Mar 12, 2011

السينما العربية بين الثورات


صديقي القاريء، منذ بداية هذا الشهر لا يكاد يمر أسبوع من دون
إضافات وتحديثات سواء في هذا الموقع او في "فيلم ريدر" الذي صار
الآن يوازي "ظلال وأشباح" إنتشاراً ورواجا والذي تم اليوم نشر باقي تحليل 
الناقد لفيلم ألفرد هيتشكوك الرائع
Vertigo
لقد كتبت ذات مرّة عن الناقد الوحيد ... لكن هذا لا يعني أن يبقى 
وحيداً. هو أيضاً يحتاج ليسمع منكم تصوّراتكم، اقتراحاتكم، اسئلتكم 
وآرائكم  فااناقد وجمهوره  شارع واحد بإتجاهين٠ 

YEAR 4 | ISSUE: 633
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الغلاف

بعد أربعة أعوام من إنتاجه يباشر فيلم بيتر زلينكا "الأخوة كرامازوف" عروضه في أنحاء
بريطانيا ضمن فاعليات مهرجان غلاسكو المقبل. الفيلم من إنتاج جمهورية التشيك والأخير
في سلسلة إقتباسات عالمية مختلفة عن رواية فيودور دوستويفسكي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السينما العربية بين الثورات |   محمد رُضــا 

Jewel of the Nile
ذات مرّة في العروس بيروت، ركبت سيّارة تاكسي وفي يدي مجموعة صور كبيرة لم أجد مغلّفاً لها فحملتها كما هي. أيامها (السبعينات) كانت الصور غير إلكترونية، وعلى الصحافي أن يلجأ الى شركات التوزيع لكي يطلبها ويسلّمها للمجلة التي تقوم بطبعها. الفيلم الذي انتمت هذه الصور إليه كان "الإعتراف"، فيلم أنجزه الفرنسي (اليوناني الأصل) كوستا-غافراس مباشرة بعد "زد". وواحدة من هذه الصور تظهر رجل أمن يلكم رجلاً يتم التحقيق معه فيهوى ذلك عن الكرسي. تحديداً اللقطة هي للثانية التي تجاوزت فيه لكمة الضارب وجه المضروب واحتلّت جزءها الصغير من الهواء، في الوقت الذي ترنّح فيه المضروب عن كرسيه تبعاً لقوّة اللكمة.
الجالس لجانبي في سيارة التاكسي نظر الى الصورة وقال: "والله بيعملوها أخوات الشر...". ثم وجّه كلامه الى سائق التاكسي: "عجبك الدرك كيف بيعزّب المسجانين؟". أدركت سريعاً أن الرجل اعتقد أن الصور مأخوذة من معتقل الأمن العام اللبناني ساعة إجراء تحقيق خصوصاً وأن البوليس في الصورة يرتدي ما يشبه زك الدرك اللبناني، فتدخّلت وقلت: "بس هيدا فيلم سينما عن أحداث تقع في تشيكوسلوفاكيا". لم يرد الراكب التراجع عما يعرفه فقال: "وَلو. يللي عمبصير عنا .... " واستخدم كلمة لن ينفع ذكر أحرفها الأولى٠

الإعتراف لكوستا-غافراس

كوستا-غافراس غازل اليسار في "زد" الذي وقعت أحداثه في اليونان، ثم غازل اليمين في "الإعتراف" الذي تقع أحداثه في تشيكوسلوفاكيا، لكن كان على السينما اللبنانية أن تنتظر للعام 2009 قبل أن يقدم أحد مخرجيها (سمير حبشي) على تحقيق فيلم نرى فيه الأمن العام يضرب معتقليه (في "بيروت مدينة مفتوحة"). رغم ذلك أثار الفيلم نقداً مع ونقداً ضد ضمن الوسط الإعلامي اللبناني، لكنه مرّ مثل سيارة فيراري مسرعة في سماء العروض لبنانياً وعربياً (شاهدته في الدوحة قبل أسبوع من مهرجانها السينمائي الأول)٠

السينما كانت دافعاً ثورياً وكلّما كان الفيلم جيّداً كلما منح القضية التي يعرضها ثقلاً وحضوراً في بال المتلقّي ووعيه خصوصاً إذا لم يكن من المتفذلكين النقاد او المثقّفين.
السبب بسيط: ما يراه المشاهد علي الشاشة هو واقع يعرف أنه موجود إن لم يكن في بلده ففي بلد سواه. ذلك الراكب ربط الصورة بالأمن العام اللبناني مباشرة. لم يسأل أين وقع هذا؟ ومن هم هؤلاء؟ وكيف تم تصويرهم؟ ولم يخطر له أن أن تكون الصورة -حتى ولو كانت صحيحة وليست من فيلم- من خارج البلد. بل حكم على أنها "أهلية بمحليّة" وشتم الضارب وأشفق على المضروب وتركت السيارة وهو لا يزال يتحدّث في الشأن السياسي مع أبو وليد، سائق تاكسي السرفيس.

في الوقت ذاته، إذ تؤدي السينما دور دافع ثوري، الا أنها لا تتسبب في الثورة. لم يحدث أن خرج المشاهدون بمظاهرة بعد حضورهم فيلم ما علي غرار ما يفعله المصلّون بعد صلاة الجمعة. صلاة الجمعة، او القدّاس يوم الأحد، هو خطاب مباشر موجّه ليس بحاجة الى تورية صورية، ولا يعتمد على ممثلين يؤدون من يفترض بهم أن يكونوا شخصيات ولا يحمل احتمالات يعاينها المشاهد ويتّخذ مما يناسبه موقداً لعزيمته. مثل أي خطاب في أي مناسبة سياسية، الكلمة موجّهة لغالبية مؤيّدة وإذا ما كانت ناجحة خرجت منها تلك التظاهرات التي شاهدناها تقع في مصر بعد ظهر كل يوم جمعة، والتي كانت في محلّها. لقد أدّت الى تغيير واحد من أعتى الأنظمة العربية.
الى جانب ما خلفته المظاهرات مباشرة من تغيير نظام، فإن الطريقة التي تم فيها التعبير عن موقف الشعب العارم والصارم، كان فريداً: "الثورة الوحيدة التي تمّت بنجاح وقام المتظاهرون بعدها بتنظيف أماكنهم حين  انتهت الثورة" كما قال مراسل السي أن أن. في خضم ذلك التقدير، وسواه مما قيل في ثورة نظيفة وسلمية وأكثر وعياً من معارضيها، هناك ما تحطّم لدى أصحاب الصور النمطية من صانعي الأفلام الأجنبية. صور عرضتها أفلام أميركية وأوروبية عن شعب راض بما هو عليه، وبمن هم فوقه. أحد هذه الأفلام هو نموذج لأفلام أخرى عنوانه "جوهرة النيل"٠

صوت الشعب
"جوهرة النيل" فيلم من إخراج لويس تيغ وكتابة مارك روزنثال ولورنس كونر حول المغامرين جاك (مايكل دوغلاس) وجوان  (كاثلين تيرنر) ينتقلان من الأمازون حيث أمضيا المغامرة السابقة "مغازلة الحجر" الى بلد عربي (تم تصوير الفيلم في المغرب) سعياً وراء الحصول على جوهرة لا يُعادلها ثمن ينافسهما عليها مغامر شرس أسمه رالف (داني ديفيتو). في هذا البلد العربي حاكم جائر يعامل شعبه كماشية ووجود هذين المغامرين مدعاة لتحفيز الناس على الثورة. في أحد المشاهد نرى الشعب (كما هو معبّر عنه بنحو 100 كومبارس) ينحنون للحاكم الجائر، وفي مشهد آخر، بعد النجاح في إقصاء الحاكم الجائر وتعيين خليفة له نراهم ينحنون له بإجماع من جديد. هل وصلت الفكرة؟ لا شيء يغيّرنا. نحن نتوسّل عبادة الفرد خصوصا إذا ما كان حاكماً؟ لا أمل فينا ونستحق ما يجري لنا؟
طبعاً هذا غير تلك الرسالة التي وصلتنا عبر أفلام كان لابد لها أن تكون عربية.

مصطفى العقّاد، الذي يؤثر بعض الفقهاء العرب اعتباره جاهلاً جهولا، أخرج وأنتج ما هو اليوم أفضل فيلم عن ثورة عربية. "عمر المختار" او "أسد الصحراء" فيلم عن الثائر الليبي عمر المختار، الذي نتابعه في مطلع الفيلم وهو يدرّس الطلاب القرآن الكريم واللغة العربية. الأحداث بعد ذلك ستلهيه عن هذا الدور وسنراه ينظّم القتال ضد جنود الإحتلال الإيطالي ويبلي بلاءاً حسناً متسبباً في فشل العمليات العسكرية الأولى لسحق المقاومة ومن ثم رفع مستوى الإعتداء على الليبيين لكي يشمل الهجوم عليهم بالطائرات وحصدهم بالرشاشات او القنابل (على غرار ما يحدث الآن مع استبدال المعتدي). في النهاية يتم القبض على عمر المختار وشنقه كما لو أن ذلك سيسكت صوت الشعب. المشهد الأخير ذي دلالة كبيرة: صبي يلتقط نظّارة القائد الليبي الكبير التي كان يستخدمها للقراءة. حين سأل القذافي مصطفى العقاد عن مغزى هذه اللقطة النهائية قال له المخرج: "هذا لتأكيد دور الثقافة والمعرفة في إنجاح الثورات"٠

"عمر المختار" ليس جيّداً بسبب ذلك المشهد ولا بسبب موضوعه فقط، بل بسبب الكيفية التي تم فيها إرساء هذا الموضوع. هناك أنواع كثيرة في مجال التعامل مع المواضيع المختلفة دون أن يكون هناك نوع أفضل من آخر، وإذا كانت صحوة النقاد العرب الأخيرة أيقظتهم على أن ليس كل الأفلام الأميركية أفلاماً سيئة لمجرد أنها هوليوودية، فإنه ليس كل الأفلام ذات الحس والمعالجة الذاتيّتين أفلاماً جيّدة لمجرد أنها كذلك. وإذا كان ديفيد لين مقبولاً، فإن المقبول أيضاً مخرج عربي يسبر الدرب نفسه ولو أنه لا يبتكر المنهج بنفسه. وديفيد لين ليس مذكوراً هنا كمجرد مثال، فهو أيضاً تناول الثورة العربية المُقبلة والوحدة التي تفشل على أعقابها. السياسات المحصورة بالزعامة والإنهيارات بين الحلفاء وفقدان السفير الغربي الذي جاء لينفّذ سياسة بلاده هويّته ما يجعله عاجزاً عن معرفة موقعه وغير راض عن أي موقع معيّن. إنه كما يقول روبرت دوفال لجاسون باتريك في "جيرانيمو: أسطورة أميركية" [إخراج وولتر هيل- 1993] "أنت تكره من تقاتل من أجلهم ولا تحب من تقاتلهم" ٠
فيلمان في الستينات بارزان أكثر من سواهما بالنسبة للأفلام التي تعاملت مع الثورات العربية: "لورنس العرب" لديفيد لين (1962) و"معركة الجزائر" لجيلو بونتيكورفو (1965).٠

لورنس العرب لديفيد لين مع عمر الشريف وبيتر أوتول

حيال فيلم لين، انقسم النقاد والمثقفون العرب بوضوح فوافق البعض على رؤيته ومضمونه السياسي والتاريخي، وهاجمه البعض الآخر لذات الأسباب. والخلاف هنا حي وديمقراطي لكنه لا يستند دائماً الى معرفة فعلية، بل الى مفاهيم مكتنزة يعود اليها المرء كحكم. إنه عن تي إ لورنس (بيتر أوتول في الفيلم) الذي نراه في مشاهد أولى شاباً جامعياً يتم انتدابه الى مصر ولاحقاً الى الحجاز لحمل العرب تأييد الأمير فيصل (أليك غينيس) على الإتحاد ضد الإحتلال العثماني. من البداية واضح أن الغاية ليست خير العرب او شرّهم، بل التسبب في هزيمة الخاصرة الشرقية من الإمبراطورية العثمانية التي كانت تحالفت مع الألمان في الحرب العالمية الأولى. حسب الفيلم، المأخوذ عن السيرة الذاتية التي وضعها لورنس تحت عنوان
The Seven Pillars of Widsom
فإن الأمير فيصل كان مستعداً للتضامن مع البريطانيين لأقصى مدى في هذا المسعى. الغاية الأولى وراء إرسال لورنس الى الصحراء العربية كانت التجسس على الثورة العربية بقيادة الأمير فيصل ولورنس يجد نفسه يلعب دورا إضافياً باختياره أن يكون مساهماً في توحيد القبائل العربية المتناحرة تحت قيادة واحدة. هذا يقوده الى خطوة أخرى الى مسار لم يكن مطلوباً منه في الأساس: لقد أدرك أن توحيد القبائل العربية خدمة للسياسة البريطانية سوف لن يعود على العرب بخير، فحاول، أيضاً حسب الفيلم ومذكّرات شخصيّته هذه، توحيد تلك القبائل لذاتها.
كم من الحقيقة في ذلك لا يمكن التأكد، فليس هناك من وثائق تناويء معظم ما يأتي بيد لورنس في مذكّراته او فيما يتوخّاه الفيلم عبرها. هناك بالطبع ريب في أن الصراعات القبائلية كانت على النحو الفاتك الذي وردت في الفيلم، وأن لورنس لم يكن المسؤول عن توحيد تلك القبائل، بل غلبت سياسة الحكمة على ما عداها، لكن الفيلم في نهايته ليس عن هذه المسألة وحدها، بل ينتهي الى ما هو أهم: أضاع لورنس جهوده وأدرك ذلك حين عادت القبائل للتناحر بعد لقاء دمشق.

زغاريد الجزائر
خلال ذلك يتبدّى أن الثورة العربية بالنسبة للفيلم كانت عنصراً للحديث عن إحباط مشروع لورنس وعن فشله في حبّه العربي. العرب بعصيانهم على محبوبهم اعتدوا عليه عاطفياً كما اعتدى عليه الأتراك جنسياً واعتدى عليه البريطانيون فكرياً. إنه الخاسر الأول والأخير.
هذا الفيلم 180 درجة في كل جزء منه عن فيلم جيلو بونتيكورفو "معركة الجزائر" تمثيل جان مارتان، ياسف سعدي، براهيم حجاج وفوزية القادر عن سيناريو لليساري فرانكو سوليناس٠

معركة الجزائر

في الأساس، ليس هناك من فيلم آخر يدور حول مقاومة شعبية للإستعمار (أي استعمار) يماثل هذا الفيلم تأثيراً وقوة. ومصدر قوّته الأسلوب التقريري الذي اتبعه المخرج. كاميرا محمولة على اليبد بأسلوب تسجيلي/ واقعي ترصد انتفاضة شعب ضد قوات الإحتلال من دون أي خطابة او غوغائية او دوغوماغية او تنظيرية. لا اتهامات. لا دفاعات. لا تنظير ولا نظريات. نعم الكاميرا ترصد أحداثاً تثير الحماسة والتعاطف إنما تحتفظ لنفسها ببعد بينها وبين ما يدور لكي تضمن إيصاله بأقل قدر من تدخّل صانعي الفيلم. الأعجوبة أن ذلك يحقق للفيلم غاياته: يرصد حركة المقاومة الجزائرية ضد الإستعمار الفرنسي وكيف اتسعت وكيف واجهت، كما كيف ووجهت. الضربة القاضية للعسكر الفرنسي كانت مرحلية. بعد ذلك ترتفع حناجر نساء الجزائر بالزغاريد: ربح العسكر الفرنسي جولة، لكن الشعب الجزائري ربح الثورة والحرب بأسرها.
ما هو مهم، وفات كثيرين، أن الفيلم من نسيج فترة كان العالم بأسره يعيش مخاضات ثورية بأشكال مختلفة، سياسية واجتماعية، شملت العالم العربي وأفريقيا وآسيا وأميركا (الجنوبية والشمالية) وأوربا (ورد هذا الفيلم قبل ثلاث سنوات من ثورة الطلاب الفرنسية).
في الولايات المتحدة، كان النشاط الطالبي يتبلور نحو ما وقع فعلياً في أواخر الستينات من ثورات شبابية ضد الحرب الفييتنامية وضد التفريق العنصري ومع حرية العيش وصولاً الى مناوأة النظام الرأسمالي بعينه. لا يمكن أن يكون "معركة الجزائر" سبباً في ذلك، لكنه وليدة ثورة ابداعية تلت، بدورها، ثورة شعب استطاع تغيير وضع بلاده من مُستعمَر الى مستقل.
الإختلاف بين الفيلمين "لورنس العرب" و"معركة الجزائر"  يكمن في أسلوب العمل وماهية الجمهور الذي توخّاه كل فيلم، وتقنيات العرض والمعالجة والعناصر الإنتاجية. كذلك هو في موقع الكيفية التي يتحدّث بها كل فيلم عن ثورة عربية. الأول من وجهة نظر بريطاني والثاني من وجهة نظر لا أحد. وفي حين أن الأول جمع الى صفّه عشّاق السينما الإنجازية الكبيرة، تصويراً وكتابة وتمثيلاً وإخراجاً، احتل الثاني مكانته بثقة بين الباحثين والمؤرّخين ونصيب ولو مختلف من عشّاق السينما. في النهاية كلاهما صنوان متباعدان لكنهما متساويان٠

محاكاة أميركية لفلسطين؟
إنه من الموعز للأسف طبعاً أن حاكمي ليبيا والجزائر تحديداً، هم الأساس في اعتقال الروح الثورية من أبنائها. تحويل حياتهم الى نظام خدمات وتقاليد متوارثة عوض الإنفتاح على الثقافات والإبداع وتوفير القدرات البشرية، الفردية والإجتماعية، لتثوير الثقافة وللتنوير والخروج من القوقعة الى الحق الفردي والجماعي في التقدّم والإزدهار. تلك النظّارة التي يحملها صبي الغد في "عمر المختار" (ما الذي حدث لذلك الممثل الطفل؟ هل هو قابع في البيت؟ لاجيء في الغرب؟ محارب على جبهات الثورة؟) هي ما يريد النظام، أي نظام، وللأسى الشديد نظام القذافي قبل سواه، كسرها لأن العلم والنور والثقافة طريق تحرر ووعي وهو ليس بوارد منح الشعب هذا القدر من الحق خوفاً من الإنقلاب عليه٠
جيرونيمو: أسطورة أميركية

"جيرانيمو: أسطورة أميركية"، الذي ورد عابراً أعلاه هو عن ثورة أخرى خاضها زعيم قبيلة الأباتشي جيرانيمو (1829-1909) ضد جيشين قويين هما المكسيكي والأميركي. منذ أن كان في السابعة عشر من عمره وعى على انتهاكاتهما لقبيلته، وما لبث أن شهد مقتل زوجته وإبنتيه في غارة مكسيكية فنزع الى السلاح وقاد ثلّة من الرجال (حسب وثائق  لم تزد عن ست ثلاثين فرداً) واجهت فرقاً مكسيكية ثم أميركية في كل تلك الصحاري الممتدة ما بين أريزونا ونيو مكسيكو٠
حين مشاهدة الفيلم، والإستماع الى حوارات مأخوذة من أقوال لذلك المقاتل الهندي الشرس، لا يمكن الا وأن تجد محاكاة بين ما حدث لثورته وبين ما واجهته الإنتفاضات الفلسطينية على أيدي المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. حين خرج الفيلم سنة 1993 كانت المقاومة الفلسطينية المسلّحة من ناحية والإنقضاض العسكري الإسرائيلي على المدنيين من ناحية أخرى تتماشيان مع ما عرضه الفيلم كأحداث وقعت في ذلك العصر الغابر من التاريخ الأميركي، وسواء أكان ذلك مقصوداً، كما يعتقد هذا الناقد من دون دليل فعلي، او مجرد توارد في المسارات التاريخية (بما فيه من تسليم بأن هذا التوارد ليس بدوره صدفة)، فإن الفيلم واحد من أفضل الأعمال التي قدّمتها هوليوود عما آل اليه الشعب الأميركي الأصلي، ذلك الذي كان مؤلفاً من 500 أمّة تجاوزت مجموع قبائلها ثلاثة آلاف قبيلة سكنت كل القارة الأميركية الى أن بدأ محوها عن الوجود إثر وصول رسول الهلاك الأبيض كريستوفر كولمبوس متبوعاً برسل آخرين٠
في الثمانينات، وتبعاً لفيلمي مصطفى العقّاد "الرسالة" و"عمر المختار" وجدت السينما العربية نفسها في موضع جديد تريد من خلاله تحديث وسائل تعبيرها عن الثورات المحلّية عبر حقب مختلفة من التاريخ. طبعاً، الأفلام التاريخية بحد ذاتها سبقت فيلما العقاد طويلاً، من أيام "واإسلاماه" الذي جيء بالأميركي أندرو مارتون لتنفيذه سنة 1961 و"الناصر صلاح الدين" [يوسف شاهين- 1963] و"المماليك"  [عاطف سالم- 1965] و"فجر الإسلام" [صلاح أبوسيف- 1971]٠

فجر الإسلام

كل واحد من هذه الأفلام كانت له رسالة تنتمي الى المرحلة الثورية الناصرية. مفادها في فيلم "الناصر صلاح الدين" ليوسف شاهين، على سبيل المثال، التأكيد على وحدة الصف الإسلامي- المسيحي الخارج عن القالب الشعبوي او الطائفي والمناضل في سبيل استعادة القدس. في "فجر الإسلام" لصلاح أبوسيف رسالة تؤيد الوحدة بين القبائل أيام ولادة الدين الإسلامي في الحجاز ونبذ المؤامرات التي حاكها يهود ذلك الحين ضد محمد (صلى الله عليه وسلّم) ودينه.
بدورها، دفعت الثورة الجزائرية ببعض سينمائييها، أمثال أحمد الراشدي ومحمد سليم رياض ومحمد لخضر
حامينا، للحديث عن الثورة الجزائرية ضد فرنسا فقام هؤلاء بإنجاز أفلام جيّدة في هذا الموضوع من بينها "السبيل" و"رياح الأوراس" و"مفكرة أيام الجمر" و"الأفيون والعصا" من بين أخرى تبدو اليوم كما لو كانت أضواءاً بعيدة تحول مسافات ضوئية دون الوصول إليها ولو من باب استعراضها من جديد٠
كل ذلك كان ضمن السياسة المنهجية للدول العربية المختلفة لتعزيز سياساتها ومناهجها الثورية. أيامها، الستينات والسبعينات، كانت هناك سينمات يمكن الإقتداء بها حين الحاجة، وهي تلك القادمة من الشرق الأوروبي، فهي أيضاً سينما "ثورية" ولو بالخط العريض للكلمة. ثورية ضد نظام العهد القيصري، ثم ثورية لخدمة تعاليم كارل ماركس وتطبيقات جوزف ستالين، ثم ثورية ضد الإحتلال الألماني ولو أن كل ذلك القدر من "الثورة" جاء مدجّنا بالبروباغاندا الدعائية المعهودة. ليس فقط أن النظام الشيوعي وفّر غطاءاً سياسياً داعماً للثورات المختلفة في أميركا اللاتينية وأفريقيا والعالم العربي على حد سواء، بل كان المرجعية الوحيدة أمام السينما العربية (والسينمات المذكورة الأخرى) في مواجهة النموذج الثاني (والوحيد): السينما الغربية ذات التوجّه التجاري.
بالتالي، كان فيلم "عمر المختار" وحيداً (ولا يزال) من حيث أن بلور القضية الوطنية المحددة جغرافياً بليبيا لتخدم القضية العربية ككل. أمر لم تستطع الأفلام الأخرى التي قامت مصر والعراق والجزائر وسوريا، القيام به لأسباب عديدة، وذلك بإستثناء رسالات قومية نجدها في أفلام صلاح أبوسيف الأولى كما في فيلمه التاريخي الأخير "القادسية"٠

هذا الفيلم هو إنتاج عراقي للمؤسسة العامة للسينما التي أراد نظام صدام حسين توجيهها لخدمة النظام والسياسة العامّة له. لكن قبل أن يشكّل ذلك استهجاناً جاهزاً وإدانة سريعة، لابد من القول أن أحد إنجازات ذلك العهد إيجاده  مؤسسة حكومية ترعى وتموّل الأفلام العراقية بغاية خلق سينما فاعلة. لكن واحد من آثار ذلك النظام هو إساءة استخدام هذا الإنجاز سريعاً من بعد استحداثه. فهو  وظّف كل الطاقات الفنية ومهارات السينمائيين والمواهب المبدعة في الكتابة والإخراج والتصوير والتمثيل، لكي تخدم النظام  والدولة بمفهومها القائم. هذا ما منع، والبعض قد يقول أباد، السينما العراقية المحلية التي كانت بدأت تترعرع في مطلع عهد ذلك النظام الذي لم يكترث، شأنه في ذلك شأن أنظمة عربية أخرى، الى تشجيع السينما كفن وكثقافة وترفيه، وتأسيسها كصناعة كبيرة وفي الوقت ذاته استخدام ما حلا له منها لمصالحه فيكون بذلك خدم وانتفع. ما فعله النظام آنذاك أنه وجّه، عبر مسؤوليه، كل الطاقات لأن تخدم فكر الدولة وايديولوجيّتها فقط جاعلاً من شبه المستحيل على السينما العراقية مواصلة طريق كانت شقّته بصعوبة كبيرة من الأربعينات وحتى ذلك الحين

في الشأن العراقي
فإلى أن نشبت الحرب العراقية- الإيرانية كانت هناك سينما عراقية بالفعل. لم تكن السينما المنشودة، معظم الأحيان، لكن قوامها، من خبرات ومواهب وستديوهات، كانت متوفّرة ولو في حدود. ففي الأربعينات تم إنشاء أوّل ستديو سينمائي في بغداد (بإسم ستديو بغداد) تبعه ستديو آخر للإنتاج والتصوير بإسم »دنيا الفن«. وكلا الاستديوهين أنتجا أفلاماً حتى أواخر الخمسينات من بينها »علياء وعصام« و»عروس الفرات« و»ارحموني«،  و»من المسؤول« و»ندم« و»سعيد أفندي«  و»وردة« وعدد آخر من انتاجات انقسمت ما بين الدراما والكوميديا كشأن العديد من السينمات المحلّية في المنطقة آنذاك٠
من مطلع الستينات، أخذت السينما العراقية تجد نفسها تابعة لنظام حجر عليها، وذلك تبعاً لتوالي الحكومات وفهمها المحدود الذي لابد أنه كان مستوحى من تجربة الدول الشيوعية حيث الحظر على الفكر والإبداع الا ما توجّه لخدمة الحاكم والنظام٠ على ذلك حتى منتصف الخمسينات كانت هناك المزيد من الأفلام الترفيهية المتّجهة الى الجمهور السائد مثل »يد القدر« و»ورق الخريف« و»عودة الى الريف«. لاحقاً، هذه الحدود ضاقت أكثر حين بدأ حشر الرسالات السياسية في الأفلام العاطفية.  وأدى قيام حزب البعث بالإستيلاء على السُلطة في العراق الى مزيد من توجيه السينما لخدمته كما كان متوقّعاً٠
على ذلك، فإن السنوات الأولى  من حكم الرئيس صدّام حسين (الذي استلم المقاليد في العام 1979) لم تكن، سينمائياً، سيئة. كان لا يزال هناك جهد حقيقي لتقديم سينما ذات هوية وطنية وكان بعض فرسانها صاحب حدّاد ومحمد شكري جميل  وقاسم حول  وفيصل الياسري يتمتّعون بهامش من التقدير لمواهبهم ومساعيهم من قبل أن ينحسر التقدير ويصبح هؤلاء وسواهم رهينة الرغبة في تسييرهم حسب وصيّة الدولة وحدها٠
فجأة وجد الرئيس العراقي لزاماً على المؤسسة إنجاز فيلم عن حياته يكون بمثابة التخليد له ولنموذجه في النضال والثورة والإلتزام بالثوابت الوطنية، فكان "الأيام الطويلة" للمخرج المصري توفيق صالح، وحين نشبت الحرب العراقية الإيرانية، صار لزاما تحقيق فيلم عن النصر الذي تحقق للعرب في موقعة "القادسية" كون أعداء ذلك الحين هم الفرس، أجداد الأعداء الجدد. وإلى الفيلمين تم تجهيز فيلم ثالث بعنوان "المسألة الكبرى" لسرد حكاية الثورة العراقية ضد الإحتلال البريطاني.
كل من "القادسية" و"المسألة الكبرى" كانا باستلهام من "عمر المختار" كنظام إنتاج. فالغاية كانت تحقيق أفلام عالمية بقصص عربية. لكن العروبة هنا كان محض شأن دعائي يخدم الدولة. كذلك فإن المعرفة بعناصر الإنتاج والتسويق التي هضمها العقّاد حين أمّ "الرسالة" و"عمر المختار" كانت مجرد طموحات في بال المخرج  محمد شكري جميل، صاحب "المسألة الكبرى"، الذي جلب طاقم ممثلين بريطانيين من بينهم أوليفر ريد الذي ظهر في دور الضابط الباطش في "عمر المختار"٠
السؤال الذي يطرحه ذلك كلّه هو أنه إذا ما كانت السينما العراقية سبحت طويلاً في مياه الموضوع السياسي المُوجّه، ما الذي يجعلها تختلف الآن مع أفلام  مرحلة ما بعد صدّام حسين؟  أفلام مليئة بالإسقاطات والإنتقادات والرسائل الموجّهة بدورها. معذورة كونها تريد أن تتناول كل تلك القضايا بعد سنوات من الكبح والقمع، لكن هل سيصنع ذلك سينما؟

القادسية
الجواب سينقلنا الى موضوع آخر مفاده أنه في حين أسس النظام السابق سينما موجّهة، لم يؤسس النظام الجديد أي سينما على الإطلاق، وربما -ربما فقط- وجود سينما ولو موجّهة أفضل من عدم وجود سينما على الإطلاق. على نفس المنوال، كان وجود سينما فلسطينية ثورية في الستينات والسبعينات، أفضل من عدم وجودها في الثمانينات وجزء من التسعينات. من حالاتها العاطفية والتعاطفية وأشكالها النضالية التي انتقدت من دون تفريق، الى وضع احتلّت فيه الحياة السياسية وحدها شاشات البيوت عوض شاشات الأفلام. هذا الي أن أنقذ الوضع مجموعة من المخرجين الفلسطينيين الجدد من أمثال هاني أبو أسعد ورشيد مشهراوي وإيليا سليمان٠
كل ذلك، بلا استثناء يُذكر، تبع حقبة عريضة من الحياة السياسية المختلفة التي شملت العالم بأسره. لذلك، ليست هناك فواصل سياسية ذات شأن بين أفلام تلك الفترة على اختلاف مشاربها وسياساتها فجميعها انتمى الى الفترة الزمنية التي تميّزت بالوعي رغبة بالتغيير، والتي لخّصها الفرنسي جان-لوك غودار حين قال شيئاً شبيهاً بـ "أتحدّث عن ثورة الشباب وتتحدّثون عن استخدام اللقطات" موجّهاً كلامه الى منتقديه حينها٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2007- 2011٠




Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular