Mar 6, 2011

أوراق ناقد | أوسكار بلا جديد | سينما الرسوم المتحركة اليوغوسلافية | رتشارد فلايش- الجزء الثاني | حديث مع ري ويذرسبون

YEAR 4 | ISSUE: 632

في هذا العدد

أوراق ناقد | هل منحتنا حفلة الأوسكار جديداً لم نعرفه؟ حتى الجوائز كانت بمجملها متوقّعة؟ هل يمكن لممثلين عاطلين عن العمل إنقاذ ما لا يمكن إنقاذه؟

رسوم متحركة | عودة الى الأصول في هذا التحقيق حول مدرسة زغرب للرسوم المتحركة وكيف وجد فنانيها سبلاً للتعبير عن أفكارهم وما هي تلك الأفكار أساساً ولماذا اختلفت هذه المدرسة عن سواها٠

مخرج الجزء الثاني من  تحقيق خاص عن المخرج رتشارد فلايشر ولماذا "خانق بوسطن" أحد أفضل أفلامه؟

حديث | الممثلة ريز ويذرسبون تقول: "إذا ما نجحت في نمط معيّن أكثر من سواه نعم... يصبح العودة عنه أصعب" وهذا ليس حالها وحدها طبعاً٠


أوراق ناقد
في حفلته الأخيرة: الأوسكار كجمعية خيرية

 سأعمد الى طرح سؤال على القراء الذين شاهدوا حفلة الأوسكار الأخيرة: هل هناك مرحلة معيّنة من الحفلة التي استمرت نحو ثلاث ساعات وجدها المتابع العربي أهم من سواها؟ او أفضل من سواها؟ او أضافت إليه شيئاً لم يكن متوقّعاً؟


شخصياً لا أذكر حفلة أوسكار وُلدت ميّتة كالحفلة الأخيرة التي تم تقديمها قبل أكثر من أسبوع. قبلها أعلنت أكاديمية العلوم والفنون السينمائية أنها تتوقع للحفلة نجاحاً كبيراً بين المشاهدين هذا العام، والمشاهدين الشبّان على الأخص. لذلك جيء بالممثلة آن هاذاواي والممثل جيمس فرانكو لتقديم الفقرات. هي غيّرت ملابسها نحو خمس مرّات، وهو غيّر ملابسه نحو مرتين او ثلاثة وواحدة من هذه المرّات ارتدى فيها فستاناً أحمر ........ واو .....مان....... تجديد غير مسبوق. من كان يعتقد أن الجمهور الشاب الذي تتوجّه اليه الحفلة لضمّه الى باقي الفئات كان ينتظر أن يرتدي جيمس فرانكو الأحمر لكي يقبل على الحفلة فيرفع من نسبة مشاهديها.... وكنت أود مشاهدة وجه الرئيس توم شيراك وهو يقرأ أن نسبة المشاهدين تراجعت عشرة بالمئة عما كانت عليه في العام السابق وإن معظم العازفين عن مشاهدة الحفلة كانوا من بين الجمهور الشاب. صحيح أن العدد الإجمالي للمشاهدين لا يزال كبيراً (38 مليون) لكن الأمور تُقاس بالتقدم او بالتأخر.... او عند الناقد بملاحظاته على ما حدث وما غاب عن الحدوث٠
أولاً، بخصوص أداء المقدّمين الشابّين (هي في الثامنة والعشرين هو في الثانية والثلاثين) على المنصّة،  وجدناهما يقعان فيما لا ينفع: إضحا الناس
أساساً لا أدري لماذا إضحاك الناس أمراً مطلوباً من ممثلين غير كومييديين. جيمس فرانكو كان أسوأ وضعاً من آن هاذاواي. لا أعتقد أن شيئاً مما قاله أحدث قبولاً. في الساعة الثانية بدأت عيناه تصغران وفي الثالث أصبحتا خطّاً صغيراً يتسلل منهما ما يكفي لمشاهدة ظلالات الحاضرين. ولا أذكر أي نكتة تلك التي قالها فسقطت أرضاً كمن تعثّر خلال نزوله من على المنصّة فسقط عند أسفل السلّم

ثم هناك اولئك الذين صعدوا المنصّة من دون سبب يُذكر. أنا لم أفهم سبباً لصعود بيلي كريستال آتياً لتوّه من عملية شد وجه، وكلّه رجاءاً واستعطافاً للمنتجين الجالسين بأن يمنحونه بعض تلك الفرص الجديدة. الرجل يريد أن يمثّل. لقد قدّم الأوسكار من قبل ومن حينها غاب عن التمثيل. الحقيقة أن آخر مرّة مثّل فيها كانت قبل ظهوره مقدّم حفلات، كانت  سنة 2002 عندما أدّى بطولة فيلم لم يشاهده كثيرون هو 
Analyze That
من حينها، هو إما مثّل بصوته أفلاماً كرتونية كما في
Mike's New Car  و  Howll's Moving Castle  و Cars
او يتم شكره في نهايات الأفلام على جهد ما بذله (ربما اتصل بمنتج صديقه) كما حالة فيلم
او يلعب دور شرف صغير ولا يظهر أسمه في قائمة الممثلين كما الحال في My Best Friend's Gir
Tooth Fairy
لذلك من الطبيعي أن يسعد كريستال في هذه الفرصة (المدفوعة) التي وفّرتها له الأكاديمية. ظهر وثرثر ومضى وسأحلق شنب جاري إذا شاهدناه قريباً في بطولة فيلم جديد٠
كيرك دوغلاس

ثم جاء هالك: ممثل عجوز أسمه كيرك دوغلاس، كان نجماً كبيراً في الخمسينات والستينات، وذكرى جميلة في السبعينات ومتشبّث بالبقاء في الثمانينات، وأيقونة ونوستالجيا في التسعينات، ثم لا أحد في العقد الماضي من القرن الواحد والعشرين. خلال السنوات العشرين  مثّل بضعة أفلام لم يشاهدها أحد من بينها    
Welcome to Veraz, Greedy, It Runs in the Family
وأصيب قبل ذلك بنوبة قلبية أثّرت علي نطقه، وها هو الآن في الخامسة والثمانين يستند الى عكاز ويلقي كلاماً لا يمكن فهمه بسبب حالته البدنية. بالله، لماذا المجيء به لتقديم جائزة؟ نعم لو أنه بكامل قواه لفهمنا: الأوسكار مدين لنجومه جميعاً، الأقدمون كما الجدد، لكن الرجل بالكاد يمشي وبالكاد يتكلّم. ألم يكن ظهوره من باب رغبته وآخرين التأكيد على شيء خارق للقانون هو: "لا يزال نجماً"؟ لا، بصرف النظر عن قيمته ممثلاً ، كيرك دوغلاس لم يعد نجماً من خمس وعشرين سنة. وهو هناك من باب المعروف، كما لو أن الأوسكار جمعية خيرية

What A classy act  لكن الأمور ساءت أكثر مع ظهور أوبرا وينفري
لأنه إذا ما تم اختيار جد الممثلين لتقديم جائزة أفضل ممثلة مساندة (كنت مع فوز ماليسا ليو، لكن أداءها فوق المنصّة كان من أسوأ الأداءات: تصرّفت كما لو أنها لم تسمع بأن معظم الإحصاءات تشير الى فوزها المؤكّد) فقد تم اختيار وينفري لتقديم جائزة أفضل فيلم وثائقي، وهي التي لم تستضف في برنامجها الذائع مخرجاً وثائقياً واحداً في حياتها٠
هل حُشرت لأن الأكاديمية لم تختر هذه السنة ممثلاً او مخرجاً او كاتباً أسود البشرة لكي ترشّحه؟ عليك أن تفكّر بمثل هذه الأمور، كما عليك -مهما كنت منفتحاً أن تفكّر إذا ما كان اعتلاء بيلي كريستال وكيرك دوغلاس المتهالكين يعود الى أنهما يهوديّان٠
منتهى الإبتذال العاطفي. شيء لم يسبق أن انتشر على هذا النحو من قبل. ظاهرة تتفاقم كل سنة ما يجعل الحفلة تبدو كما لو كانت حفل عرس  حيناً وحفل تأبين حيناً آخر.  فرد واحد فقط (من بين كل الفائزين) قال الشيء الصحيح: ذاك الذي فاز بجائزة أفضل فيلم وثائقي فلفت الأنظار أن السفّاحين الذين  تسببوا في الكارثة الإقتصادية قبل ثلاث سنوات، فسرقوا ونهبوا وهربوا، لا زالوا طليقي السراح "ليس من هم واحد دخل السجن". كما قال٠
ولم أجر إحصاءاً من عندي، لكني متأكد أن عادة شكر كل المنتجين وكل المشاركين وكل الموزّعين، ثم الأم والأب والأولاد وربّة البيت، وميكانيكي السيارات والمحامي والزوجة والزوج، والعشيق صارت من الأمور التي يتوقّعها المشاهدون ما يساعدهم على مشاهدة جزء من الحفلة او عدم مشاهدتها على الإطلاق

وكما لو أنه لم يكن كافياً أن المشاهدين كانوا يعرفون مسبقاً من سيفوز (أمطرتهم وسائل الإعلام بتوقّعاتها) فإذا بالحفلة لا تفعل شيئاً لبث الشعور بالمنافسة ربما من باب تحدي التوقّعات. كما لو أنك أخرجت فيلماً تعرف نهايته لكن لديك فرصة أن تعالجه بحيث لا يحتل التوقّع الأهمية الكبيرة فينساق المشاهد مع الأحداث بصرف النظر عن معرفتهم النهاية٠
حين انتهى التهريج الأكاديمي كانت علامة الفرح الوحيدة صحة توقّعاتي بنسبة كبيرة، وفكّرت أن أنشر الأفلام الفائزة وكيف تفتقت عبقريّتي عن توقّع نجاحه. لكن الحفلة كانت من الهزل والهزال بحيث أعفيت نفسي عن هذه المهمّة وجلست لأكتب هذا النقد بديلاً٠


رسوم متحركة | سينما زغرب الخالدة

هناك مدارس مختلفة لفن الأنيماشن والدارج منها هو حديث العهد يستخدم برامج كومبيوتر لخلق الشخصيات وهي بدورها على تنوّع مختلفة، كل منها ينتمي الى مبدعه. لكن كيف كان الحال قبل الكومبيوتر؟ نظرة الى  مدرسة زغرب اليوغوسلافية التي كانت واحدة من أكثر مدارس الأنيماش
شهرة في التاريخ. وأفلامها لم تكن تجارية
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


Cowboy Jimmy


في العام 1961 منحت أكاديمية العلوم والفنون السينمائي في لوس أنجيليس  أوسكار أفضل فيلم
Surogat  كرتوني قصير لفيلم يوغوسلافي بعنوان 
أخرجه دوسان فيكوتيش وكان ذلك بمثابة اعتراف بأحد أهم مدارس السينما الكرتونية في التاريخ آنذاك، وأحد أقدمها وأكثرها تميّزاً الى اليوم٠
الفكرة بسيطة: مخلوق غرييب الشكل يستطيع نفخ بالونات كل منها تبتدع عالماً من الشخصيات الأخرى تعبر عن حاجاته ونتعرّف عليها ونتابع ما يحدث لها. ما أذكره حين شاهدت الفيلم  ذي العشر دقائق بعد أكثر من عشرين سنة على إنتاجه، أن الرمز كان الرغبة في اختلاق الأحلام لما هو مستحيل تحقيقه في الواقع، وصولاً الى نهاية تؤكد تلك الإستحالة. المهم هو أن الفيلم لم يكن نمطياً بالنسبة للمخرج الذي أنجز أيضاً فيلماً مناوئاً للحلم الأميركي بعنوان: كاوبوي جيمي
وآخر ساخرا من أفلام العصابات بعنوان
 Submachine Gun
لجانب أخرى، بل معبّراً عن المدرسة الساخرة التي حاكت عليها الدول الأوروبية الشرقية عموماً، ويوغوسلافيا على نحو التحديد، الكثير من الأعمال الأخرى. على نحو التحديد بسبب الحرية التي تمتّع بها المبدعون والتي كانت، نسبياً، أعلى من مثيلاتها في بلغاريا وتشيكوسلوفاكيا وألمانيا الشرقية وسواها من تلك الدول الشيوعية، خصوصاً بعد وفاة رئيس الدولة السوڤييتية الدكتاتور ستالين٠
مدرسة زغرب ، تيمّناً بالمدينة التي أصبحت عاصمة جمهورية كرواتيا الحالية، تم تأسيسها سنة 1951  على يدي نوربرت ووولتر نويباور. التأثير الحقيقي على انتاجات تلك المدرسة في مطلع الخمسينات كان وارداً من أعمال ديزني (التي كانت أيضاً مرسومة باليد حينها). لكن الإختلاف عن مدرسة ديزني بدأ حينما تحوّل ڤيكوتيش من العمل  رسّاماً في مجلة كرتونية مطبوعة (أسمها كرمبوه) الى رسّام لدى مدرسة زغرب التي سُميت آنذاك بدوزافيلم. من أفلامه الأولى أكّد أن الإختلاف عن السائ الأميركي وتأثيراته ممكن٠
الشركة توقّفت عن العمل سنة 1953 لكن الفنانين العاملين فيها تعاضدوا لإنشاء فرع أنيماشن ضمن ستديوهات زغربفيلم، وتم لهم ذلك في منتصف الخمسينات٠
لجانب أفلام ڤيكوتيش التي ذكرتها شاهدت له "ذَنَبي، تذكرتي" الذي يدور حول رجلين عاطلين عن العمل ومفلسطين يحوّلان نفسيهما الى حصانين سعياً للأكل والمأوى المجانين. لكن الأفضل من فترة نهاية الخمسينات كان "بيكولو" الذي يدور حول جارين، يشتري أحدهم آلة هارمونيكا صغيرة يعزف عليها فيقوم جاره بشراء آلة أكبر (كمان كما أذكر)، ثم يبدأ كل منهما بإضافة آلة عزف في تنافس واضح ومستمر حتى يتحوّل منزليهما الى ما يشبه متحفين او مسرحيين موسيقيين٠
وفي واحد من أكثر أفلام الاستديو غرابة آنذاك هو شريط لفلاديمير يوتريشا بعنوان "التحري يذهب للبيت" وفكرته تحرياً يطارد بصمته الخاصة التي تطير أمامه في ليل المدينة. هو لا يدري أنها بصمته الا لاحقاً. قبل ذلك كلاهما يسعيان  في شوارع وأزقة مدينة زغرب كما لو أن الإيحاء أن التحري (الذي قد يرمز الى رجل في موقع مسؤول) هو المتّهم٠

The Tamer of Wild Horses

الخمسينات والستينات كانت مليئة بالأفلام الكرتونية التي كانت تحمل رسالات مختلفة. بعض تلك الرسالات كان مناوئاً للحرب، وبعضها مناوئاً لمنوال حياة أبطالها، والبعض مجرد أفلام ساخرة من الشرق او من الغرب او من كليهما معاً. في "المصوّر" لفاتروسلاف ميميكا نجد فناناً يبحث عما يبعث الضحك ولا يجد لمعظم دقائق الفيلم. كما الحال في معظم تلك الأفلام، فإن الفكرة البسيطة كانت بالكاد تعبّر عن موضوع بسيط. دائماً ما كانت الرسالة أكبر حجماً ومغلّفة بالتعابير السوريالية وبأساليب رسم مختلفة حتى ضمن المدرسة الواحدة٠
النصف الثاني من الستينات شهد اختلافاً أبعد من السابق. الأنيماشن اليوغوسلافي انتقل الى يدي مجموعة جديدة من الرسّامين المخرجين الذين بدأوا يرون العالم من نظرة أكثر سوداوية كحال المخرج نديكو دافيش الذي له فيلم بعنوان "مروّض الحصان الجانح" (عن سيناريو من ميميكا)  يعبر عن دكانة النظرة من خلال دكانة الألوان المستخدمة في الفيلم. إنه أبيض/ أسود على ألوان وبطله مخلوق يبحث عن معنى للحياة من دون طائل.  هذه الرسالة عرفتها أفلام أخرى كثيرة عاكسة الشعور بعدم الرضى عن الحياة الماثلة. بذلك نقد الغرب سابقاً تحوّل، ولو جزئياً، الى نقد الشرق. وفي حين بقيت حكايات وولت ديزني عبارة عن حيوانات ناطقة  او قصص فولكلورية ولادية منفوخة لكي تنجز النجاح العالمي الذي أنجزته بالفعل، حافظت المدرسة الزغربية على هذا المنوال الخاص لها حيث الحكايات سياسية الوقع وفنيّة الأسلوب وثقافية التأثير. للأسف، هي الآن ملك الماضي كتيار، ولو أن بعض أفلام اليوم لا زالت استمراراً لأساليب تلك المدرسة وسواها القريبة منها٠ 

مخرج | تقدير رتشارد فلايشر  

الحلقة الثانية

في الأسبوع الماضي كتبت عن رتشارد فلايشر الذي حقق نحو 55 فيلم من دون أن يترك وراءه ذلك الأثر الذي تركه سواه. هذا على الرغم من أن بعض أفلامه كانت جيّدة، وأحدها سلسلة من الأفلام بدأها بالفيلم التالي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
The Boston Strangler

The Boston Strangles

ذكرت كيف أن المخرج اهتم بالصورة العريضة في أفلامه. أما في "خانق بوسطن" (1968) فقد استغل الشاشة على نحوين: نحو مارسه من قبل وهو اشغال العين بالمساحة الكاملة للصورة، حتى حين تكون اللقطة قريبة، وعلى نحو جديد: تقسيم الشاشة الى أكثر من صورة او كادر او ما يعرف بـ
Split Screen
في العام 1968 خرجت ثلاثة أفلام بنظام الشاشة المنقسمة "خانق بوسطن" كان أحدها. الفيلمان
لنورمان جويسون The Thomas Crown Affair
لكليف روبرتسون Charly
والعادة لم تكن منتشرة كثيرة لكنها تعود الى العام 1903 حينما أخرج إدوين بورتر
Life of An American Fireman
هي أيضاً في أفلام من العشرينات والأربعينات والخمسينات  والى اليوم (شاهدنا استخداماً لها في
(500) Days of Summer
من بين كل الاستخدامات هناك حفنة جيّدة واستخدام فلايشر هو أفضلها
من يستطيع مشاهدة الفيلم الآن قد يخامره الشعور بأن لا جديد هناك، لكن الحقيقة هي أن استخدام الشاشة المنقسمة لم يكن عملاً من فراغ. في الوقت نفسه ليست كل المشاهد التي تم فيها استخدام الشاشة المنقسمة متساوية في القيمة. الأفضل بينها هي تلك التي نرى فيها القاتل (توني كيرتس) وهو يرن جرس الباب مدّعياً أنه ميكانيكي جاء لإصلاح عطب في البيت. الى اليمين هو يتكلّم في "الإنترفون"، والى اليسار المرأة التي ترد عليه. هنا نرى بديلاً للإنتقال من لقطة له ولقطة لها، فكلاهما على الشاشة معاً بلقطتين  ذات حجم واحد (قريب). بذلك كلاهما يواجهان الكاميرا في الوقت ذاتها ما يتيح أن نرى ما يقومان به من تمثيل. هذا مثال من استخدامات جيّدة أخرى. بما في ذلك مثلا المشهد الذي نرى فيه أكثر من لقطتين معاً. لكي يقوم المخرج بهذا بنجاح، عليه أن يعرف اختياراته وأسبابها، وفلايشر عرفها٠
بعد هذا الفيلم الجيّد، فيلم ركيك البنية بعنوان "تشي" ويدور عن تشي غيفارا. ليس أنه فيلم يميني فالسياسة لا تكفي لتقييم الفيلم، بل من حيث إخراجه أيضاً.  آخر ما تريده من فيلم يدور عن شخصية حقيقية هو أن تكتفي بسرد قصّة حياة من دون سبب. السبب يتأتّى من ربط الشخصية بعناصر من داخلها وأخرى خارجها.  بعدم وجوده فإن العمل، حتى ولو كان كتاباً او مقالة، سيأتي مملاً، مكتفياً بما هو معروف. نسخة فلايشر من "تشي" تأتي بتواريخ في حياته وحياة كاسترو لتضع أمامنا الشخصيّتين كما أريد لهما أن يكونا وليس كما يمكن أن نعتبره واقعاً. فلايشر، فوق ذلك، لم يكن يريد أن يتّخذ موقفاً بل يريد الخلاص من أي موقف محتمل عن طريق لعبة توازن، كما أخبار الساعة العاشرة في التلفزيونات. هذا يقول شيئاً فيتم تقديم وجهة النظر الأخرى التي تناوئه. لكن الفيلم ليس نشرة أخبار  لكن فلايشر تعامل مع موضوعه المهم كما لو كان ينفّذ فيلماً إخبارياً عليه أن يرضي كل الفرقاء ليبقوا متّصلين بالشاشة

Tora! Tora! Tora!

فيلمه التالي "تورا! تورا! تورا!" كان نقلة أخرى بعيدة عن مشاغله السابقة: الهجوم على ميناء بيرل هاربور من قِبل المقاتلات وحاملات القنابل اليابانية وما نتج عنها ما اعتبر أكثر كارثة عسكرية جويّة الى اليوم. مرّة أخرى حاول المخرج رصف الأحداث علي نحو استعراضي، لكنه هذه المرّة لم يكن ليستطيع الإكتفاء بمحاكاة متعادلة بين وجهات النظر. لم يرد الهجوم على اليابانيين، لكن في الوقت ذاته كان لابد له من التركيز على التضحية والفداء الأميركيين وهذا من حقّه. الأسلوب العام قريب من المنحى الوثائقي الذي  كان بدأ به سينماه مضروباً بعشرين على أساس الإنتاج الكبير الذي أقدم عليه.  لكن على الأقل، هذا ليس فيلما فارغاً. صحيح أنه يأخذ وقتاً طويلاً قبل أن نرى بعض أهم ما تم تحقيقه من غارات مصوّرة للسينما، لكن المخرج يبني تلك المشاهد المسبقة (غالبها في غرف) برغبة في فهم التاريخ. يخونه التوفيق في ايجاد محيط فني لعلمه، كما فعل -مثلاً- كلينت ايستوود في فيلميه الحربيين "رايات أبائنا" و"رسائل من إيوا جيما"، لكنه يحافظ على ملكية الفيلم لسرد تاريخي مهم
بعد ذلك واصل المخرج صعوده وهبوطه. هو جيّد في
10 Rellington Place, The Spike's Gang, The Last Run, Mandingo
Solyent Green ممتاز في
The New Centurions, See No Evil, Mr. Majestyk ومعتدل في
 Ashanti, Jazz Singer وسيء في
على ذلك، وفي تصنيف للمخرجين من واحد الى عشرة، يحتل المرتبة الخامسة لجانب مخرجين آخرين أنجزوا أفلاماً مهمّة أكثر مما أنجزوا أفلاماً جيّدة٠ 



الممثلة  ريز وَذرسبون 
كنت أعتقد أنني أعرف كل شيء، لكني أدركت أنني لا أعرف شيئاً


ريز وَذرسبون واحدة من أنجح الممثلات الأميركيات. وهذا ليس من السهل قوله لأن عدد الممثلات اللواتي يستطعن الإدعاء بأنهن ناجحات او لا زلن ناجحات بعد سنوات طويلة مرّت عليهن في المهنة لا يزيد عدد أصابع اليد الواحدة.
لعل السبب الرئيسي في نجاح وذرسبون هو التأقلم سريعاً مع جمهور يحبّها في صورة الفتاة الجميلة التي لا تستطيع أن تؤذي أحداً حتى ولو أرادت. إنها صورة مثالية لكن ريز تؤديها بقدر كبير من التواضع بحيث تتسلل شخصياتها الى معظم فئات المشاهدين، فهي ذات قبول لدى قطاع مشترك من الأجيال الكبيرة والمتوسّطة والصغيرة سنّاً. وفي خلال عشرين سنة من التمثيل (أول فيلم لها كان "الرجل على القمر" سنة 1991) لعبت 28 بطولة او دور رئيسي وصولاً الى دورها الحالي في "كيف تعرفين" الذي يشاركها بطولته كل من جاك نيكولسون وبول رَد: حكاية إمرأة تقف حائرة بين رجلين كل منهما لديه خصالاً مختلفة عن الآخر ولا تدري كيف ستتصرّف او من ستختار.
هذا أمر غير مطروح في حياتها الخاصّة فهي متزوّجة وسعيدة ومنظّمة بحيث تقسم أوقاتها بين عائلتها وبين مهنتها من دون معاناة تذكر. وحين التقيت بها كانت تصوّر "ماء للفيلة" الذي سيعرض في مطلع الصيف المقبل والذي دخل الآن مرحلة ما بعد التصوير.


دورك في فيلم "كيف تعرفين" جاء بعد سنوات طويلة مرت
على استلامك عرض بطولته. هل صحيح هذا؟
نعم. قبل خمس سنوات حين ربحث الأوسكار عن  I Walk the Line
تلقيت اتصالاً من المخرج جيمس بروكس أخبرني فيه أنه يريد مقابلتي بشأن فيلم. تقابلنا بالفعل وأخبرني أنه كتب سيناريو فيلم وأن إحدى الشخصيات مرسومة تحديداً لي. شعرت بالتقدير الشديد لذلك ورحّبت بالفكرة علي أي حال لكني كنت قلقة حين عرفت أن الدور ينص على شخصية فتاة رياضية. أنا أهتم بالرشاقة لكني لا أستطيع أن أدّعي أنني رياضية، وبناءاً على ذلك كنت أخشى أن يكون العمل غير مناسباً لي لأني في النهاية لست طويلة القامة ولا أبدو رياضية على الإطلاق.
بعد ذلك لم أسمع منه مطلقاً واعتبرت أن الموضوع انتهى. وبالفعل مرّ عامين ونصف قبل أن يتصل بي مجدداً و يبعث بالسيناريو.

خلال تلك الفترة ظهرت في خمسة أفلام مختلفة، دراما
وكوميديا. أي هذه الأفلام تحبذينه اليوم أكثر من سواه؟
أحياناً تقبل تمثيل فيلم لموضوعه المهم، ثم تجد أنه لم يحقق النجاح المطلوب منه لكن الشعور بأهميّته يستمر كذلك الإيمان بأن اختياره كان فعلاً صحيحاً. من بين الأفلام التي مثّلتها في تلك الفترة والتي اندفعت إليها بإحساس المرحلة التي كنا نمر بها هو "حكم".

الفيلم الذي دار عنك كزوجة تفاجئين بأن زوجك الشاب متهم.
نعم. الرسالة كانت مهمّة لي على صعيد ما تبحث فيه من حالة ربما تكون واقعية. نحن لا نعرف الا ما يعرضه الفيلم لنا، لكننا نعتقد أنه حاصل. أيضاً أحببت دوري في "كما الجنة" الذي صوّرته مباشرة بعد "أمشي الخط". كان فانتازياً بأسلوب كوميدي منعش.

How Do You Know

لنعد الى  فيلمك الحالي "كيف تعرفين". ما هي نقاط اللقاء
ونقاط الإختلاف بينك وبين الشخصية التي  تؤدينها؟
انها مختلفة جداً عن شخصيتي. الدور هو انطلاق في الإتجاه الآخر البعيد عن شخصيّتي بداية من حقيقة أن ليزا (إسم شخصيتها) أحبت الرياضة ومارستها منذ أن كانت في الكليّة، وهذا مختلف تماماً عن حياتي واهتماماتي. ولم يكن سهلاً عليّ أن أصبح هي. لقد خضعت لخمسة أيام كل أسبوع وثلاث ساعات في اليوم لخمسة أشهر حتى أستطيع أن ألبي شروط الدور. هي أيضاً فتاة تضع الرياضة في مقدّمة اهتماماتها في الحياة، وأنا أضع العائلة والمهنة في مقدّمة اهتماماتي. هناك اختلافات بالفعل.

هل تعلّمت شيئاً منها؟
هذا سؤال جيّد والجواب لا (تضحك). ما تمر به ليزا ليس ما مررت به. هي إمرأة تبدو قررت أنها تعرف ما تريد، وأنا إمرأة اعتقدت يوماً أنني أعرف كل شيء لكني اليوم أعتقد أنني لا زلت أتعلّم. لدي صديقة قالت لي يوماً: هناك حين نتوقّف فيه نحن النساء عن التفكير بمن نريد ونبدأ التفكير بمن يريدنا (تضحك). أعتقد أنه الوضع ذاته الذي تمر به ليزا وهو يعكس أيضاً المرحلة من العمر الذي تعيشها كإمرأة شابّة. هناك رجلان يريدانها وهي لا تريد أن تقرر، لكن لو كانت أكبر سنّاً لما تأخرت في القرار.

نحن في الفترة التي يسمّونها "سباق الأوسكار"، على غرار
سباق السيارات مثلاً، ما رأيك بالممثلات المرشّحات؟ هل شاهدت
أفلامهن؟
شاهدت أفلام بعضهن لانشغالي بتصوير فيلمي الجديد. شاهدت "البجعة السوداء" وهو دور قوي لا أعتقد أنني أستطيع القيام به لأنه يتطلّب شخصية بعيدة عني وتشترط بالممثلة أن تكون جريئة على مستويات كثيرة ولهذا اعتبر نتالي بورتمن شجاعة وموهوبة كونها ملكت تلك الجرأة والإستعداد. معجبة جدّا بآنيت بانينغ وهي أيضاً جريئة كونها لعبت شخصية إمرأة مثلية وهي ليست كذلك في "الفتيان بخير" طبعاً

هناك آراء مختلفة حيال الفوز بالأوسكار. أسأل البعض فيقول لي
أن الأوسكار كان انطلاقة جديدة لي واسأل البعض فيقول إنه شرف
لكنه لم يؤثر على حياتي المهنية على الإطلاق. الي أي نوع تنتمي؟
هو بالفعل شرف كبير وأمنية لمعظم أبناء مهنتي، لكني أعتقد أن تأثيره على مستقبل الممثل  يختلف من حالة الى حالة بالفعل. بعض الممثلين ناجحون في أعمالهم بحيث فوزهم بالأوسكار لن يزيد من عدد المشاريع التي تعرض عليهم. من الصعب أن ينتظر الممثل الفوز لكي يعمل أكثر او كفرصة لكي يستلم المزيد من المشاريع لأن  المشاريع تختلف ولا يمكن بناء مستقبل على احتمال كهذا. ماذا يحدث إذا فزت بالأوسكار ولم يطلبني أحد للتمثيل؟

تخصصت في أدوار معيّنة أكثر من سواها: الفتاة الشقراء
"قانونياً" كما عنوان أحد أنجح أفلامك، هل من الصعب
كسر التقليد؟
إذا ما نجحت في نمط معيّن أكثر من سواه نعم... يصبح العودة عنه أصعب. ومعك حق معظم أفلامي الناجحة هي كوميديات عاطفية وأنا أحب هذا النوع فهو ليس سهلاً وليس سهلاً النجاح فيه.

يتطلّب قدراً من البراءة على ما اعتقد.
الى حد بعيد لكن أيضاً قدراً كبيراً من حب تمثيل هذا النوع. بعض الممثلين أكثر ملاءمة من بعضهم الآخر حين يأتي الأمر الى النجاح في تمثيل شخصيات كوميدية او في أفلام كوميدية. يرتاحون أكثر لما هو جدّي وهذا طبيعي جدّاً.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2008- 2011٠


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular