Mar 27, 2011

جولة بين أفلام الأسبوع | حقيقة الفيلم | السينما التركية تعرض جديدها | أفلام مرشّحة لمسابقة "كان" المقبل

YEAR 4 | ISSUE: 635

  جولة بين أفلام الأسبوع
أهل الفضاء يعلّمون أهل الأرض دروساً في الإنسانية
محمد رُضا
 
PAUL

هناك نغمة سائدة هذا الأسبوع بين العروض السينمائية الجديدة مفادها أن تفضيل التعامل مع مخلوقات فضائية لطرح مواضيع تدور حول البشر في المرتبة الأولى
ثلاثة أفلام لا تلتقي على وجهة نظر محددة، لكنها تقول منفردة ومجتمعة بأن المدخل لمعاينة ما نحن عليه اليوم لا يمكن أن يكون واقعياً. فالواقع على قدر كبير من الفوضى والإشكال بحيث لن يكون ممكناً التغلّب عليه من دون تدخّل خارجي. هذه الأفلام هي : المريخ يحتاج
Mars Needs Moms  أمهات
لسايمون ولز  و"بول" لغريك موتولا و"معركة: لوس أنجيليس" لجوناثان لايبسمن

"المريخ يحتاج أمّهات" فيلم رسوم متحركة يقوم على فكرة قوامها أن أهل المريخ بحاجة الى أم الصبي ميلو لكي ترعى شؤون صغار المريخيين، وكيف أن ميلو سينطلق وراء الخاطفين معرّضاً حياته للخطر ومتعاوناً مع  متمرّد من الأرض أسمه "غريبل" ومتمرّدة من كوكب المرّيخ نفسه أسمها كي
في مقدّمة الفيلم، وتبعاً لتقليد مستنسخ منذ سنوات بعيدة، لابد من تقديم وضع ما ثم العودة اليه في نهاية الفيلم على أساس أن رسالة الفيلم ترتبط بهذه الرحلة المقررة. على هذا الأساس فإن ما نشاهده في البداية هو امتعاض الصبي ميلو المتكرر من أوامر أمّه التي تريده أن يأكل ما يكرهه وأن يفعل ما لا يرغب به (مثل رمي الزبالة). يتمنّى (والتمثيل الصوتي لهذه الشخصية من الممثل الكوميدي سث غرين) لو تتركه وشأنه. وما تلبث أمنيته أن تتحقّق ولو على غير ما يرغب عندما يخطفها المريخيون الى كوكبهم حيث ستنصرف لرعاية الأطفال هناك. ميلو ينطلق لجلب والدته (تقوم بصوتها جوان كوزاك)  وإنقاذها من مصيرها وعليه أن يفعل هذا قبل سطوع ضوء الصباح المريخي. تحدٍ اعتدنا على وبتنا مدركين كيف سيستطيع البطل إنجازه في آخر لحظة. في النهاية يدرك ميلو قيمة الأمومة وينصاع بكل طيبة خاطر الى رغباتها من دون امتعاض كما كان حاله في مطلع الفيلم
MARS NEEDS MOMS



ليس أن الرسالة ساذجة فقط، بل هي من النوع الذي يمنح غير البشر القدرة على استمرار العلاقة الإنسانية بين الأم وإبنها. فلولا أن قام المريخيون بخطف الأولى، كيف كان إبنها سيشعر بضرورتها؟ هنا ليس هناك من حل بشري للمعضلة. ليس من نصيحة او معرفة إنسانية كان يمكن اللجوء إليها بل خطر مدهم من الفضاء الخارجي يتدخل وسلبياته تصبح إيجابيات٠
"بول" من ناحيته  يحمل رسالة أكثر سذاجة وتبدأ وتنتهي في مشاهد قليلة متلاحقة هي تلك التي يتم تعريفنا به. الأسم ليس لبشري بل لمخلوق تم صنعه على الكومبيوتر بهيئة مخلوق فضائي مقتبس من مخلوقات سابقة بدأها ستيفن سبيلبرغ في "لقاءات من النوع الثالث" و"إي تي". لكن في حين أن سبيلبرغ قدّم شخصية مخلوق الفضاء على افتراضية مفادها أن أهل الفضاء قد يكونوا أكثر حبّاً للسلام من أهل الأرض، نجد بول (صوت سث روغن) شخصية لا تقل فساداً عن شخصيات الأرض، ليس لأنها وُلدت هكذا، بل لأن أهل الأرض الذين خطفوه ذات مرّة (صورة معكوسة عن الفيلم السابق) علّموه كلمات السباب والشرب. وخلال ساعة ونصف من كوميديا فجّة كيفما نظرت إليها، ستجد أن بول سيذكّر أهل الأرض (في الفيلم كما اولئك المتفرجون في الصالة) بكم هو أذكى وأفضل وأكثر انفتاحاً من أهل الأرض. ويصل تعديه والفيلم الى رمزيات الدين المسيحي وسط مباركة الشخصيّتين الأرضيّتين اللتين تصاحبا "بول" حياته: سيمون بَغ ونك فروست٠

الفيلم الثالث هو أفضلها إخراجاً، ولو أن هذا الجانب ليس مطروحاً في تناولنا لهذه الأفلام هذه المرّة. "معركة: لوس أنجيليس" هو فيلم معركة واحدة على غرار فيلم ريدلي سكوت "بلاك هوك داون". من الخارج ينتمي الى سينما الخيال العلمي، لكن في واقعه هو فيلم حربي مع اختلاف أن العدو ليس الإنسان بل أهل الفضاء: مخلوقات شرسة مبرمجة على القتل الفوري ومزوّدة بأسلحة فتّاكة تم تجريبها سابقاً في فيلم "ترانسفورمر" وبعضها ورد في "حرب العالمين"، بل أن شكل السفينة الفضائية ذاتها لا يختلف كثيراً عن تلك التي ظهرت في فيلم "المنطقة 9" في مطلع العام الماضي.
هنا يتم غزو الأرض (كل الأرض) ولو أن الفيلم ينحسر عن قصد ليتعامل مع مدينة لوس أنجيليس. العدو يوّحد بين الناس جميعاً أميركيين ومكسيكيين وسود وآسيويين، وهم عناصر كنا شاهدناها تتقاتل فيما بينها في مئات الأفلام الأخرى. بالنتيجة، هذا الفيلم هو عمل حربي كونه يخوض من مطلعه حتى نهايته معارك متلاحقة وكونه أيضاً يرفع القبّعة للقوّة العسكرية موحياً بأن ما لم يستطع الإنسان فعله في زمن السلم من تعايش وتواصل، يمكن له أن يفعله في زمن الحرب وبفضل أهل الفضاء


لا توجد سوى حقيقة الفيلم
السينما راية الانتصار على الزمن
زياد عبدالله

LAST YEAR IN MARINBAD 

الحقيقة متخلى عنها، إنها رهن الفيلم. الزمن الذي تتأسس عليه الأحداث شيء والزمن الواقعي شيء آخر، الأول معركة يكتب النصر فيها للفن، في الثاني الخسارة ستكون العنوان الأكبر الذي يهيمن على البشر في صراعهم مع الزمن الذي لا يعرف إلا أن يمضي وينقضي، الإبداع أولاً وأخيراً صراع مع هذا الزمن، وفي كل الحالات تبقى هناك فجوة زمنية لا يمكن ملؤها بين ما جرى وبين وصفه، نقول «خرجت هدى من بيتها في تمام السابعة مساء، واستقلت سيارة تاكسي، ومضت لزيارة أختها المريضة...»، الفعل ماض، لقد خرجت وانتهى الأمر، ولحظة كتابتنا ذلك فإننا نتعقبها وهي تسبقنا، الكلمات تلهث ولن تستطيع اللحاق بها، الفعل سابق للكلمة على الدوام، وحين نمضي في تتبعها بكاميرا، فإن الماضي سيمسي حاضراً، لا بل إن السينما أيضاً تمتلك حركية جنونية تجعلها أيضاً قادرة على معالجة الماضي وحتى المستقبل، كما لو أنهما في الزمن الحاضر.

وحدها السينما تستطيع الانتصار على الزمن، هناك معارك كبرى اندلعت وانتصرت فيها السينما، سيرجي ايزنشتين فعلها في «الدارعة بودمكين»، استغرق سقوط عربة الطفل دقائق لتكتمل معركة حشود المنتفضين مع الجنود الذين يبدأون بإطلاق النار من بنادقهم.

في ساعتين ستنبني حياة كاملة، سيطفو على الشاشة ما يجعلنا وجهاً لوجه أمام ما نشاهده والعتمة تحيط بنا من كل جانب، سواء كان الفيلم يمضي في خط مستقيم وفق تتابع أحداث تقليدي، أو من دون تسلسل، كلاهما على شيء من الاشتباك مع ما يتوق ليقدم لنا زمناً واقعياً، والواقعية هنا لا تعني أبداً أن الزمن يسير في خط واحد مستقيم، هذا غير صحيح أبداً، أحب كثيراً أن استشهد بالروائي الفرنسي آلان روب غرييه، وقد خاض تجربة سينمائية وحيدة ربما، وهو يرفض التسلسل الزمني الواقعي والحبكة التي تسير بخط مستقيم، إذ إن «ذكرياتنا عن الأحداث لا تتطابق مع الحقيقة، وهناك تداخل معقد بين إدراكنا الزمن وسيره الفعلي، ففي الفيلم لا توجد حقيقة سوى حقيقة الفيلم نفسه، ولا زمن سوى زمنه، إذا سألني الناس كم استغرق صنع «مرينباد» (يقصد الفيلم الذي كتبه بعنوان «آخر سنة في مرينباد» وأخرجه ألان رينيه العام 1961): سنتان؟ شهران؟ ثلاثة أيام؟ فسأجيب ساعة و32 دقيقة، أي مدة عرض الفيلم، لأنه لا وجود لقصة مرينباد منفصلة عن الطريقة التي رويت بها»

اقتبس ما تقدم من كتاب «الوسيط السينمائي» للويس جاكوب، وأمضي خلف آلية السرد التي حملها فيلم «مرينباد» حيث السرد في صيغة المخاطب، وبالتالي فإن الشخصية تقول «أنت سألتني أن أفعل..»، كما لو أن الكاتب أو المخرج أو الراوي يخاطب الشخصيات التي يصنعها، وبما أننا نتعقب الزمن، فإن أفضل ما يتيح لنا ذلك هو القفز به عبر الحلم، حلم انغمار برغمان على سبيل المثال في «الفراولة البرية»، حيث الساعة دون عقارب، أو أن يكون زمن الفيلم حاصلاً في رأس الشخصية، كما فعلها ديفيد لينش في «مولهولاند دريف» ،2001 حيث سيمنحنا هذا الفيلم أيضاً مساحة للتعرف إلى درس سينمائي في السرد، إذ البناء الكامل سيكون آتيا من مخيلة ريتا، سنمضي، بل سنلهث خلف أحداث متتابعة، ومصائر تتغير في لحظة، وحيوات تنقلب رأساً على عقب بغمضة عين، وصولاً إلى أحداث لن نجد لها في النهاية ما يبررها أبداً، مثلما هي الحال مع الحلم أو الكابوس الذي يرويه أحد ما لن يعود للظهور مجدداً في الفيلم. أروي سريعاً بداية الفيلم، ريتا في سيارة ليموزين، تتوقف السيارة ينزل منها المرافق الجالس في المقعد الأمامي، يوجه مسدسه نحوها، وفي هذه اللحظة تصطدم سيارة بالليموزين، فلا يتمكن القاتل من قتل ريتا، فتهرب، وتمضي إلى أن تصل بيت تنام في حديقته، وفي الصباح، فإن صاحبة ذاك البيت تكون في طريقها للسفر، فتتسرب ريتا إلى البيت فتعيش فيه، ومن ثم تأتي بيتي قريبة صاحبة البيت فتسكن ذلك البيت، وتنشأ علاقة بينهما لدرجة الغرام، وعلى هذا الإيقاع تمضي أحداث وأحداث، وتدخل شخصيات كثيرة، إلى أن نصل النهاية التي تقدم، وبالعناصر نفسها، قصة أخرى تماماً، تكون ريتا قد روتها وغيرتها على طريقتها الخاصة. إنه اللعين لينش، ودائماً هناك ما يبقى في أفلامه من دون أي تفسير منطقي، الأمر الذي يبقى ملحاً وحاضراً بعد المشاهدة، كما هي الحال في فيلمه Lost Highway «طريق سريعة ضائعة»  سنة 1997 حيث تبديل الشخصية الرئيسة بأخرى، سيضعان أمام فيلمين في فيلم، وامرأة سرعان ما تصير امرأتين، وكل ما له أن يضعنا أمام انزياحات سردية حادة، لها أن تفرض زمنها ومنطقها، المنطق الساحر الذي يجعل من شاهده يعود ويشاهده من جديد وباللذة السردية نفسها، فكما بدأنا، الحقيقة متخلى عنها، إنها حقيقة الفيلم فقط.

 مهرجان "كان" يشمّر عن ساعديه ليستقبل زبائنه المعهودين
 الأفلام الأكثر إحتمالاً للعروض الرسمية
محمد رُضا
TREE OF LIFE

في مثل هذا الشهر من العام الماضي، تطلّع العالم السينمائي الى مهرجان "كان" المقبل وطرح على نفسه بضعة أسئلة. وكان أكثرها ترداداً هو إذا ما كان المخرج الأميركي ترنس مالك (هاجر والده من لبنان وأنشأ إمبراطورية نفط صغيرة) سينجز فيلمه الجديد "شجرة الحياة" في الموعد المناسب لعرضه في "كان". السؤال لم يكن من فراغ، بل مبني على أن بعض المخرجين يستطيعون بالفعل تسليم أعمالهم الى المهرجانات الكبرى حتى من بعد أغلاق باب التقدّم ومن هؤلاء ترنس مالك. المخرج (67 سنة) هو واحد من هؤلاء. كل واحد من أفلامه استقبل بترحاب نقدي شديد وإن لم يسع  المخرج لكي يشترك في مهرجانات عالمية الشأن، بإستثناء "الخط الأحمر الرفيع" الذي عرضه في دورة برلين السينمائي الدولي سنة 1998
"شجرة الحياة" لم يكن بعد قد أُنجز حين أعلن "كان" العام الماضي عن أفلامه المشتركة رسمياً في المسابقة او خارجها، لكن التوقّع علا على أساس قيام المهرجان بتبادل رسائل مع المخرج الذي كان قد دخل لتوّه معامل ما بعد التصوير.
لكن "كان" جاء ومضى ولم يعرض الفيلم. ترنس مالك ليس المخرج الذي يستطيع أحد استعجاله. "فنيسيا" بات قريباً وانتقلت التوقّعات إليه، حتى أنه حين أخذ الجميع يتحدّث عن الفيلم- المفاجأة الذي يود مدير المهرجان ماركو مولر عرضه، ارتفع حماسة البعض وهو يؤكد أن هذه المفاجأة سوف لن تكون الا "شجرة الحياة". لكن مفاجأة المهرجان كانت عبارة عن فيلم صيني متوسّط القيمة عنوانه "الخندق" اختاره مدير المهرجان المعروف بعلاقاته الجيّدة مع صانعي الأفلام في جنوب شرق آسيا
RESTLESS

حينها تكهّن عديدون أن فيلم مالك إذ لم يلحق بـ "كان" ولا بـ "فنيسيا" فإنه سيكون من نصيب برلين. لكن برلين بدوره أتى ومضى من دون أي أثر للفيلم٠
الآن، كان يعود في دورة جديدة (الرابعة والستين) تنطلق في الحادي عشر من أيار/ مايو والفيلم ذاته مطروح بشّدة كإحتمال قوي. تفيد المعلومات بأن مالك انتهى تماماً من العمل على الفيلم مع نهاية العام الماضي (قبل برلين) لكنه شاء إنتظار "كان" إما لأنه وعد المهرجان الفرنسي بذلك، او تبعاً لإختياره الخاص.
فيلم مالك الجديد هو الروائي الطويل الخامس له من العام 1973 حين قدّم عمله الأول "بادلاندز". وأستطيع أن أقول أنه الفيلم الذي يماثل "أوديسا الفضاء" إنما من دون رحلة فضاء خارجي: لقطات المخرج الطويلة ذات الشعرية الغرائبية للحياة ولأجوائها الريفية والطبيعية الرحبة ممتزجة بموضوع اجتماعي عاطفي وجداني حول نشأة صبي من الولادة حتى مطلع شبابه مع المرور على علاقته المتوتّرة في خضم محاولات والده تأسيسه على منواله هو وليس حسبما يخطط الشاب لنفسه. أبطال الفيلم، براد بت، شون بن وجسيكا شاتين وزاك إرزك الذي يقوم بدور الصبي في مرحلة الشباب٠

زبائن دائمون
"شجرة الحياة" ليس الفيلم الوحيد الذي يتبلور كمرشّح أساسي لمسابقة "كان"، او- على الأقل- للعرض خارج المسابقة. هناك نصف دزينة من الأفلام الأخرى تدور في محور اهتمام المهرجان المقبل. هذا عدا عن الفيلم الذي كان المهرجان أعلن عنه بالفعل وهو "منتصف الليل في بارس"  مع أوون ولسون وراتشل ماكأدامز والفرنسية ماريون كوتيار.
وودي ألن ليس غريباً على المهرجان الفرنسي، فهو عرض فيه عدّة أفلام خلال السنوات العشر السابقة آخرها "سوف تقابلين رجلاً أسمر طويلاً" في العام الماضي. كذلك ليست فكرة الفيلم غريبة عن وودي ألن: عائلة كبيرة تزور باريس ومن بين أفرادها الإبن وخطيبته حيث يكتشفان أن الحب الذي بينهما ليس ذاك الذي لا يمكن هدمه. موضوع تعامل معه ألن في معظم ما أخرجه من أفلام من أيام "مانهاتن" سنة 1979 وحتى اليوم: العلاقات التي تربط بين عدّة أفراد يجد كل منها أن علاقته ليست نهائية فيقع في حب جديد.
المدير الفني للمهرجان تييري فريمو، لم يخف سعادته بالفيلم: "هذا الفيلم رسالة حب رائعة لباريس" كيف لا يكون مع هكذا عنوان ومع وجود السيدة الفرنسية الأولى كارلا بروني ساركوزي في عداد الممثلين؟
بدرو ألمادوڤار: قد لا يحضر

ما يرجّح الأفلام الأخرى، هو أن مخرجيها عادة ما يتوجّهون الى "كان" بأعمالهم. بذلك هم زبائن دائمين. وبالتالي، فإن أعمالهم الجديدة المقبلة تبدو مؤكدة، ويتقدّمها الفيلم الجديد للأخوين جان بيير ولوك داردين. هذان دائماً ما يعرضان أفلامهما في "كان" وكان آخرها "صمت لورنا" سنة 2008 الذي نال جائزة أفضل سيناريو آنذاك. الفيلم الجديد بعنوان "الفتى ذو الدراجة" (الذي كان عنوانه "أطلق سراحي") وهذه المرّة ينتقل الإهتمام من العائلة (كما في فيلمهما الأسبق "الطفل") ومن المرأة ("صمت لورنا") الى الفتى الذي ينفصل عن والده ويقرر التحوّل الى أنثى تبعاً لعدم رضاه عن تعامل المجتمع معه كصبي. موضوع شائك لكن هذا هو شأن أفلام المخرجين البلجيكيين اللذين عادة ما يتعاملان مع شخصيات تعاني من أوضاع وشؤون عائلية وبيئية مجحفة
الفيلم من بطولة  الممثلة الفرنسية سيسيل دو فرانس وبذلك هو ثاني هذه الأفلام من بطولة ممثلة فرنسية بإعتبار وجود ماريون كوتيار في فضاء "شجرة الحياة". أيضاً من بين الممثلات الفرنسيات في أعمال غير فرنسية، شارلوت غاينسبورغ التي تظهر في فيلم الدنماركي لارس فون ترايير الجديد "ميلانشوليا"، وذلك للمرّة الثانية كونها لعبت بطولة فيلمه السابق "ضد المسيح".
الكلمة، في علم النفس، تعني نوعاً من الكآبة، لكن المخرج يستخدمها هنا إسماً لكوكب يقترب لدرجة الخطورة تجاه الأرض مع كرستين دانست وكيفر سذرلاند وشارلوت رامبلينغ من بين الشخصيات الأخرى في قصّة خيال علمية تقع أحداثها في الولايات المتحدة ولو أن التصوير تم في ألمانيا والسويد. والمخرج يعتبر فيلمه "فيلم كوارثي نفسي"، في حين يتردد في هوليوود على أن المخرج يرتكب فيلماً تجارياً ينافس به تلك الأعمال التي يخرجها رولاند إيميريش في هذا المجال
 
رعب من دون رعب
بالعودة الى قصص المراهقين والمراهقات، شأن "شجرة الحياة" و"الفتى ذو الدراجة" نجد الفيلم الجديد للأميركي المستقل غاس فان سانت. هذا المخرج من زبائن "كان" المداومين ما يرجح اشتراكه هذا العام أيضاً. فيلمه الجديد »بلا راحة" او Restless
عبارة عن حكاية فتاة (مايا وازيكوفسكا تلتقي بشاب (هنري هوبر) وتقع في حبّه رغم صغر سنّهما، بذلك يغلقان باب احتمال وقوع كل منهما في حب لاحق متعاملين بجدّية الكبار مع مشروعهما العاطفي.
زبون آخر لا يسعه الا العودة الى "كان" آملاً في استحواذ الذهبية في كل مرّة هو الأسباني بدرو ألمادوفار.   هذه المرّة من المفترض أن يقدّم فيلماً جديداً يصفه بنفسه على أنه "فيلم رعب من دون رعب"، وعنوانه "البشرة التي ورثتها" ويدور حول طبيب (يؤديه أنطونيو بانديراس)  يحاول إنقاذ زوجته التي يحب من الموت عن طريق ابتداع بشرة جديدة لها. لكن ألمادوڤار لم يؤكد بعد توجّهه. هو بوضوح حانق على المهرجان الفرنسي الذي خصّه بمعظم ما أخرجه في السنوات الخمسة عشر الأخيرة ولم ينل بعد ذهبيّته. بل لم ينل، رسمياً، سوى جائزتين من لجان تحكيم "كان"، واحدة سنة 1999 عن "كل شيء عن أمي" كأفضل مخرج، والأخرى سنة 2006 عن "استدارة" كأفضل سيناريو.
هناك أيضاً الفيلم الجديد للإيطالي الساخر ناني موريتي بعنوان "لدينا بابا" او كما عنوانه الأصلي
Habemus Papam وهي العبارة اللاتينية التي تتردد حين يتم انتخاب بابا جديد. الفرنسي الكبير ميشيل بيكولي يشترك وموريتي نفسه في البطولة.
أخيراً، وحتى الآن، هناك احتمال قوي أن يكون الفيلم الجديد للمخرج البرازيلي وولتر ساليس أحد الأفلام المتسابقة في الدورة الجديدة. عنوان "على الطريق" ومستوحى من رواية شخصية وضعها جاك كيروواك الذي كان صديقاً للكاتب وليام س. بوروز والشاعر ألن غينسبورغ. نوع من أفلام الطريق Road Movies بميزانية 25 مليون دولار في تركيبة فنية تشبه الى حد تركيبة فيلم ساليس السابق "مفكرة الدراجات" الذي تناول فيها الحقبة الشابّة من حياة تشي غيفارا والذي عرضه على شاشة المهرجان الفرنسي سنة 1988


  سينما تركيّة أخاذة شهدتها بيروت حوت على عسل وقرود
هوڤيك حبشيان

BAL |  عسل

أقيمت قبل أسبوعين تظاهرة مخصصة للسينما التركية الجديدة. سبعة أفلام اقترحت على الجمهور اللبناني على مدار خمسة أيام. الافتتاح لـ "عسل" لسميح كابلانوغلو الفائز بـ"الدب الذهبي" في الدورة ما قبل الأخيرة من مهرجان برلين. لجانب فيلمين للموهبة الأوضح في السينما التركية الحديثة: نوري بيلجي جيلان. "ثلاثة قرود" و"أوزاك" عرّفاه الى السينيفيليين المحليين. أما بقية البرنامج فتضمّنت افلاماً لأوجير كيجيلتان ("تاكيا"، الحائز جائزة عالمية) ومراد شكر الذي عرض له "هدف حياتي" وآخرين.
كانت هذه مناسبة مهمة للتعرف الى بعض الاتجاهات الجديدة في سينما لها حاضر لافت لها اطلالات متكررة في المهرجانات الدولية، غير انها مقلة وغير منتشرة تجارياً
"عسل" (2010) يختتم به المخرج التركي سميح كابلانوغلو ثلاثية أطلق عليها تسمية "ثلاثية يوسف"، مؤلفة من "بيض" و"حليب" و"عسل". انه تمجيد للسينما التأملية التي رفعتها الى المراتب العالية أسماء كبيرة مثل عباس كيارستمي وأندره تاركوفسكي
ترافق الشريط ثلاث شخصيات: أب وأم وولدهما. يعمل الأب في استخراج العسل من عمق الغابات. ذات يوم يخبره ابنه يوسف البالغ السادسة من العمر، الذي يرافق والده الى تلك الأمكنة، بأنه حلم، لكن والده يمنعه، لسبب ما، من رواية هذا الحلم بصوت عال. ثمة علاقة قوية تربط الواحد بالآخر، والمُشاهد لا يعرف ما هو الحلم لأن يوسف يرويه لوالده همساً. في غضون ذلك، يهجر النحل المنطقة، وهذا ما يضع مصير العائلة في الخطر، وتأخذ الحوادث في التطور حين يواجه يوسف صعوبة في النطق ليتحول ذلك تدريجياً الى صمت، ولا أحد يستطيع شيئاً حياله. وفي حين يتسلق الوالد الغابات الجبلية، تحاول الأم تحفيز ابنها على الكلام. وتزداد أزمة العائلة حين يطول غياب الأب، لكن يوسف مقتنع بأنه سيعود، لذا يذهب للبحث عنه في جبال الاناضول الشاهقة.
من : ثلاثة قردة

يصنع كابلانوغلو، البالغ من العمر 48 عاماً، اسماً جديراً بالثقة منذ بضعة أعوام داخل الحصن المنيع للمهرجانات الدولية. انطلق بدايةً من مهرجان القارات الثلاث (نانت، فرنسا)، في تشرين الثاني من عام 2005. لم يكن يتكلم آنذاك لغة أخرى غير التركية، ما كان يعوق التواصل معه. شاب اربعيني خجول قليل الكلام، مثل أفلامه. في ذلك المهرجان حيث جاء ومعه "سقوط الملاك"، فاز بـ"المنطاد الذهبي"، الجائزة الكبرى في المهرجان. مذذاك يشقّ طريقه رويداً رويداً، بعيداً من الأنظار وبأقل قدر من الاستعراضية، صانعاً ما يعتقد انه شاطر في صناعته. "بيض" و"حليب" عُرضا في كلٍّ من كانّ والبندقية. في الأول خارج التشكيلة الرسمية، اما في الثاني فكان داخل المسابقة.
يأتي كابلانوغلو من خلفية سينمائية تتيح له التعامل مع مفردات الابداع برقي معيّن. الزمن هو من الأشياء التي يقيم لها وزناً. التأطير لديه سينمائي على رغم انه تأهل في كواليس التلفزيون. لكن سرعان ما تخلص من كل التأثيرات السيئة التي للشاشة الصغيرة عموماً على السينما. بالتأكيد، نستطيع ادراج الفيلم في اطار المسار الذي تمشي فيه السينما التركية المعاصرة، والتي يصعب عليها ان تجد تقليعة واستمرارية وحضناً نهائياً. اياً يكن، هذا الفيلم انتصار لمفهوم تأملي للسينما أو تكريس آخر لفن سابع فيه انتعاش وحيوية، وكان قد لوحظ جزء من هذا الانتعاش في مهرجانات دولية، على رغم ان اثنين حتى الآن يجسدان هذه السينما أفضل تجسيد خارج تركيا، فاتح أكين ونوري بيلغي جيلان.
لا يحتاج كابلانوغلو الى الكثير من الموارد السينمائية ليؤكد انه من طينة السينمائيين الذين يؤمنون بأن عامل الزمن هو ما يجعل السينما على هذا القدر من الخلق. هذا الحس في تحريك الكاميرا ببطء وتغيير وجهة النظر، يبلورهما الفيلم منذ مشهد الافتتاح. الطبيعة تلقي بظلالها على الفيلم، وهي التي تمنح النصّ جوانب روحانية ينحاز اليها المخرج من دون شك. الطبيعة هي ملهمة السينمائي الذي يعطي صورة الأب وطريقة تعامله مع ابنه، المكانة الابرز في الشريط. لا يخلو الفيلم من تيمات أخرى متداخلة ومتقاطعة، يخاطب بعضها البعض الآخر، في مقدمها الحلم والدين، اللذان يحظيان لدى المخرج بعناية خاصة، لأنهما يجعلان الطفل يحلّق بجناحيه بعد أن يحظى ببركة الأب.
            
جيلان و"القرود الثلاثة"
أصاب المبرمجون قلب الهدف عبر اختيار احدث أفلام نوري بيلجي جيلان، "القرود الثلاثة". انها السينما التركية التي على الاتراك أن يرفعوا رأسهم بها، بعيداً مما يحاك في التلفزيون من اعمال هابطة تنقل واقع المجتمع التركي المترجح بين الحداثة والتقليد. تهذبت موهبة بيلجي ونضج عقله السينمائي. فيلماً بعد فيلم، وهو ليس الاّ ابناً للمهرجانات التي قدمته الى الجمهور، وفي مقدمها مهرجان كانّ، اذا بدأت قصتهما معاً، ذات أيار من عام 1995، وكان ذلك لمناسبة عرض فيلمه الاوّل "كوكون". أما رؤيته الاخراجية التي تستلهم من أزمات الفرد، ففيها من الحديّة والصرامة ما يضعه في مرتبة كبار السينمائيين. انجازات جيلان في مجالات الصوت والصورة والتعبير البصري تستغني عن الكلمة المفبركة والحوارات والثرثرة لمصلحة شريط صوتي رفيع المستوى "مكفّى وموفّى".
"ثلاثة قرود"، الحائز جائزة الاخراج في كانّ عام 2008، لفّ العالم من ذلك الحين، وهو عن عائلة تركية تسعى في أن تبقى موحّدة، رافضة ان تقر بأن ما تعيشه أكاذيب وأوهام. من الصعب تلخيص دراما إنسانية عميقة وسوداوية الى هذا الحدّ، وخصوصاً أن الفيلم تجربة تعاش ولا تحكى، وهي تُنقل من خلال انفعالات الشخصيات الاربع، سلوكها، نظراتها، وأيضاً من خلال ما يقترحه الشريط الصوتي من مؤثرات طبيعية، كصوت تساقط المطر والرعد والسماء الممتلئة غضباً، وهذا كله يلتقطه جيلان بقدرة فائقة على جعل محنة الشخصية محنتنا ودمعتها دمعتنا وكبريائها كبرياءنا. ناهيك بالغنائية التي تستحوذ على معظم العمل. أسئلة وجودية كبيرة يعج بها هذا الشريط الذي يحتفي بالطبيعة والعناصر التي يتألف منها الكون. اسئلة معظمها يأتي نتيجة تراكمات وعدم قدرة الحياة اليومية على الاتيان بأجوبة مقنعة وصريحة.
منذ زمن ليس بقريب، تقتحم سينما جيلان خصوصيات قومه، مصوِّبةً الاهتمام على التفاصيل الموحية التي يرسم من خلالها لوحة قاتمة عن أحوال المجتمع التركي المعاصر. شأنه شأن شخصياته التي تجد في الهرب متعة واستغاثة، ينتمي جيلان الى الجيل الذي يحلم بالسينما وطناً بديلاً. وعليه، نراه يبني مساراً سينمائياً يخيّم عليه شبح السينما العالمية من أقصاه الى أقصاه. ما يصوّره جيلان في "ثلاثة قرود"، هو لحظات وجدانية ضخمة، من تلك التي نرى الضعيف يتنامى فيه شعور القوّة، والقوي يصير فجأةً في رتبة من يستغله عاطفياً ومادياً وسياسياً. بالنسبة الى جيلان، أن يفهم الآخرين يعني أن يفهم ذاته ويتحكم بخياراته. لا يوجد في السينما التركية الحديثة على حدّ علمنا، ما هو أبلغ تعبيراً عن حال الفرد الغارق في محن التسلط والابتزاز ممّا رأيناه في مشهد ختام هذا الفيلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2007- 2011٠


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular