Jun 22, 2011

مهرجان الأفلام الممنوعة | أفلام المخرج نوري بيلغ شيلان | سينما مؤلف إنما..: برناردو برتولوتشي:



COVER STORY
هاري بوتر الثامن والأخير
 في منتصف الشهر المقبل تنطلق عروض الجزء الثامن من سلسلة "هاري بوتر" تحت عنوان
Harry Potter and the deathly Hallows- Parst 2
وهو، يعدونا، سيكون الجزء الأخير من السلسلة وربما هذا الوعد صحيح ولو إلى حين. لكن
       هل يشكل توقّف السلسلة عن الظهور خسارة من أي نوع؟ بكلمة واحدة: لا
الأفلام كانت جماهيرية واضحة المعالم وباستثناء نسختي ألفونسو كوارون ومايك نيووَل، لم تحظ بأي مستوى فوق المعتدل او المتوسّط فنيّاً: الكثير من المؤثرات والضوضاء الصوتي والموسيقي والقليل من موهبة التمثيل والمبالغ فيه من تضخيم الحكايات لكي تنجح في تشكيل عالم خيالي ليس فيه الا القليل مما يهم او يبعث على السعادة.  أما نقدياً، فإن هذه المواصفات المذكورة لعبت أدواراً كبيرة في حذر النقاد الحقيقيين (وليس مراجعي الأفلام على الإنترنت) من التجاوب بحماس كشأن باقي المشاهدين. طبعاً في النهاية، فاز هاري بوتر وفاز جمهوره وخرج كل من ساهم في صنع هذه الأجزاء أكثر ثراءاً مما كان عليه قبل عشر سنوات٠

أوراق ناقد | عمر الشريف.... لماذا؟

أعرف لماذا.... لكن رغم ذلك... لماذا؟
هناك دعاية لشركة كوكا كولا تقوم على مفتاح تكرار كلمة "هرررررررررر". في مطلعها نرى الممثل عمر الشريف يشرب زجاجة كولا فينتعش ويصيح "هررررررررر" فتنطلق الكلمة على الناس كلّها. مشاهد لشباب يشربون الكولا، وكل منهم يقول "هررررررررر". هذا يهز رأسه في ارتجاف، وذلك يحرك يديه كمن يطلق النار على الآخرين والمستمعين يرددون وراء كل واحد "هررررررر"٠
حسناً. وصلت فكرة الدعاية، لكن لماذا عمر الشريف في هذا الفيلم "الهرري"؟
طبعاً لأنه استلم عرضاً (ربما بمليون دولار) مقابل الدعاية. وربما، بغياب الأعمال، مضطر لذلك. قال "هرررر" او "فرررر" لا فرق. المهم العمل والعمل ليس عيباً. لكن لماذا عمر الشريف بلا عمل؟ لأن السينما العربية كلها عاطلة ومصدأة وبلا عمل. لأنه لا يهم عندنا نجم كبير او صغير. لا نكترث إذا ما ظهر عمر الشريف او سواه في فيلم صغير او كبير. في فيلم إعلاني او روائي ولا يهم إذا لم يظهر مطلقاً.
بعدم وجود عمل لعمر الشريف لا في الشرق ولا في الغرب .... هل نتوقّع منه أن يجلس في البيت وينظر الى الجدران؟ او الى صوره في الألبومات أيام ما كان فتى يمثّل تحت إدارة يوسف شاهين او عندما أصبح ممثلاً عالمياً تحت إدارة ديفيد لين او بعد ذلك حين ظهر تحت إدارة صلاح أبوسيف؟
أين نحن من كل هذا التاريخ؟ هرررررررررر!٠

 خمسة أشرطة في «مهرجان الأفلام الممنوعة»
من يفرض وصايته على الوعي الفردي
  
نديم جرجورة
من فيلم ديغول عيد: "شو صار"؟
لسبب ما، بات يُمكن لأفلام مُنعت سابقاً من العرض الجماهيري في مهرجان يُفترض به أن يكون «نخبوياً»، أن يُشاهدها مهتمّون بالفن السابع. لسبب ما، مُنعت هذه الأفلام سابقاً. رفض «جهاز الرقابة»، التابع لـ«المديرية العامّة للأمن العام»، إجازة عرضها، بحجج سياسية أو أخلاقية، أو ما شابه ذلك من أغطية لا تُخفي حقيقة الأمر: هناك سياسة تسلّط فاضح على الوعي الفردي والمعرفة الثقافية الحرّة، التي يتمتّع بها لبنانيون عديدون، في مقابل خضوع الغالبية الساحقة من أبناء هذا البلد للسلطات الطائفية والمناطقية والمذهبية، المتحكّمة بشؤون البلد وشجون ناسه. هناك ادّعاء رقابي، سواء كان أمنياً أم طائفياً أم اجتماعياً أم ثقافياً حتّى، برغبة جامحة لدى معنيين بالسلطات في «حماية» السلم الأهلي، ومشاعر المتدينين، وأهواء الطوائفيين، والعلاقات الأخوية «المتينة» القائمة بين لبنان ودول متفرّقة. ولعلّ حجّة «السلم الأهلي» تلك أكثر الحجج إثارة للسخرية والمرارة والضحك الأسود، إزاء الواقع المأسوي لبلد غابت عنه أنماط السلم الأهليّ كلّها٠
أقاويل
قيل الكثير بخصوص الرقابة على المصنّفات الفنية. قيل الكثير بُعيد الإعلان عن منع هذا الفيلم أو ذاك من العرض التجاري أو الثقافي. لكن أحداً من المسؤولين الأمنيين أبدى أدنى استعداد لتبديل الحال، متمسّكاً بقوله المعتاد: «أنا أطبّق القانون». بينما قال مسؤولون سياسيون مراراً توقهم إلى الانعتاق من قانون رقابيّ بائد، مؤكّدين (!) مساعيهم إلى إيجاد قانون عصريّ يحتكم أساساً إلى «رقابة» لاحقة، متمثّلة بالقضاء. ثم أن الرقابة الأمنية هذه ليست وحيدة في الميدان الرقابيّ: لجوؤها إلى الرقابتين الدينية والاجتماعية معيبٌ بحقّ الإبداع، ومدخلٌ للمؤسّسات الدينية والاجتماعية والثقافية وغيرها إلى مزيد من التسلّط الجائر على الإنتاج الفكري والجمالي. مثلٌ على ذلك: هناك فيلمان على الأقلّ من الأفلام الخمسة، المنوي عرضها في «مهرجان الأفلام الممنوعة» (22 ـ 26 حزيران 2011) في مجمّع «بلانيت ـ أبراج» (فرن الشبّاك)، أرسلهما الجهاز المذكور إلى مؤسّسة دينية مسيحية، رفضت (كما قيل يومها) الإجازة بعرضهما في «مهرجان بيروت الدولي للسينما»، في إحدى دوراته السابقة. هناك فيلم آخر «تمنّى» الجهاز الأمني نفسه على إدارة المهرجان هذا «عدم عرضه» في موعده المحدّد في دورة العام الفائت، لأن لبنان يستقبل رسمياً رئيس دولة صديقة٠
في مقابل «جهاز الرقابة الأمنية» (الرسميّ) شكّل رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري لجنة رقابية أخرى، «أجازت» عرض الفيلم الوثائقي الثاني للمخرج اللبناني ديغول عيد بعنوان «شو صار»، بعد منع «جهاز الرقابة» في «المديرية العامة للأمن العام» السماح بعرضه في ثلاثة مهرجانات محلية، أقامت دوراتها الأخيرة بين شهري آب وتشرين الثاني 2010: «مهرجان الفيلم اللبناني» و«أيام بيروت السينمائية» و«مهرجان بيروت الدولي للسينما». وهذا الأخير اكتفى بعرضه أمام لجنة تحكيم خاصّة بالمسابقة الرسمية لـ«الأفلام الروائية الطويلة» (!)، ومنحه جائزة أساسية. والفيلم، إذ استعاد محطّة دموية من المحطات العنيفة في أعوام الحرب الأهلية، شكّل لحظة تأمّل في ما آلت إليه أحوال البلد، بعد عشرين عاماً على النهاية المزعومة لتلك الحرب، أي على البداية المنقوصة للسلم الأهلي الهشّ. شكّل لحظة تأمّل في محطّة خطرة من المحطات الخطرة الكثيرة التي عاشها اللبنانيون بين العامين 1975 و1990، والتي لا تزال الغالبية الساحقة منهم ترفض استعادتها، خوفاً أو عدم رغبة في تعرية الذات أمام الذات وأمام مرآة التاريخ، أو رفضاً لتحمّل مسؤولية ما ارتكبته أياد لبنانية كثيرة من موبقات. وعلى الرغم من رأي شخصي مفاده أن «شو صار» لا يمتلك شرطه الوثائقي الإبداعي، فإن مضمونه الإنساني وحميمية قصّته الذاتية وارتباط حكايته بالتاريخ الفردي والذاكرة الجماعية اللبنانية، تستدعي كلّها تضافر جهود متنوّعة لعرضه ومناقشته، ولإتاحة الفرص أمام كل من يرغب في إنجاز فيلم شبيه به: فيلم يروي القصّة الفردية، كجزء من التاريخ العام٠
نزاعات نفسية
بالإضافة إلى «شو صار» لديغول عيد، هناك «الأيام الخضراء» للإيرانية هانا مخملباف: إنه الفيلم الذي دفع مسؤولي الرقابة الأمنية إلى «التمنّي» على إدارة «مهرجان بيروت الدولي للسينما» بعدم عرضه في موعديه المقرَّرين سلفاً في الدورة السابقة، بسبب الزيارة الرسمية للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى بيروت (يومها، خضعت إدارة المهرجان لهذا التمنّي، قبل أن تسمح لنفسها بالتغنّي لاحقاً بالحريات الممنوحة من قِبل اللجنة الرقابية التي أنشأها سعد الحريري). والفيلم الوثائقي هذا، إذ ينتمي إلى سلسلة من الوثائقيات السينمائية المستلّة حكاياتها ومضامينها الإنسانية من واقع الحال العام في بلدان سعى أبناؤها إلى إصلاحات جذرية في السياسة والاقتصاد والحياة، بدا محاولة جميلة لمخرجة شابة لتقديم صورة حسّية عن الحراك الشعبي الإيراني السلميّ، إثر الانتخابات الرئاسية الإيرانية الأخيرة (2009)، التي أثارت غضباً شبابياً وتظاهرات، مرتكزة على مفاهيم العدالة والكرامة والديمقراطية والانفتاح.
وبحسب بيان صادر عن إدارة «مهرجان الأفلام الممنوعة»، فإن الأفلام الثلاثة الأخرى هي: «كونفورتوريو» (1992) و«غوستانزا دا ليبيانو» (2000) للإيطالي باولو بينفينوتي، و«غناء المتزوّجين» (2008) للفرنسية الجزائرية الأصل كارين إلبو. تناول الأول، الذي اختار روما في العام 1736 مسرحاً لأحداثه، قصّة لصّين يهوديين «حُكم عليهما بالإعدام، لكنهما رفضا التخلّي عن دينهما واعتناق المسيحية»، على الرغم من خضوعهما لشتّى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي. وروى الثاني «قصّة حقيقية دارت أحداثها في العام 1594، عبر حكاية راهبة من توسكانا في الستين من عمرها تُدعى غوستانزا دا ليبيانو اتُّهمت بالسحر، فسُجنت وحوكمت إثر استجوابها من قبل ممثلين عن الكنيسة الكاثوليكية». ورسم الثالث صورة عن العيش المشترك بين المسلمين واليهود في تونس في العام 1942، وذلك عبر سرد قصّة المراهقتين نور وميريام، اللتين تعيشان في حيّ متواضع، وكل واحدة منهما تتمنّى سرّاً «أن تعيش حياة الأخرى»٠
نُشرت هذه المادة في جريدة "السفير" أولاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أفلام  المخرج التركي نوري بيلغ شيلان| محمد رُضا
           

عرف فيلم نوري بيلغ شيلان الجديد «ذات مرّة في أناضوليا» إعجاباً كبيراً بين النقاد حال مشاهدته في الدورة الأخيرة من مهرجان كان السينمائي الدولي. إلى جانب خروجه بجائزة لجنة التحكيم الكبرى، تلك التي قادها المخرج روبرت دي نيرو، شهد كتابات مؤيّدة من قبل معظم من شاهدوه
هذا ليس غريباً على الإطلاق وبل يُمنهج ضمن ما عرفته أفلام المخرج السابقة. معالم هذا الفيلم الفنية هي استمرار لما حفره المخرج في أعماله السابقة جميعاً. نظرة راصدة وتأمّلية للحياة في داخل شخصياته وحولها. والداخل والخارج ممتزجان بمناطق رمادية عديدة تجعل البحث الإنساني أكثر إثارة وقوّة

ولد المخرج  في‮ ‬1959/1/26‮ ‬في‮ ‬اسطنبول لكنه ترعرع في‮ ‬بلدة أبيه محمد أمين شيلان في‮ ‬مقاطعة كاناكال،‮ ‬شمالي‮ ‬تركيا‮. ‬عاد الى اسطنبول وعمره عشر سنوات‮. ‬بدأ دراسة الكيمياء سنة‮ ‬1976‮ ‬بعد تخرّجه من الكليّة ثم درس الهندسة الكهربائية لكن ميوله السينمائية كانت كافية لتحويله عن هذه الدراسة أيضاً‮. ‬لكن شيلان شغل نفسه بالسفر المتواصل كرحّالة الى شرق آسيا كما الى‮ ‬غرب أوروبا قبل أن‮ ‬يؤم دراسة التصوير السينمائي‮ ‬وهو في‮ ‬الثلاثين من عمره‮. ‬مثّل في‮ ‬بعض أفلام صديقه المخرج محمد إريليماز في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬يدرس على نحو تطبيقي‮ ‬منفصل العمل السينمائي‮ ‬من بداية الفيلم حتى نهايته‮. ‬تلك الدراسة أدّت به سنة‮ ‬1993‮ ‬إلى إخراج فيلمه القصير الأول‮ "‬شرنقة‮". ‬
الى حد بعيد،‮ ‬وبإعترافه،‮ ‬فإن أفلامه الثلاث الروائية الطويلة،‮ ‬مستوحاة مما ورد في‮ »‬شرنقة‮« ‬مع تعذّر مشاهدة ذلك الفيلم،‮ ‬فإن المؤكد أن الأجواء الإجتماعية والعاطفية الخاصّة‮  ‬التي‮ ‬توفّرت في‮ ‬موضوعه نسجت خيوطاً‮ ‬من حكاياته اللاحقة‮. ‬القصّة في‮ »‬شرنقة‮« ‬تدور حول رجل وزوجته‮ ‬يحاولان العودة الى بعضهما البعض بعض انفصال طويل‮. ‬اللقاء ويكتشفان أنهما لا‮ ‬يستطيعان مغادرة ما حدث‮  ‬في‮ ‬الماضي‮. ‬قام المخرج بإسناد الدورين الرئيسيين لوالديه‮.‬
واعتمد المخرج مرّة أخرى على ما استخلصه من معايشات وذكريات في‮ ‬فيلمه الروائي‮ ‬الطويل الأول‮ "‬البلدة الصغيرة‮" (‬1997‮) ‬حيث حكى من وجهة نظر طفلين قصّة في‮ ‬أربعة فصول‮ (‬تبعاً‮ ‬لفصول السنة‮) ‬تتناول العلاقات بين أربع أفراد من عائلة تركية واحدة‮. ‬هذه المرّة استخلاص الحكايات الذاتية مؤكد تبعاً‮ ‬لحقيقة أن الفيلم مبني‮ ‬على ذكريات شقيقة المخرج أمينة ومن وضع الأحداث في‮ ‬تلك القرية الشمالية التي‮ ‬عاش نوري‮ ‬وشقيقته فيها نحو عشر سنوات‮.‬
العلاقات الإجتماعية بقيت سائدة في‮ ‬أعماله اللاحقة‮ . ‬في‮ ‬كنفها‮ ‬يجد المخرج ما‮ ‬يحتاجه من قدرة على تشريح العلاقات الداخلية والإنسانية بين أناسه‮. ‬لبنة قريبة من اهتمامات السويدي‮ ‬أنغمار برغمن لكن بأسلوب تعبيري‮ ‬يختلف كثيراً‮ ‬ويخرج عن نطاق الداخل الممسرح الى تصوير أكثر تعبيراً‮ ‬عن جماليات المحيط رغم دكانتها‮. ‬هذا جاء واضحاً‮ ‬في‮ ‬فيلم‮ »‬غيوم شهر ماي‮«  (‬1999‮) ‬الذي‮ ‬نهج فيه حكاية رجل أسمه مظفّر‮ ‬يعود الى بلدته ليجمع أقاربه ومعارفه لتصوير فيلم روائي‮. ‬يجد أن والده‮ ‬يحاول إنقاذ أرضه من وضع اليد وذلك ضمن مسائل تثير ملاحظة المخرج‮. ‬على الرغم من المعالجة ذات الطبيعة الساخرة،‮ ‬الا أن‮ »‬غيوم شهر ماي‮« ‬فيلم جاد ومثل سوابقه‮ ‬يستوحي‮ ‬من الذات أصوله وشروحاته وجمالياته‮.‬
من فيلمه "عن بعد "٠

‮»‬عن بعد‮« (‬2003‮) ‬الأول بين ثلاثية لا تختلف في‮ ‬منحاها كثيراً‮ ‬عما كان المخرج بدأه سابقاً‮ ‬من الحديث في‮ ‬أموره الذاتية،‮ ‬لكنها تتجاوزها في‮ ‬المعطيات الفنية‮. ‬في‮ ‬أسلوب عمل مبهر‮ ‬يحيي‮ ‬فيه المخرج أندريه تاركوڤسكي‮ ‬دون أن‮ ‬يسعى لتقليده بالضرورة،‮ ‬ويتحدّث فيه عن رجلين‮: ‬يوسف‮ (‬محمد أمين طبرق‮) ‬يترك القرية الى المدينة‮  ‬في‮ ‬عز شتائها بحثاً‮ ‬عن عمل وإبن عمّه محمد‮ (‬مظفّر أوزدمير الذي‮ ‬ظهر تحت إدارة المخرج في‮ «‬البلدة الصغيرة‮«)  ‬المستقر في‮ ‬اسطنبول منذ سنوات،‮ ‬غارق في‮ ‬وضع عاطفي‮ ‬ميؤوس مع مطلّقته التي‮ ‬ستترك البلاد الى كندا‮. ‬العلاقة بين القريبين ليست،‮ ‬من مطلعها سهلة،‮ ‬وتنتهي‮ ‬مشحونة بخلاف‮. ‬ما سيكتشفه النازح هو أن المدينة ليست قاسية عليه وحده،‮ ‬بل على ابن عمّه الذي‮ ‬اختلف عما كان عليه حين كان لا‮ ‬يزال قروياً‮ ‬أناضولياً‮ ‬كحال‮ ‬يوسف‮. ‬لجانب أنه فيلم عن رصد متحوّلات و"مسافات‮" ‬بعد للشخص عن مكان عيشه والمكان الذي‮ ‬وُلد فيه على حد سواء،‮ ‬هو رصد لحياة تمر ببطء وإسهاب جميلين‮. ‬لقطات المخرج للحياة على الشواطيء‮ (‬السفينة المقلوبة على جانبها‮)‬،‮ ‬للسحب الشتوية،‮ ‬لمعالم البيئة وأجوائها مندمجة تلقائياً‮ ‬بمشاعر بطله‮ ‬يوسف وحياته التي‮ ‬لا‮ ‬يعبأ بها أحد‮.‬
فيلم شيلان التالي،‮ »‬أجواء‮« (‬‮‬ كلمة 
Climates
تعني‮ ‬أيضاً‮ ‬طقوس‮) ‬يختلف لجهة أن قرار المخرج تمثيل دوره الأول‮ ‬يوحي‮ ‬بأنه ذهب عن بعد أبعد في‮ ‬استعادة الحدث الذاتي‮. ‬هذا من دون أن‮ ‬يكون ما‮ ‬يسرده سيرة فعلية‮. ‬إنه حول رجل أستاذ جامعي‮ ‬عسى‮ (‬المخرج‮) ‬وزوجته بحر‮ (‬إبرو شيلان‮) ‬يقومان برحلة بين الآثار التي‮ ‬تتحوّل الى شواهد رمزية تشي‮ ‬بالتباعد بينهما‮. ‬حين‮ ‬يحاول الزوج الحياة من دونها‮ ‬يجد نفسه وقد فقد توازنه‮. ‬سيحاول العودة إليها وسوف تأتيه في‮ ‬موعد لاحق في‮ ‬مكان منعزل لكن لا أمل لهما في‮ ‬مستقبل مشترك‮. ‬فيلم مشاعر حادّة‮ ‬يوحي‮ ‬بأن المخرج انتقل من محاولة فهم شخصيات أبطاله الى إدراك أنه بحاجه لإدانتهم في‮ ‬تصرّفاتهم كاشفاً‮ ‬عن نزعة ساديّة‮ ‬يمارسونها حين‮ ‬يفقدون القدرة على السيطرة على ذواتهم الحائرة‮.  ‬اختيارات المخرج من اللقطات دائماً‮ ‬ما تتبع رغباته في‮ ‬دمج الحالة الإنسانية ما‮ ‬يماثلها من رموز الطبيعة‮. ‬الطقس‮ (‬في‮ ‬مختلف أجوائه‮) ‬هو أحد هذه الرموز الدائمة هنا‮.‬
ثلاث قردة

‮»‬ثلاث‮  ‬قردة‮«(‬2008‮) ‬ذهاب أبعد في‮ ‬خطأ الرجل ودورانه في‮ ‬ذاته دون نجاة‮. ‬كيف‮ ‬يؤثر المرء على وضعه الخاص ومستقبل حياته حين‮ ‬يجد نفسه ملتصقاً‮ ‬بالتزماته بتقاليده‮. ‬يبدأ الفيلم بمشهد‮ ‬يصدم فيه رجل ذي‮ ‬منصب بسيّارته شخصاً‮ ‬ويرديه‮. ‬يتّفق مع سائقه أيوب‮ (‬يافوز بنغُل‮) ‬بادعاء أيوب بأنه هو الذي‮ ‬صدم الضحية ليلاً‮ ‬وعن دون قصد ليدخل السجن بدلاً‮ ‬عنه في‮ ‬مقابل قيام الرجل بالإنفاق على زوجته وإبنه‮.  ‬لكن الأمور ليست في‮ ‬نصابها الصحيح حال خروج أيوب من السجن‮. ‬الشك والغيرة والنوازع النفسية تطغى عليه وتقوده الى جريمة‮  ‬فعلية‮. ‬الفيلم‮ ‬يحمل معاني‮ ‬عميقة عن النفس الواحدة كما عن محيطها الإجتماعي‮ ‬المتعدد،‮ ‬لكنه أيضاً‮ ‬فيلم‮ ‬يحمل معالجة مختلفة عن معالجات شيلان السابقة في‮ ‬أنه أقرب الى‮  ‬القصّة‮  ‬المروية منه الى سينما التأمّلات التي‮ ‬صاغها من قبل‮. ‬على ذلك،‮ ‬تحليل تلك الحياة العائلية المحصورة في‮ ‬شقّة صغيرة تصطدم ببعضها البعض كيفما اتجهت وهي‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن تسير بالتوازي‮ ‬بين شخصيات المخرج كما عهدناها في‮ ‬أفلامه السابقة‮. ‬هنا تصطدم أكثر وبهدوء تحت سطح الحدث وصولاً‮ ‬لنهاية معادية للرجل الذي‮ ‬سيطلب من إبنه تحمّل تبعاته ودخول السجن عوضاً‮ ‬عنه‮. ‬
محمد رُضا

سينما وسينمائيون | برناردو برتولوتشي
الحلقة الأولى: الثائر بلا قضية  | محمد رُضا٠

على الرغم من التقدير الكبير الذي يشغله المخرج برناردو برتولوتشي في سماء الثقافة السينمائية كأحد المبدعين المهمّين في السينما، الا أن المرء عليه أن يُعاين أعماله كل على حدة ليجد أنها ليست بالضرورة متساوية في الأهمية على الصعيد الفني على الأقل.
لا جدال على أنه إسم كبير، لكن إذا ما كان المرء منصفاً لسواه فإن ما أنجزه هو أعمال ذات تميّز وإجادة وأخرى لم تستطع تحقيق المرتبة ذاتها. بكلمات أخرى، لابد من مقارنته بالمخرج فديريكو فيلليني او بالمخرج مايكلأنجلو أنطونيوني للتعرّف على الفارق بين إبداع يبدأ من الصفر وآخر يبدأ من نقطة لاحقة. ذاك الذي يبدأ من الصفر أفضل تكويناً لمادة بصرية متساوية الأطراف ولأسلوب موحّد يفي مبدأ الإنصهار الكامل بين الفنان وإبداعه. ذلك الذي يبدأ من نقطة لاحقة يلتقط أعماله من مصادر مختلفة بعضها ذاتي يعود إليه وبعضها الآخر مستورد بفعل التأثير. برتولوتشي هو من الفريق الثاني. بلا ريب لديه أفلاماً مهمّة فناً ومضموناً وبلا ريب جلّ أعماله ليست بمستوى جل أعمال فيلليني او أندريه تاركوفسكي او ألفرد هيتشكوك او جاك ريفيت او أنطونيوني الخ...
البعض يحب أن يتعامل مع برتولوتشي السياسي. لكننا نجد، مرّة أخرى، تفاوتاً في المفهوم والإلتزام. هو رائع في أعماله الأولى ضد الفاشية والمستوحاة من نظرته الى الفترة التاريخية التي رصدها، وأقل من ذلك حين أخذ يوزّع مضامين سياسية مختلفة من مكان لآخر وقد فقد التزامه الأول وبات أقرب الى الباحث الذي لم يقرر بعد أي وجهة سيقصدها في بحثه.

ولد في عائلة مرتاحة في السادس عشر من شهر آذار/ مارس سنة 1940 في بلدة بارما. والده هو الشاعر أتيليو برتولوتشي والصبي أحب الكاميرا منذ صغره وشغقته السينما. الأب أوصى صديقه المخرج بيير باولو بازوليني (وهو شاعر أيضاً) بإبنه طالباً منه الحاقه بأول أعماله "أكاتوني" (1961) ووافق بازوليني على ذلك . كثير من السينمائيين مذكورين في أركان المهام الصغيرة في هذا الفيلم إذا تابعت الأسماء او حصلت عليها بطريقة ما. ستجد مونيكا فيتي وقد عملت قبل تحوّلها الى ممثلة في مجال إعارة صوتها لإحدى الممثلات، والممثل سيرجيو شيتي (الذي أصبح لاحقاً أحد وجوه بازوليني المألوفة) في دور صغير (نادل في مطعم). أما برتولوتشي فكان "مساعد إنتاج" ما منحه فرصة التواجد في التصوير طوال الوقت والتعلّم.
في العام التالي كان بازوليني هو كاتب السيناريو لأول فيلم يخرجه برتولوتشي: "الحاصد المتجهم"
The Grim Reaper
الفيلم يعكس أجواء بازوليني ويستلهم أيضاً تلك التي كانت تعيش فوق سطح السينما الإيطالية في الخمسينات. ليس فيلماً واقعياً بالمعنى الذي أسسه فيتوريو دي سيكا او روبرتو روسيلليني، لكنه أقرب الى صنعة بازوليني نفسه، من حيث مكان الحدث المحفور في أزقة البيئات الدنيا، كما من حيث اهتمامات المخرج بازوليني من الشخصيات. الى ذلك، هناك نَفَسُ تسجيلي في هذا الفيلم لا يمكن إغفاله وهو يتحدّث عن العاهرة التي تم اكتشاف جثّتها في الحديقة فجيء بالمشتبه بهم من المكان ليحكي كل منهم قصّة الغالب أنها ليست حقيقية ولتحيط الشبهات بالشاب المثلي الذي يعاني من تفرقة وضغينة البعض عليه. لكن الفيلم لا يمتثل لوجهة مُعيّنة. هو قائم على لغزية "من القاتل؟" كمبرر لاستعراض شخصياته،  ورغبة في توفير الجواب  نجد الفيلم لا يستفيد كثيراً من معطيات شخصياته ويبدد ما بناه منها كلما اقترب من نهايته. مثير إبقاء المحقق مغيّباً (نسمعه ولا نراه) فهو متآلف مع التحقيق الذي يجريه المخرج عبر كاميرته، لكن الفيلم لا يستنطق حقائق في نهاية المطاف بل يعرض وجهات نظر فيها٠
واحد من التبعات التي تحدث حين يعمد المخرج الى اسلوب تسجيلي يرصد به حكايته هو أنه قد يأخذ، في غمار اكتفائه بالرصد، مسافة من الشخصيات ويقدّم فيلماً تنقصه الحرارة. هذا الى حد بعيد ما يقع فيه برتولوتشي في فيلمه الأول هذا. هذا هو أيضاً منحى أعمال بازوليني المختلفة ما يكشف التأثير الذي تركه هذا على المخرج الشاب٠
هذا لا يعني أن المرء سوف لن يلحظ أن بازوليني أسّس شيئاً من عناصره الخاصّة خصوصاً حين يأتي الأمر الى استخدام اللون الداكن ليخلق عمقاً للصورة او ليضربها باللون الأبيض في تناقض واضح. هذا التصوير التعبيري موجود مثلاِ في فيلمه اللاحق "الملتزم" بعد تسع سنوات وقد أصبح معلماً مهماً في أسلوبه٠

كتابات
برتولوتشي تأثّر أيضاً بجان-لوك غودار. أحب صنعة المخرج الفرنسي وأسلوبه التركيبي ومنحاه السياسي.  هذا واضح في فيلم برتولوتشي الثاني "قبل الثورة" حيث مزيج من الأسلوبين معاً يطغيان على الصورة والمضمون. كلاهما (الصورة والمضمون) سيتبلوران أكثر في فيلمه اللاحق. "قبل الثورة" يدور حول شاب ينضم الى الحزب الشيوعي في الوقت الذي لا يزال يسعى فيه لمعرفة نفسه. قراءة هويّته وتحديد إتجاهه. يُصاب الشاب بصدمة حين يغرق صديق له (لا نعرف إذا كان عن حادثة او انتحاراً) وينطلق بطل الفيلم متأثراً ومعانياً. حين يلتقي بقريبته يرتبط معها بعلاقة عاطفية يحاول من خلالها سد ذلك الجانب التائه من ذاته. هذا ما يحوّل الفيلم من بحث في موضوع مهم، الى موضوع أقل أهميّة خصوصاً وأن نهاية ذلك الفيلم هي مصالحة الشاب مع خلفيّته البرجوازية٠
الملتزم

إذا كان في فيلمه السابق عمد الى تورية المحقق، فإنه هنا يعمد الى شخصيات تنظر الى الكاميرا وتتعامل معها. بريختي في شأنه لكن مرّة أخرى، سنجد أن هذا الفيلم لم يترك الرصيد البيّن الذي ينشده كل مخرج بل كان عتبة ثانية صوب الوصول الى الأفضل. لمن شاهد أفلام برتولوتشي اللاحقة، سيجد أن المخرج تهرّب أكثر من مرّة من اعتناق ما يوفّره. قبل أي ثورة يتحدّث عنوان الفيلم؟ لن نعرف الا إذا كانت ثورة بطله على نفسه، لكنها ليست ثورة -بعرف النهاية- بل إرتداد.
بعد هذا الفيلم جاء دور بضع كتابات (من بينها كتابته لقصّة "حدث ذات مرّة في الغرب" الذي أخرجه سيرجيو ليوني سنة 1968) وفيلم قصير ("حب وغضب" سنة 1967) وفيلم طويل ("شريك"وذلك في
سنة  1968 الذي لم أشاهده). في العام 1970 قدّم الفيلم الذي سيضعه فعلاً على الخارطة: "الملتزم"٠
إنه عن شاب ايطالي أسمه مارشيللو (الفرنسي جان- لوي ترتينيان) متزوّج من فتاة أسمها غويليا (ستيفانيا سندريللي) ويعيش في ظل الفترة الموسيلينية ينضم الى الحزب الفاشي  لأهداف غير إيديولوجية: إنه يحاول فتح صفحة جديدة في حياته الخاصة بعيدة عن ماضيه الذي يعتبره ملوّثاً بسبب حادثة قتل وحادثة معاشرة مثلية. يرى أنه إذا ما تمثّل وتماثل بالحزب الفاشي فإن ذلك سيمنحه القوّة والنقطة التي يريدها لأجل أن ينطلق بعيداً عن ماضيه. الحزب بدوره يطلب منه البحث عن استاذه السابق  وقتله. ولتنفيذ ذلك عليه الذهاب الى باريس حيث يعيش البروفوسور كوادري (إنزو تاراشيو). هناك يقع مارشيللو في حب زوجة البروفسور انا (دومينيك ساندا)٠
إنها رواية ألبرتو مورافيا التي تجاوزها المخرج جيّداً في عمله هذا رغم بقائه أميناً لما ورد فيها من أحداث ومشاعر. لكن بين الرواية التي تؤم سرداً واضح الأسلوب وبين الفيلم الذي يغلّف كل شيء بسرد متشابك يكمن الإختلاف. في أحد وجوهه تطويع المادة الروائية لقدر كبير من الإبتكار في السرد. الفيلم يبدأ من نهايته ثم يعود في "فلاشباك" ثم هناك "فلاشباك" في "فلاشباك". لكن إجادة الفيلم لها أسباب أخرى أيضاً. إنها في تحوّل الفيلم من النهار الى الدكانة. من الوعد الكبير لمرحلة جديدة من الحياة الى الغرق في القاع من جديد، وأكثر من ذي قبل٠


يتبع

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular