Apr 29, 2011

الفيلم العربي الطويل | لماذا يرى الناقد ما لا يراه سواه؟ |الدجيتال والكاميرا- من جديد | مقابلة مع مارك وولبرغ

YEAR 4 | ISSUE:  639


سنوات ضوئية | هذا الفيلم العربي الطويل
0
هناك قانون صدر عن الحكومة السورية في الستينات يحظّر تربية الحمام الزاجل. إذا تم ضبط مواطن يربّي الحمام الزاجل فإن عقابه السجن. إذا شوهد يرسل حمامة زاجلة فعقوبته القتل ثم السجن.  يُخيّل لي أن منع الحمام الزاجل يعود الى خوف الأمن السوري من أن يتجسس صاحب الحمام على جيرانه ويبلغ إسرائيل. كل ما يتطلّبه الأمر هو أن يكتب رسالته في ورقة صغيرة ووضعها في قدم حمامة ويقبّلها ثم يطلقها. بما أنه ليست هناك وحدة عسكرية لصيد الحمام، فالحمامة قد تصل الى مركز الموساد في تل أبيب وتكشف رسائلها
لكن لم يكن الحمام الزاجل هو الذي أوشى بالمفاعل النووي الذي كانت سوريا تبنيه حينما قصفته الطائرات الإسرائيلية ودمّرته. لم تحتج اسرائيل لحمام زاجل في عصر الأقمار الصناعية. لو احتاجت لكانت أضعف دولة في العالم ولأمكن، على الأرجح، إرسال قذائف مربوطة بأقدام الحمام الزاجل لمحوها٠
حينها أطلق المسؤولون السوريون تهديداً مدوّياً مفاده: "الحق في الرد المناسب في الوقت المناسب". هذا الوقت الذي لن يناسب مطلقاً٠
لكن حين خرج عشرات ألوف المواطنين البسطاء مطالبين بحقوقهم المسلوبة، بالحرية المسجونة، بالإستقلالية الممنوعة فإن الرد جاهز. ليس هناك أرخص من روح المواطن عند السُلطة. "يقتلوننا مثل النعاج" قال صوت مواطن مبحوح ومتأثر. "أي والله يا أخي مثل النعاج"٠

I
كان من المفترض أن الفاشية ذكية. كان الجميع يركبون ظهور المواطنين ويحوّلونهم الى أسباب رغد وثراء.  كل هذه الأنظمة فكّرت في أن الوطن هو البيت، والمواطن هو ديكوره. والطريقة الوحيدة للحكم هو السحق والمحق والتعذيب والقتل. او القتل مباشرة إذا ما تعذّر ما سبق٠
كان من المفترض أن تكون الأنظمة الفاشية ذكية لأن النظام الفاشي ليس بحاجة الي إبن خلدون او أرخميديس لكي ينتبه الى أن الطريقة الصحيحة للبقاء هي العدالة والمساواة والحرية والعلم والثقافة وحب الحياة حتى ولو أدّى ذلك الى تغيير صاحب الكرسي كل أربع او خمس سنوات. أي واحد يتصرّف عكس ذلك لا يحب وطنه، وبالتالي لا يمكن أن يحب شعبه٠
والشهور السابقة كلها أثبتت أن الطغاة العرب جاهلون وأمّيون وأغبياء. وأنه لو مُنح فرصة أخرى لحكم بالطريقة نفسها مسنّاً المزيد من القوانين لقمع أي فرصة للتغيير٠
معظم المخلوعين والذين في طريقهم للخلع تحججوا قائلين أن هناك مؤامرة أجنبية. القذافي قال أن الوضع بات واضحاً جدّاً: الغرب يريد استعمار ليبيا من جديد٠

II
 أحد المتّصلين بقناة "الجزيرة" يجيب على سؤال المذيع الذي انكبّت الكاميرا على وجهه فيروي ما حدث لإحدى المظاهرات التي كانت تتقدّم صوب طرف البلدة السورية للإلتقاء بمتظاهرين من البلدة المحاذية حين تصدّت لها قوات الأمن وأطلقت عليهم النار. كان المواطن يجيب حين قاطعه المذيع الفصيح ليطرح عليه سؤالاً سخيفاً: "يعني ... يعني ... يعني (ثلاث مرّات) كيف علمتم أنهم قوّات الأمن؟"٠
لو كنت محل المواطن السوري لقلت له: "لقد تقدّمت من أحدهم وسألته" او "عرفت ذلك لأن أحدهم كان يصيح "عاش الأمن السوري". لكن الرجل حاول الجواب مجدّداً ومرّة أخرى عاد المذيع الفصيح ليقاطعه بعد أقل من خمسة عشر ثانية مذكّراً إياه: "كنت تروي ما حدث حين تقدّمت المظاهرة. ما الذي حدث بعد ذلك"٠
هل يكترث المذيعون التلفزيونيون لم يحدث بالفعل أم يتظاهرون بذلك؟ حين تطلب المحطّة من مذيعها أن يقاطع الطرف الآخر إذا ما استطرد ذاك بلا نهاية، هل يعطيه ذلك الحق في المقاطعة حالما يبدأ الطرف الآخر الجواب على السؤال؟ بالنتيجة لم يفهم المشاهد شيئاً او أن ما فهمه لم يكن بسبب المذيع الفحل الذي كان مشغولاً بتفسير نفسه ... "يعني ... يعني ... يعني"٠

III
أنا الآن في دبي وقد حضرت بمناسبة مهرجان الخليج وبقيت لأجل إدارة تحرير مجلة "فاراياتي أرابيا".  وفي الثامن والعشرين من الشهر أتّجه الى مدينة عمّان لإلقاء محاضرات حول النقد السينمائي  لأربعة أيام ثم الى مهرجان "كان".... ثم ....؟؟؟٠

IV
طلبت من مراسلة "فاراياتي أرابيا" في دمشق (الزميلة ليلاس حتاحت) إجراء مقابلتين مع مخرجين مبتعدين عن العمل منذ عقود. عادة ما تسعى المجلات الى إجراء مقابلات مع الحاضرين فتقرأ لنجدت أنزور مثلاً في كل الصحف في وقت واحد، او عن الممثل عمر واكد كلّما كان هناك شبه خبر... لكن إعلامنا مقصّر في الإحاطة بحياة المغيّبين. هذان المخرجان هما صديقين رائعين: نبيل المالح وأسامة محمد. ولم أنس محمد ملص الا أن الوقت لم يكن متاحاً٠
كل منهما ذكر لنا وضعه بأسلوبه وتوجهه المختلف. وإذ أعددت المقالتين للنشر، تذكّرت ذلك السينمائي الرائع عمر أميرالاي، الذي رحل قبل أن تقع انتفاضة الشعب السوري. لابد أن صوت الشعب الهادر وصله حيث هو. لا ريب أن روحه ابتسمت٠

V
في اليوم الأخير من مهرجان الخليج السينمائي أقيمت حفلة للمناسبة. دخلت قاعة ووجدت بضعة شباب وبنات يرقصون. كانوا عرب. ربما لا يستحقّون ما سأقوله الآن: حين ينتفض جسد أخيك بسبب رصاصة  غدر كيف تجد الرغبة في داخلك لأن تنتفض رقصاً؟ كيف يمكن لأي عربي اليوم أن يعيش خالي الوفاض؟ كيف يستطيع أن ينظر الى الجهة الأخرى؟
تذكرّت ذات يوم دعوتي الى حفلة عشاء وجّهتها لي ولعشرين سواي إمرأة بالغة الثراء في مطعم يوناني. كانت الإنتفاضة الفلسطينية تقاوم بصدورها وحشية الإسرائيليين وفوجئت بأن العشاء غطاءاً لحفلة راقصة. وما لبث أن تبارى الجميع بكسر الصحون. وهرع مدير المحل يجلب الصحون الآيلة للكسر بكل سرور. فالصحن الواحد يُجيّرعلى صاحبة الدعوة بعشر دولارات. وهي لا تمانع. وهات يا ضحك وكسر صحون٠
انسحبت وشخص ثان من المكان من دون انتظار العشاء. وفي داخلي هذا الشعور الغاضب من كل جاهل في هذه الحياة٠
  
VI
كتبت المادة السابقة قبل أسبوع، لكني لم أستطع نشرها الا اليوم بسبب ضيق الوقت وكثرة التنقل. آسف

أين الحقيقة؟ ولماذا يرى الناقد ما لا يراه سواه؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

The Lincoln Lawyer
سبيل
خرج فيلم المخرج الإماراتي خالد المحمود من مهرجان الخليج السينمائي الذي أقيم مؤخراً حاملاً الجائزة الأولى  في فئة مسابقة الأفلام القصيرة، وذلك عن فيلمه الجيّد "سبيل". ولجنة التحكيم التي رأسها المخرج البحريني بسّام الذوادي حسناً فعلت بعدما وجدت في الفيلم خامة ممتازة لفيلم قصير يختصر في دقائقه القليلة (نحو ربع ساعة) هموماً إنسانية واجتماعية وعلى نحو بليغ. الفيلم بلا حوار ويعتمد مئة بالمئة عما تستطيع الكاميرا التعبير عنه.
لكن هذه الخصلة الفنية الجيّدة حيّدته حين التقى جمع من نقاد "إتحاد النقاد الدوليين" في مهرجان سابق ولم تمنحه جائزتها. بعضهم ذكر أنه لم يفهمه صامتاً "يا ليت استخدم بعض الحوار هنا وهناك لتقريبه الى الواقع". لكن وجهة النظر هذه خطأ جسيم، ليس فقط لأن الفيلم واضح (ليس تجريبياً مثلاً  او ينتمي الى السينما التكعيبية وكلاهما يميلان الى عدم النطق أيضاً) بل أيضاً لأن الصمت هي السينما الرئيسية في التعبير. المخرج، إذا ما أراد، يستطيع التعبير عن كل ما يريد من دون كلمة واحدة. وفي هذا الفيلم ليس هناك من حوار يمكن أن يعوّض الصورة او يشرحها: شقيقان يقودان درّاجتهما النارية الى طريق صحراوي حيث يعرضان للبيع الماء والفاكهة. مع نهاية النهار يعودان الى منزلهما في القرية حيث يعتنيان بجدّتهما. ذات يوم يتأخران عن العودة لعطل في الدراجة ليجدا جدّتهما ماتت. هذه المرة قد فارقت الحياة.

في اختلاف وجهات النظر قيمة جوهرية تلتقي وحريّة الرأي. لكن حريّة الرأي لا يمكن أن تكون غير مسؤولة. ففي حين أنه من المقبول أي موقف لناقد حيال فيلم، إيجابي او سلبي، الا أنه وضع مختلف حين يكون النقد إما إبداء رأي ما او انعكاس لموقف او غير مكتمل المواصفات، كأن يكون النقد رأياً وليس نقداً. أما كيف يكون ذلك، ففيه الفارق بين الناقد وسواه: الناقد يعرف (وعليه أن يعرف) وصاحب الرأي يعكس وجهة نظره بناءاً رؤية حرّة من تبعية المعرفة بالتفاصيل والخلفيات.
والمسألة ليست نظرية بحتة، بل تتمتّع اليوم أكثر من أي وقت سابق بالعديد من الشواهد. وكثرة الشواهد تعود إلى حقيقة أن صفحات الإنترنت مليئة بالمساحات السينمائية والكثير منها إما يصب في خانة النقد او في خانة الرأي، وغالب ما يصب في خانة الرأي يبدو نقداً في وقت يكاد يتلاشى فيه الخط الفاصل بين الإثنين.
فالفارق كبير بين ناقد مجلة "إمباير" جيمس وايت الذي يصف "محامي لينكولن" بـ" فيلم تشويقي صلب"، بما تعنيه الكلمة من تماسك مواقف ونجاح في التشويق والإثارة البصرية والضمنية، وبين ناقد صحيفة نيويورك دايلي نيوز، جو نيوماير، الذي كتب قائلاً: "هناك سبب أن الروايات الورقية لا تصلح لأن تكون أفلاماً جيّدة".
الأول يستخدم كلمتي "تشويق" و"صلب" بإيمان مفعم، بينما الفيلم قد يكون مشوّقاً في بعض أنحائه لكن الصفة الغالبة عليه هي الدراما الشخصية في إطار قصصي، وهو ليس صلباً كما الحال في فيلم لأفرد هيتشكوك مثلاً. والثاني يخرج عن الخط تماماً حين يقول أن الروايات الورقية لا تصلح لأن تكون أفلاماً جيّدة، فالجيّد والسيء في أفلام مقتبسة وغير مقتبسة على حد سواء. والكثير جدّاً من الروايات المطبوعة، من أيام وليام شكسبير الى اليوم صنعت أفلاماً جيّدة.
The Princess of Montpensier
وحين يكتب كينيث توران في لوس أنجيليس تايمز واصفاً الفيلم الفرنسي "أميرة مونتبنسييه" لبرتران تافرنييه بـأن الفيلم "فيه شيء لكل الناس" فيواجهه ديفيد دنبي في "ذ نيويوركر" بالقول: "إنه فارغ في منتصفه" فإن من حق المشاهد أن يتساءل عمن معه حق. وإذا اكترث لمعرفة الجواب فإن عليه مشاهدة الفيلم فيضم صوته الى هذا الطرف او ذاك، او ربما يرفضهما معاً او يقبلهما معاً.

نقد على مرحلتين
لقد مرّ ما يُعتبر نقداً في مراحل عديدة في العالم وفي العالم العربي أيضاً. في منطقتنا، انتقل ما يُعرف بالنقد من صرح التقديم والتعليق الى البحث الفوري والمدرك عن قيمة الفيلم الخفية. هذه لا يمكن الوصول اليها الا بالمعرفة والمقارنة والقدرة على التمييز. مسائل صعبة التحقيق إذا ما كان الناقد لا يعيش في بيئة توفّر له ما يريد مشاهدته طوال الوقت.
لكن خلال الستينات والسبعينات ولصرح من الثمانينات،  انتشر أيضاً نوع آخر من "إبداء الرأي" وهو النوع المدفوع الثمن فإذا بالمنتج او المخرج يتوجّهان الى الصحافيين (وبعض النقاد أيضاً) ويدفعون لهم ثمن مقالات تمتدح أعمالهم. وكان هناك من بين أبرز وأفضل النقاد اللبنانيين ناقد لم تمنعه حصافته وإجادته المهنة من العمل موظّفاً عند شركة أفلام فتمتدح أعمالها المتوسّطة وما فوق وتتغاضى عن أعمالها الدون. في الوقت ذاته، وبسبب العداوة التي كانت قائمة بين تلك الشركة وشركة أخرى، فإن الناقد كان يسمح لنفسه بمهاجمة كل فيلم تعرضه الشركة الأخرى حتى ولو كان جيّداً.
وذات مرّة اقترب ناقدان شريفان، تحوّل أحدهما الى الإخراج لاحقاً، لمكتب شركة إنتاج في مصر لطلب صور لأحد الأفلام التي تستحق الكتابة عنها، فإذا بالمنتج يتهرّب من لقائهما ويطلب من سكرتيره معرفة كم  هو المبلغ الذي يطلبانه معتقداً أنهما جاءا لهذه الغاية.
لكن على الرغم من أن النقد في تلك الآونة احتل المكانة الجيّدة التي كان يطمح إليها، الا أن الفترة اللاحقة شهدت انتشار النقد على نحو أوسع.  النقد في المرحلة الأولى كان أفضل تأسيساً وعمقاً. النقد في المرحلة الثانية أفضل وصولاً وانتشاراً، بسبب قنوات التواصل الموجودة. المرحلة الأولى كانت مثيرة للإهتمام بسبب كثرة المشاغل الفنية والأساليب اللغوية في التعبير كما بسبب إثارة الأفلام العديد من القضايا الإجتماعية والسياسية. الفترة اللاحقة حوت القليل من كل شيء ولا شيء بعد ذلك. إنها مثل "الشوبينغ مول" تدخله فتجد فيه كل نوع من المحلات، لكن لا شيء لك بالضرورة.
وثمّة مسألة مهمّة هنا. إذ انتشر النقد السابق انتشاراً جيّداً بين المثقفّين والهواة، الا أنه لم يستطع الحفاظ على صدقية ما يتولّى عرضه. المسألة بالنسبة للكثيرين من النقاد هي أبيض وأسود: نصفهم على الأقل كان ينطلق من مبدأ أن كل أفلام هوليوود سيئة او إمبريالية او رجعية او استهلاكية (الكلمات الدارجة حينها)، وأن السينما هي "كاميرا تطلق 24 صورة في الثانية" تيمّناً بالسلاح الناري وتبعاً لهؤلاء فإن الفيلم الجيّد هو فيلم قضايا اجتماعية. والفيلم الجاد هو البديل الذي يجب اعتماده كما لو أن المسألة هي أزرار مرصوفة في مصعد كهربائي او في مطبخ عصري، تضغط الزر فيخرج لك الفيلم جاهزاً كيفما تريد.
حين عرض جون واين فيلمه "القبّعات الخضر" سنة 1968 وفيه -وعلى نحو واضح- تأييد للحرب الأميركية في فييتنام (كانت شجاعة من الدوق واين في ظل غالبية من الأفلام المعادية لتلك الحرب) هوجم في منطقتنا بعنف. لكن أحداً لم يتحدّث عن السينما التي جاء بها لا مدحاً ولا ذمّاً.
ما تسبب في خسارة الموقع النقدي تدريجياً هو أن النقاد كانوا لغويين ومسرحيين وأكاديميين وحكائيين أكثر منهم سينمائيين. وفي حين أن النقد الغربي في معظم دوله كان يتطلّب من الناقد أن يفهم في تفاصيل وعناصر العمل السينمائي، مارس هؤلاء أعمالهم على وقع الجانب الأقل صعوبة والذي يماثل وضع فيلم "سبيل" حيث أن الصمت هو اللغة الأصعب والحوار هو أسهل السبل.

كل ذلك يجعل القاريء، او هكذا اعتقد، يتساءل حول أي ناقد على حق وأي ناقد على خطأ. لماذا لا إتفاق إذا كان كلّ منهما يدّعي أنه ممسك بالحقيقة.
الجواب بسيط: اعتمد واحداً وجرّبه لبضعة كتابات، فإذا استمرّيت ستجد نفسك ملتزماً به أصاب أو أخطأ. فلربما ما يكتبه يناسبك ويرضيك وما يكتبه آخر لا يصل الى مستوى من التزمت به. وسواء أكان اختيارك صائباً أم لا، فهو رأي في صاحب رأي، وهناك ثمانية بلايين رأي يغطّون الكرة الأرضية كلّها
٠



   الدجيتال عوض الكاميرا: كارثة فنيّة
  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  
السجال الذي دار حول بعض الأفلام المشاركة في مهرجان "الخليج السينمائي" المنتهي يوم الخميس الماضي، كان -ومن دون الدخول في التفاصيل- علي علاقة بأساليب تحقيق الأفلام المشاركة. فالمعظم الغالب من الأفلام التي شاركت، في المسابقة او خارجها، تم تصويرها بكاميرات دجيتال رقمية بينما هي قليلة تلك الأفلام التي تم تصويرها باعتماد الكاميرا السينمائية.
والموضوع هنا هو هذا الإنتشار للتصوير بالدجيتال وما إذا كانت فوائده تجيز العمل عليه الى ما لا نهاية او أن عيوبه المتغاضى عنها يجب أن لا تغيب عن بال الناقد حتى يستطيع تقييم الفيلم كما يجب.
وانطلق السجال منذ فيلم الإفتتاح. ذلك الفيلم الشخصي المسمّى بـ "طفل العراق" الذي يتحدّث عن المخرج نفسه وقد عاد من الدنمارك التي كان هاجر إليها مع والدته وشقيته قبل سنوات بعيدة، الى العراق حيث موطنه الحقيقي. هناك تصدمه الفوضى القائمة والمصائر المجهولة والخوف والتعب الإجتماعيين المنتشرين لجانب وجود مشاكل متواصلة من بينها البطالة وانقطاع الكهرباء ورغبة الكثير من الشباب الهجرة من العراق الى أي مكان.
في الوقت الذي يتعرّض فيه المخرج علاء محسن للوضع الحالي منتقداً (وهو بذلك يقدم على ما لا يريد مخرجون عراقيون آخرون الإقدام عليه مكتفين بنقد النظام السابق) وواضعاً خطوطاً تحت المعاناة الحالية، يجب أن لا يغيب عن البال أن الفيلم، أي فيلم، هو ليس الموضوع او القصّة أساساً، بل هو الصورة. فيلم محسن ركيك التنفيذ لدرجة أنه يكاد أن لا يكون فيلماً. إوفي الوقت الذي يمكن فيه اعتبار عمله تلقائياً وصادقاً (وهو كذلك فعلاً) لا يمك الا والإشارة الى أن عيوبه كعمل هو أكثر من ايجابياته والسبب الرئيسي في ذلك هو الدجيتال.
الدجيتال هو زر في الكاميرا تضغط عليه وتصوّر والنتيجة، يقولون، فيلم طبيعي. لكن الحقيقة هي أنه بمجرد فعل ذلك فإن النتيجة ليست فنيّة على الإطلاق. لا يمكن الوصول الى مرتبة عالية من فن الفيلم الا إذا كان المخرج على خبرة ودراية بالكاميرا السينمائية بحيث يصمم فيلمه المصوّر بالدجيتال ويخطط له كما لو كان يصوّر بكاميرا فعلية. هذا ما يُتيح للمخرج التفاعل مع معطيات فيلمه وعناصره على نحو واضح وإتاحة المجال الأكبر للصورة لكي تقود الفيلم عوض أن تقودها الحكاية والتعليق والحوارات.
الذي يحدث هو أن الإستسهال الكامن في كاميرا الدجيتال يجذب إليه اختزال الشروط الصعبة التي ترافق استخدام الكاميرا السينمائية. وإذ يُضاف إلى ذلك أن المخرجين يستلهمون أساليبهم هذه الأيام من الأفلام الرائجة وحدها، أي من أفلام هوليوودية حديثة ضحلة الفن وهزيلة الكتابة والمعالجة، فإن المنتشر هو اعتبار أن التصوير بالدجيتال هو الأنسب والبديل الشامل٠ 
لكن كل ما على المخرج المنتمي الى عصر الدجيتال فعله هو مشاهدة كيف قام مخرجون أساسيون برفض التصوير بالدجيتال، وحين فعل بعضهم ذلك استند الى خبرته الطويلة في مجال العمل السينمائي.
على سبيل المثال فإن المخرج مارتن سكورسيزي عمد الى الدجيتال في تصوير بعض أفلامه الوثائقية، كما فعل مؤخراً حين أخرج "سلّط ضوءاً" حول فرقة "ذ رولينغ ستونز" في حفلتها الأخيرة. او ألكسندر زوخوروف حين صوّر رائعته "سفينة روسية" قبل سنوات. والمخرج رتشارد لينكلاتر سبق المخرج عبّاس كياروستامي في تحقيق أفلامه على الدجيتال، لكن من بعد أن تأسس سينمائياً. وحتى كياروستامي، الذي لا يسجّل هذا الناقد إعجاباً استثنائياً به، طوّع الدجيتال جيّداً حين حقق فيلمه الجديد "نسخة مزوّرة".
عربياً، المسألة لا زالت بعيدة للغاية عن الكمال. الخبرات الجديدة التي تقفز للوقوف وراء الكاميرا تبغي السهولة التي تتيحها كاميرا الدجيتال، وكونهم لم يمارسوا السينما من قبل يؤدي الى ممارسة لغة غير سينمائية تؤدي في الحقيقة الى تكسير قواعد السينما في الكثير من الحالات. كما تؤدي غالباً الى منع المخرج من التطوّر صوب الوضع الأمثل لتحقيق الأفلام.
إنه لا ريب أن التصوير بالفيلم الخام، كما يفعل معظم المخرجين للآن، يمنح الفيلم على الشاشة وجوداً مختلفاً للغاية. وفي يقين مارتن سكورسيزي نفسه أنه لو استخدم الدجيتال لتصوير "جزيرة مغلقة" لما حصل على النتيجة ذاتها: "كان السؤال يقع بين أن نحصل على المشاهد الداخلية لعنابر المستشفى مثلاً، مشبّعة بالإختيارات الفنية كالضوء وكخامة للصورة، و"اللوك" العام، وبين أن نحقق ما يشابهها لكنه لا يصل الى مستواها. هذا في نظري الفرق بين الكاميرتين"٠




مقابلة |   مارك وولبرغ: متاعبي الأولى دروساً نشأت عليها

حسناً، لم ينل مارك وولبرغ الأوسكار عن دوره في "المقاتل" لكن فيلمه هذا تسبب في منح الآخرين أوسكارات وخصوصاً ماليزا ليو، التي لعبت دور الأم في الفيلم، وكرستشن بايل الذي لعب دور شقيقه.
لكن مارك وولبرغ اليوم مثل قطار أكسبرس لا يتوقّف في المحطّات المعتادة. بالنظر الى أعماله السابقة وتلك اللاحقة فإن الخط الممتد بتوازن واستقامة بينها هو العمل الدؤوب.
ولد قبل 39 سنة من عائلة فقيرة. كان الأصغر بين تسع أخوة كلهم بنات ما عدا شقيق واحد (تقريباً كما في الفيلم) وانفصل والداه وعاشت الأم وأولادها وضعاً أصعب مما كان عليه لدرجة أن مارك وجد نفسه منحرفاً في سن شابّة يبيع ثم يتعاطى المخدّرات قبل محاولته سرقة رجلين فييتناميين وضربهما. لكن إيداعه اصلاحية الأحداث كان بداية تقويم خطّه السلوكي والإجتماعي. خرج جديداً او على مستهل طريق جديدة ومنذ أن سار فيها ابتعد تماماً عن كل ما يهدد نجاحه.
في السينما منذ العام  1995 في فيلم بعنوان "مفكّرة كرة السلّة" ما يجعل "المقاتل" فيلمه الرياضي الثاني. لكن ذلك الفيلم هو الأول أيضاً بالنسبة للقائه بالممثل ليوناردو ديكابريو الذي التقى به  بعد إحدى عشر سنة حين لعبا وجهاً لوجه في فيلم مارتن سكورسيزي "المغادر".
في العام 1999 لفت الأنظار في فيلم "ثلاثة ملوك" الذي مثّله جنباً الى جنب آيس كيوب وجورج كلوني وكان أحد أوائل الأفلام الأميركية التي تعاطت مع حروب الخليج، وأكثرها نجاحاً. مشاريعه المستقبلية تحتوي على نحو عشرة أفلام معظمها مؤكد وفي العديد منها يلعب دور المنتج وراء الكاميرا.

- ما هي خلفيّتك الإجتماعية؟ قرأت أنك أتيت من بيئة
محدودة الدخل وكل خطوة من الطريق كانت بمثابة معركة.
صحيح. أنا آمل أنني لا زلت الشخص الذي كنت عليه سابقاً: متواضع وبسيط وأؤمن بالجهد والبذل. لا أريد أن أخسر شيئاً مما نشأت عليه. كل تلك المتاعب التي عايشتها هي ما جعلتني اليوم أكثر إنتباهاً وإدراكاً للفرصة الكبيرة المتاحة أمامي.

- فرصة أنك أصبحت ممثلاً؟
نعم. أشعر بأنني محظوظ. وهبني الله بفرصة لن أفعل شيئاً يُطيح بها. أعلم بأن هناك من ينظر الى ما هو عليه ويقول... "أنا وصلت. أملك الآن ثروة كبيرة استحقّها وشهرة عليّ أن أمارس منافعها في كل شيء. أنا لا أملك هذه الأفكار. لم أشعر يوماً أن عليّ أن أفعل شيئاً خارج نطاق حياتي ومبادئي لكي أبقى في الصف الأول او حتى الثاني. كل ما فعلته وسأفعله هو العمل المكثّف والمجهد تماماً كما كان حالنا حين كنت صغيراً.  لم تكن الأمور سهلة في حينها، ولو كانت لما عرفت كيف أتصرّف اليوم.

- هل كنت الإبن المفضّل في العائلة
كلّنا كنا مفضلين. ليس كما الحال في فيلم "المقاتل"، إذا كنت تقصد المقارنة.

- نعم. لأنه في الفيلم تبدو والدتك تفضل شقيقك كما
أداه كرستشن بايل. هل فتح ذلك أي ذكريات خاصّة؟
لا لم يفعل لكني أعرف بالكثير من العائلات التي تمارس مثل هذه التفرقة او على الأقل أعرف أن هذا ممكناً في أي مكان. صحيح. والدتنا، أنا وكرستشن لديها تفضيلاً، وهذا مستقى من التحقيقات التي أجريناها على الفيلم. كما تعلم هو سيرة لا يمكن تغييرها كثياً. بالنسبة إليّ لم يحدث ذلك، لسبب وجيه: كنّا تسعة أولاد، ما شكّل صعوبة تفضيل واحد على آخر (يضحك).

- أعتقد أنك كنت رغم ذلك تكتنز الكثير من الغضب. ففي
سن السادسة عشر اعتديت على ولدين فييتناميين. توافق؟
لا أستطيع أن أقول أنني كنت أعلم ما أقوم به. المسألة هي أنك في ذلك السن لا زلت شاباً صغيراً تجهل الكثير من الوقائع. وتجهل أيضاً أن الظروف الخاصّة تولّد فيك كل السلبيات وتهدد مستقبلك.

- تتحدّث عن الفقر وانفصال والديك قبل ذلك بسنوات
قليلة.
نعم. وربما السقوط في الخطأ مبكراً هو أفضل ما يمكن أن يحدث لأحد. لأن لدى الواحد فرصة لكي يتعلّم او يصحح سلوكه. وهذا ما فعلته. دخولي الإصلاحية كان أفضل علاج. مكنني من التفكير في حياتي ومنهجي وسلوكي وما مصدر ذلك الشعور غير الصحّي.

- كيف إذاً لعبت كل هذه العوامل في جعلك تتحمّس لفيلم
"المقاتل" وتقرر إنتاجه؟ هل يداخل ذلك بعض الحب لرياضة
الملاكمة؟
لا أعتقد. الإهتمام يعود الى أنني وجدت السيناريو وقصّة الملاكم ميكي وورد طبيعيان بالنسبة إليّ. الشخصية وخلفياتها لا تستدعي الكثير من تخيّل واقع آخر. لقد مررت بأوضاع وجدت نفسي فيها أقاتل لكي أثبت فيها جدارتي وكفاءتي. الى ذلك فإن ما جذبني الى الدور هو أنني لم أمثّل شخصية ملاكم من قبل. في الملاكمة هناك قدر من النضال. إثبات الذات، لذلك ورغم أنني لم أرد أن أكون ملاكماً في حياتي الا أنني وجدت العلاقة الكامنة بيني وبين ذلك المجال. بالمناسبة، لم يكن هذا أوّل فيلم ملاكمة أشعر بأني أريد التمثيل فيه. إذاً لا شك عندي أن الرابط موجود.

- كنت تريد براد بت او مات دايمون للدور الذي لعبه
كرستشن بايل. صحيح؟
نعم. لفترة وأصارحك القول، كنت على استعداد للموافقة على أي إسم توافق عليه شركة الإنتاج عليه. طبعاً كنت أريد ممثلاً جيّداً ويمكن الإعتماد على إسمه لتحقيق النجاح. لكن دايمون وبت لم يكنا حاضرين. كلاهما كان مشغولاً وهنا تم اختيار بايل وأنا سعيد بذلك.

إختيار المخرج
- قبل أن أتحوّل الى موضوع آخر، هل التعارض بين
طريقة تمثيل كل منكما كانت مقصودة منذ البداية؟
أعتقد نعم، لكن الجواب يتعلّق أيضاً بالمخرج راسل فهو أرسى قواعد مهمّة في هذا الشأن. من البداية كنت أعرف كيف أريد أن أمثّل الدور ولا شك عندي كان بايل يعرف كيف سيمثّل الدور. إذا كنت تقصد إذاً أنني كنت الهاديء وكان هو الشاغل للمكان فهذا مقصود تبعاً لشخصية كل منّا. وأنا سعيد بأنه نال الأوسكار عن دوره فهو يستحق ذلك تماماً.

- هل هو ثاني فيلم لك مع المخرج ديفيد أو راسل. الأول
بالطبع كان "الملوك الثلاثة". هل كان المخرج في بالك منذ
البداية؟
في الحقيقة لا. صحيح لقد كان في بالي من حين لآخر، لكن تم اعتبار المخرج دارن أرونوفسكي للإخراج لكن هذا لم يتم.

- لم يتم لأن دارن كان مشغولاً او لأنه سبق له وأن أخرج
"المصارع" الذي يدور في عالم مشابه؟
كان ذلك ميزة مهمّة ولم يكن عائقاً. طبعاً فيلمه الجديد "بجعة سوداء" هو أيضاً عن ميدان من الرياضة، ولو كان رياضة رقص الباليه. لكن مقوّماتها واحدة. كل هذه الأفلام تتحدّث عن الفرد ضد العالم. ضد المشاكل التي تبدو مستعصية، ولو أن "المقاتل" كما لابد تعلم يختلف بعض الشيء.

- أعتقد أننا كنا سنتحدّث عن فيلم آخر مختلف لو أن
مخرجاً آخر غير ديفيد أو راسل هو الذي حقق الفيلم.
صحيح تماماً. ديفيد صديق ومتعاون وأحببت العمل معه. لكنه جاء متأخراً بعض الشيء. كنا ارتبطنا مع مخرج آخر. لقد أسندت لديفيد أوّلاً مهمّة استشارية وهو جعل مراجعة السيناريو من بين أهم مشاغله وكان يتصل بي دائماً ليعرض مقترحاته وأفكاره، الى أن قررت ذات مرّة أن ديفيد هو من يستحق أن يخرج هذا الفيلم. لقد عايشه بالفعل. أعنى أن العديد من المخرجين كانوا يستطيعون تحقيق فيلم جيّد، لكن ديفيد في رأيي كان يستطيع تحقيق فيلم ممتاز وأعتقد أنه فعل ذلك.

- كنت أراجع قائمة مشاريعك المستقبلية فوجدت أن
الكثير منها من إنتاجك بما فيها فيلم "آلة شاركي" الذي
كان بيرت رينولدز لعب بطولته سابقاً. هل ترتاح لدور المنتج؟
نعم بلا ريب. هناك أعمال أريد أن اكتفي بإنتاجها وهناك أخرى أريد أن أنتجها وأمثّلها وأفلام أمثّلها فقط. الغاية هو الحرص على تقديم ما أريد تقديمه. لكن "آلة تشاركي"  لا يزال مشروعاً غير مؤكد لكني أحب أن أعمل عليه. هل شاهدت الفيلم الأصلي. أحببته.



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2007- 2011٠



Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular