Jun 10, 2011

المهرجانات العربية المقبلة| رسالة "رجال إكس" الواضحة | استعادة "يوميات الدرّاجة النارية"| الأبعاد الثلاثة تعود إثنين؟ | حوار مع نادين لبكي

Year 4 | Issue 647 
COVER STORY
تأييداً لعلي بدرخان

من  أحق منه، على الأقل من بين المرشحين لمنصب نقيب السينمائيين، في
تبوأ هذا المركز؟ سينمائي جيّد عرف سنوات مديدة من الشهرة ثم مرّت بــه
تلك العاصفة التي هبّت على الثقافة والسينما المصريان فتوارى بعض أفضل
من حمل لوائها. المعركة الفاصلة بعد أيام وإلى أن تنتهي غلافنا، وقلوبنا كما
أفكارنا مع المخرج بدرخان- إن شاء الله مبروك.

في هذا العدد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نادين لبكي
1
أوراق ناقد | المهرجانات العربية مقبلة على أزمة أفلام وفي الأساس سينمانا العربية أكثر إفلاساً مما نعتقد |  محمد رُضا
2
هوليوود السياسية | في "رجال إكس: فيرست كلاس" وبرغم من سخافة عنوانه، وهوان إخراجه يحمل مضموناً جريئاً: النازية مساوية للصهيونية! | محمد رُضا
3
إستعادة | الزميل أحمد الكبيسي يستعيد فيلم وولتر سايلس الممتاز ""يوميات الدراجة النارية" شارحاً مراحل قصّته ويجد أن المخرج أعطانا فيلماً شاعرياً بجدارة
4
ملف | إذا استمر نزوح المشاهدين بعيداً عن شاشات الثري دي هذا العام فإن مستقبله في خطر- والحمد لله | محمد رُضا
5
حوار | المخرجة اللبنانية تتحدّث للزميلة ريما المسمار عن تجربتها الثانية في السينما "هلأ لوين؟" (الآن لأين؟) عن الفيلم وعن استيحاءاتها وقراراتها قبل التصوير وخلاله


أوراق ناقد | محمد رُضــا
أزمة السينما العربية نسخة 2011
من المثير متابعة ما يلوح في أفق المهرجانات العربية الحالية والذي سيتبلور، مباشرة بعد شهر رمضان المبارك، إما عن مفاجآت إيجابية او سلبية
الثابت للآن، هو أن مهرجان القاهرة السينمائي لن يُقام هذا العام بسبب الإنتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في شهر كانون الأول/ ديسمبر، وهو الشهر الذي اعتاد المهرجان المعروف إقامة دوراته فيه. لكن هذا الحال سوف لن يكون حكراً على مهرجان واحد. فيمصر، الحديث يدور حول إلغاء مهرجان الإسماعيلية أيضاً. في دمشق يكفي التساؤل حول كيف سيمكن إقامة مهرجان دمشق السينمائي الدولي في وسط أوجاع الوطن وآلام الوضع الحالي. حتى ولو تم حل الأزمة جذرياً، فإن وقتاً طويلاً سيمر من قبل إعادة ترتيب البيت. إذا ما تم قلب النظام، فإن نظام المؤسسة العامّة للسينما سيُقلب بدوره، وإذا ما بقي النظام، فإن الوقت قد يكون متأخراً لتحضير دورة ذات معنى
المشاكل لا تنتهي هنا
المنافسة بين المهرجانات العربية الكبيرة الثلاث، وهي حسب ورودها، أبوظبي، الدوحة ودبي، لاستحواذ أفلام عربية ستشهد سخونة غير مسبوقة هذا لأن هناك أزمة إنتاجات عربية لافتة هذا العام: السينما المصرية شبه متوقّفة. السورية متوقّفة فعلاً. الخليجية قد تثمر عن فيلمين او ثلاثة، الفلسطينية والأردنية والعراقية خافتة جدّاً هذه السنة. الجزائرية معدومة. المغربية ربما لديها فيلمين او ثلاثة تستحق. يبقى اللبنانية: نظرياً هي الأكثر نشاطاً هذه السنة. نظرياً
الأفلام المصرية والتونسية ستكون حشداً من الأعمال غير الناضجة (بالضرورة) عن الأحداث التي وقعت فيهما. ومن مرع: "معظم ما يلوح في الأفق الآن هو أفلام عن الثورة وفي اليقين أنها أفلام مستعجلة قد لا تصلح للعرض
إذا ما كانت هناك من مفاجآت إيجابية فسيكون مصدرها نشاط المهرجانات الثلاثة المذكورة ذاتها كونها باتت تقوم بدعم الأفلام العربية. دور كان هذا الناقد عارضه سابقاً، لكنه الآن يعترف بأنه كان متسرّعاً في حكمه على جدواه وسلامته
إذا لم تقع هذه المفاجآت فإن المحاذير المذكورة هي التي ستحدث، وفي هذه الحالة هناك أزمة كبيرة. فالمهرجانات الثلاث لا تستطيع أن تتنافس وتلك العالمية الكبيرة في عملية استقطاب الجديد والأفضل، وذلك لأسباب كثيرة، ما يعني أن دوراتها ستكون مختلفة. ربما مختلفة على نحو لا يدعو للتفاؤل


هوليوود السياسية | محمد رُضا
هوليوود تجرؤ على الإختلاف: أفلام تخرج عن المألوف٠
X- Men: First Class
 
على الرغم من هوانه في مقاطع كثيرة، ومن انشغاله في الوصول الى الجمهور العريض قبل أي شأن آخر، الا أن "رجال إكس- فيرست كلاس" الذي انطلقت عروضه في الأسبوع الماضي، يجد فسحة من الوقت ليتحدّث في موضوعين هما، في الصميم، سياسيين.
الموضوع الأول هو أزمة الصواريخ الكوبية والثاني موضوع النازية والصهيونية.
في الموضوع الأول يعتمد الفيلم، الذي أخرجه البريطاني تيموثي ڤون، على الواقعة التاريخية المعروفة حينما توجّه أسطول سوفييتي الى الجزيرة الكوبية محمّلاً بصواريخ نووية أراد نصبها على السواحل الكوبية وتوجيهها الى الولايات المتحدة الأميركية التي ردّت على هذا التصرّف بنشر أسطولها في المياه الدولية مقابل الأسطول الروسي المقترب. غاية الكرملين كانت الرد على سعي الولايات المتحدة نشر صواريخ في تركيا موجّهة صوب الأراضي الروسية. غاية البيت الأبيض والبنتاغون الدفاع (بالهجوم إذا ما اقتضى الأمر) عن الولايات المتحدة من شر مستطير.
هناك حقائق كثيرة تداخلت في هذه الأزمة من حين اشتعالها لحين انطفائها، لكن الفيلم الخامس من سلسلة "رجال إكس" لا يتعامل معها بل يوظّف الأزمة للحديث عن محاولة ضابط نازي سابق أسمه سيباستيان (كڤن باكون) إشعال الحرب بين الطرفين لمصالحه الخاصّة، لأنه إذا ضرب كل طرف الآخر فإن البقاء سيكون للضابط الذي استطاع الإنتقال من النازية الى العمل الإرهابي مستخدماً قدراته غير الطبيعية. أبطال الفيلم، او بعضهم على الأقل، بمن فيهم أكزافييه (جيمس مكفوي) وإريك لنشر (مايكل فاسبيندر) ورافن (جنيفر لورنس) سيحاولون إنقاذ العالم والقضاء على خطط سيباستيان. لكن أحد هؤلاء، وهو إريك، لديه ثأراً خاصّاً ضد سيباستيان. إريك كان صغيراً حين قتل سيباستيان أمّه بدم بارد. سنة 1944، وهو العام الذي يفتتح الفيلم به أحداثه، كان إريك ووالديه (وهم يهود) في معتقل نازي. حين فصل الجنود بين الصبي ووالديه بلغت ثورة الصبي درجة أن البوابة الحديدية الفاصلة بينه وبين اليهود المساقين للإعدام اهتزت من مكانها وتقوّضت. سيباستيان شاهد ذلك وأراد استخدام الصبي لغاياته وحين امتنع قتل والدته. هنا يدخل الفيلم مضمار موضوعه الثاني: لقد شبّ إريك اليهودي على الرغبة من الإنتقام من النازي. ليس فقط الإنتقام من سيباستيان، بل من الألمان عموماً.
الرسالة هنا هي أن النازية شر خلق لدى اليهود عقدة الإنتقام، لكن هذه العقدة (او الرغبة الجامحة) ليست في محلّها، وبل- يقول الفيلم على لسان أكزافييه- خطأ.
البعد الواضح حين رفع درجة الدلالات درجة او درجتين هو أن النازية تساوي الصهيونية، او على الأقل تساوي التطرّف اليهودي الذي سعى، ولا يزال، للإنتقام من كل رمز من رموز النازية٠
The Reader
في حين لا يختلف إثنان حكيمان على أن النازية كانت شرّاً وخيماً أدّى إلى إبادة نحو أربعين مليون نسمة من كل الديانات والأجناس وأطراف الصراع، فإن العمل على إحالة العالم الى مكتب حسابات متأخرة وإشغاله بقضايا هي في الصميم إنسانية لكن تم تجييرها لخدمة أهداف سياسية لا بد أنه بات من الأمور التي تجرأ السينما على طرحها.
وهوليوود، الذي صدر كتاب جديد يدينها بسبب مواقفها الليبرالية هذه، وضعه المخرج ديفيد ماميت، تبدو اليوم أكثر جرأة مما كانت عليه من قبل. ليس فقط بسبب أفلامها المتكاثرة حول توغّلها غير المبرر في العراق وما نتج عنه، بل في أفلام مثل "أڤاتار" حيث المارينز الأميركي يقود حملة لإبادة شعب مسالم ويحاول تغيير عقيدته٠
وكان المخرج جوليان  شنابل أنجز في العام الماضي فيلما حمل رسالة تدعو إسرائيل الإنسحاب من الأراضي المحتلة بعد 1967 وأدان تصرّفاتها العدائية حيال الفلسطينيين. الفيلم هو "ميرال". وقبل ثلاثة أعوام تم تحقيق "القاريء" الذي يتحدّث بلسان واضح حين يطلب من ضحايا النازية نسيان ما حدث والتعايش مع العالم بروح جديدة.
والمرء يستطيع أن يبحث ليجد أنه في إطار السينما الروائية (أما الوثائقية فحدّث ولا حرج) زادت نسبة الأفلام التي تطرح الاسئلة حول هذه السياسات وما تؤول إليه من دمار، كما الحال في "ف للإنتقام" (إخراج جيمس ماكتيغ) سنة 2008 و"أبناء الرجال" لألفونسو كوارون. بل يمكن العودة الى العام 1993 عندما أنجز المخرج وولتر هيل "جيرونيمو: أسطورة أميركية" حول الزعيم الهندي الذي حارب بثلاثين مقاتل من أتباعه الجيش الأميركي لأكثر من عشر سنوات دفاعاً عن أرضه. من رأي ذلك الفيلم آنذاك، او من يراه اليوم، سيدرك أن الحديث كان موازياً للحديث عن فلسطين ذاتها

إستعادة | أحمد الكبيسي (خاص بـ"ظلال وأشباح")٠

يوميات الدراجة النارية Motorcycle Diaries
الإنسانية على دروب البؤس الوعرة


يدور فيلم "يوميات الدراجة النارية" عن  رحلة الصديقين : أرنيستو تشي جيفارا الذي أصبح بعد هذه الرحلة بسنوات أهم وأبرز قادة التحرر الثوري في أميركا الجنوبية وكل أنحاء العالم. يلعب دوره ببراعة وجاذبية الممثل غاييل غارسيا بيرنال وزميله ألبيرتو غرينادو واللذان يقرران أن يقوما برحلة على دراجتهما النارية  المسمّاة بـ The Mighty one والتي ستأخذهما أبتداءا من العاصمة الارجنتينية بوينس أيرس مرورا بتشيلي والبيرو وأنتهاءا بفنزويلا. يريد كلاهما من هذه الرحلة رؤية أميركا الجنوبية لا بل أن "غرينادو" (لعب دوره بكل أتقان أيضا رودريغو دي لاسيرنا)  يريد أن يكمل الرحلة قبل أتمامه الثلاثين من العمر. تبدأ الرحلة بانهاء الصديقين أستعداداتهما لها وللوهلة الاولى ترى أن الدراجة الجبارة لن تستطع أن توصلهما الى أي شارع في الارجنتين فكيف بها الآن تجوب  قارة أميركا وهي محملة بكل تلك الأمتعة التي على متنها؟ لكن أصرار الشابين المندفعين وأبتسامتهما، وهنا دقة في ملامح الشابين وقدرتهما الواعدة في تحريك المشاهد عندما يودع تشي غيفارا عائلته ويستقل هو وزميله الدراجة معلنين بدء الرحلة. بدء مغامرة لطالما راودتهما وأحبا أن ينفذانها وهاهي اللحظة قد حانت ودارت تلك العجلات أيذانا ببدأ المغامرة٠

تنتقل الكاميرا الى" تشي" يُدعى طوال الفيلم كنوع من التدليل بـفوسير هذا الشاب الوسيم البريء وهو يلتقي في منزل بعد أحدى توقفات الدراجة المنهَكة، يلتقي بفتاة يبدو أنها فتاة أحلامه بعد مشاهد راقصة وحميمية بين" فوسير" والفتاة.وفي مشهد داخل السيارة التي كانت الملاذ الوحيد للعاشقين بعيداً عن أعين من في المنزل من أهل وأقارب الفتاة،يتبادل العاشقان كلام الحب وتطلب الفتاة من "فوسير" أن يعود لها شرط وأن لايتأخر لانها لن تنتظره الى الأبد، ويعدها "فوسير" بذلك لابل أنه يأخذ منها مبلغ 50$ العهد الذي يقطعه على نفسه بانه سيعيد اليها هذا العربون كدليل على حبه وأخلاصه لها. تستمر الرحلة مجدداً بدوران تلك العجلة الصدئة بتقلباتها وإنحرافها مرات عن الطريق ومرات أخرى بسبب رعونة "غرينادو" في قيادتها. لقطات ساحرة برع فيها التصوير والاخراج معاً في تصوير أجواء الرحلة المجنونة عبر أدغال ومجاهل أميركا الجنوبية الساحرة. يصل الشابان الى تشيلي وتتناقل صحيفة أخبار رحلتهما عبر تلك الدراجة وتقودهما هذه الاخيرة الى مشاكل عديدة ليست بأقل من المشاكل التي يتسبب بها الشابان من خلال صراحة وبراءة "فوسير" تارة وتهكم ورعونة "غرينادو" تارة أخرى٠

يصور لنا الفيلم في هذا الجزء صدق وعفوية الشابين واندفاعهما نحو حياة لاتخلو من المخاطر ولكنها جميلة في نظرهما وهما الان أحراراً على متن تلك الدراجة يندفعان. يضحكان. يبتليان بعديد المشاكل والمخاطر. في هذا الجزء تحديداً تلعب الكاميرا والقصة دوريهما وصوت فوسير (بيرنال)  سارد القصة منذ بداية الفيلم يؤدي كبير الأثر في إضفاء جو من المتعة والمرح في نفوسنا٠
يصل الشابان الى البيرو وتبدأ القصة بالاندفاع كلاهما يعلم أن عمر هذه الدراجة قصير ولكن أصرارهما على أنهاء الرحلة يشتد لحظة بلحظة. عند بلدة فالبيراسو وهنا أنعطافة في الأحداث يستلم كلاهما رسالة. يقرأ "فوسير"الرسالة الخاصة به وخلالها تتبدل ملامحه، يتقدم اليه "ألبرتو" وسرعان مايعلم أن الفتاة التي يحبها "فوسير" قد تركته. هنا تبرع الكاميرا في تصوير "فوسير" في لقطة معبرة وهو بمواجهة البحر وكأننا نلجا اليه لندفن معه أسرارنا وهكذا فعل هو. تستمرالرحلة لبرهة الى أن تتوقف إضطراريا وهذا متوقع عندما تصطدم الدراجة الكهلة ببقرة على قارعة الطريق معلنة لحظة الوداع. وعمد المخرج عبر الكاميرا تصوير لحظة فراق الدراجة كأنها كائن بشري رحل عن هذه الدنيا لا بل أن المخرج زاد في مدلولات هذه اللقطة عبر تصوير "ألبرتو" وهو يقبل دراجته ويبكي عليها لابل أنه يغطيها كالميتة. فقد حبيبته هكذا ناداها وهنا لقطة بارعة أخرى فكلاهما خاسر والاكثر من ذلك أن حلمهما قد أنتهى. الحلم الذي لطالما أحبا أن يكون واقعاً متحدين بذلك الجميع :الفقر، الألم والناس في ظل ذلك الواقع المرير الذي تعيشه أميركا الجنوبية. كل ذلك كان له التاثير الكبير على شخص "فوسير" الذي يبرز الفيلم نزعته الجارفة،البريئة والصادقة تجاه المعدمين وهم كثر في هذه القارة الجميلة المعالم حتى أنه يقول لزميله ألبرتو في أحدى اللقطات وهم أمام أحدى الشواهد التاريخية في أحدى مدن البيرو :"كيف يستطيع أحدهم أن يبني صرحا رائعا كهذا ويترك مدينة مثل ليما بهذا الشكل المريع والمخجل". جملة مؤثرة وعميقة في عالم مرير وشديد القسوة٠

تنتقل الأحداث وهاهما مرة اخرى ولكنهما الآن على الأقدام بعد وداعهما للدراجة، وهنا تبرز براعة القصة التي تنتقل من أجواء حميمية ودافئة ومرحة بين الشابين الى سيرهما على الأقدام حيث يشاهدان البؤس والمرارة. كيف يحصل هذا ؟ ولماذا ؟ أناس مسحوقون، مُستغلون ومستعبدون. تمر هذه مشاهد الفيلم معها الى أجواء الالم والمرارة التي تعيشها هذه القارة من العالم. كان حلم "تشي" وهو ما ظل يردده في الفيلم أميركا موحدة وهنا تبرز ومن تلك المشاهد تحديدا نزعة "تشي" الثورية تارة والانسانية الصادقة تارة أخرى. كان لابد من أبراز هذه الجوانب في شخصية الانسان الذي شغل الدنيا والعالم برمته. أذ كانت شخصيته تلك الالهام الاكبر لكل الثورات الصادقة والمعبرة عن فكر أنساني صادق٠
تصل الأحداث بنا الى فينيزويلا والتي ستكون خاتمة الرحلة بالنسبة للاثنين. قبلها يتوقفان في أحدى المستشفيات حيث يقومان بمساعدة قرية تطل على نهر يفصلها الى جانبين، حيث الجانب المتمدن من مستشفى ودير كبير وجانب أخر على الضفة الاخرى حيث الناس يعانون مايعانون، أذ يعملون بأطراف مقطوعة من جراء الأوضاع الصعبة التي يعيشونها من فقر،جوع ومرض. المخرج ينقلنا الى مشاهد لم نألفها في بداية هذا الفيلم. مشاهد لم تكن الدراجة كفيلة بأن تقلهما لمشاهدتها، مشاهد أراد المخرج من خلالها تعميق الاثر الانساني عبر الحب والامل في نفوس أولئك المستضعفين على الارض وما أكثرهم. فمن مشهد لعبور الطبيبان الى الضفة الاخرى ورفضهما لارتداء أي قفاز لليدين خشية  أن تنتقل اليهما الامراض مرورا بمعالجتهما أفراد هذه القرية وأهتمامهم بسكانها لا بل وحتى مشاركتهم في لعب كرة القدم مع السكان. تسير هذه  الاحداث وتوفر لنا الموسيقى المصاحبة وتنقلات الكاميرا جوا خلابا، أسرا للمشاعر تلك القلوب الطيبة لسكان القرية التي تأبى أن ينام طبيبها "تشي" جائعا بعد مشهد يبين لنا خلاف الكنيسة مع الشابين والتي ترفض أن تمنحهم وجبة الغذاء وذلك لعدم حظورهم لقداسها الاسبوعي، عندها يهم أبناء القرية وهم يحملون أطباق الطعام الممتلئة ويقدمانها للشابين. أنها اللقطة الاكثر تعبيرا والتي مهد لها المخرج الى أن أمدنا بها في توقيت مناسب وضروري للقطته المقبلة٠
 
لقطة نهاية مشهد القرية "تشي" يحتفل بعيد ميلاده الرابع والعشرين. ينتشي، يضحك، يقوم بشكر أصحاب المشفى والدير. ثم يخرج الى النهر يتبعه ألبرتو، يسأله تشي عن المركب الذي يقلهما فيوميء له ألبرتو بأنه في وسط النهر، عندها يقوم تشي بخلع ملابسه ويقفز الى النهر ويبدا بالسباحة الى الضفة الاخرى، الضفة التي من المفروض أن تبقى مهمشة، مهملة، منسية، الا أن تشي يأبى ألا أن يشاركهم كمن يقول في سره "ما من شيء يفرقنا" كشعاره أميركا لاتينية واحدة. يالها من لقطة، الجميع ألبرتو والطبيب،الأخوات في الكنيسة تجمعوا حول ألبرتو الذي ما فتأ  يصرخ" ارجع، أرجع" "انت مجنون" مطالبين تشي بالعودة والتوقف عن السباحة لكنه يستمر حتى أن المشهد لبراعته ورمزيته يحيلنا الى أن "تشي" لن يفعلها ولكنه يستمر حتى أخر نفس، أنه الحلم الذي ينشده "تشي"، براءة أنسان وعزيمته الشديدة على تحقيق ما يصبو اليه. مشهد خزين بالمشاعر الصادقة تؤطر لقطاته  الموسيقى. "تشي" هنا كالطفل الذي يدنو من والدته طالبا المزيد من الحب وفي قلبه لا شيء سوى الشغف.نهاية المشهد : يصل "تشي" ويحتفي به من كان على  الضفة الفقيرة أذ أنهم كانوا على شوق من مغامرته يساندونه من على تلك الضفة. تتوحد الضفتين وتصرخ فرحا لوصوله سالما. انها بداية الانتصار، انتصار النفس الانسانية البريئة والمحبة. "لنكن أنسانيين" هذا ما ردده "تشي" في النهاية وهو يسرد القصة علينا. انها نهاية مميزة لرحلة جميلة. بداية انسان على درب الكفاح المسلح ولكنه كفاح من أجل الحب والتألف الانساني٠

تنتهي الرحلة. يفترق الصديقان. كل في درب. ألبرتو يبقى في فينيزويلا للعمل هناك أما تشي فيعود الى الارجنتين. أنها العودة ولكنها ستكون أنطلاقة لحياته الثورية القادمة والتي كان لهذه الرحلة الاثر الكبير في بلورته. ختام الفيلم:صور لاولئك الذين قابلهم الشابين خلال الرحلة، صور لاناس منهكة ومهمشة. أنها صور أراد المخرج تصويرها بالابيض والاسود بمصاحبة قرعات طبول قوية كتذكير لنا بوجودية اولئك المنسيون، بانهم موجودون حتى في زمننا الراهن، زمن العولمة الجارفة.انه فيلم تدور أحداثه عام 1952 ولكن لو أردنا ربط أحداثه بسنواتنا القليلة الماضية لوجدنا بينهما كثير من الشبه.

يبرع "والتر ساليس" مخرج الفيلم  في أعطاءنا فيلما شاعريا، خلابا هذه هي الكلمة وممتع أيضا، مدير التصوير"أيريك غوتير" كان بارعا في لقطاته التي تنقلت بين مشاهد الطبيعة الخلابة لاميركا الجنوبية خلال رحلة الشابين وكان لانتقال كاميرته بين الطبيعة والناس مدهش في توثيق حالات البؤس والالم معا.   كذلك الموسيقى التصويرية لـ "غوستافو سانتاولولا" أذ تباينت ألحانها بين الشاعرية والغضب والتحدي عبر لقطات الفيلم وأحداثه.الممثلون كانوا على درجة عالية من التميز خصوصاً بطل الفيلم غاييل غارسيا بيرنال في دور تشي غيفارا والذي أقترب شكلا ومضموناً من شخصية غيفارا حتى أنك تخال أن بيرنال هو الاصل في لقطات كثيرة من الفيلم وهي اللقطات الحيوية وهنا تبرز مقدرته العالية على أجادة الدور بدرجة متميزة، كذلك التميز كان من نصيب "ألبرتو غرينادو" رفيق" تشي" والذي أداه رودريغو دي لاسيرنا أذ أن الفيلم بني أساسا على رحلة الشابين وتاثير كلاهما في الاخر وقد نجح دي لاسيرنا في أداء الشخصية المليئة بالمرح والنشوى والمغايرة لشخصية تشي. بقي أن نشير الى أن احد منتجي الفيلم الرئيسيين هو الممثل الاميركي المرموق" روبرت ريدفورد" والذي أخذ على عاتقه أنتاج فيلم يتعلق بحياة أكثر الاشخاص عداءا للولايات المتحدة الاميريكية. الا أن من يعرف ريدفورد يتيقن بأن الرجل كان دائما وراء المضمون أكثر من الشكل  أذ انه بات أكثر الفنانيين أهتماما بالسينما المستقلة لابل انه يدير مهرجان صاندانس للافلام المستقلة والذي يعرض نتاجات الفنانيين الواعدين بعيدا عن الاستديوهات الضخمة. ينتهي الفيلم بعبارة جميلة :" هل أردنا من خلال هذه الرحلة أن نمتع رغباتنا الشخصية، هل كنا طائشين الى هذا الحد في هذا الوقت من عمرنا، ربما "٠
 

الثري دي أمام إمتحان جديد
العام 2011 سيقرر إذا ما كان سيستمر أو لا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Alice in Wonderland




بينما يقتحم "قراصنة الكاريبي: على أمواج أغرب" عقر النجاح الكبير مسجّلاً منذ خروجه للأسواق أكثر من 620 مليون دولار حول العالم، تحاول الشركة المموّلة، ديزني، قراءة معطيات مهمّة تقع على هامش هذا النجاح. فإلى جانب أن المبلغ المذكور لا يعتبر أرباحاً بعد نظراً لأن الفيلم كلّف نحو 400 مليون دولار والإيراد المسجّل معظمه لا يزال دون مستوى إنجاز الربح نظراً لتعدد الحصص وتكاليف التوزيع، هناك مبرر لقلق آخر: 65 بالمئة من مشاهدي الفيلم في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، شاهدوا الفيلم بنسخته المسطّحة، أي أن أقل من النصف شاهده بنسخة الأبعاد الثلاثة٠
ذلك مهم لأن الرهان بالنسبة لاستديوهات هوليوود المتنافسة على كعكة الجمهور هي إطلاق المزيد من الأفلام بالأبعاد الثلاثة على أساس أن غالبية الجمهور سيرغب في مشاهدة هذه الأفلام وسيتبنّاها على الدوام. بل أن بعض الشركات توقّع بأنه بحلول العام 2017 ستكون نسبة الأفلام ذات الأبعاد المتعددة ارتفعت من نسبتها الحالية (20 بالمئة) الى 75 او 80 بالمئة.
وكانت الأفلام التي تم توظيفها في العامين الماضيين قد أنجزت نجاحات ملحوظة، حيث كان الإقبال على "أفاتار" و"أليس في أرض العجائب" و(الفيلم الكرتوني) "كيف تدرّب تنينك" سجل نسبة تتراوح بين 55 و60 بالمئة من مجموع مشتري التذاكر.
وكانت الفكرة السائدة هي أن ذلك دليل على أن المستقبل هو لسينما الأبعاد الثلاثة بكل تأكيد، ما دفع المخرج جيمس كاميرون، وقد رأي ما لم يره المنتجون ومدراء الاستديوهات، الى التحذير من محاولات استنزاف هذه التكنولوجيا ما يعود بالضرر عليها. لكن أحداً بالطبع لم يعره اهتماماً كبيراً، فالمهم كان الذهب ولو على حساب الوزّة بأسرها. لذلك داومت نسبة المنتج من الأفلام ثلاثية الأبعاد بالإرتفاع بالثقة واليقين ذاتيهما الى أن كشف الجزء الرابع من "قراصنة الكاريبي" هشاشة هذا الوضع بأسره٠

سبب وحيد
ليس فقط أن القليل من الفيلم المذكور كان بحاجة الى بعد ثالث، وليس فقط أن مشاهد معيّنة- مثل مشهد امتشاق الممثل إيان مكشاين السيف وتوجيهه صوب الكاميرا، وهو مشهد مثير للضحك بحد ذاته- تسقط على الأرض من فرط هزالها، بل هناك حقيقة أن مشاهدته بالبعدين الكلاسيكيين أفضل -من النواحي التنفيذية والتقنية المحضة- من النسخة الأبعاد الثلاثية. ومن شاهد الفيلم مرّتين (او مرّة ونصف على أساس أن المرّة الثانية كانت للحكم على تقنية الأبعاد الثلاثة بالنسبة لهذا الناقد) يدرك أن مبررات التكثيف البعدي ذاك ليست من الضرورة بحيث كان لابد من تنفيذ الفيلم بهذه الأبعاد. ليست هناك جماليات من تلك التي حرص عليها جيمس كاميرون في "أفاتار" بحيث تمنح الفيلم سبباً مهمّاً لمشاهدته ثلاثي الأبعاد. ولا هناك سبب درامي لا يمكن استيعابه وهضمه كاملاً الا بمشاهدته على ذلك النحو٠
Hara Kiri: Death of a Samurai

السبب الوحيد الذي من أجله تقدم هوليوود علي إطلاق أفلام بالأبعاد الثلاثة يعود الى أنها تستطيع بيع التذاكر بسعر أغلى من سعر تذكرة النظام ذي البعدين. سعر تذكرة الفيلم المعروض كلاسيكياً يتراوح بين 12و 14 دولار، وسعر الفيلم المبرمج ثلاثياً يتراوح من 18 الي 20 دولار. هذه الزيادة تمنح الجهة المموّلة وسيلة إضافية لإنجاز الأرباح، وكلّما ارتفع عدد حضور الفيلم الثلاثي كلّما ارتفعت أرباح الشركة المموّلة وحصّة الصالة العارضة. وكان المتوقّع أن يستمر هذا الإرتفاع الى حين يسود فيها البعد الثلاثي على معظم ما يتم إنتاجه. وقد تم بالفعل طرح أفلام رعب وأفلام أنيماشن وأفلام كوميديا وأفلاماً تاريخية بدافع تعميم النظام على كل الأنواع السينمائية الجماهيرية٠

لحق بالموضة
والحقيقة هي أن ليس كل فيلم بحاجة الى أن يبرهن نفسه باستخدام أي نظام او وسيط جديد على الإطلاق. المسألة ليست في قبول فيلم ألوان على فيلم أبيض وأسود، بل مسألة أن المطلوب من الفيلم، وهو طلب يشترك فيه كل من يشتري بطاقة دخول، هو أن ينجح الفيلم في جذبه هو إليه، وليس العكس. الشاشة ذات البعدين هي المسافة الفاصلة والحقيقية بين الواقع (الصالة) وبين الخيال (الفيلم وما يدور فيه)، أما نظام الأبعاد الثلاثة، فهو محاولة لفرض الفيلم على مشاهديه، أي تأدية الدور معكوساً فعوض عملية جذب المشاهد، يجد المشاهد الفيلم وقد انتقل إليه. معظم ردّات الفعل المسجّلة هي ما بين فتور الحماس على نظام الأبعاد الثلاثة او الإعجاب الحذر به كما قال أحد المشاهدين حال خروجه من فيلم "صراع الجبابرة": "هذا أول فيلم ثري دي أشاهده، وقد تسليّت لكني أعتقد أن نظام البعدين هو ما سأواظب عليه". هذا يبدو دافعاً ملحوظاً وراء قيام غريغ فوستر، رئيس إيماكس فيلمد انترتاينمنت للتعليق في صحيفة "ذ نيويورك تايمز" قائلاً: "الجمهور ذكي جدّاً. حين يشتم رائحة شيء ما يشتبه بأنها دخيلة، فإنه يعرفها على الفور ويحذر".
وما عرفه الجمهور هنا هو أن معظم تلك الأفلام الثلاثية ما هي الا محاولة استخراج ثمن أعلى من محفظته لا أكثر من ذلك ولا أقل.
لكن المحاذير كثيرة، وبعض هذه المحاذير ثبت أنها طبّية ومنها خروج كثر من الصالة وهم يحملون عوض الصور الخيالية التي يحبّون استذكارها، وجع رأس وغشاوة نظر. أحد هؤلاء، وأسمه جوش جيمس خرج من فيلم "أليس في أرض العجائب" وبعد دقائق على ركوبه سيّارته أصيب بإغماءة وهو وراء المقود وأنقذ نفسه بحسن التصرّف فأوقف السيارة على الفور وطلب الإسعاف. وهو واثق من أن مشاهدة الفيلم كانت وراء ذلك ولاحقاً ما أثبتت الفحوصات أنه لم يكن يعاني من أي خلل عضوي، كما أن الشرطة التي فحصته لم تجد أي أثر للكحول٠
هذا المثال ربما استثنائي، لكن ما هو عادي سماع أناس يشكون من الصداع وزغزعة البصر خلال او بعد العرض٠
وكان مهرجان "كان" لحق بالموضة وعرض فيلم المخرج الياباني ناكاشي ماييكي "هارا كيري: موت ساموراي" بالأبعاد الثلاثة. لكن هذا الناقد كان من بين القلّة التي استمتعت بمشاهدته بالبعدين التقليديين علماً بأن النظارة المصاحبة كانت مجرّد مناسبة للتأكد من أن مشاهدة الفيلم بالبعدين لم تلغ أي من حسناته. الحقيقة أنها أضافت إشباع الموضوع من دون محاولات تأثير إضافي.

ما سبق لا يعني أن الثري دي أصيب بضربة قاضية، او أن هوليوود سترفع يدها عنه وتترك الناس أحراراً من تبعيّته او نفسها طليقة من تحت براثن الجشع المادّي الذي يسيّرها حالياً. كل ما في الأمر هو أن الثقة تزعزعت خصوصاً وأن "قراصنة الكاريبي: على أمواج أغرب" كان يُنظر إليه كخشبة خلاص من خمسة أشهر ميّتة من العروض السينمائية وبداية صيف مشحون. صحيح أنه سجل رقماً مرتفعاً في الولايات المتحدة (256 مليون دولار للآن) لكن عزوف الناس عن مشاهدته مثلّث الأبعاد يطرح معضلة ما إذا كانت الأفلام التي ستعرض قريباً ضمن هذا النظام ستواجه العزوف نفسه او أكثر منه. فمن الآن وحتى شهر أيلول/ سبتمبر هناك ستة عشر فيلماً جديداً بالأبعاد الثلاثة ستتوالى بمعدل واحد او إثنين كل أسبوع. هناك مثلاً "ترانسفورمرز 3" بعد نحو شهر من الآن و"الإتجاه الأخير 5" و" القيادة بغضب" و"الذهب العميق" و"المصباح الأخضر" و"هاري بوتر والمقدسات المميتة" و"كابتن أميركا: المنتقم الأول"٠
وفي صنف الأنيماشن "سيارات 2" و"أسد جودا" و"كونغ فو باندا 2" و"ذ سميرف" علماً بأن الإقبال على أفلام الأنيماشن عموماً قد انفخض منذ مطلع العام مع عروض مهزوزة لـ "ريو" و"رانغو" و"هوب"٠
وهناك أفلام عديدة مخطط لها بنظام الأبعاد الثلاثة، لكن إذا ما استمر عزوف الناس عن مشاركة هوليوود الإحتفاء بها، فإن العام 2011 سيصفع ستديوهات هوليوود بكف تنبيه: ليس كل ما يلمع ذهباً
  


حوار | ريما المسمار (صحيفة "المستقبل")٠
اعتمدت الفانتازيا وعناصر الخرافة هرباً من السياسة والجغرافيا المحددة

قدّمت المخرجة اللبنانية الشابة ندين لبكي فيلمها الروائي الثاني "وهلأّ لوين؟" في مهرجان كان السينمائي الأخير، حيث عرض في قسم "نظرة ما"، وذلك بعد أن قدّمت باكورة أفلامها "سكّر بنات" (2007)، في تظاهرة "نصف شهر أن قدمت باكورتها، الموازية للمهرجان٠ على الرغم من التكتّم الشديد والسرية اللذين أحاطا العمل في فترتي التحضير والتصوير، لم يكشف الفيلم عن مفاجآت في الموضوع بقدر ما فعل لجهة المقاربة وتحوّل الأحداث٠ ولتلك الغاية، لن نكشف عن تفاصيله ليتسنى للجمهور المحلي متابعته لاحقاً في وقت إطلاق عروضه المحلية في أيلول/سبتمبر المقبل٠ ولكن يكفي القول أن لبكي تأخذ من الواقع اللبناني عقدته الاساسية (الحرب والتناحر الطائفي) موضوعاً أساسياً لفيلمها، متخذة من اسلوبها السلس في المعالجة اتجاهاً يوازن بين ثقل الموضوع وعبثيته٠
تبدأ الأحداث في قرية جبلية، سكانها من المسلمين والمسيحيين الذين اختبروا حرباً في الماضي، لا تزال آثارها ظاهرة في المقبرة القريبة والأسود الذي يوحّد لباس بعض النسوة وفي النكات والتعليقات الطائفية المبطّنة والظاهرة٠ تبدو القرية جزيرة مقطوعة عن العالم، إلا من خلال جهاز تلفزيون قديم مثبت في الهواء الطلق في زاوية يتيمة قادرة على استقبال إشارات البث، وبعض الصحف الذي يجلبه "نسيم" (كيفن عبود) إبن صاحبة الفرن "تقلا" (كلود باز مصوبع في أداء لافت) من خارج القرية بواسطة دراجته القديمة٠ أما حدودها فحقول ألغام قد يذهب ضحيتها أحد أهاليها أو المعزة "بريجيت"! لا يلبث ذلك التواصل مع العالم الخارجي أن يتحوّل تهديداً بانقسام طائفي جديد، لا يحتاج إلى الكثير لكي ينفجر٠ فأخبار التلفزيون والصحف تنقل بوادر حرب قادمة، ما يلقي الرعب في نفوس النساء اللواتي لم تجف دموعهن بعد على فقدان أبنائهن وأزواجهن في الحرب السابقة٠ هكذا يقرّرن، على الرّغم من شكوكهن الذاتية بالسلم والتعايش، تجنيب الرجال حرباً ثانية وبأي ثمن٠ فتنطلق سلسلة من الخطط الطريفة للتحايل على الرجال وإلهائهن، تصل في النهاية إلى حل سوريالي، يحمل في باطنه سؤال "ماذا لو؟"٠
هنا حوار مع لبكي أجري في كانّ، تتحدث فيه عن التجربة والفيلم٠

وهلأّ لوين؟ فيلم مؤسلب منذ المشهد الأول، على الرغم من أن الموضوع  [ شديد الواقعية والحضور في تاريخنا القريب وحياتنا اليومية٠ لماذا اخترت هذه المقاربة؟ وهل بدأت على الورق أم في مرحلة التصور الفني للسيناريو المكتوب؟
  بدأت الفكرة على هذا النحو منذ لحظة الكتابة الأولى٠ وكانت حاجة أكثر منها - خياراً فنياً٠ فالحديث على موضوع يمس الدين والحرب والسياسة في لبنان يبقى اسير تأويلات وأطر سياسية محدّدة٠ صحيح أن الفيلم يتحدّث عن إسلام ومسيحيين، ولكنّ الحكاية كان يمكن أن تتناول السود والبيض، أو أن تدور أحداثها حول ديانتين أخترعهما أو بين عائلتين متقاتلتين٠ هذا الأسلوب فوق الواقعي أتاح لي اختبار القصة والشخصيات أبعد من الرموز والمرجعيات المحلية الضيقة٠ ثم إن اسلوب التعبير هذا بالجسد والموسيقى يروقني كثيراً في الواقع٠ أجد الحدس أقدر على البوح والتعبير من الكلام٠ فالطريقة التي تسير النسوة بها في افتتاحية الفيلم، مع حركة أجسادهن وانحنائهن، تعبّر عن وجعهن أكثر من الكلمة أو الدمعة٠ أردت أن يكون المدخل إلى الحكاية قوياً بالمعنى التعبيري ليفهم المشاهد على الفور الياس الذي ستنطلق منه أفعال النساء لاحقاً٠ ولم يكن بعيداً من تفكير المشاهد الغربي٠ فنحن كعرب حياتنا اليومية دراما مستمرة ونفهم من إيماءة ماذا يعني هذا الوجع٠ أما المشاهد الغربي فخارج حكاياتنا وسياقنا٠ من هنا كان خياري أن تكون النبرة اقرب إلى من يحكي حكاية متخيّلة، أو خرافة٠ وأكملت بهذا الاسلوب إنما من دون أن يتحول الفيلم إلى عمل موسيقي أو خرافي بشكل كلي٠ بل هو دراما مطعّمة بالكوميديا والموسيقى والفانتازيا٠
  تعليقاً على نقطة المشاهد الغربي، هل هي ما دفعتك إلى الإستعانة بالكاتب [ الفرنسي توما بيديغان؟
توما كاتب فرنسي مرموق ولكن دوره كان استشارياً في المرحلة الأخيرة من السيناريو٠ عملنا لنحو أسبوع على بناء الفيلم ولم نقم بتغييرات كبيرة٠ ولكن نظرته كانت مهمة بالنسبة إلي ككاتب يعمل في السينما العالمية، أردت ان اعرف كيف ينظر إلى السيناريو الذي كتبته مع رودني الحداد وجهاد حجيلي٠
  هذه المقاربة استعاضة عن المسافة غير المتحققة في الواقع عن الماضي٠ ولكنّها[ أيضاً هروب من السياسة٠
هذا صحيح تماماً٠ لأنني شخص لا يحب السياسة ولا يدعي فهماً وتحليلاً وعمقاً سياسياً٠ أنا أقرب إلى أكثرية اللبنانيين الخائبة ظنونهم والضجرين من واقعهم٠ لا أجد في الطبقة السياسية الحاكمة من يمثلني أو يعبّر عن افكاري٠ فقدت الإهتمام بهذا الجانب ولكن الأسئلة مازالت موجودة٠ أنظر إلى الاشياء من منظار الساذج، وبحيرة طفل يفاجئك بسؤال بسيط ينبّهك إلى حقيقته وإلى مشروعية تساؤله٠ بهذا المعنى، أتمنى أن يتخفّف المشاهد اللبناني إزاء الفيلم من الواقع ومن الدلالات السياسية والجغرافية ليتمكّن من العثور على ما هو أبعد من التطابق في الفيلم بين الأحداث والواقع٠
  الفيلم لا يقوم على ادعاء تحليلي أو سياسي بل على خطاب شعبي يردّده [ الناس كل يوم في صيغة اسئلة مثل: ماذا بعد؟ ألم ننتهِ؟ بهذا المعنى، ما الذي يضيفه الفيلم؟
  الفيلم تعبير ذاتي بالدرجة الأولى عن هواجس تدور في داخلي، أسوقها - بطريقة بسيطة ومن دون أي بعد تحليلي سياسي وبنفس الأسئلة التي نردّدها كل يوم من دون أن نتعلّم منها. تعاظمت الفكرة في رأسي بعد 7 أيار 2008   بعد شعرت بالفعل بلامعقولية الاشياء
كيف يمكن الجيران أن يتقاتلوا؟ والأخوة أن يتعادوا؟ كيف يمكن خلاف في شارع أن تنتقل عدواه إلى شارع ثانٍ هكذا من دون مبررات أو مقدّمات وفقط لأن المتقاتلين لا ينتمون إلى طائفة واحدة؟
  ولكن الإعتقاد بأن الناس كانوا يعيشون في ثبات ونبات قبل ذلك، كما تقول  إحدى شخصيات الفيلم، هو أيضاً اعتقاد خاطئ وبشهادة الفيلم أيضاً٠ فأنت لا توفرين فرصة لتوصيل فكرة الأحكام المسبقة التي تقوم عليها نظرة كل طرف إلى الآخر٠
 و\هذا صحيح وموجود وأنا أقدّمه في الفيلم في إطار التكاذب الإجتماعي - والإنكار المستمر لحقيقة أننا كلبنانيين، أو معظم اللبنانيين، لا يطيقون فكرة الاختلاف ولا يستطيعون تقبّلها٠
  في غياب التحليل السياسي والإجتماعي وفي ظل استحالة تقديم حلول  للمعضلة الطائفية في لبنان، تذهبين بالفيلم إلى تخوم المتخيّل بالكامل٠ فتجعلين النساء مفتاح الحل وتبادل الهوية الدينية مخرجاً وإن سيتضح لاحقاً أنه آني٠
  الركون إلى السخرية للتعامل مع خيبات الحياة أشبه باستراتيجية - للإستمرارية وتقوية الذات للنهوض مجدّداً٠ إنها حاجة بالنسبة إلي والحلول التي أطرحها لا تزيد عبثاً عن الحرب نفسها٠ ربما يكون الجانب المتعلّق بالنساء نابعاً من مكان إضافي هو فهمي المستجد، بعدما أصبحت أماً، لهاجس المرأة في حماية أطفالها٠ فهذه مسألة تتطلب اجتراح أسلحة دفاعية جديدة، اقدّمها في هذا الفيلم بأسلوب فانتازي٠
 باستثناء تلك الحلول، لا نجد أن شخصيتك في الفيلم "نوال" تقوم بما يلزم  لحماية حبها لشاب مسلم٠ بل إن تلك العلاقة تظل أيضاً في رسم الخيال والمكتوم، لا يعبّر عنها إلا من خلال أغنية من خارج سياق الفيلم ورقصة متخيلة تحقق لهما التلامس الوحيد٠
  هذا هو واقع الأشياء٠ فمهما اعتبرنا أننا اليوم اجتزنا كل تلك الأفكار، مازال - الزواج اليوم بين شابين من طائفتين مختلفتين إشكالياً، وفي أحيانٍ كثيرة ليس فقط بالنسبة إلى الأهل والمجتمع وإنما أيضاً بالنسبة إليهما٠
  الإختلاف كبير بين فيلمك السابق "سكر بنات" والعمل الحالي٠ لنبدأ من اشتغالك مع ممثلين غير محترفين الذي مارسته في الأول إنما على رقعة اصغر بكثير٠ لماذا هذا الإهتمام بالممثلين غير المحترفين؟
  أحب عفويتهم وارتجالهم وبرأيي أن لحظات الحقيقة التي نعثر عليها في أدائهم- أو حتى في أداء الممثلين المحترفين هي التي تمنح الشخصية والدور والفيلم ككل صدقيته٠ ومما لا شك فيه أن وجودي معهم كممثلة أمام الكاميرا ساعدني كثيراً على اصطياد تلك اللحظات من خلال الإرتجال الذي كنت أتقصّده أحياناً لإثارة ردود فعل غير متوقعة منهم٠ وبسبب حساسية موضوع الفيلم ومنعاً للتأويلات، لم أعطِ النص الكامل لأي من الممثلن غير المحترفين٠ كان العمل يجري يوماً بيوم من دون تحضير مسبق، إلا للحظة التي سنصوّرها٠ أعترف ان الطريقة كانت فوضوية وربما صعّبت العمل على الفريق التقني ولكنها كانت الطريقة الوحيدة للحصول على تلك العفوية التي أحبّها وأتمنى أن أختبرها أكثر في أفلامي القادمة٠
  ماذا عن الإختلافات الأخرى بين "سكر بنات" و"هلأّ لوين؟"؟ أقصد الإنقال   من الدراما الحميمة المغلقة على شخصيات قليلة إلى مزيج من كوميديا وتراجيديا ورقص وغناء وأعداد كبيرة من الممثلين في مشاهد معظمها خارجي؟
  كنت بحاجة إلى أن أشتغل على شيء مختلف تماماً من أجل اختبار قدراتي - وتوسيع خبرتي٠ فذهبت مع "وهلأّ لوين؟" إلى ما هو نقيض "سكر بنات" في الظاهر٠ كانت تجربة صعبة جداً ومتعبة ومع كل ذلك تأتي متعة كبرى٠ بالنسبة إلي، أتمنى أن يكون الفارق الأساسي بين الفيلمين هو تجاوز أخطاء الاول من دون أن يعني ذلك أن الفيلم الحالي خالٍ من الأخطاء٠ ولكن الوقت مازال مبكراً للحكم عليه على الأقل من قبلي لأن الفيلم انتهى قبل ثلاثة ايام فقط من موعد عرضه في مهرجان كان السينمائي٠ في كل الأحوال، أعتبر أن كل فيلم هو تجربة أتعلّم منها ومازال أمامي الكثير٠ فنحن لسنا في منطقة مزدهرة بالصناعة السينمائية والمرجعيات التي يمكن أن ننهل منها. نتعلم من أخطائنا ونكتشف ما الذي نريده كمخرجين على الطريق٠
  قلت إن الإختلاف بين الفيلمين في الظاهر٠ ماذا عن الجوهر؟ هل هنالك  تقاطع بين تجربتيك؟
  العنصر المشترك هو الخوف والتهديد اللذان نحيا فيهما والضغط الذي - يمارسه المجتمع والعائلة علينا٠ في لبنان، واجهات المباني جميلة وشرفاتها مزينة بأصص الزهر ولكن في الخلف مكب نفايات غير ظاهر للعيان٠ الشيء نفسه ينطبق على الناس: يدعون أنهم أحرار وأن كل شيء يسير على مايرام، ولكن الحقيقة أن هنالك الكثير من المحرّمات التي لا نجرؤ على مناقشتها أو كسرها٠
  إلى جانب التمثيل في فيلميك، ظهرت ممثلة في فيلمين آخرين٠ هل تتعاطين مع[ هذا الجانب بجدية؟ وما الذي يثير اهتمامك في التمثيل؟
  علي أن أعترف بأن التمثيل في أفلام مخرجين آخرين أكثر متعة بأشواط - بالنسبة إلي من التمثيل في أفلامي٠ في الأولى، أستمتع بالتفتيش عن الإحساس وعن تفاصيل الشخصية٠ أما في أفلامي، فلا أملك الوقت لذلك٠ في العموم، وأحياناً أشعر بالضعف أمام حقيقة وعفوية الناس غير المحترفين٠ أجد التمثيل نوعاً من علاج أو رحلة في اكتشاف نواحٍ غامضة في شخصيتي والتعرّف على نظرة الآخر إلي٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2007- 2011٠



Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular