المنطاد الذهبي"، الجائزة الكبرى في المهرجان. مذذاك يشقّ طريقه رويداً رويداً، بعيداً من الأنظار وبأقل قدر من الاستعراضية، صانعاً ما يعتقد انه شاطر في صناعته. "بيض" و"حليب" عُرضا في كلٍّ من كانّ والبندقية. في الأول خارج التشكيلة الرسمية، اما في الثاني فكان داخل المسابقة٠
يأتي كابلانوغلو من خلفية سينمائية تتيح له التعامل مع مفردات الابداع برقي معيّن. الزمن هو من الأشياء التي يقيم لها وزناً. التأطير لديه سينمائي على رغم انه تأهل في كواليس التلفزيون. لكن سرعان ما تخلص من كل التأثيرات السيئة التي للشاشة الصغيرة عموماً على السينما. بالتأكيد، نستطيع ادراج الفيلم في اطار المسار الذي تمشي فيه السينما التركية المعاصرة، والتي يصعب عليها ان تجد تقليعة واستمرارية وحضناً نهائياً. اياً يكن، هذا الفيلم انتصار لمفهوم تأملي للسينما أو تكريس آخر لفن سابع فيه انتعاش وحيوية، وكان قد لوحظ جزء من هذا الانتعاش في مهرجانات دولية، على رغم ان اثنين حتى الآن يجسدان هذه السينما أفضل تجسيد خارج تركيا، فاتح أكين ونوري بيلغي جيلان.
لا يحتاج كابلانوغلو الى الكثير من الموارد السينمائية ليؤكد انه من طينة السينمائيين الذين يؤمنون بأن عامل الزمن هو ما يجعل السينما على هذا القدر من الخلق. هذا الحس في تحريك الكاميرا ببطء وتغيير وجهة النظر، يبلورهما الفيلم منذ مشهد الافتتاح. الطبيعة تلقي بظلالها على الفيلم، وهي التي تمنح النصّ جوانب روحانية ينحاز اليها المخرج من دون شك. الطبيعة هي ملهمة السينمائي الذي يعطي صورة الأب وطريقة تعامله مع ابنه، المكانة الابرز في الشريط. لا يخلو الفيلم من تيمات أخرى متداخلة ومتقاطعة، يخاطب بعضها البعض الآخر، في مقدمها الحلم والدين، اللذان يحظيان لدى المخرج بعناية خاصة، لأنهما يجعلان الطفل يحلّق بجناحيه بعد أن يحظى ببركة الأب٠
Three Monkeys | ثلاثة قرود
             
جيلان و"القرود الثلاثة"٠
أصاب المبرمجون قلب الهدف عبر اختيار احدث أفلام نوري بيلجي جيلان، "القرود الثلاثة". انها السينما التركية التي على الاتراك أن يرفعوا رأسهم بها، بعيداً مما يحاك في التلفزيون من اعمال هابطة تنقل واقع المجتمع التركي المترجح بين الحداثة والتقليد. تهذبت موهبة بيلجي ونضج عقله السينمائي. فيلماً بعد فيلم، وهو ليس الاّ ابناً للمهرجانات التي قدمته الى الجمهور، وفي مقدمها مهرجان كانّ، اذا بدأت قصتهما معاً، ذات أيار من عام 1995، وكان ذلك لمناسبة عرض فيلمه الاوّل "كوكون". أما رؤيته الاخراجية التي تستلهم من أزمات الفرد، ففيها من الحديّة والصرامة ما يضعه في مرتبة كبار السينمائيين. انجازات جيلان في مجالات الصوت والصورة والتعبير البصري تستغني عن الكلمة المفبركة والحوارات والثرثرة لمصلحة شريط صوتي رفيع المستوى "مكفّى وموفّى".
"ثلاثة قرود"، الحائز جائزة الاخراج في كانّ عام 2008، لفّ العالم من ذلك الحين، وهو عن عائلة تركية تسعى في أن تبقى موحّدة، رافضة ان تقر بأن ما تعيشه أكاذيب وأوهام. من الصعب تلخيص دراما إنسانية عميقة وسوداوية الى هذا الحدّ، وخصوصاً أن الفيلم تجربة تعاش ولا تحكى، وهي تُنقل من خلال انفعالات الشخصيات الاربع، سلوكها، نظراتها، وأيضاً من خلال ما يقترحه الشريط الصوتي من مؤثرات طبيعية، كصوت تساقط المطر والرعد والسماء الممتلئة غضباً، وهذا كله يلتقطه جيلان بقدرة فائقة على جعل محنة الشخصية محنتنا ودمعتها دمعتنا وكبريائها كبرياءنا. ناهيك بالغنائية التي تستحوذ على معظم العمل. أسئلة وجودية كبيرة يعج بها هذا الشريط الذي يحتفي بالطبيعة والعناصر التي يتألف منها الكون. اسئلة معظمها يأتي نتيجة تراكمات وعدم قدرة الحياة اليومية على الاتيان بأجوبة مقنعة وصريحة.
منذ زمن ليس بقريب، تقتحم سينما جيلان خصوصيات قومه، مصوِّبةً الاهتمام على التفاصيل الموحية التي يرسم من خلالها لوحة قاتمة عن أحوال المجتمع التركي المعاصر. شأنه شأن شخصياته التي تجد في الهرب متعة واستغاثة، ينتمي جيلان الى الجيل الذي يحلم بالسينما وطناً بديلاً. وعليه، نراه يبني مساراً سينمائياً يخيّم عليه شبح السينما العالمية من أقصاه الى أقصاه. ما يصوّره جيلان في "ثلاثة قرود"، هو لحظات وجدانية ضخمة، من تلك التي نرى الضعيف يتنامى فيه شعور القوّة، والقوي يصير فجأةً في رتبة من يستغله عاطفياً ومادياً وسياسياً. بالنسبة الى جيلان، أن يفهم الآخرين يعني أن يفهم ذاته ويتحكم بخياراته. لا يوجد في السينما التركية الحديثة على حدّ علمنا، ما هو أبلغ تعبيراً عن حال الفرد الغارق في محن التسلط والابتزاز ممّا رأيناه في مشهد ختام هذا الفيلم.


سينما وسينمائيون |  برناردو برتولوتشي | ثائر بلا قضية
3

ملحمة جميلة مرتبكة وعلاقة آثمة أكثر ارتباكاً٠٠
       1900                                                                                               

بعد »آخر تانغو في باريس« إنطلق برناردو برتولوتشي في مشروع كبير بعنوان «1900» من بطولة مشتركة بين أميركيين وفرنسيين وإيطاليين: روبرت دي نيرو، دونالد سذرلاند، سترلينغ هايدن، جيرار ديبارديو، دومينيك ساندا، أليدا فالي، فرنشسكا برتيني. 
إنه عن صبيين من عمر واحد (وُلدا في اليوم نفسه من العام 1901) هما ألفريدو (دي نيرو على كبر) وأولمو (ديبارديو). على الرغم من صداقتهما فإن إنتماء كل منهما الى موضع اقتصادي مختلف عن الآخر يجعلهما ضدّين بالضرورة. أولمو إبن مزارع فقير وألفريدو إبن إقطاعي كبير. الأول ينشأ شيوعياً والثاني فاشياً. على الرغم من أن الفيلم ينتهي بصحوة "شيوعية" تخلف سقوط الفاشية بعد الحرب العالمية الثانية، الا أن المعارضين لم يتألّفوا من اليمينيين فقط، بل من الشيوعيين أيضاً وذلك بسبب معالجة المخرج للخلاصة في النهاية التي جعلت الفيلم يكشف عن توجّه ماوي وليس ماركسي.
بقي هذا الإختلاف حول أهمية الفيلم وصحّة أحداثه التاريخية الى العام 1995 حيث استطاع ترميم فيلمه الى ما كان عليه قبل إنجازه سنة 1976. مشاهدة النسخة الثانية (خمس ساعات وربع) كانت الأهم والأبقى في البال طبعاً،  فما بدا في المرّة الأولى (مهرجان "كان" سنة 1976) ومن دون فرصة مشاهدته مرّة ثانية، كان عناوين عريضة. النسخة الثانية، تلك التي أرادها برتولوتشي قبل أن يُجبَر على البتر والإختصار٠
La Luna     جيل كلايبورغ كما في                                                                              

الفيلم في أساسه مصنوع من فواصل وخطوط وشخصيات كثيرة. لديه العديد من المسائل والقضايا الإنسانية والإجتماعية والسياسية لطرحها، لكن كثرتها تعكس فوضى في السرد وعدم قدرة المخرج لملمة حكاياته كلّها تحت سقف أكثر انضباطاً وفي سياق سردي أكثر وحدة وأقل تفككاً.  الفيلم، بحكم الجهد المبذول والقصص ذات الخطوط المتوازية حينا والمتباعدة حيناً ملحمي، لكن برتولوتشي حمل ما لا يستطيع إيصاله بسهولة وهو طموح تحقيق شيء ضخم. يمكن في هذا السبيل مقارنة هذا الفيلم بفيلم »سايبريا« للمخرج الروسي أندريه كونتشالوفسكي (من نحو ثلاث ساعات وربع والذي عرض في مهرجان "كان" سنة 1979) ومعرفة كيف حافظ كونتشالوفسكي على وحدة النص وكيف فقدها برتولوتشي.
يلاحظ الناقد روجر إيبرت أن المخرج الإيطالي داوم استخدام "تراكينغ شوتس" جميلة في إنسيابها منتقلة بين فصل وآخر "من دون توقّف عند الحدث"، وهي ملاحظة لم تفت أحداً فالكاميرا بإدارة فيتوريو ستورارو رائعة وثرية التكوين، لكن العلاقة بينها وبين ما يحدث فعلياً، بينها وبين مضمون ما يقع، ليست بالضرورة موجودة.
 ثلاث سنوات مرّت والمخرج ينتقل من الملحمة الى الفيلم ذي الطرح المحدود: »لا لونا« (»القمر«) الذي شاهدته في دورة 1980 من مهرجان سان فرانسيسكو، عبارة عن فيلم يبحث عن حالة يستغلّها لإنجاز صدمة، ويجدها في قصّة  أم أميركية (جيل كلايبورغ) وإبنها (ماثيو باري) يسوحان في إيطاليا. الإبن (خمسة عشر سنة فقط) يعاني من الإدمان على الهيرويين (متى بدأ؟) وهي لا تجد طريقة لإراحته من معاناته الا بممارسة الغرام مع
سينمائياً يحمل سمات بلاستيكية غير مقنعة ورغبة حثيثة في القفز من فوق التفاصيل المفيدة الى النتائج. وهذا لاحقاً ما غلّف أيضاً أفلامه الأخرى حتى أفضلها »مأساة رجل سخيف« (1981)، الذي أوضح فيه المخرج، كما لم يفعل من قبل، طلاقه الشيوعية٠
المشكلة هي ليست في نبذه الشيوعية بل في أنه دائماً ما كان متردد في قبولها ما أثر في نصاعة أفلامه السابقة. فهي لم تكن تماماً مئة بالمئة مع ولا مئة بالمئة ضد ما ترك خواءاً في قيمة ما يحققه. بالتالي، ليست المسألة شخصية او حتى سياسية، فهو حر فيما ينتهجه، بل هي محض فنية من حيث أن تعامله لم يكن واثقاً ولم يكن مؤمناً تماماً بما ينصرف عنه او يقبل عليه٠
أيكون هذا سبب في أن  »الإمبراطور الأخير« (1987) كان -مرّة أخرى- سينما جمالية من دون أن تكون جميلة؟ . وماذا عن »السماء
 Sheltering Skyالساترة
لماذا انتهزها فرصة لوصم العرب والبربر بنظرة عنصرية في ذلك الفيلم؟ لماذا لم يجد في دواخله الحاجة لأن يعرض مشكلة بطله (انتماء جنسي وماركسي حائر كالعادة) بقوّة بمنأى عن استغلال مكان الحدث لإظهار تواصل إيجابي مع الغير (ليس في الفيلم ما يمنع)٠

الحلقة الأخيرة قريباً



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2007- 2011٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular