May 28, 2011

جوني دب وبراد بت | سنوات ضوئية | كلينت ايستوود وسلسلة هاري | الأفلام الكوارثية

Year 4 | Issue 646                                                                                 

بين ممثلين
  ينبوعان مختلفان للحياة: شجرة براد بت وسخرية جوني دب

فئة محدودة من الأميركيين الذين أقبلوا في الأسبوع الماضي على مشاهدة فيلم ترنس مالك "شجرة الحياة" كانوا مندفعين بخبر فوزه بالسعفة الذهبية كأفضل فيلم. النسبة الأكبر هي تلك التي تعلم قيمة المخرج مالك وينشدون أفلامه دائماً. في أسبوعه الأول، وفي عرض محدود جدّاً شمل مدناً معدودة، جذب الفيلم الذي انتجه ويقوم ببطولته براد بت أكثر من مليوني دولار بقليل.
هذا لا شيء حيال ما أنجزه فيلم "قراصنة الكاريبي: بأمواج أغرب" في الأسبوع السابق إذ بلغت إيراداته أكثر من تسعين مليون دولار في الويك- إند الأول. مع نهاية الأسبوع كان سجّل 109 مليون دولار، وأكثر من ذلك في الأسواق العالمية التي لم يدخل فيلم ترنس مالك تجربتها بعد.
لا شيء مما سبق مفاجئاً: الفيلم الجيّد له حظ أقل من الفيلم المصنوع خصيصاً لإرضاء ذوق جمهور اليوم. وفيلم ترنس مالك مصنوع أوّلاً لإرضاء مخرجه وإشباع رغبته في تقديم رؤيته للعالم قديماً وحاضراً، ثم لإشباع رغبة الباحثين عن فيلم يحمل جناحي الشكل الإبداعي والمضمون الإنساني، بينما فيلم روب مارشال الرابع في سلسلته معمول لإرضاء ذوق الجماهير الباحثة عن مغامرة غير معقولة أخرى يقوم بها الكابتن سبارو (جوني دب) في غمار تلك البحار القديمة.
وفي حين أن فيلم براد بت/ ترنس مالك يحمل في طيّاته رسالة جادّة حول الإنسان على الأرض وحول العلاقات العائلية، فإن ذاك الذي يضطلع ببطولته جوني دب لا يحمل سوى تلك الإبتسامة الساخرة والرأس المتأرجح والتعليق المبتسر الذي يعتبرونه حواراً.

على الرغم من ها التناقض، الا أن الفيلمين يلتقيان في نقطة مهمّة: فيلم ترنس مالك يصوّر نشأة الحياة، كما فعل المخرج ستانلي كوبريك في "أوديسا الفضاء" إنما على نحو أوسع وأكبر شأناً. إنه صلب الفيلم وأحد جزأيه، فهو يتناول الخلق والحياة على الأرض وفي الفضاء الرحب ويبلور مفهومه الإيماني الروحاني بثقة جامعاً في الدقائق الأربعين الأولى من عرضه كل ما يدفع المشاهد للمقارنة والتفكير بنفسه على هذه الأرض. الإنسان، في مفهوم المخرج، ذرّة بالغة الصغر في الكون الكبير الذي يُحيط به، وأهميّته لا تتعدّى ما يرسمه لنفسه من اعتقاد أصاب به أو أخطأ.
في المقابل، فإن "قراصنة الكاريبي" الرابع، يقوم على قصّة مفادها أن ثلاث جهات تتنافس على الوصول الى "ينبوع الحياة" هي الكابتن سبارو والكابتن بارباروزا (جفري رَش) والعدو المشترك "ذي اللحية السوداء" (إيان مكشاين).
ينبوع الحياة في هذا الفيلم القاصر هو محض تفعيلة درامية لتأليف قصّة، فقد تناوبت الأجزاء السابقة على تقديم مساع مشابهة في كل فيلم، فالبحث إذا لم يكن عن خريطة لكنز، فهو لكنز فعلي، وإذا لم يكن كذلك فهو للوصول الى سر من أعماق المحيط، وكل ذلك في عالم تحكمه المصالح والغايات ولا يوجد فيه من يدافع عن أي مباديء حقّة.
وفي الوقت الذي يرصع فيه "شجرة الحياة" صدر الممثل والمنتج براد بت الذي كان يعلم محدودية نجاح مثل هذا الفيلم مسبقاً نجد "قراصنة الكاريبي" وصمة تلطخ مسيرة ممثل كان من المفترض به، كما وعد، أن يحافظ على موهبته من الهدر في أفلام لا فائدة منها. وفي المحصلة النهائية سنجد أن براد بت أكثر جسارة من جوني دب في اختياراته. صحيح أنه مثّل حصّة كبيرة من الأفلام الترفيهية، الا أنه عاد في إثر كل منها ليقدّم فيلماً لنفسه ومحبّي موهبته، فبعد "أوشن 12"  و"مستر ومسز سميث" ظهر في "بابل"، وأنتج "المغادر" من بطولة مارك وولبرغ وليوناردو ديكابريو، ومن بعد "أوشن 13" لعب بطولة "اغتيال جيسي جيمس على يدي الجبان روبرت فورد"، ثم "قضية بنجامين باتون المثيرة للفضول". ذورة اهتمامه بالنوعية ممثلة بإنتاجه وبطولته لفيلم مالك، أحد أفضل أفلام العام٠


سنوات ضوئية | محمد رُضا
بين السينما والسياسة |  حين لابد من الإختيار بين فيلمين معروضين في وقت واحد، فإن السينما تتقدّم على السياسة. هذا ما فعلته حيال العرض المتوازي ما بين الفيلم المصري "18 يوم غاضب" والفيلم الياباني "هارا كيري: مقتل ساموراي". الأول، كما فهمت قبل العرض وبعده، شريط سياسي تم وضعه على وجه السرعة لكي يتجاوب مع رغبة العديدين في مشاهدة فيلم عن الإنتفاضة المصرية الجديدة. لذلك اعتبرته فيلماً سياسياً او -على وجه الدقة- مجموعة من الأفلام السياسية التي أراد مخرجوها التعبير عن وجهة نظرهم في الموضوع. الثاني كان سينما، ويا له من سينما. لذلك لم يكن عندي أي رغبة في تفويته. لاحقاً ما علمت من أصدقاء شاهدوه أنه كان، حسب كلامهم، عملاً ملصوقاً بعضه ببعض وحين سألت عن مستواه العام لم أتلق استحساناً واحداً.  كل ذلك يؤكد أن المسائل يمكن لها أن تكون حماسية في كل شيء الا في الأعمال السينمائية. السبق عملية غير محمودة حين يكون قائماً على مجرد إنجاز فيلم سريع يفي بالغاية عوض أن ينتمي الفيلم واقعاً وخيالاً وإحساساً الى سينما ذات قراءة متبصّرة لا وقت للفيلم المطبوخ سريعاً القيام بها

سباق على أسامة |  وعلى ذكر السباق، ها هي السينما تدخل سباقاً مع التلفزيون بغاية إنتاج أول فيلم سينمائي روائي عن أسامة بن لادن. في الصف الأول تقف المخرجة كاثرين بيغلو صاحب "خزانة الألم"، في الصف الثاني ثلاثة مشاريع تلفزيونية يتم تحضريها في آن معاً (سباق على جنب). التلفزيون سيسبق السينما كما حدث في مرّات سابقة حيال أحداث أخرى، فحركته أسرع وطموحاته أقل وميزانيّته أصغر ما يسهل التعامل مع المادة كما هي مكتفية بأنها ستثير الإهتمام بأي شكل ترد فيه.
كاتب سيناريو "خزانة الألم" مارك باول (فاز عن عمله ذاك بالأوسكار) كان بدأ يفكّر بإنجاز فيلم عن محاولات القيادة العسكرية الأميركية الإيقاع بأسامة بن لادن منذ أشهر بعيدة عندما اشترى حقوق كتاب بعنوا "أقتل بن لادن". علاقاته الخاصّة مع القيادة العسكرية نبّهته الى أن المخابرات العسكرية جددت نشاطها للإيقاع ببن لادن ما جعله ينتقل الى العمل الفعلي ليضع سيناريو فيلمه عن الموضوع. لهذا السبب قام بزيارة أفغانستان ليطّلع على الحقائق وبلور مع المخرجة بيغلو المشروع وتم تقديمه لشركة باراماونت التي كانت طلبت منهما العمل على مشروع آخر بعنوان "جبهة ثلاثية". ذلك الفيلم تم تأجيل النظر فيه قبل أن يسلّم بول المشروع الى باراماونت التي تحمّست إليه حتى من قبل مقتل بن لادن. أما الآن فحماسها ازداد وقعاً لأنه إذا لم تنجز هذا الفيلم أنجزه سواها.

تورا بورا | لكن المخرج الكويتي وليد العوضي (يمين الصورة) سبق بيغلو والتلفزيون الأميركي في تقديم فيلم حول الحرب الأفغانية. وأي حديث عن أسامة بن لادن سيتناول تلك الحرب لا محالة. صحيح أن الحرب الأفغانية تعرّضت لتسليط الأضواء عليها، لكن فيلم وليد وعنوانه "تورا بورا" سيكون الأول عن تلك الحرب وانعكاساتها على الأفراد بعد مقتل بن لادن. إنه فيلم تشويقي بمضمون إنساني حول رجل مسن وإمرأته يسافران من الكويت الى أفغانستان بحثاً عن إبنهما الصغير.
وقد أعجبني إختيار المخرج للممثل الكويتي سعد الفرج للبطولة. سعد الفرج هو الممثل الذي قدّمه خالد الصديق سينمائياً حين أنجز فيلمه الجيد "بس يا بحر" قبل أكثر من ثلاثين سنة. إنه لا يمثّل مسرحياً للكاميرا كما عادة الكثيرين من الممثلين الذين يظهرون في أفلام متباعدة فيميلون لاستخدام مفاتيح مسرحية او تلفزيونية تضر بالعمل من باب واسع.

حرية الرأي | لم أكن التقيت بالممثلة يسرا منذ نحو سنة، وعرفتها منذ أن كانت في مطلع مهنتها الفنية في الثمانينات. شاهدتها في كان تسير بصحبة إمرأة أخرى وبعد لحظة واحدة من لقائي بها،  أخذت تتحدّث بقلب مفتوح عما حصل في مصر وما هو وضعها الحالي وكيف يعتبرها البعض خائنة ومنحرفة وربما عميلة لعدو ما. كل ذلك لأنها أعربت، وسواها من الممثلين، عن موقف اعتبر مؤيّداً لنظام الرئيس المخلوع حسني مبارك.
وهي تسأل: أين هي الديمقراطية الحقيقية التي ينادي بها البعض إذا ما كان ممنوعاً عليها أن تتفوّه بما لا يرضى به الطرف الآخر ثم تُعاقب وغيرها على آرائها تلك.
طبعاً لا يسرا ولا إلهام شاهين ولا عادل إمام ولا يوسف شعبان او سواهم كانوا من الطغمة المستفيدة من الهوان النظامي الذي أدّى لجمع الثروات غير المشروعة وفساد الأجهزة البوليسية والعنف وتبديد الأموال والإستئثار بالمناصب الى آخر ما كان موجوداً. ولا هم من عذّب الناس في الزنزانات وفتح باب السجون لإطلاق سراح المجرمين للهجوم على البشر. ولا هم من استعبد الناس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحراراً. كل ما في الأمر أنهم كانوا مع النظام وحقيقة أن تكون مع النظام او ضد النظام هو مجرد موقف ناتج عن قناعة ولا تتطلب الا ردّاً من الحجم نفسه.
ولا هم من يشكّلون خطراً على أحد لكونهم نجوم سينما. على الأقل يحترم الواحد فيهم الشجاعة التي جعلتهم يعلنون مواقفهم على عكس العديدين من سواهم الذين انقلبوا 180 درجة من أقصى التأييد الى أقصى الهجوم حالما هبّت رياح التغيير، وبين هؤلاء من كل أصناف الحياة بمن فيهم نقاد سينما وصحافيين ورجال إعلام.
هذا يذكّرنا بالمكارثية اليمينة التي عصفت بالولايات المتحدة في أواخر الأربعينات وحتى نحو منتصف الخمسينات والتي تم على أثرها محاكمة مخرجين وكتاب وممثلين أودع بعضهم السجن وحكم على الجميع بعدم العمل ونفذ قليلون بجلودهم وحريّاتهم فهاجروا الى أوروبا (مثل المخرجين  تشارلي تشابلن الذي حط في سويسرا، وجوزف لوزاي الذي لجأ الى انكلترا وجول داسين الذي انتهى الى اليونان). كانت المكارثية وابلاً ثقافياً وفنياً أصاب حرية الكلمة والإبداع لكنها دائماً ما هي موجودة لكي تذكّرنا ليس في أنها قد تعود، بل أيضاً في أنها قد تعود يسارية. قد تتسلل الى عقول الذين عانوا منها من قبل فيقبلون بها ويتّخذونها مبراساً ومنهجاً.
كل هذا لأن رأيا يعارض الرأي السائد  تم إطلاقه. وكما كان البعض يقرع الطبول كلّما لم يعجبه موقف مخرج يعرض الحقيقة بتهمة "تشويه وجه مصر" بات الآن من يقرع الطبول بتهمة "نشر مباديء رجعية". الوطن للجميع والفنّان عرضة للخطأ وللصواب تماماً ككل واحد آخر في كل مكان.
ولا ينفع مبدأ الإنتقام لأنه يشين والثورة الفرنسية اكتشفت ذلك حين وجدت أن الشعب الذي ثار هناك بدأ يحاكم أي كان ولأي سبب.

                                   ممثلون وشخصيات 
كلينت ايستوود وهاري القذر.... السياسة بين الممثل والفيلم
Dirty Harry... The Original outlaw lawman
Magnum Force

"سوف لن تنجح في السينما"- تنبأ له أحد مسؤولي الإنتاج في شركة كولمبيا حين طرق كلينت ايستوود باب مكتبه ليطلب منه مساعدته في دفع مهنته الى الأمام. السبب، كما رآه المسؤول، هو أن ايستوود لديه " تفاحة آدم" كبيرة في وسط زلعومه و"الناس لا تحب ذلك".
لو أذع ايستوود لهذا القول لما واصل التمثيل ولو لم يواصل التمثيل لما أصبح نجماً لامعاً في أواخر الستينات والسبعينات والثمانينات، ولو لم يصبح نجماً لامعاً لما استطاع أن ينتقل الى الإخراج وينجز أفلاماً تضعه اليوم في مصاف أهم مخرجي هوليوود.
هناك من يعتبر ايستوود مخرجاً أفضل منه ممثلاً. البعض، من الجمهور العريض، لا يكترث له كمخرج الا بمقدار محدود ويعود إليه دائماً كممثل استحوذ إعجابه. الحقيقة صعبة التصنيف. في الوقت الذي لعب إيستوود أدواراً تقليدية عديدة في أعوام بدايته وفيما بعد، الا أن إداءاته لم تكن نمطية على عكس الأدوار المسندة إليه أحياناً. وهو كان من الذكاء بحيث عرف كيف يواكب شخصيّتين تم زرعهما في جينياته: الأولى تلك التي وضع بذورها المخرج الإيطالي سيرجيو ليوني، مقدّماً ايستوود كشخصية أسطورية الملامح في ثلاثية الوسترن المعروفة "حفنة من المال"، "لأجل حفنة أكبر من المال" و"الجيد، السيء والبشع". هناك، تم رسم شخصية تشبه الأفلام المذكورة فهو وتلك الأفلام صامت، مراقب، يتلقط المعاناة ولا يفرح بالنصر.
الثانية، جمعها معاً المخرج دونالد سيغل الذي حقق لايستوود الفيلم الأول من سلسلة "ديرتي هاري" من بين بضعة أفلام أخرى تحمل بصمة الرغبة في تعامل كل منهما مع الآخر.

تلك المرحلة كانت الثالثة في عداد مراحل ايستوود السبعة الى الأن. المرحلة الأولى، تلك البدايات التي أمضاها ايستوود من العام 1955 الى العام 1956 . حينها لعب ايستوود أدوار صغيرة في أفلام مثل "انتقام المخلوق" و"العنكبوت" وكليهما لجاك أرنولد و"فرنسيس في البحرية" لآرثر لوبين: المخرجان كانا من فريق هوليوود العامل ضمن التقليد.
في العام 1956 أيضاً شهد مرحلة ثانية سريعة: دخوله التلفزيون ممثلاً أدوار صغيرة ثم أساسية في مسلسل "روهايد" في الستينات. خلال تلك المرحلة لم يتوقّف الممثل عن لعب الأدوار السينمائية الصغيرة (وبعضها مثل "هروب في اليابان" و"العدو أسفلاً" لم يحملا إسمه) لكن ما يجعل تلك المرحلة التلفزيونية مهمّة هي أنه تبعاً لدوره الرئيسي في مسلسل الوسترن "روهايد"، الذي استمر متواصلاً من العام 1959 الى العام 1965 حظى باهتمام المخرج سيرجيو ليوني... الباقي للتاريخ.

سلسلة "هاري القذر" او "ديرتي هاري" بدأت سنة 1971 لكن هذا الفيلم كان ثانياً بينهما، فقد تولّى ايستوود بطولة "خداع كوغَن" سنة 1968 الذي يدور حول رجل بوليس من مدينة فينكس، أريزونا مهمّته في مطلع الفيلم القبض على رجل من أصل هندي لجأ الى الصحراء هرباً. المهمّة الثانية هي الفيلم نفسه: كوغن (ايستوود) مطلوب منه التوجه الى نيويورك للعودة بشرير مطلوب محاكمته في أريزونا. الشرير يهرب والشرطي في أعقابه. الفيلم أيضاً عن تلك الشخصية الوسترنية غير المتهاونة التي تواجه شرطة المدينة والخارجين على القانون بنفس الأسلوب غير المعصرن ذاك.
حين تضع هذه الشخصية وتلك التي ظهرت في سلسلة "هاري القذر" تجدهما واحداً. هاري القذره هو أيضاً تحر (من سان فرانسيسكو هذه المرّة) مستعد لمعاداة ومناهضة رؤسائه وبل الخروج عن أوامرهم في سبيل النجاح في تطبيق القانون تبعاً لمبادئه. رجل لا يتنازل عن الحق كما يراه هو وغير راغب في الإنجراف الى المعادلات والمصالح السياسية التي تتحكّم في نوايا رؤسائه.
هناك لقاء آخر بين الفيلمين ولو أنه مستمد من الصفة العامّة التي ذكرتها أعلاه: في مطلع "خداع كوغن" فإن عملية إلقاء القبض على الهندي الأصلي مبرر لوصمه بالهمجية، سواء من حيث تناوله الشره لفخذ لحم (قد يكون لحم كلب مثلاً) ومن حيث اتساخ مظهره وهمجية تصرّفاته عموماً. لاحقاً، بعد إلقاء القبض عليه يربطه كوغَن بعمود منزل ريفي، كما كلب، ويدخل المنزل ليمارس الحب مع زوجة وحيدة.
مجموعة كتّاب هذا الفيلم هم هرمان ميلر ودين رايزنر وهوارد رودمان وما يجمعهم مع المخرج دونالد سيغل قد يكون سياسة عنصرية او سياسة "الشعب المختار" الذي يؤمن بها بعض اليهود (وهي بدورها عنصرية) التي سينمائياً لا تستطيع أن تشمل البطل، بل تكتفي بوصم الشخصيات الأخرى (بإستثناء اليهودي). وهذا ما فعله "خداع كوغن". لكن سلسلة هاري، كانت أكثر تنظيماً وعلاقتها بالسياسة كانت أكثر وعياً للواقع. لم تكن عنصرية بل صاحبة موقف يتعلّق بالتيارات السياسية ذاتها.
"هاري القذر" إتجه يميناً. إنه عن رجل بوليس مستعد لأن يتجاوز الخطوط التي يحددها القانون حول علاقته بالمشتبه بهم والمذنبين. هاري (ايستوود) يرفض التنازلات وهو يجد أن منح شرير متّهم إحتمال أن يكون بريئاً (او هو بريء حتى تثبت إدانته) هو مضيعة للوقت واهداراً للمال العام. عليه فإن موقفه يقتضي الحكم عليه وتنفيذ الحكم في الوقت ذاته. حين يسأله المحافظ حول حادثة أخرى قام هاري بقتل المتهم "كيف عرفت أنه كان ينوي إلحاق الأذى بالمرأة؟" يرد عليه هاري بما معناه (لا أتذكّر العبارة تحديداً): "أي واحد يركض وراء ضحية وهو عار لا يمكن أن يكون قصده خيراً"٠
 
هذا المبدأ هو فاشي نجده في أفلام يمينية سابقة واستدعى نقمة عدد من النقاد ما اضطر ايستوود، وقد أصبح منتجاً، لتغيير الموقف الذي نضحت به شخصية هاري تغييراً ملحوظاً في الجزء الثاني من السلسلة وهو "ماغنوم فورس" كما أخرجه تد بوست سنة  1973
هنا أشرار الفيلم هم مجموعة من رجال البوليس الذين يتصرّفون على النحو ذاته الذي كان يتصرّف عليه ايستوود في الفيلم السابق، فهم ينفذون الإعدام على من لا تثبت التهمة عليهم. عصبة خاصّة غير قانونية داخل القانون تعمل على هواها. لكن ايستوود في "ديرتي هاري" كان عفوياً ولا يمكن له أن يترصّد المجرمين من دون منحهم فرصة الدفاع عن النفس، على عكس هذه العصبة، وهو يجد نفسه في "ماغنوم فورس" يواجه هؤلاء ويقضي على عصبتهم.
المادّة تصنع فيلماً مشوّقاً وترفيهياً كما الحال في الفيلم السابق، لكن تد بوست كان مخرجاً بلا أجندة على عكس دون سيغل.
بعد ثلاثة أفلام مختلفة (الدراما البوليسية "ثندربولت ولايتفوت" لمايكل شيمينو، التشويقي "قرار آيغر" من إخراجه والوسترن "الخارج عن القانون جوزي وَيلز") قدّم سنة 1976 الحلقة الثالثة من السلسلة بعنوان "الفارض" او The Enforcer
هذه المرّة الحرب الفييتنامية هي محور الحديث: هناك هاري كالاهان (الإسم الكامل للتحري هاري). وهناك عصبة إرهابية يسارية (او هكذا تدّعي) تريد النيل من السياسيين الذين تسببوا في حرب فييتنام، ثم هناك المحافظ (جون كروفورد) اليميني المحافظ والفاسد. هاري في الوسط بين الإثنين: يعادي الفريق اليساري ويمقت الفريق اليميني. لكن الفيلم يمتد لأكثر من ذلك. هناك مصطفى (الممثل الثانوي الأسود ألبرت بوبوَل) الذي يزج به البوليس في السجن وهو بريء ما يُثير غضب هاري. ثم هناك موقفه من الأقليّات. في "ديرتي هاري" كان مساعده مكسيكياً، وفي "ماغنوم فورس" أفرو- أميركي، أما هنا فمساعده إمرأة (تين دالي) وهي تلقي حتفها كما مساعده الأسود في الفيلم السابق.
الفيلم الرابع من السلسلة كان عليه أن ينتظر حتى العام 1983 وكان من إخراج كلينت ايستوود نفسه بعنوان "وقع مفاجيء" 
Sudden Impact
هنا يبتعد الفيلم تماماً عن المواقف السياسية لكن شخصية ايستوود لا تزال كما هي: محارب من طراز قديم ليس لديه وقت للإعتبارات المختلفة. هنا يلاحق عصابة كانت اغتصبت إمرأة أسمها جنيفر وقتلت شقيقتها. جنيفر تنتقم من أعضاء العصابة واحداً واحداً متقدّمة على كالاهان في تحقيقاته.
أما الأشرار في الفيلم السادس من السلسلة (والأخير أيضاً) "المسبح الميت"، فقد تم إنجازه سنة 1988. هنا العدو هو رجل مريض نفسياً ينتقم من مخرج وممثلين يصوّرون فيلم رعب رخيص. أخرج هذا الفيلم بَدي فان هورن وشاركه البطولة باتريشا كلاركسون وليام نيسون و(مساعده) الآسيوي إيفان س. كيم.
هذان الفيلمان الأخيران ليسا من صلب الحبكة القويّة التي للأفلام السابقة، ولا من تلك التي تمنح ايستوود الدافع القوي الذي أسس لكل الممثلين الذين لحقوه في حملاتهم الفردية لتنفيذ القانون كل على طريقته، لكنهما صناعة تنفيذية جيّدة.
إنها الفترة التي أخذ حماس ايستوود صوب الشخصيات الغاضبة تخف فيلجأ الى الأفلام التي يبدو فيها أكثر عقلانية وانفتاحاً. الفترة التي شهدت كذلك نجاحه في الخروج من الجدّية الى الكوميديا مع ارتفاع نسبة الأعمال التي يقوم بإخراجها.

تقييم االأفلام الواردة في هذا المقال
Revenge of the Creature | Jack Arnold (1955) ***
Francis in the Navy | Arthur Lubin (1955) **
Tarantula | Jack Arnold (1965)  ****
Escapade in Japan | Arthur Lubin (1957) **
A Fistful of Dollars | Sergio Leoni (1964) ****
For a Few Dollars More | Sergio Leoni (1965) ***
The Good, the Bad and the Ugly | Sergio Leoni (1966) ****
Dirty Harry | Don Siegel (1971) ***
Magnum Force | Ted Post (1973) ***
Thunderbolt and Lightfoot | Michael Cimino (1974) ****
The Eiger Sanction | Clint Eastwood (1975) ***
The  Outlaw Josey Wales | lint Eastwood (1978) *****
Sudden Impact | Clint Eastwood (1983) ***
The Dead Pool | Buddy Von Horn (1988) ***

تاريخ وأنواع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العالم انتهى .... أكثر من مرّة

إذا ما كانت الكثير من أفلام الدمار الشامل تتنبأ  اليوم بنهاية الأرض عما قريب (ربما من العام المقبل حسب فيلم  "2012"، فإن أفلام الأمس كانت سبّاقة لقراءة هذا الطالع. طبعاً النهاية لم تقع، لكن مـا
حفرته السينما في الأذهان منح الجيل الذي سبقنا ثم الأجيال التالية قراءات عدّة في هذا الموضوع- محمد رُضا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
تخيّل نفسك يابانيا في هيروشيما. تخرج صباحاً فتسعى لسقي حديقتك بينما زوجتك تحضّر طعام الصباح والأولاد يسارعون للذهاب الى المدرسة. فجأة دوي كبير ووهج يخطف الأبصار، ثم سحابة ضخمة تعلو وأشعة صفراوية تنتشر. تخيّل أنك ودّعت كل من حولك في لحظة وتوجّهت وإياهم الى الحياة الأخرى غير مدرك ما الذي حدث تماماً. لكن أولئك الذين رموا القنبلة النووية يعرفون ما فعلوه تماماً.

في أواخر الأربعينات، سنة 1949 تحديداً، بدا لكثيرين أن الحرب العالمية الثالثة على الأبواب. الإتحاد السوفييتي بنى قوّة نووية، قال الرئيس الأميركي ترومان في خطبة له في الثالث والعشرين من أيلول/ سبتمبر. حليف الأمس يريد تحويل العالم الى دولة شيوعية واحدة. الولايات المتحدة ستدافع عن الحرية والديمقراطية كما فعلت خلال الحرب العالمية الثانية، لكن هذه المرّة ضد عدو جديد.
الخوف من الخطر الأحمر شاع في تلك الآونة بين الناس. الحكومة الأميركية عززته. السيناتور جوزف مكارثي آل على نفسه قيادة حملة موجّهة ضد العناصر "المعادية لأميركا" وحملته سميت بالمكارثية وأصبحت نموذجاً لتحالف الخوف واليمين ضد حرّية التعبير في أي مكان. التحذير من هجوم جوّي شيوعي فوق الولايات المتحدة صاحبه حملة التحذير من أن يسبق ذلك هجوم بالقنبلة النووية تقضي على الأحياء في مدن أميركا الأساسية. لكن هذا السيناريو لم يكن الوحيد الذي استخدمه اليمين في حملته، بل القول أن العناصر المندسّة ستعمل على تهيئة الوضع للغزو المرتقب.
وجاءت هذه الحملة مزوّدة بأفلام تعليمية. هذا الناقد شاهد من بينها فيلماً مصنوعاً كإرشاد لم يمكن فعله في حال حدوث هجوم نووي: يضع الفيلم معلّمة في الصف تعطي توجيهات لكيفية مواجهة مثل هذا الخطر فتطلب من تلامذتها الصغار الإختباء تحت الطاولات إذا ما وقع المحظور.
Duck and Cover
كان فيلماً كرتونياً من بطولة سلحفاة ستقوم بالحفر والإختباء اتقاءاً لها الهجوم الذي، حسب الحملة التوجيهية، لابد واقعة.
السينما الكوارثية التي تعاملت مع المادّة أنجزت الباقي. حين تطالع في ملصق فيلم "اليوم الذي انتهى فيه العالم" لروجر كورمان عبارات مثل "شاهد ثورة القنبلة النووية التي أنهت العالم" و"شاهد العالم البديع للموت" كيف ستتصرّف وأنت مشاهد شاب؟ ألن تشعر بقشعريرة الإثارة وهي تدفعك لمشاهدة الموت بديعاً وفانتازياً بسبب قنبلة نووية؟ هذا النوع من العناوين دفع الناس لمشاهدة فيلم كورمان الذي لم يتكلّف حينها أكثر من 65 ألف دولار، لكنه أنجز 400 مليون دولار حين كان سعر التذكرة أقل من دولار واحد.
لم يخرج هذا الفيلم الى الوجود سنة 1955 الا من بعد أن تم تدجين أميركا ونجاح حملة التخويف. لذلك، فإن النزوع الى مشاهدة جماليات الدمار كان من ضمن الأسباب التي سيلتف حولها الأميركيون عبر إقبالهم على الأفلام ذات النزعات المماثلة. هذا وحقيقة أن هذه الأفلام كان يمكن لها أن تشكل تمهيداً وتبريراً لضربة وقائية أميركية لأن الرسالة الضمنية هي أنه من المهم درء الخطر بالضربة المسبقة.
توفير هذا الغطاء لم يكن يحتوي على جنود روس يهاجمون الولايات المتحدة (هناك أفلاماً انتجت حول الطابور الخامس تستحق موضوعاً منفرداً) ولا على تحليل سياسي من أي نوع فالسينما الجماهيرية ليست للتحليل بل للوصف. لتقديم الحالة من وجهة نظر يتفق حولها معظم الجمهور السائد وليس النخبة، لذلك عليها- كما الحال في كل أنواع الأفلام- أن تكون بسيطة. هذه هي المعالجة التي تمنح  الفيلم الجماهيري تلك النمطيّات: الممثل الذي عليه أن يترجم الشعور الى حركة او تعبير او إمارة. لابد أن هذا المجرم خطير لأنه يكزّ على أسنانه من الغيظ والحقد حين يتحدّث، وتلك المرأة غاوية لأنها ترتدي ما يلفت النظر الى ساقها المكشوفة او لأنها دلّوعة، والأب حنون بدليل رقّته وهو ينصح إبنه بفعل الخير الخ...
البديل للبشر طبعاً كانت المخلوقات العلوية. تلك الآتية من العالم الآخر لتنشر الدمار وتقضي على الإنسانية. وفي العام 1965، قدّم روجر كورمان الذي احتفى مهرجان "كان" به هذا العام، قدّم "غلبت العالم"
It Conquered the World
حيث يؤكد دكتور أندرسن (ممثل أدوار الشر الراحل لي فان كليف) أن المخلوقات القادمة من الفضاء لا تنوي شرّاً بل إنقاذ الإنسان من عواطفه التي تتسبب في شقائه، فلو لم تكن ولو كان بالغ التجرد منها، على النحو الذي يعكس مفهوم الشيوعية للإنسان، لما بنى أحلاماً فردية ليجد نفسه ضحية لها غير قادر على تحقيقها. في الفيلم تتكشّف الحقائق. تلك الكائنات المتوحشّة التي تبدو مثل سلطعان بحري على قدمين وبأنياب، ما هي الا مخلب شيوعي للنيل من أميركا. كذلك الحال في فيلم "جاء من العالم الخارجي" الذي خرج قبل هذا الفيلم بعامين من إخراج جاك أرنولد عن قصّة للكاتب المعروف بأعماله الخيال علمية راي برادبوري حول مركبة فضائية تهبط في صحراء أريزونا ومخلوقاتها تختطف البشر وتعيد إطلاقهم بملامحهم إنما من بعد سلب إرادتهم وإخلائهم من المشاعر. صبي يعرف أن والديه وأهل البلدة الصغيرة تحوّلوا، وهو يقنع المدرّسة (باربرا رَش) بما يحدث وينجح عندما تلاحظ ذلك بدورها.
It Came from the Outer Space لي فان كليف يلقى حتفه على يدي مخلوقات الفضاء في

لسنوات تبنيّت اعتقاداً أن السبب الذي تم لهذه الأفلام اختيار الصحاري موقعاً لأحداثها يعود إلى أن المجتمعات المنتشرة في الوسط الأميركي بعيداً عن المدن الكبرى هي القلب بالنسبة لأميركانا. أما المدن، نيويورك ولوس أنجيليس وشيكاغو وسواها، فهي مزيج من العناصر البشرية والأعراق والمصالح لذلك ليست الوسيط الصالح لإيصال هذه الرسالة.
ومع أن هذا الإعتقاد صحيح، الا أنه ليس الوحيد. الباحث الإجتماعي أورِن شاي كتب قديماً كاشفاً عن سبب آخر وهو أن الصحراء ارتبطت في تلك الآونة بمفهوم القنبلة النووية لأن التجارب كانت أجريت فيها، بالتالي هي الأقرب لتجسيد المقارنة بين الخطر والحل النووي. طبعاً لا يناقض هذا الرأي الرأي السابق.
أفلام كورمان (وكان مخرجاً رديئاً في معظم ما حققه ومتوسطاً في بعضها) الأخرى شملت على
Attack of the Crab Monsters (1957), Not of This Earth (1957), Teenage Caveman (1958)
وسواها.
السبب في إهتمامه لايمكن الا أن يكون تجارياً محضاً لكن تبنّيه الرغبة في معالجة الحلول معالجة نووية ربما عائد الى أن كان ممن باركوا القنبلة النووية على اليابان وهو يعترف في مذكراته قائلاً: "كنت من بين أولئك الذين قالوا: شكراً للقنبلة النووية".

يتبع....


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2007- 2011٠

 

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular