May 15, 2011

أيام مهرجان كان السينمائي - 3

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
Year 4 | Issue 644
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مهرجان كان السينمائي الدولي    3
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مراجعة شخصية | محمد رُضا
 كان : البيت، العيد، الحفل، الفردوس وأشياء أخرى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من العام 1974 انقطعت مرّة واحدة فقط عن الحضور وكان ذلك سنة 2009. غضبت لذلك، لكن لم يكن باليد حيلة فكل مواعيد العمل الفاصلة بين النجاح والفشل، الحصول على أعمال جديدة او لا تجمّعت في ذلك الأسبوع وحالت دون ركوب تلك الطائرة الى مطار نيس. لكني سريعاً ما رضيت ولكل أمر مرّته الأولى علي أي حال. في الحقيقة الغياب عن "كان" لسنة واحدة كان مفيداً من حيث أنني أخذت مسافة من الحدث الأهم وأخذت أفكّر في السبب الذي من أجله يحظى مهرجان "كان" بكل ذلك الإحتفاء والمكانة. بالشهرة والإقبال الكاسح من قبل الإعلاميين. بالإعجاب الكبير من قبل السينمائيين.

هناك مكوّنات لا يملكها أي مهرجان آخر وتتدخل فيها حتى الطريقة التي تتوزّع فيها أكشاك الصحف على رصيف الكوت دازور. الزحمة التي تشتد عند مداخل الفنادق. المطاعم المنتشرة على الشواطيء وتلك الموزّعة في كل الأرجاء. تلك الطرق الضيقة المخفية في المدينة العتيقة، الجو حين تكون السماء صافية والجو حين تكون ماطرة٠
هناك شيء في التجمّع الكبير عند أسفل السلم العريض لصالة ديبوسي، او الصف الطويل قبل النزول الى صالة  نوغا هلتون. شيء في المناقشات التي تدور بين المتجمّعين. في حقيقة أن ذلك التجمّع الذي يسبق كل عرض بنصف ساعة  هي المرّة الوحيدة التي يتحدّث فيها معظم الناس لبعضهم البعض عما شاهدوه. حال الدخول الى الصالة يتفرّق اولئك الذين كانوا يقفون معاً ولا يعد بالإمكان استكمال الحديث٠
وجدت تلك الوقفة من الشعائر الإجتماعية الفريدة أينما كان. هناك صفوف أيضاً في برلين وفانيسيا وتورنتو وربما في كل مهرجان آخر، لكن لا شيء مثل ذلك التجمّع الذي في كان٠

هناك بالطبع ما هو أكثر وأكبر من ذلك. هناك حقيقة أن القائمين على هذا المهرجان يدركون ما لا يدركه الآخرون من أسرار تكمن في الأسلوب والنوعية.  في الأساس، ليس هناك من شيء في فرنسا الا وله أسلوب خاص يختلف عن مثيله في أي مكان. بما في ذلك مدينة "كان" ذاتها. هل تشبهها مدينة أخرى حول العالم؟  ساحل بنحو نصف كيلومتر طولاً وأقل من ذلك بكثير عرضاً و.... هذا كل شيء. فوقه ينتشر ليل نهار المنتجون والموزّعون والسينمائيون والعاطلون عن العمل والحالمون والواعدون والموعودون ورؤساء المهرجانات والموظّفون الملتحقون بالمكاتب والأسواق والستاندات المختلفة، ثم -فوقهم- أكثر من أربعة آلاف إعلامي من ناقد الى مصور مروراً بالصحافيين الباحثين عن الخبر او الحفلة الليلية٠
أين تجد كل ذلك فوق رقعة صغيرة؟
وماذا عن العازفين والرسّامين والنحاتين وفنانو المايم والمهرّجون والشحّاذون؟ باتوا جميعاً جزءاً من العالم المتحرك المؤلّف من قطعة موزاييك تكاد ترفض الا أن تكون فوضوية- رغم ذلك هي جزء من النظام. لا تستطيع الا أن تكون كذلك٠

خلال السنوات الست والثلاثين الماضية شاهدت مئات الوجوه التي مرّت في سماء كان. معظمها لصحافيين ولنقاد لا أعرف أسماءهم، فقط سحنات وجوههم. بعضهم غاب منذ سنوات، بعيدة او قريبة.  كان هناك الكثير من النقاد المسنين أساساً الذين، ككل ناقد يستأهل اللقب، ليس لديهم في كل هذا العالم سوى المشاهدة والكتابة. أمر يجعلني أتساءل عن العمر الذي نقضيه في العتمة محاولين فهم العالم من خلال العالم الإفتراضي الذي أدمنّاه٠
الوجوه تتغيّر في كل مكان وعلى الدوام. بل يكفي أن تترك مكانك المفضّل في قاعة العروض الكبرى او في أي صالة أخرى وتجلس في مكان جديد. فعلت ذلك مرّة واحدة فشعرت كما لو أنه العام الأول بالنسبة لي. لا أدري إذا ما كان عدم إعجابي بالفيلم ناتج عن تغيير تلك العادة. لم أجرأ على الكتابة عنه٠
الأفلام والمخرجون يتغيّرون وسأكون كاذباً إذا قلت أنني متأقلم تماماً مع كل الأسماء الجديدة وما يطرحونه من سينما. أيام ما بدأت الحضور كان الفن السينمائي محجوز لفيلليني وأنطونيوني وإيتوري سكولا وكارلوس ساورا وميغويل ليتين وألان باركر وكن راسل وإريك رومير وشيام بنغال، هال أشبي، بيتر هاندكي، كارولي ماك، إرمانو أولمي، ناغيزا أوشيما وأكيرا كوروساوا وأترابهم من أساتذة السينما. أيام كان برغمن وتاركوفسكي  وصلاح أبو سيف وساتياجت راي  وكوزنتسيف وبريسون  ومرغريت فون تروتا وآرثر بن ولا زالوا ينجزون أفلاماً مبهرة تتدخل في قناعاتنا وتخلق فينا حب الذوبان في العالم المعروض٠
بطريقة ما أشعر أنني خنتهم إذ استمرّيت حيّاً وهم مضوا. طبعاً أعرف أن البعض يعتبر أن هذا كلام غير واقعي او غير منطقي او غير أي شيء آخر، لكن إذا ما كان هؤلاء المعلّمين كانوا جزءاً من سنّة الحياة، ما الذي بقي من الحياة ذاتها حين رحلوا؟
السينما تتبدّل طبعاً وما كان مرفوضاً في الماضي (مثل سينما الأبعاد الثلاثة) يبدو اليوم كما لو كان خلاصاً لمأزق سينمائي ما. تتبدّل والمخرجون  يتبدّلون كما المفاهيم والأذواق. وكلّما تبدّلت كلما وسعت المسافة بين ما كانت عليه السينما، فناً ومشاغل وأساليب عمل وبين ما هي عليه اليوم. بين ما كان عليه النقاد أنفسهم وما هم عليه اليوم٠

He Walked By Night
السؤال هو إذا ما كنّا، نحن جيل الوسط ما بين الأمس واليوم، قادرين على تقدير الحظوة التي نعيشها: معرفتنا بالماضي ووجودنا في الحاضر. أم هل أن كثر منا لديه حاجزاً خفياً  يفصل بينه وبين الأمس خوفاً من الشعور بالنوستالجيا او الأسى٠
مهرجان "كان" لا يبدو أنه يتأثّر بتعداد السنين. إنه لا يزال العيد. البيت. الفردوس. الحفل. اللقاء. المهرجان. لا يزال ما  نقرر جميعاً القدوم إليه ودخوله مرّة بعد مرّة.  التجمّع عند أسفل الدرج ثم الإنطلاق في جحافل مجنونة كما لو كانت تشترك في مشهد من "ظل المحارب" او "ليننغراد" او "مغامرات عنتر وعبلة"٠
لابد أن هناك أشياءاً جميلة أخرى في الحياة. لكنني إذ جرّبت معظمها، أجد أن السينما لا تزال هي الحب الأول. بل هي الحب الأول فعلاً، منذ أن شاهدت

للأستاذ أنطوني مان في إعادة بسينما صغيرة سنة 1956 وإلى اليوم٠  He Walked by Night




 أيام كان | السينما العربية: سعياً لوجود ما!٠

ربما لم يعد أحد يكترث سوى تلك الحفنة من النقاد، وبل ليس كل النقاد بل تلك المجموعة التي تعلم أن السينما العربية كان يمكن لها أن تنجز وتحقق وتصل، لكنها آثرت أن تبقى أسيرة عجزها شبه الدائم عن الخروج من القوقعة.
ليست المسألة في حضور او غياب السينما العربية عن المسابقة على النحو النظري مطلقاً، فكما هي غائبة كذلك السينما اللاتينية والسينما الأفريقية وافلام نرويجية وأسبانية ومجرية ونيوزلندية وهندية الى آخر تلك الدول، صغيرة وكبيرة، التي أرسلت أفلاماً لم تحظ بإهتمام لجنة الإختيار٠
لكن المسألة هي أن السينما العربية (لا بالجمع ولا بالمفرّق) حاضرة في العالم العربي أساساً. طبعاً، هناك إنتاجات في مصر وتونس والمغرب ولبنان وسوريا والإمارات والأردن لكن بالنظر الى عامل عدد سكّان الدول العربية من ناحية والى عامل المقارنة مع نشاط الدول الأخرى، فإن ما تنتجه هذه الدول المختلفة فقاقيع صابون٠
والأمر صابون جيد الرغي فعلاً، ذلك أن الكميّة ليست المشكلة الوحيدة، بل المشكلة الأكبر هي أن معظمها لا يصلح للمهرجانات، وإن صَلُح فلمهرجانات محلّية او صغيرة او متخصصة، وليس لبرلين وكان وفنيسيا وسواها٠
فهل تفتقّت الذهنية الإبداعية للمخرجين العرب عن الإكتفاء بإنجاز أفلام مكبّلة لا تستطيع مبارحة أرضها؟ حتى لا نظلم المخرجين (رغم ضلوعهم في التقصير) فإن المسألة منتشرة على كل قطاعات العمل السينمائي بدءاً بأولئك المنتجين الذين لم تعد لديهم أي طموحات. تقابلهم في "كان" فتجدهم يتحدّثون عن فيلم صغير هنا وفيلم صغير هناك. تلتقي ومخرجين، فتجدهم يبحثون عن مئة ألف دولار دعماً من هذه الوكالة او ذلك المهرجان وما وازاه من مؤسسة او مصدر شبيه آخر٠
الحالة لا يمكن قلبها بالتمنيات. بل بإعادة تشكيل خطّة شاملة إنتاجية وفنية. هذا قبل فوات الأوان، فالمخشي عليه هو عقل المبدعين أوّلاً،  وقد تحوّل كليّاً الى صندوق مقفل لا يحلم ولا يطمح بل يصرخ نادباً حظّه ومنتقداً المهرجانات العالمية بدعوى أنها ترفض عرض أفلامه٠


***************  CANNES ***************

المخرجة جوليا لي: البطل الغائب في فيلمي هو المجتمع
المخرجة جولي لي (اليمين) وإميلي براوننغ في الوسط

 على الرغم من أن فيلمها الأول "جمال نائم" حمل في طيّاته رسالة ذكية حول وضع بطلته الشابّة والقرارات الخاطئة التي تضطر اليها في محاولة لإنقاذ نفسها من براثن الفقر والحاجة الى الغير، الا أن غالبية النقاد هنا كانوا حذرين من التجاوب كلّياً مع فيلم وجدوه بارداً حيال العالم الذي يعرضه. وكما جاء في استعراضنا للفيلم يوم أمس، فإن المشكلة الرئيسية هي أن المخرج بحذفها المبررات واعتمادها الفعل وحده مجرّداً من الدوافع، سحبت من الفيلم إمكانية التجاوب مع وضع البطلة. فالعلم بالشيء شيء والتجاوب معه (او حتى ضدّه) شيء آخر٠
جوليا لي، مخرجة هذا الفيلم، كاتبة روائية  استرالية وهي تقول أنها بطلتها تتحدّث الى العالم حين تقبل بأن تنام وتترك العالم ينهش جسدها كما يحلو له. "في ذلك رسالة"، تقول "وهذه الرسالة أن أمثالها من الضحايا فقدوا تصديق أن حياتها الحاضرة مهمّة في نظر الآخرين"٠

- أنت روائية في الأصل. كيف قررت التعامل مع مفردات
الصورة ومعالجة الفكرة سينمائياً؟
كوني روائية مكّنني من فهم الشخصيات التي أكتب عنها فهماً كبيراً هيّأ لي نقلها على نحو صحيح، كما أفترض، الى الشاشة. والعلاقة بين القصّة المكتوبة والقصّة المصوّرة وثيقة على أي حال ليس عندي فقط، بل على نحو عام. فكليهما قائم على بناء شخصيات عليها أن تثير الإهتمام وتنضوي على طبقات وشرائح نفسية وعاطفية متشابكة. شخصيات هي من صنع المجتمع وتعيش تحت ثقله وتبعاً لما تواجهه فيه. هذا لا علاقة له بإذا ما كان المصدر الأول أدبياً او أن السيناريو كتب خصيصاً للسينما٠

ماذا عن التحضير لعملية الإبداع ذاتها؟ هل تختلف ما بين
التأليف بنية وضع كتاب روائي  والإخراج بنية تحقيق فيلم؟
المراحل التي يمر بها صاحب العمل لا تختلف كثيراً في البداية. أعني أنك عندما تجلس لتكتب نصّاً سينمائياً عن رواية ستقوم بنفس العملية التي يتطلّبها الكتابة للسينما بصورة مباشرة. كلاهما عمل يتطلّب الكثير من حل المسائل التعبيرية والإبداعية وألوف القرارات المتعلّقة بالحدث وبالمكان وبالزمان وبالشخصيات حتى ولو كانت شخصيات ثانوية جدّاً. ما يتبع ذلك مختلف طبعاً. الفيلم السينمائي يحمل كل ما سبق الى نطاق تنفيذي مختلف تماماً٠

لوسي، بطلة الفيلم، في عرف كثيرين، قد تستحق ما يحدث
لها فهي لا تعكس ملكيّتها لقرارات صائبة. هل تعتبرين أن
ذلك سبباً يدفع البعض منا لعدم التجاوب مع ما يقع لها؟
لا أعتقد. المسألة أكبر شأناً منها وحدها. كيف تأخذ القرار الصائب إذا ما كانت ملوية الذراع من البداية. تواجه جداراً مانعاً يحد من الحياة بمأمن عن اتخاذ القرار الخطأ؟ البطل الغائب في فيلمي هو المجتمع. الى حد بعيد هو الشر المحيط بلوسي وبالعديد من أبناء الجيل الجديد الذي ربما معذور إذا ما فشل في الوصول الى القرار الصحيح بشأن حياته٠

كمخرجة أولى، كيف واجهت عملية التعبير عن نفسك بالكاميرا؟
كيف، إذا أردت، ألّفت اسلوبك البصري؟
مثل أي فيلم يعتمد على الشخصيات ويريد أن يسبر حقيقة ما يحدث لها، فإن "جمال نائم" استلهم أسلوبه من الرغبة في متابعة الشخصية في صورة أمامية والأحداث في صورة خلفية. هذا ما جعلني أركّز مشاهدي على الشخصيات. بعض النقاد سألني لماذا لا تتحرك الكاميرا في هذا الفيلم، لكن الحقيقة هي أنها تتحرّك فعلاً. ربما لا يلحظها الجميع، لأن حركتها بطيئة ومحسوبة وليست سريعة. هذا الأسلوب، كما أجبت، يسمح للمشاهد أن يغوص أكثر فيما يراه عوض أن يعتبر الفيلم حكاية تبدأ وتنتهي تبعاً لمنهج حدثي فقط٠

ما سبب اختيارك للممثلة إميلي براوننغ؟
سؤال مهم وبسيط معاً: لأنها أفضل من وجدت قدرة على التعبير عن الشخصية التي في بالي، وآمل أن توافقني على ذلك. لقد كنت أبحث عن الفتاة الشفّافة التي تتمتّع بجمال نادر كما بموهبة أداء مقنعة. لقد وجدتها قادرة على أن تحمل عبء الفيلم فهي في كل مشهد منه تقريباً. أنا سعيدة لأن وجودها في هذا الفيلم منحها الفرصة لكي تتواجد في مهرجان "كان" أيضاً٠


***************  CANNES ***************
أفلام اليوم
Goodbye
هل مهرجان "كان" جاد في دعمه معارضي النظام في إيران؟

يدّعي مهرجان "كان" فيما يدّعيه أنه يؤيد حريّة التعبير ويناويء- بذلك- ما يحدث في إيران من كتم لتلك الحريّة واضطهاد للمثقفين والمبدعين والسينمائيين- وهذا كله عين الصواب بلا ريب. لكن المرء لابد أن يتساءل وهو يُشاهد الفيلم الإيراني "وداع" أين يذهب كل هذا الكلام حينما يصل الأمر الى الفعل؟
فعوض أن يتم إختيار فيلم محمد رسولوف في إطار المسابقة، نراه اكتفى بالوصول الى تظاهرة "نظرة خاصّة" ليس لقصور فيه وليس تطوّعاً، بل لأن إدارة "كان" ارتأت ذلك. هذا مع العلم أنه- حتى الآن- أفضل فيلم شوهد على شاشة المهرجان الفرنسي العريق٠
إنه دراما عن وضع إمرأة حبيسة على أكثر من نحو: حبيسة نظام متعسّف، ووضع شخصي ناتج عن ذلك الوضع السابق، ثم حبيسة طموحاتها المشروعة. إنها محامية أسمها نورا (تقوم ببطولتها ليلى زاره) تم سحب رخصتها منها وزوجها صحافي هارب من ملاحقة البوليس الى حيث يعيش ويعمل ضد النظام من مكان تحت أرضي غير معروف. في بطنها جنين يعتقد الأطبّاء أنه سوف يولد مُعاقاً، لكن حتى من قبل معرفتها بذلك تحاول طرحه بسبب غياب زوجها ورغبتها في السفر والهجرة٠
 ما تدركه نورا جيّداً هو أنها وحيدة في مجابهتها لما يتربّص بها، وهو على جبهات متعددة: هناك الحكومة، والمخابرات، والنظام، كلها في أعلى القائمة، والقوانين المرعية والتعقيدات الإدارية والنظم الناتجة عن تقويض أي حلم بالتغيير إذا استطاعت٠
التغيير الذي تنشده نورا بدهي: إنها تريد الخروج من وطن تجد فيه نفسها معزولة تماماً. وهناك أكثر من وصف لهذه العزلة، من أكثرها جمالاً ورمزاً تلك اللقطة لها وهي جالسة وحدها عند شاطيء البحر تنظر الى بحر متجهم وسماء داكنة تنذر بالمطر. لكن المرء يستطيع أن يرقب من مطلع الفيلم حالة شخصية لا خلاف في إنسانية ما تطرحه. برويّة وتمعّن وببناء سينمائي يتجاوز فذلكات محمد مخملباف وعبّاس كياروستامي التي لا تخدم الا كليهما، يقدم محمد رسولوف على متابعة ذلك السعي العنيد والهاديء في الوقت ذاته. رجال النظام يدقون باب شقّتها لسحب جهاز ساتالايت من منزلها ما يجعلها أكثر عزلة مما هي عليه أساساً. والمخابرات تدخل حياتها حين تفتّش المنزل بحثاً عن أوراق تخص زوجها. معاناة نورا أساسية في تأليف فيلم (كتبه وانتجه كما أخرجه رسولوف) ينادي بالحرية الشخصية وعلى درجة مزدوجة من الأهمية بسبب كونها إمرأة تتطلّع للإنعتاق من وضع لا أمل فيه٠
في مشاهده الكثيرة لبطلته وهي تدخل مكاتب مختلفة بحثاً عن سبل الحصول على فيزا او جواز سفر او حل لوضع صحّي متأزم، سيلحظ المشاهد أن السكرتيرات عليهن دائماً مغادرة مكاتبهن ودخول مكاتب مدرائهن للخروج بجواب او بإذن ما يرمز لهرم في صنع القرار وهيمنته على القاعدة التي دونه. في ترميز آخر، نجد نورا ترعى سلحفاة صغيرة في حوض. في أحد الأيام تنقلها الى صينية كبيرة تغرقها بالماء. من لحظة إدراك السلحفاة أنها خرجت من ذلك الحوض، تسعى لاستكمال حريّتها بالخروج من محيطها الجديد، ولو أن  قوائمها تنزلق من على الجوانب البلاستيكية. في النهاية، وعلى صورة حقيبة مفتوحة نقّب فيها رجال المخابرات ما شاؤوا، وصوت طائرة عابر ينتهي الفيلم وقد قيدت نورا للتحقيق.
أجمل ما في الفيلم هو التشكيل داخل الصورة. تخال نفسك أمام رسّام يؤلّف الحياة ضمن الكادر ويؤلفها بجمالية رائعة كلما استدعى الأمر٠
إذ تم عرض هذا الفيلم خارج المسابقة كما ذكرنا، سنجد أن الفيلم الإسرائيلي "ملاحظة" لجوزف سيدار موجود في المسابقة رغم أنه، وبإجماع معظم مشاهديه من النقاد، لا يحمل أي سبب فعلي يدعو لجنة الإختيار لتقديمه داخلها. ألم يكن من الممكن إثارة التنافس على نحو أفضل لو أن كلا الفيلمين، الإيراني والإسرائيلي، كانا جنباً الى جنب في المسابقة، بصرف النظر عن النتيجة؟
سيدار كان كتب وأخرج فيلم "بيوفور" عن القلعة الواقعة في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل. جهد جيّد وإن لم يحقق كامل أهدافه. هذا الجهد نفسه مبذول هنا لكن نسبة المحقق من الأهداف هو أقل مما ورد في ذلك الفيلم السابق له٠
إنه عن صراع بين أب وإبنه. أحدهما حصل على جائزة الأكاديمية الإسرائيلية بالخطأ. لقد ارتكبت الوزارة، يشرح لنا الفيلم، خطأ حين اعتقدت أنها تمنح الإبن الجائزة لكنها وضعت إسم الأب عليها. الغيرة بينهما. عدم الثقة. الصراع العاطفي كل في عالمه وسعي أحدهما لكسب ود الآخر من دون نجاح، هو جل ما يمضي الفيلم  ساعتيه في الحديث فيه.
تدرك أن المخرج لا يتمتّع بصدق الموهبة حين تلحظ أنه مستعد لوضع مشاهده في إطار واحد ولأطول فترة ممكنة من الوقت، ثم الإسراع في عملية التوليف في مشاهد أخرى. في معالجة الفيلم جدّياً هنا، ثم البحث عن مناسبات كوميدية هناك. كذلك في أن رغبته في الوصول الى مستوى من التعبير الفني لا تنم عن نظام مبدأي يؤدي الى أسلوب عمل وتعبير، بل عملية تصنيع مفذلكة لا روح فيها. في حدود كل ذلك، هو فيلم ذي قصّة كان يمكن أن تكون مثيرة لو قدّمت نفسها فعلاً على هذا النحو، وليس بحشرها في أتون محاولات تفنن غير مجدية٠





ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2007- 2011٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular