May 19, 2011

أيام مهرجان كان : تحفتان لترنس مالك وكاتاشي ماييك | فيلم نادين لبكي | لمحة تقييمية | الجوائز

Year 4 | Issue 645


مهرجان كان السينمائي الدولي - 5

أفلام كان بلمحة
شون بن كما في "شجرة الحياة" لترنس مالك
كان من الممكن طبعاً سبر غور هذا الموضوع عبر مقال تقليدي يتم فيه التطرّق الى خلاصات ما قدّمه مهرجان "كان" من أفلام في هذه الدورة. لكن هذا سوف لن يكون أكثر تحديداً من الشكل أدناه، حيث تم الإستغناء عن الأسلوب الإنشائي واستبداله بقوائم تعكس الفكرة وتقسم حصيلة المهرجان الى نقاط محددة

أفضل خمسة أفلام في المسابقة
1. The Tree of Life
فيلم ترنس مالك الفاخر حول تاريخ وحاضر الحياة على الأرض. ينطلق سابراً غور الخلق والكون ثم يتمحور عند عائلة تكساسية في الخمسينات ونزوع الأب (براد بت) الى الصرامة مع إبنه الأكبر الذي سيصبح لاحقاً شون بن الذي لا يزال متأزماً من ذكرياته وفي عالم اليوم الأشبه بالغابات المعدنية

2. Hara Kiri: The Death of a Samurai
موت الساموراي كما يترجمه المخرج الياباني تاكاشي ماييك، موت بطيء وجميل على عنفه. إنه ترجمة لكرامة ترفض أن تذوب ولثقافة لا تنضوي. الحكاية تنطلق في حاضر ومنه الى أكثر من فلاشباك، وفي ذلك كثير
من "راشامون" أكيرا كوروساوا. تنفيذ صارم وبطء جميل في مكانه يكثّف الدراما على نحو غير قابل للتعديل

 3. Le Harve
المخرج الفنلندي آكي كوريسماكي يواصل طرح قضايا اجتماعية تنطلق من الفرد وتتفاعل مع محيطه الإجتماعي ككل. وهو يفعل ذلك مستفيداً من نظرته ورؤيته الى عناصر مواضيعه. هنا يتناول حياة المهاجرين. العنوان هو لمدينة لي هارفر حيث يرصد المخرج تبعات الحياة على وضع الناس العاديين والمهاجرين معاً

4.  Once Upon a Time in Anadolia
فيلم صعب  يكاد يفلت من بين يدي صانعه التركي نوري بيلج جيلان حول قافلة من المحققين ورجال الشرطة تجوب البرية الأناضولية مع متّهم بقتل رجل ودفنه. مع اعتراف المتّهم بجريمته، فإن المَشاهد تُبدي ما كنا نجهله حول الدوافع متمحورة حول دور طبيب. دراما تأمّلية جيّدة في العموم وتحمل ضعفاً في الجزئيات

5. Police
بالكاد تنجو المخرجة مايوَن من مغبّة السقوط في الميلودراما التلفزيونية لكن ذلك كافياً لإيجاد مسافة كبيرة بين ما تطرحه وبين ما نراه عادة من مسلسلات تلفزيونية مشابهة. هنا تصوّر حياة أفراد جهاز شرطة متخصص بالسهر على مصالح الأحداث. تتبع بكاميرا راصدة شخصياتها في قوّتها وضعفها

أفضل خمسة رسمية خارج المسابقة
1. Midnight in Paris
وودي ألن يطرح جديداً في قديمه متناولاً حكاية الأميركي الذي يكتشف أن الزمن الذي يحب العيش فيه، أي الثلاثينات بفنها وأسلوب حياتها، بات في متناوله.  أفضل ما عند وودي رغم شخصيات غير مبتكرة       

2. Goodbye
الفيلم الإيراني لمحمد رسولوف يحمل رسالته المناوئة  في طيّات معالجة لا تخشى من تسليط بؤرتها على الواقع من دون تجميل. حكاية تلك المرأة الممنوعة من مزاولة عملها وزوجها الغائب هرباً من تعسف النظام

3. Oslo, August 31st
فيلم نروجي لترايير آخر غير لارس فون، هو قريبه واكيم الذي يسرد هنا قصّة شاب خرج من المصحّة بعد الإدمان وتتابعه الكاميرا وهو يحاول شق طريقه الجديد. المعالجة الأسلوبية والفنية مثيرة للإهتمام دوماً

4. Miss Bala
يلقي المخرج الشاب جيراردو نيرارجو نظرة واقعية على طموحات فتاة مكسيكية انطلقت في الحياة آملة أن تصبح ملكة جمال ومنتهية الى بلدة على الحدود مع أميركا حيث تموت طموحاتها

5. The Yellow Sea
"البحر الأصفر" دراما إجتماعية رصينة وقويّة الإيحاءات للمخرج الكوري ناهونك جين. ما يجعل الفيلم خاصّاً صدق تعامله مع واقع بطله سائق التاكسي ويوميات حياته في مدينة داكنة يعيش فيها مهاجرون.

 إكتشافات مهمّة
1.  تورا بورا (الكويت).
المخرج الكويتي وليد العوضي يقدّم عملاً يحمل نضجه الفني وانطلاقته بعيداً عن المواضيع التقليدية في العالم العربي: يصاحب رجل مسن وزوجته الى أفغانستان بحثاً عن إبنهما المخطوف. واقعي وجيد الصنعة

2  القصّة الحقيقية لهويّة مزوّرة (لبنان)٠
الفيلم الأول لمخرج لبناني "غير شكل" أسمه سليم الترك. يكفي أنه بالأبعاد الثلاثة، ولو أن هذه ليست حسنة بحد ذاتها، لكن المخرج يوظّفها في عمل فني تجريبي ذي عناصر إنتاجية وفنية مناسبة

Sur la Planche 3 (المغرب).
إطلالة مخرجة مغربية شابّة أسمها ليلى كيلاني على السينما تحمل تجديداً مهماً. فيلم نوار على الطريقة الأميركية ضمن موضوع إجتماعي تقع أحداثه في طنجة من خلال أربع فتيات يعكسن حالهن وحال المكان

4 هذا ليس فيلماً (إيران)
جعفر باناهي الممنوع من الإخراج يبتكر طريقة لخرق هذا الحصار عليه. ليس بالنتيجة الفنية التي يمكن التعامل معها بنفس معايير الكتابة النقدية، لكنه فعل عناد  يمارس فيه المخرج حقّه في التعبير والمناهضة.

5 Tatsumi (اليابان)
إحتفاء بعالم الرسّام الكرتوني الياباني يوشيهيرو تاتسومي عبر فيلم وثائقي الشكل متحرر الأسلوب ينقل معاً حياة المبدع وحياة شخصياته وإبداعاته.

خيبات الأمل
1.  هلق لوين؟ (لبنان)
الحكاية الفانتازية المشدودة الى أوتاد الواقعية لا تجد لنفسها سبيلاً فنيّاً لكي تتجسّد وتوفر للمشاهد ما تبحث عنه المخرجة من ضم شمل الوضع التراجيدي الى الفكرة الخيالية الملوّنة بالتمنيات

2. The Kid With the Bike
لا جيد تماماً ولا رديء مطلقاً، بل "المانيو" نفسه من الشقيقين جان-بيير ولوك داردان. الفكرة والبنية الإجتماعية ذاتها إنما في إطار  قصّة جديدة للموضوع نفسه ويزاولاها حسناً إنما من دون إبداعات

3 The Skin We Live In
الأسباني بدرو ألمودوڤار على "لايت" في هذا الفيلم الساعي للبحث عن أزمة (تبدو مفتعلة) لطبيب يبتكر جلداً بشرياً بعد 12 سنة من البحث لأن زوجته ماتت بداء جلدي. الباقي نزوع نحو شخصياته التقليدية

4.  Restless
غس فان سانت من دون بارقة فنية حقيقية من تلك التي شيّدت مجده السابق. حكاية مغمّسة بالإخفاقات البشرية يحوم الفيلم حول شخصياته الآيلة للموت من دون كثير تشويق او اهتمام بحالها

5. The Beaver
فيلم جودي فوستر حول شخص فقد رجاحة عقله ودخل رحلة تغييب عن الواقع بعدما خسر جهده وتركته زوجته. الموضوع صعب والإنتقال من الكوميديا الى التراجيديا لا ينفع ولو أن التمثيل يبقى جيّداً على الدوام

مهرجان كان السينمائي الدولي - 4

محمد رُضا

كانيّات | السينما الأميركية المستقلة أكثر من اللزوم؟

واجه فيلم غس فان سانت الجديد "توتّر"  الذي تم عرضه في قسم "نظرة خاصة" قبل أيام توتّراً في المقابل لدى الذين شاهدوه. كثيرون هم من يحبّون أفلام فان سانت، وأكثر منهم من يميل الى السينما المستقلة في الولايات المتحدة، في مقابل السينما المؤسسة على نظام هوليوود. وهؤلاء كانوا صلب مشاهدي الفيلم. سبب التوتّر هو الخوف على أن يكون هذا الفيلم المتواضع بداية انسحاب المخرج من السينما المستقلة. ليس أن الفيلم غير مستقل، بل هو مستقل زيادة عن اللزوم. فالإستقلالية الحقيقية تتضمّن في طيّاتها تحقيق الفيلم من دون نظام عمل تقليدي ماثل في المخيّلة، لكن فيلم فان سانت بدا في وضع غير مرتاح بين اتجاهات متعددة الإبتكار والتأكيد على ذاتية الإستقلال ليسا منها.
الأمل في السينما المستقلة مثل الأمل في أن تمطر الدنيا بعد شهور من الجفاف. لذلك انتقل الإهتمام بعد أيام قليلة الى خبر مفاده أن المخرج جيم يارموش -وهو من كبار السينمائيين الأميركيين المستقلّين- سيعود الى العمل بعد سنوات عدّة من الغياب في مشروع فيلم يتناول فيه حكاية مصاصي الدماء بقصّة "غير متداولة من قبل" كما يقول لي المنتج البريطاني جيريمي توماس.
الفيلم الذي لا يزال بلا عنوان سيتم تصويره بين المغرب وألمانيا وفي البطولة الشابّة ميا واسيكوفسكا والبريطانية تيلدا سوينتون والألماني مايكل فاسبيندر.
لكن في حين يستعد يارموش للعودة (على أمل أنها عودة بلا تنازلات) نجد غياب أحد كبار محققي السينما المستقلة، وهو ديفيد لينش، متواصل
لقد مرّت سنوات عدّة منذ أن حقق فيلماً جديداً. وسنوات أكثر منذ أن كان المشاهدون يقفون بالصفوف الطويلة بانتظار فتح شباك التذاكر لمشاهدة أحد أعماله. أما غياب جون سايلس، الذي لا يقل عنه أهمية، فهو متواصل منذ مطلع القرن الجديد. ولا توجد كلمة واحدة عن مشروع جديد له
لكن هل نضرب الطبول والمزامير على هذا النوع من السينما؟ وهل يعني غيابها انتصار السينما الهوليوودية المحضة؟
في كل سينما، مستقلة، نصف مستقلة او غير مستقلّة بتاتاً، الجيد والرديء، لذلك لا لزوم لطبول هنا او هناك. لكن افتقادها ليس علامة حسنة لأن القائمين بها عادة من أهم المواهب السينمائية اليوم. كذلك افتقادها يكشف النقص الذي تعانيه بسبب انكباب الجيل الحالي من السينمائيين الشبّان على صنع أفلام هوليوودية الشأن والنظام وإهمال هذا الجانب الكبير. طبعاً كل شيء مرتبط بالجمهور الذي يبدو الآن وقد استدار بعيداً عن تشجيع هذه السينما. لكن هذا ليس انتصاراً لأحد. السينما التجارية لديها مشاكلها هي أيضاً كما هو معلوم

*********************  CANNES ********************
بين الأفلام

THE TREE OF LIFE *****
كما كان ستانلي كوبريك من قبل، ينفرد المخرج ترنس مالك بالقدرة على الإنفراد بالرأي كاملاً وبتقديم ما يريد تقديمه هو وليس شركة الإنتاج او الموزّع او الناقد او الجمهور. إنه ليس فقط مخرجاً مستقلاً كبيراً، كما كان حال كوبريك وكما هو حال فرنسيس فورد كوبولا، بل فناناً موهوباً ومثقّفاً يمارس الفيلم كما لو كان يقرأ ويكتب في آن واحد سر الحياة.
أفلامه السابقة، وآخرها "العالم الجديد"، طالما صاغت رؤيته الفلسفية حول الحياة. انفصل عن الشخوص لتصوير مجرى نهر صغير، او شجرة شامخة او طائر بعيد. لكنه هنا، وضمن رغبته عرض الحياة كما بدأت وكما هي اليوم، ينفصل عن الحكاية ذاتها لأكثر من أربعين دقيقة (من أصل 138 دقيقة) يجوب خلالها الكون متحدّثاً بإيمان واضح عن إبداع الخالق سبحانه وجمال ذلك الإبداع. يصوّر الكون البعيد وأعماق البحر معاً. يجوب الأرض والكواكب والأزمنة ويذهب في كل اتجاه من شأنه تقديم صورة بانورامية للحياة كما نعرفها و-غالباً- كما لا نعرفها. وكما فعل كوبريك في "أوديسا الفضاء"، حين تناول التاريخ منذ النشأة، يفعل مالك هنا، لكنه يعمد الى ذلك بجماليات بديعة تناسب ايمانه الروحي. في الواقع، فيلم مالك الجديد هو فلسفي، شعري، جمالي، فني ولاحقاً دراما عائلية عن الأب الصارم في تأسيس عائلته وذلك في خمسينات القرن الماضي وكيف حفر ذلك أخدوداً في العلاقة بينه وبين أكبر أبنائه جاك (هنتر مكراكدن)،  كاد أن يطيح بذلك الإبن الى هاوية الجريمة.
إذ يتحدّث عن أصل الحياة على الأرض، لا ينشغل المخرج كثيراً في العلم او في التوثيق، ولا يبحث في النظريات، بل يوفّرها كتمهيد روحاني لموضوع له علاقة وثيقة بالمؤسسة الدينية على الأرض. لب الموضوع هو كم يؤدي التشدد الديني الى نقيضه في الحياة. يدفع الأبناء الى كره كل ما يمثّله الأب من مواقف عوض أن يستمدّها منه كما هي. الإبن حالة مكبوتة أمام والده، ومنفلتة حين يغيب الأب في رحلة عمل. وهذه الإزدواجية  تزيد من الصراع في داخله وتجعله، كما يقترح الفيلم في أحد مشاهده، على قاب قوسين من التخلّص من أبيه بقتله حين يعود.
 هذا بالطبع الى جانب أن علاقته بأخويه تهتز كثيراً، خصوصاً بشقيقه المائل الى الفن والألفة. في أكثر من مشهد يقصد الإبن الأكبر ذاك التسبب بأذى شقيقه الأصغر منه، وصولاً الى ذلك المشهد الذي يطلق فيه رصاصة بارود صغيرة (إنما نموذجية) على أصبع شقيقه الذي وثق به حين طلب منه وضع أصبعه أمام فوهة البندقية.
ما يلطم جاك على الوجه هو الحب. شقيقه الأصغر ذاك يغفر له سريعاً لأنه يحبّه. والفيلم يقرر بعد ذلك وعن صواب: "ليس هناك سعادة من دون حب". جاك سنراه يتذكّر كل ذلك بعدما أصبح كبيراً يؤديه شون بن الذي يعيش حالة انفصال بين عالمه الحديث وبين تلك الذكريات مقرراً، بصوت مسموع أن العالم "صار أكثر جشعاً". الكاميرا في لعبة الذكريات تنجلي عن محاولة الخروج من قعر تلك المباني الضخمة وناطحات السحاب وفي مشهد تتابع مئات طيور السنونو (إذا لم يكن ألوفها) وهي تطير حرّة مشكّلة حركة منسابة. الكاميرا، التي هي هنا عين مشتركة للمخرج ولجاك وللمشاهد، كما لو كانت تحلم بأن تحقق حلم الإنسان نفسه بالإنطلاق بل قيود. لكن حركة الإنسياب الشكلي مهمّة للغاية. مالك (ومدير تصويره إيمانويل لوبيزكي) ينجذبان صوب كل شكل فيه إنسياب (خصوصاً وعلى نحو متكرر ذلك المشهد لأعشاب بحرية تتماوج كما لو كانت تؤدي رقصة ما). وهو، أي المخرج، مستعد لأن يقطع مشهداً تعتقد أنه سيستمر لأنه مهم ويدلف الى ما هو أهم، بمشهد يختلف عنه. أساساً، يعامل القصّة لا معاملة من يريد سردها كحكاية، بل هي تتوالى كما لو كانت الحواشي، أما الأسس فهي الملاحظات البيئية والإجتماعية والسلوكية التي تنبت هذه الحكاية فيها.
هنا نلحظ التقاء المخرج مع الروسي الكبير أندريه تاركوفسكي. كلاهما يعملان في حقل الإبداع على نحو مشابه. كلاهما يحب الموسيقا ويحب الماء ويترك للكاميرا تصوير الطبيعة. تاركوفسكي أكثر تأمّلاً ومالك أكثر تشكيلاً، لكن مفهومهما للمونتاج متشابه
هناك ألوف الصور في هذا الفيلم وكل منها تعكس ألوف المشاغل والشجون لذلك ليس من السهل الكتابة عنه، لكن هذه الكتابة ليست مستحيلة. مفتاح الفيلم: الخروج من صندوق الحكاية التقليدية والسير وراء المخرج بفهم رؤيته للحياة ولماهية الدور المناط بالسينما تبعاً لها

** هلق لوين؟

على نحو متناقض تماماً تأتي معظم الأفلام الأخرى. وأكثر التناقضات يمثّلها فيلم نادين لبكي الجديد "هلق لوين؟" سؤال يأتي في نهاية الفيلم حينما يحمل أبناء قرية مسلمة ومسيحية مشتركة جثمان قتيل مسيحي الى المقبرة. تبعاً لأحداث ما قبل النهاية انقلب تبادل بعض المسلمين وبعض المسيحيين الأدوار فبات من الصعب معرفة ما إذا كان الجثمان سيدفن في مقبرة المسلمين او في مقبرة المسيحيين.
إنها نهاية لا تخلو من التبسيط لفيلم لا يخلو من السذاجة حاملاً تمنيّات من تلك التي يرددها البعض في أحاديثهم كبديل لطرح اجتماعي او سياسي حقيقي. في هذا الفيلم نتعرّف على قرية بلا إسم في بلد بلا إسم تخوض حرباً بلا أسم. لكن المعروف سريعاً وعلى نحو حاسم أن القرية لبنانية وأن الحرب كذلك. نصف أهل القرية مسلمون ونصفهم مسيحيون يعيشون ويتعايشون الى أن تصل رياح القتل على الهوية الطائفية قريباً منهم. مشاغبات من قبل كل طرف تهدد الوئام والسلام، على الرغم من تحذير الشيخ والخوري من مغبّة الوقوع في الفتنة
في البداية هناك من يُعتقد أنه كسر الصليب، ومن يُعتقد- في المقابل، بأنه أدخل الماعز والدجاج الى المسجد والعراك ينشب بين الرجال لكن النساء هنا أكثر وعياً ويتدخلن لإيقاف العراك ولمساعدة الجميع على الخلود الى السكون والهدوء. لكن حينما يعود إبن إمرأة مسيحية مقتولاً، حين تجرأ وخرج من القرية الى جوارها هي الأم الثكلى التي تعي أنه إذا ما انتشر الخبر اهتزت القرية واشتعلت، لذلك تحاول أولاً التظاهر بأن إبنها مريض، ثم حين يكتشف شقيقه الأكبر ما حدث، وعلى الرغم من معرفته ان أحداً في القرية مسؤول، تطلق النار على قدمه لمنعه من الإنتقام
هذا كلّه فعل نيّات وحكاية قائمة على "ماذا لو...." وليس على تصرّفات واقعية. لكن ما يميد فعلاً بالفيلم ذلك التخيّل بأن الطريقة المثلى لردم الخلاف هو صنع حلويات وفطائر بحبوب الهلوسة والحشيش ما سيجمع بين الرجال. نساؤهم سيفاجأونهم في الصباح الباكر بالإنقلاب الى دين الطرف الآخر، ولو تمثيلاً... سيفيق المختار المسيحي على زوجته وهي تصلّي، والإبن المصاب في قدمه على أمّه وهي محجّبة، والشاب أحمد سوف يجد والدته تتحدّث بالإنجيل، وهكذا وصولاً الى النهاية التي قدّمتها أعلاه
لو أن الفيلم مبني كفانتازيا بعناصر الشغل الفانتازي لكانت القصّة أنسب وأفضل ظهوراً، لكن المخرجة نادين لبكي أرادت فيلماً كوميدياً- موسيقياً- فانتازياً بأدوات واقعية ما أضعف السياق بكامله. في فيلمها الأول عرفت كيف تقدم فيلماً أنيقاً بأسلوب بصري شغوف وباهتمامات نسائية مثيرة. لكن لا شيء يبقى ماثلاً هنا سوى مشاغلها النسائية حين قررت تحقيق فيلم لبناني الهوية تماماً. المشكلة هي أنها لم تكترث لصياغة صحيحة من ناحية، وأن الفيلم يأتي متأخراً كثيراً في رسالته


HOUSE OF TOLERANCE **

الهجمة النسائية التي بدأ بها مهرجان "كان" عروضه الرسمية، في المسابقة وخارجها، تبخّرت عن أفلام تتميّز في خانة التمثيل وحدها، وتتلاشى أهميّتها حين النظر الى باقي خانات العمل.
في تلك الخانة المميّزة لمعت إميلي براوننغ وتيلدا سوينتون فبات من المقرر توقّعهما كمرشحتين أساسيّتين في سباق التمثيل. وهذا هو أفضل بكثير من فيلم المسابقة الذي عرض يوم أمس (الإثنين) تحت عنوان "بيت التسامح" للمخرج الفرنسي برتران بونيللي. مجموعة كبيرة من النساء، بينهن التونسية حفصية حرزي، والفرنسيات سيلين ساليتي، جاسمين ترينكا، هديل هاينل، أليس برارنول، إليانا زبيت، ولا تمثيل يرقي الى المستوى المأمول. ذلك لأن الفيلم لم يسع لضخ حياة موازية في أي من شخصياته (النسائية او الرجالية) فخرجت تلك الشخصيات صُوَراً شاحبة.
إنه حول بيت للعاهرات أسس في "فجر القرن التاسع عشر" وبعد ثلث ساعة من دخول المكان ومتابعة نسائه في حالات مختلفة ننتقل الى "فجر القرن العشرين" من دون أن تشيخ أي منهن. لم انتظر طويلاً لكي أعرف كيف يحدث ذلك او إذا ما وفّر المخرج تبريراً، فنياً او من أي نوع لذلك. خلال نصف الساعة الأولى ليس هناك من موضوع متين يتم تأسيسه، ولا أهمية فعلية بما يحدث. الغاية، بدت لذلك الحين، هي إثارة إعلامية لموضوع يتم تصويره بأكمله في ذلك البيت وعاملاته وزبائنه. طبعاً، تختلف الشخصيات (دزينة من النساء، نصفهن في الواجهة، ونصفهن الأخريات في الخلفية) فيما بينهن، لكن لا شيء يعبّرن عنه يلقى صدى ما. كم تمنّى هذا الناقد لو أنه كان يشاهد، عوض هذا الفيلم المظهري المفتعل في أسلوب عمله، إعادة لفيلم كلينت ايستوود "غير المسامَح" (لاحظ تشابه العنوانين هنا) الذي دار عن كاوبوي تم استئجاره للإنتقام لفتاة شوّه رجل وجهها، وهناك فتاة بين نساء فيلم "بيت التسامح" يتم تشويه وجهها، وكيف استطاع ايستوود شحن الدراما وتقديم شخصياته النسائية (العاملات في المهنة ذاتها) على نحو من يكترث فعلاً بمصائرهن.... وماذا تفعل الممثلة التونسية حرزي التي كانت لسنوات قليلة حديث الصحافة والنقاد بسبب ظهورها المتألّق في "كُسكُس بالسمك؟".

MS. BALA ***

أفضل منه الفيلم المكسيكي "مس بالا" للمخرج جيراردو نارانجو. هو أيضاً عن إمرأة ممثّلة بلورا، التي تترك بلدتها وتتجه الى بلدة تيجوانا قرب الحدود الأميركية، لأجل أن تجد سبيلاً تحقق فيه أمنيتها بالتحوّل الى ملكة جمال. هذه الأمنية تتعرّض لمصاعب سريعة، إذ تجد نفسها بين أنياب عصابة مكسيكية تعمل على مهاجمة السياسيين الذين يرغبون في وضع حد لتهريب المخدّرات، وبين رجال الأف بي آي الأميركي الذين يعملون على بيع السلاح الى المكسيكيين بصرف النظر عن توجّهات هؤلاء.
استجد لورا (تقوم بدورها سيتفاني سيغمن) نفسها وقد أصبحت ضحية لرئيس العصابة الذي يريدها القيام بمهام خطرة. ومع أن هذا التلخيص قد ينتج عنه الإعتقاد بأن الفيلم هو شريط أكشن، الا أنه في الحقيقة متمحور حول بطلته وشخصيّتها كما حول كشف أشكال الفساد لدي محيطها. هناك نقاط ضعف بسيطة، لكن "مس بالا" في أساسه تنفيذ موح وجيّد الحرفة لا يغفل إبقاء بطلته تحت بؤرته الدرامية كاشفاً عن كيف تنهار الأحلام الجميلة إلى أرض الواقع الدموي بسهولة.
في المسابقة تم عرض أول فيلم لمخرجين- زبائن. الأخوان جان بيير ولوك داردان سبق لهما أن عرضا معظم أفلامهما السابقة في مهرجان "كان" ويعودان الآن لطرح موضوع اجتماعي جديد ولو أنه لا يختلف، في منحاه ومنواله، عن فيلميهما "الإبن" (2002).

THE KID WITH A BIKE **1/2

الفيلم بعنوان "الفتى ذو الدرّاجة"، عن صبي مشاغب وغاضب أسمه سيريل (توماس دوريه) نتعرّف إليه ثائراً على محيطه المدرسي حين يكتشف أن والده ترك الشقّة التي يعيشان فيها وأن درّاجته التي يعشق اختفت. سيستعيد الدرّاجة (التي ستسرق منه مرّتين بعد ذلك) وسوف يهتدي الى مكان أبيه (الذي لا يريد أن يتعرّف عليه بعد اليوم) وسيبقى غاضباً حتى من بعد انتقاله الى عهدة إمرأة شابّة تعمل في صف الشعر كما في رعاية الأحداث. من الواضح أن رغبة المخرجين هي الحديث عن ترسّبات الوضع الخاص على نشأة الصبي. شعوره بالإهمال وبالحرمان ومحاولته الدفاع عن نفسه بالتحوّل الى العداوة، ثم بالإنجذاب الى وضع كاد أن يقوده الى الجريمة لولا تراجعه التام وقبوله بما تحاول تلك المرأة حثّه عليه من أخلاقيات الحياة العامّة والسلوكيات الإجتماعية الحقّة.
لكن هذه الرغبة باتت عند المخرجين نوعاً من التجارة. إنها سبيل لتقديم فيلم آخر في الموضوع نفسه من دون تجديد في الرؤية واختلاف في النوعية. وجهة يمارسانها بسهولة تصبح بعد حين وجيز سهلة الكتابة وسهلة التنفيذ. طبعاً، التنفيذ جيّد بحذافيره، لكن ذلك لا يصنع فيلماً جيّداً بكل جوانبه وعناصره.

HANEZO **

هانيزو للمخرجة ناوومي كاواسي التي كان لديها تجارب ناجحة مع مهرجان "كان" السينمائي اذ استحوذت على الجائزة الذهبية في دورة العام 2007 حينما قدّمت فيلمها الأفضل "الجبل الناحب". عنوان الفيلم الجديد يعني حرفياً "ظل حمراوي" (اي متدرّج من اللون الأحمر) ويحمل تبعة وهم البحث في التاريخ وظلاله على الحاضر من خلال حكاية تعكس شخصيات تعيش متباعدة في جزرها العاطفية حتى وهي قريبة. إنه عن العزلة وعدم التواصل مع شغل على الرمزية والترميز. أمور كان من الممكن أن تحقق للفيلم مستوى أفضل لكن المخرجة أخفقت في تحريك قصّتها على نحو يخدم أسلوبها المنشود.

تدور الأحداث حول رجل وإمرأة يعيشان في وئام كل مع نفسه ومع الآخر ومع الطبيعة (تم التصوير في منطقة ريفية أسمها رانا) وتنتهي بهما وقد تباعدا مختلفين. ما يحدث (في النصف الثاني من الفيلم) هو إكتشاف المرأة أن زوجها لديه علاقة مخفية تحت ستار الشخصية الهادئة والبسيطة التي يعيشها. لكن هذه القصّة من البساطة بدورها بحيث لا تستطيع حمل فيلم مطلوب منه تفعيل بعض الأحداث والمواقف الى حد مقبول. بالتالي، فإن ما تبلوره المخرجة هو أقل من المأمول طوال الوقت فاقدة القدرة على إثارة الإهتمام. ناوومي تتحدّث عن التاريخ والثقافة ومدلولاتهما التي يقبع تحتها الناس ويلجأوون إليها للتعبير عن ذواتهم (الزوج يصنع تماثيل مستوحاة من التاريخ والأساطير). وهي تستعين بلقطات بطيئة تصف بها الحياة والطبيعة... أمر جميل لو أن هناك دراما تتخلل تلك القطات عوض أن تبدو الشاشة كما لو كانت أشبه بأحجية سودوكو او كلمات متقاطعة.

HARA- KIRI: DEATH OF A SAMURAI *****

لا شيء من هذا الترف التجميلي موجود في فيلم تاكاشي ماييك الجديد والرائع "هارا- كيري: موت ساموراي". فيلم ساموراي يختلف عن كل فيلم ساموراي شاهدناه بإستثناء النسخة الخمسيناتية التي تم استيحاء هذا الفيلم منها. صحيح أنه يسرد الحكاية ببطء لكنه بطء مدروس. بطء ترنس مالك وألكسندر زاخاروف وثيو أنجيلوبولوس ورغم ذلك يبقى الأسلوب تابعاً لماييك من دون مهادنة.
القصّة بالغة الغرابة مسرودة بكامل الوضوح ولو أنها تعمد الى طريقة لولبية لسردها: محارب ساموراي يدخل قصر أحد أسياد القرن السابع عشر طالباً منه السماح بأن ينتحر بطريقة الهاراكيري وأنه سمع عن أن شاباً لجأ إليه قبل حين للطلب ذاته فسمح له السيد بتلك الرغبة. يصحح له السيد مفسّراً له حقيقة ما قام به: لقد منح الشاب خنجراً من الخشب عوض الخنجر الذي عادة ما يتمشّقه الشاب وطلب منه (أمام حشد رجاله ومعاونيه) الإنتحار بالخنجر الخشبي ليمتحن إخلاصه ورغبته. هنا ترصد الكاميرا العملية بكاملها وبدمويّتها. واحدة من المرّات التي تقدم فيها السينما على تصوير عمل عنيف بغاية ايصال كامل الصورة فيما بعد. بعد سماعه، يخبر الساموراي السيد بأنه مستعد للإنتحار أمام رجاله. ثم يسرد له السبب وراء رغبته. ستعود الكاميرا الى فلاشباك طويل نستعرض فيه الحكاية وخلفيّتها لنكتشف أن الشاب لم يكن سوى إبنه وأن الظروف الصعبة التي مرّت بها العائلة المكوّنة من الأب والإبن والزوجة والطفل أدّت الى موتها بإستثنائه. رغبة إبنه بالإنتحار كانت لقاء طلب ثلاث قطع نقود لكي تستطيع زوجته طلب الطبيب. الآن سينهض الرجل ليحارب من حوله بسيف خشبي لكن بمهارة فائقة ولو أن الغلبة لن تكون له في النهاية.
الفيلم ليس عن الشجاعة وليس فقط عن الثأر، بل أساساً عن المصير السيء الذي حاق بمحاربي الساموراي بعدما استغنى اللوردات عنهم وكيف أنهم، وهم أساساً لا يجيدون سوى القتال، لم يكن لديهم سوى كراماتهم الشخصية والقليل جدّاً من وسائل البقاء حيّاً. المرض والجوع يحوم فوق هذه الشخصيات لكن الرجال من بينهم هم أولئك الذين يحاولن فداء أنفسهم في سبيل معونة لا يريدون شحذها من الغير بل اكتسابها ولو على وضعوا حياتهم ثمناً لذلك في المقابل.
ماييك يتأمل الحالة ويجرّد فيلمه من ضرورة الإضافات الصورية. يترك الوضع يبلور نفسه بنفسه مقتصداً في استخدام اللقطات. المشهد هو اللقطة في الكثير من الأحيان، وفي أحيان أخرى هي بضع لقطات متجانسة تستخدم تأسيساً لغوياً بسيطاً لا فذلكة فيه ولا تغرّب عن الثقافة والتاريخ والموضوع الذي يتم التطرّق إليه. إنه فيلم آت من أعماق الثقافة الكلاسيكية لمخرج بدأ حياته السينمائية في التسيعنات منتمياً الى موجة المحدّثين والمناهضين لكل ما هو تراثي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2007- 2011٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular