Feb 27, 2011

سيناريوهات الثورة | وقفة الأوسكار الأخيرة : من حقاً سيفوز؟| سينما الحرب الكورية | سينما رتشارد فلايشر

YEAR 4 | ISSUE: 631

في هذا العدد

أوراق ناقد | سينمائيون في مصر وسواها من الدول العربية التي تمر بمخاضات ثورية، يكتبون أعمالاً يريدون الإسراع في تنفيذها، لكن هل الإسراع صحيح؟ | ما هي علاقة القذّافي بالسينما؟ سؤال وجيه وجوابه: سنوات من القحط بعد تجربة مصطفى العقاد

الأوسكار | الوقفة الأخيرة للأوسكار: آخر التوقّعات والإحتمالات. من سيفوز ومن يجب أن يفوز تبعاً لأية أسباب؟ هل يمكن، مثلاً، أن يكون منح "خطاب الملك" الأوسكار مبنياً على تفضيل المنتخبين اليهود في الأكاديمية لصورة الطبيب اليهودي على صورة صاحب الفايسبوك اليهودي أيضاَ التي تبدو في أفضل حالاتها- غامضة المبررات؟

الحرب والسينما | ستون سنة هذا العام على غزو كوريا الشمالية لكوريا الجنوبية واقتتال الشعب الواحد المقسّم شعبين. في هذا التقرير الموجز تغطية لأبرز الأفلام الكورية التي تناولت هذه الحرب من وجهات نظر انطلقت وطنية وانتهت تتساءل عن الهوية الحقيقية للوطن٠

مخرج | حين مات المخرج رتشارد فلايشر (المعروف بشتّى أنواع الأفلام) لم يتوقّف معظم  نقاد الغرب (وبالطبع نقاد العرب) عند وفاته.... فهو ليس عبقرياً وبالتالي لم يستحق الحديث كثيراً. لكن هذا السينمائي صاحب أفلام متنوّعة من شاكلة "تشي" و"دكتور دوليتل" و"سوليانت غرين" وعشرات سواها، لم يكن رديء التنفيذ وسطحي المقام في كل أعماله. جزء أول من جزأين حول أفلامه٠


أوراق ناقد

إتحاد النقاد |  لا زلت استلم تساؤلات من زملاء وقراء وأحياناً رسائل موجّهة تفترض بأني لا زلت من مؤسسي "الإتحاد الدولي لنقاد السينما العرب". في الحقيقة كنت أحد مؤسسيه والإسم الذي حمله هو من عندي، والجهد الذي بذلته خلال شهرين من العمل عليه كان بدافع من ايماني بضرورته- لكن وتبعاً لما نعرفه جميعاً من تجارب سابقة وجدت نفسي أمام حلّين لا ثالث لهما: استمر غير مقتنع بمسيرته الحالية او أتركه بين يدي الزميلين د. طاهر علوان وصلاح سرميني اللذان شاركاني التأسيس. وفضّلت الحل الثاني وأعلمت الزميلين بذلك خلال لقائي بهما في مهرجان دبي السينمائي الدولي. لا أريد سبر غور المبررات التي دفعتني الى ذلك، لكن اكتفي بالقول أنه حين يتنازل الواحد، ولو طوعاً، عن طموحاته فإن لا شيء آخر يعوّض٠

مطلوب سيناريوهات |  مع  تسارع الأحداث العاتية من حولنا تأتينا الأنباء بأن عدداً من السينمائيين يكتبون الآن سيناريوهات أفلامهم المقبلة استيحاءاً مما حدث. بعضهم يريد أن يعبّر فعلاً عن اللحظة الواقعة، وقد هبط الى الشارع بكاميرته الدجيتال لتسجيلها، والبعض يريد أن يكون الأول في صياغة أعمال درامية عنها من باب التسابق لوضع كلمة "أول فيلم عن ثورة ميدان التحرير" مثلاً.
لكن إذا ما كان هناك خطأ في مثل هذا المنوال من التفكير فهو اعتبار أن شأن السينما اللهاث وراء الأحداث وتحويلها الى ما يشبه التقرير الصحافي مشغولاً بالمشاهد التمثيلية لتفريقه عن الفيلم الوثائقي حين تدعو الحاجة٠
حين غزت القوّات الأميركية العراق خلال حرب الخليج الأولى، ثم حين غزته مرّة ثانية في الحرب الأخيرة شهدت هوليوود أفلاماً قليلة جدّاً عن الحربين المتواليتين. لم تصبها إثارة طاغية ولم تصرف دولاراً واحداً على خطّة عمل يتنافس فيها السينمائيون الى استحواذ الصور والمشاهد وتطعيمها ببعض الحكايات لتحويلها الى أفلام روائية. جل الأفلام التي تناولت الوضع العراقي فعلياً سواء أكان على الجبهة (مثل "خزنة الألم" الفائز بالأوسكار في العام الماضي) او تلك التي تتحدّث عن تبعات تلك الحرب في حياة الأميركيين أنفسهم ("المرسال" من بين أخرى كثيرة) تم إنتاجها بعد سنوات عديدة من الغزو و-كما نعلم- فشل معظمها لسبب وجيه: لقد سبقها التلفزيون بنشراته ووثائقياته. صحيح أن على السينما رسالة، لكن رسالتها الأولى أن تضيف وليس أن تستنسخ.

القذافي | يمكن تلخيص القذّافي وعلاقته بالسينما على النحو التالي: وافق على تمويل فيلمي الراحل مصطفى العقاد "الرسالة" و"عمر المختار" نكاية ببعض جيرانه. لم يعجبه فيلم "عمر المختار" وقال لبعض المقرّبين منه أنه فيلم رعاة بقر! أنشأ مؤسسة عامة للسينما (سٌٍميّت بـ "مؤسسة الخيالة") وتم إنتاج فيلمين روائيين في أربعين سنة وحفنة من الأفلام القصيرة.  فكّرت المؤسسة بإقامة مهرجان للفيلم القصير، لكنها لم تفعل. كل ذلك حدث في سنوات حكمه العشرين الأولى، بعد ذلك جفاف تام. لا سينما ولا أفلام ولا مهرجان ولا شيء على الإطلاق.
قبل عامين عاد الوعي إليه: إذا كان "عمر المختار" فيلم كاوبوي حسب تعبيره، فقد آن الأوان لفيلم جديد عن معسكرات الإعتقال التي أقامتها الفاشية الإيطالية للمجاهدين الليبيين المطالبين بالحرية. تم اختيار المخرج، والتقى به في جلسة طويلة وكشف له عن أنه كتب قصّة الفيلم الجديد بنفسه. وأمر بالتمويل: 50 مليون دولار. باشر المخرج العمل التحضيري وصوّر عشر دقائق فعلية من الفيلم (شاهدتها في عرض خاص جدّاً)، ثم جاءه الخبر اليقين: القذّافي صرف النظر عن الموضوع. وتبين أن رجل أعمال تدخّل لدى حكومة برلسكوني التي دفعت لليبيا (حسب المصادر) 400 مليون دولار تعويضاً لأسر المعتقلين. لا أدري إذا كان أسر المعتقلين قبضوا شيئاً من هذا التعويض، لكني أعتقد أن القذّافي خشي من إنتاج فيلم يصف فيه الإيطاليين بالعنف والتقتيل على أساس أنه قد يفعل ذلك بنفسه. وها هي الأيام تدور وإذا به يكيل لمن تاجر بهم. أما الليبيون فقد تحرروا من معسكرات الإعتقال الإيطالية ليجدوا أنفسهم لأربعين سنة ونيّف في معسكر اعتقال شيّده لهم زعيم  من ورق أخضر اعتبر نفسه سيعيد تكوين العالم٠



 الوقفة الأخيرة قبل الأوسكار: أكثر الإحتمالات ولماذا!٠

يوم الأحد السابع والعشرين من الشهر الحالي، تنجلي حفلة الأوسكار الثالثة والثمانين، عن النتائج التي حلّقت في سماء هوليوود لنحو شهرين صعدت خلالها أسهم وهبطت أسهم وارتفعت آمال ثم تلاشت أخرى من دون أن يحول ذلك الشعور بأن إمكانية وقوع مفاجآت لا تزال قائمة.  الأوسكار يحتل أولوية الإهتمام لدى نحو سبعين مليون مشاهد ومتابع حول العالم، وبعض المصادر ترفع هذا الرقم الى مئة مليون او أكثر على أساس أن خمسين بالمئة من المشاهدين- على الأقل من الأميركيين. لكن سواء أكان ذلك واقعياً او قريباً من الواقع او مغالياً، فإن جائزة يحلّق حول نتائجها كل عام هذا العدد من الجمهور كما لو أن لهم نصيب ما منها هو أمر عصي التفسير لكن العادة جرت على قبوله واستحسانه٠
التالي آخر التوقّعات والإحتمالات. ولماذا هذا الفيلم او ذلك السينمائي لديه حظ أفضل من سواه٠ 


الأفلام
......................................................................
الأفلام العشرة المرشّحة لأوسكار أفضل فيلم منقسمة لأربعة أقسام هي
الأول: أفلام لديها الحظ الأكبر في الفوز، وهي: "خطاب الملك" و"الشبكة الإجتماعية" و"البجعة السوداء"٠
القسم الثاني: أفلام لديها حظ جيّد لكن فوزها سيكون مفاجأة- إذا حدث، وهي: "المقاتل" و"استهلال" و"و"عزم حقيقي" و
و"127 ساعة" ٠
Toy Story 3

القسم الثالث: أفلام يُنظر إليها كأعمال فنيّة وهذا يضعها أمام المنتخبين: "عظمة شتوية" و"الفتيان بخير"٠
أما القسم الرابع فمؤلّف من فيلم سوف لن يفوز بأوسكار أفضل فيلم، بل سيفوز بأوسكار أفضل فيلم كرتوني وهو "توي ستوري 3"٠
الرياح المواتية من نصيب "خطاب الملك" حالياً، خصوصاً بعد فوزه ومخرجه توم هوبر بأكثر من جائزة مؤخراً، لكن "الشبكة الإجتماعية" عني للأميركيين أكثر مما عنى لهم فيلم عن تأتأة ملك بريطاني، والإثنان يكادا أن يكونا على خط واحد في لعبة الإحتمالات. ما سيرجّح التصويت لصالح "خطاب الملك" (إذا ما كان تحليلي صحيحاً)، هو أن شخصية الطبيب اليهودي في الفيلم واضحة للمنتخبين اليهود، في حين أن شخصية اليهودي في "الشبكة الإجتماعية" مُدانة على نحو واضح٠

الأفضل: "الشبكة الإجتماعية"٠
سيفوز: "خطاب الملك"٠
......................................................................
الأفلام المرشّحة لأوسكار أفضل فيلم أجنبي
Buitiful | خافييه باردم في

أربعة من الأفلام الخمسة المشاركة في هذه المسابقة لديها ما يربطها بالأحوال السياسية في العالم العربي. "بيوتيفول" المكسيكي يتحدّث عن رجل مهموم بمشاكل العالم الإجتماعية. والفيمل الدنماركي "في عالم أفضل" عن طبيب يعمل في بلد أفريقي ممزّق بالحروب الأهلية، و"خارج القانون" المقدّم بإسم الجزائر، يتحدّث عن حرب التحرير في قلب فرنسا حين تم تأليف فريق من المقاتلين الجزائريين الذين هبّوا لمساعدة إخوانهم في الجزائر عبر مهاجمة المؤسسات الفرنسية ذاتها. الفيلم الرابع هو "حرائق" الكندي، هذا الفيلم الممتاز يتحدّث عن شقيقين يعودان الى بلد عربي (المقصود به لبنان دون تسميته) للبحث عن تاريخ مؤلم وقع خلال حرب أهلية.
الفيلم الخامس هو "ضرس كلب" اليوناني، الذي يشيد عالماً مختلفاً حول عائلة تعيش في منطقة معزولة داخل منزل محاط بأسوار عالية.
المرجّح أن يفوز أحد الأفلام الأربعة المذكورة، وقد يجد المدلون بأصواتهم مندفعين، بسبب أحداث ليبيا، الى النظر الى الفيلم الجزائري بعين مؤيّدة كونه يمنحهم خلفية لوضع أوروبي- شمال أفريقي صعب من بدايته.
لكن إذا ما أحب المصوّتون عملاً أكثر اعتدالاً ورسالته أكثر شمولاً فلديهم "بيوتيفول" الذي في اعتقاد هذا الناقد الفيلم الأكثر احتمالاً بالفوز٠

الأفضل: "بيوتيفول"
سيفوز: "عن الآلهة والرجال"٠
......................................................................
المخرجون
دارن أرونوفسكي

خمسة من مخرجي الأفلام العشرة المرشّحين يتنافسون على الأوسكار: دارن أرونوفسكي عن "بجعة سوداء"، ديفيد أو راسل عن "المقاتل"، توم هوبر عن "خطاب الملك"، ديفيد فينشر عن "الشبكة الإجتماعية" وجووَل وإيثن كووَن عن "عزم حقيقي"٠
سأخاطر واعتبر الأخوين كووَن خارج الحظ هذا العام لسبب رئيسي ناتج عن مقارنة شغلهما على الفيلم بشغل المخرجين الآخرين. المثير للملاحظة هو التالي: ديفيد فينشر بارع في صنع الفيلم بكل عناصره، توم هوبر بارع في إدارة ممثليه واستخراج قوّة مسرحية من الموقف. دارن أرونوفسكي لديه قوّة واحدة أساسية أسمها نتالي بورتمن وهذا لا يكفي، أما ديفيد أو راسل، ففيلمه من النوع الجيد الذي يصل الى حد الترشيحات ويتوقّف.
كذلك في أغلب الأحوال الفيلم الفائز بالأوسكار هو أيضاً الذي يفوز بمخرجه. بالتالي، إذا ما كانت المنافسة وطيدة بين "خطاب الملك" و"الشبكة الإجتماعية" و"بجعة سوداء" فهي وطيدة على صعيد مخرجي هذه الأفلام.

الأفضل: ديفيد فينشر
سيفوز: ديفيد فينشر

...................................................................... 
الممثلون الرجال
جسي ايزنبرغ

هل تقع المفاجأة ولا يفوز كولين فيرث عن دوره في "خطاب الملك"؟
هذا صعب حدوثه، لكنه ليس أمراً مستحيلاً٠
المتسابقون لأوسكار أفضل تمثيل رجالي رئيسي هم ثلاثة أميركيين وأجنبيان. كولين فيرث البريطاني هو أحدهما والثاني هو خافييه باردم (عن "بيوتيفول" المكسيكي). وهما صاحبا أفضل أداء بلا أدنى شك. حظ فيرث أفضل من حظ باردم. في الحقيقة، باردم مقضي عليه بسبب فيرث. الثلاثة الآخرون يعانون من حالات مختلفة: جيسي ايزنبيرغ ("الشبكة الإجتماعية") جيّد، لكنه ليس بجودة فيرث. جف بردجز ("عزم حقيقي") صورة منفوخة وهو نال الأوسكار في العام الماضي وقلّما أصابت الصاعقة المكان ذاته مرّتين، فما البال بمرّتين متواليتين؟. أما جيمس فرانكو ("127 ساعة") فهو جيّد جدّاً لكن إجادته من النوع السريع في ذوبانه.
على صعيد الممثلين في الأدوار المساندة، هناك أجنبي واحد هو "رتشارد رَش عن "خطاب الملك"، لكن هذا العام هو عام كرستيان بايل عن "المقاتل". قلنا ذلك سابقاً ولا يزال الوضع، حسب اخر التقديرات، على حاله. مارك روفالو ("الفتيان بخير") وجيريمي رَنر ("البلدة") وجون هوكس ("عظمة شتوية") يمرّون بلا تأثير يذكر على شاشات أفلامهم، ومن غير المستبعد أن يمرّوا بلا تأثير يوم الإمتحان المقبل.

الأفضل (تمثيل رجالي رئيسي): كولين فيرث
سيفوز: كولين فيرث

الأفضل (تمثيل رجالي مساند): كرستيان بايل
سيفوز: كرستيان بايل
......................................................................
الممثلات
Wineter's Bone: جنيفر لورنس (اليسار) في

نيكول كدمان لن تفوز عن دورها في "جحر الأرنب". جنيفر لورنس لن تفوز عن دورها في "عظمة شتوية"، ميشيل وليامز لن تفوز عن "بلو فالنتاين" ليس لأنهن سيئات، بل لأن البساط مسحوب من تحت أقدامهن من قِبل ممثلتين هما في واجهة أوسكار أفضل ممثلة في دور رئيسي هما نتالي بورتمن ("بجعة سوداء") وآنيت بانينغ ("الفتيان بخير"). الأوسكار سيصبح بمتناول واحدة منهن، وبورتمن تتقدّم بفارق ضئيل جدّاً، لكنه قد يكون كافياً.
في صنف التمثيل النسائي في دور مساند هناك ممثلتان مشتركتان في فيلم واحد هما آمي أدامز وميليسا ليو عن "المقاتل". الأولى هي صديقة بطل الفيلم مارك وولبرغ (كان غريباً أن لا يتم ترشيحه) والثانية في دور والدته. والأم لعبت أفضل من الصديقة والغالب أنها ستنجز دورها أفضل أيضاً في سباق الأوسكار. الباقيات هن هيلينا بونام كارتر عن "خطاب الملك" (حظ معتدل)، جاكي ويفر عن "مملكة الحيوان" (حظ قليل) وهايلي ستاينفلد عن "عزم حقيقي" (حظ أقل)٠

الأفضل (تمثيل نسائي رئيسي): نتالي بورتمن
ستفوز: نتالي بورتمن
الأفضل (تمثيل نسائي مساند): هايلي ستاينفلد
ستفوز: ميليسا ليو
......................................................................
أوسكارات أخرى
لأفضل سيناريو مقتبس: آرون سوركين عن"الشبكة الإجتماعية"٠

لأفضل سيناريو مكتوب خصيصاً: كرستوفر نولان عن "استهلال" (لحد ما تعويضاً عن تغييبه عن أوسكارات أخرى٠
لأفضل تصوير: روجر ديكنز عن "عزم حقيقي" ومنافسه الأول جف كروننوذ عن "الشبكة الإجتماعية"٠
لأفضل مونتاج: أنغوس وول وكيرك باكستر عن "الشبكة الإجتماعية". منافسه: "أندرو وايزبلوم عن "بجعة حقيقية"٠
لأفضل موسيقا: التخمين صعب هنا، لكن أ. ر. رحمن مرشّح جيّد هذا العام عن 127 ساعة"، لكن موسيقا هانز زيمر عن "استهلال" أكثر حضوراً٠



السينما الكورية لا تزال تذكر الحرب الكبرى قبل ستين سنة
محمد رُضا
  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 في الخامس والعشرين من حزيران/ يونيو سنة 1950 قامت قوات كوريا الشمالية بغزو كوريا الجنوبية ما أدّى لاشتعال حرب ضروس بين البلدين تركت أثرها الدامي على الشعبين وعانت منها القرى والمدن الحدودية في كوريا الجنوبية التي سقطت لفترة تحت احتلال الجزء الشمالي من ذلك البلد الواحد ذي النظامين المتناقضين، هذا قبل أن تسترد القوات الجنوبية المناطق المحتلّة وتنقل المعارك الى ٠
North Korean.jpg   من "وطنيون شماليون في كوريا الجنوبية

ستّون سنة على تلك الحرب والكوريون لم ينسوا بعد  ضور ما حدث، بل يعيشون احتمالاتها المتجددة بين الحين والآخر. وربما اليوم أكثر من أي وقت مضى، يشعر الكوريون الجنوبيون أنهم بحاجة لسينما تتحدّث عن ويلاتها وقسوة أحداثها وكيف أن الكوري قاتل الكوري وبل قاتل، كما في فيلم "تاييكوجي" الذي تم إنتاجه قبل ست سنوات، أخاه المنشق بضراوة فرضتها ظروف الصراع٠
للمناسبة يعرض "السيماتيك الكوري" سبعة عشر فيلماً كوريا تحدّث عن تلك الحرب التي استمرّت حتى العام 1953 بينها أوّل فيلم تم إنتاجه عن تلك الحرب وهو "رد الضربة" للي كانغ-شووَن وفيه تناول كيف تؤدي الحرب الى تدمير الجانب الإنساني للبشر٠
في العام 1961 قام كيم كي ديوك بإخراج فيلم "خمسة جنود مارينز" عن الموضوع نفسه تبعه بعد عامين "المارينز ذهبوا" للي مان-هي، الذي كان في الواقع أوّل فيلم كبير الإنتاج عن تلك الحرب
المنحى الذي اختاره المخرج مان-هي واقعي مستفيداً من بعض أفلام هوليوود التي خرجت في الخمسينات حول حروبها في كوريا او في الفيلبين ضد القوات اليابانية٠
الحرب حملت، ضمن ما حملته، اضطرار عائلات كثيرة الى الإنفصال وهذا كان موضوع المخرج مان-هي التالي سنة 1965 وعنوانه "شمال وجنوب". وفي العام ذاته خرج "الشال الأحمر"، فيلم يتناول في أحداثه دور الطيران الكوري الجنوبي في ذلك الصراع. الفيلم يُعتبر من كلاسيكيات سينما الحرب الكورية وقد تُوّج ذلك بسبب نجاحه فنياً وجماهيرياً، وحالياً يتم تصوير جزء ثان من ذلك الفيلم على أن يتم عرضه في شهر آب/ أغسطس٠
Taegukgi.jpg   أخوة الحرب

بالإنتقال الى فترة أقرب إلينا نجد فيلم "جبال تايبك" للمخرج إم كوون-تايك يعالج الحرب كأزمة هوية أيضاً. لم يكن الأول الذي اقترب من هذا الجانب، لكنه الأقوى. يتحدّث الفيلم عن دور الحزب الشيوعي في كوريا الجنوبية وكيف ساهم في إشعال الفتنية بين مواطني قرى جبال تايبك القريبة من الحدود لدفعهم للحرب ضد بلادهم. لجانب الإستعراض البصري القوي واللافت أسلوباً وقيمة، هناك تلك المواقف التي تتبدّى فيها حيرة بعض الشخصيات الرئيسية وهي لا تعرف الى أن جانب تنتمي في هذا الصراع. ليس كل الشخصيات هكذا، إذ عمل المخرج، في الوقت ذاته، على إعلاء شأن البطولات الجنوبية خلال المحنة٠
"جبال تايبك" كان عملاً كبيراً تم تحقيقه سنة 1998 لكن بعد ست سنوات تم إتباعه بفيلم أكبر حجماً بعنوان "أخوة الحرب" الذي لم يكن مجرد فيلم كبير بل كان الأكبر من كل ما حققته السينما الكورية من أعمال في هذا الموضوع وأكثرها نجاحاً٠
هذا الفيلم من إخراج جي-جيو كانغ وفيه نرقب حياة عائلة كورية شمالية مؤلّفة من الأم وولديها وزوجة أكبر الولدين. يتم طلب الشقيق الأكبر للإنضمام الى الجهود العسكرية مع مطلع الحرب، وبالخطأ يتم تجنيد شقيقه الصغير، وعبثاً حاول الشقيق الأكبر التدخل لإعفاء أخيه من الخدمة، لكن محاولاته لا تنجح وما يلبث أن يجدا نفسيهما على الجبهة يقاتلان العدو المشترك. هذا يستمر، مع مشاهد قتال ضخمة، حتى يفقد الشقيق الأكبر بوصلة الإنتماء وينضم الى القوات الشمالية، وما هي الا نصف ساعة من الأحداث قبل أن يلتقي الشقيقان في رحى معركة ضارية ويتواجهان كل لصالح الطرف المضاد لأخيه٠
التراجيديا المتمثّلة بشقيقين يتقاتلان كل دفاعا عن كوريا يؤمن بها موجودة أيضاً في فيلم سابق عنوانه "وطنيون شماليون في كوريا الجنوبية" أخرجه جانغ-صون وو سنة 1990٠
في العام 2000 تجاوز فيلم "منطقة عسكرية مشتركة" كل هذه الطروحات من دون أن يفقد التركيز على المشكلة. الفيلم، من إخراج تشان-ووك بارك، يدور حول نقطة عسكرية جنوبية يتسلل إليها جنود من الطرف الآخر للسمر والسهر. العلاقات أليفة بين شعبين هما في الأصل واحد، هذا الى أن تقع حادثة فينقلب كل لمواجهة الآخر٠


مخرج
تقدير ولو متأخر: رتشارد فلايشر

حين مات رتشارد فلايشر في السادس والعشرين من شهر آذار/ مارس سنة 2006 عن 89  سنة، خلف وراءه نحو 55 فيلماً. بعضها جيد وبعضها الآخر متوسّط. لكن آخرين حققوا هذا المزيج واشتهروا .... ترى لماذا مرّ فلايشر بلا تقدير يُذكر؟- خاص بـ "ظلال ونجوم" | محمد رُضا

رتشارد فلايشر هو إبن ماكس فلايشر، أحد قدامى فناني الرسوم المتحركة في هوليوود، والى حين المنافس الوحيد لوولت ديزني في هذا المجال. أعماله تعود بتاريخها الى شخصيات مثل
Popeye, Koko, Betty Boop, Woody Woodpecker
وفي مطلع عهد رتشارد في العمل مارس إخراج بعض هذه الأفلام القصيرة، لكنه انتقل الى السينما الحيّة من العام 1942 حيث أخرج بضعة أفلام قصيرة. أعماله الأولى في السينما الروائية الطويلة أبدت اهتماماً بالفيلم نوار وشاركت في نهضته ولو أنها لم تترك ذات الأثر التي لدى مخرجين آخرين في النوع مثل فِل
كارلسون وانطوني مان وبيلي وايلدر وروبرت سيودماك
إقدام فلايشر على سينما الفيلم نوار نتج عن اهتمام حقيقي، أحد أفلامه الأولى من كتابة أنطوني مان
Follow  Me Quietly  الذي أمّ هذا النوع قبل فلايشر وأبدع فيه. هذا الفيلم هو
لم أشاهد هذا الفيلم المبكر في حياة فلايشر، لكني شاهدت له  من الفترة ذاتها  فيلماً جيّداً عنوانه
Armored Car Robbery  سرقة سيّارة محصّنة
الذي أخرجه فلايشر سنة 1950 بأسلوب كان منتشراً في مطلع تلك السينما محتوياً على أسلوب وثائقي 
Naked City و He Walked By Night تقريري نجده في أفلام مثل
والحقيقة أن فلايشر لم يعن نفسه كثيراً باللوازم الثابتة للفيلم نوار (ظلال وأشباح وشخصيات داكنة الخ...) بل صنع فيلم مطاردات وأكشن مع عناصر محدودة من الفيلم نوار
Armored Car Robbery

هناك رأس مدبّر أسمه برفيز (وليام تالمان) يدرس سرعة استجابة البوليس لنداءات مفبركة عن سرقة لأحد بنوك لوس أنجيليس لأجل معرفة كم من الوقت يحتاجه البوليس للوصول الى المكان. بعد حين ينفّذ عمليّته بعد نداء آخر استجاب له البوليس معتقداً أنه ليس صحيحاً كسوابقه. في أعقابه  مفتش البوليس تشارلز ماكغرو، لكن العقل المدبّر للسرقة خبير محترف ولن يقع بسهولة. لكن جزءاً من خطّة برفيز يتضمّن أيضاً الإحتيال على العصابة التي شكّلها للعملية، وهو يبدأ فعل ذلك على نحو استراتيجي ولو أن أحدهم (ستيف برودي) هو الذي ينجو بحياته لكنه سيعود لملاحقة بيرفيز فيما بعد. التحري كوردل (ماكغرو) سوف يستغل هذا التفكك لصالحه وسيكون ذلك بداية نهاية بيرفيز نفسه٠
هناك تشابهاً كبيراً بين أسلوب أنطوني مان وأسلوب رتشارد فلايشر حين يأتي الأمر الى استخدام الوسيلة الإخبارية التوثيقية التقريرية (مع تعليق صوتي في مطلع الفيلم وتحديد أهمية المكان كما لو كان الفيلم تابع أحداثاً حقيقية) لكن مان أفضل تأسيساً وتوظيفاً لهذا الأسلوب من فلايشر، وهذا ما يجعل هذا الفيلم، أقل فيلم نوار مما يعتبره بعض الباحثين في هذا النوع٠
يُعامل المخرج شخصيّتيه الرئيسيّتين على مستوى من التناقض: التحري كوردل يتعاضد مع رجاله وحين يخسر أحدهم ويموت يحزن عليه وحين يتم تعيين شاب مكان شريكه السابق يعامله بإحترام، بينما المجرم بارفيز يحتال على من شاركوه العملية. التحري غير فاسد. الآخر شرير كامل. هذا كان المتداول في الأفلام البوليسية عموماً في أواخر الأربعينات ومطلع الخمسينات. تعقيد الشخصية البطولية ومنحها تركيباً نفسياً رمادياً او ماض تحاول الهرب منه،  تم بعد سنوات قليلة٠
ما يعمل لصالح فلايشر في هذا الفيلم وسواه هو أنه كان يمنح المحيط والخلفية نفس المعاملة التصويرية لمقدّمة الفيلم ما يترك لدى المشاهد شعوراً بأنه يتابع حياة كاملة وما يمنح الشخصية أيضاً وجوداً عضوياً مع الإطار العام. في نفس الوقت، تركيب عناصر المشهد مثير للإهتمام (ولو لم يكن فريداً) حيث الممثل جزءاً من المحيط سواء أكان ذلك المحيط داخلياً او خارجياً
إنه فيلم لافت، ولو أنه، كما ذكرت، ليس نموذجياً كفيلم نوار. دخول المخرج في هذا الصنف من الأفلام  تم
The Narrow Margin بعد عامين حين حقق
بمزايا بصرية مشابهة (حركة البان والخلفية الواضحة في العمق الخ...) ولو أن الشخصيات بقيت بيضاء/ سوداء. حقق من بعد هذا الفيلم عملين لا أدري عنهما شيئاً الا إذا ترجمت الى ما كُتب عنهما وهذا ليس وارداً حتى مع الإعتراف بالمنشأ، لأنه قد يخرج بي عن الخط المؤلّف من ملاحظاتي علي أفلامه التي شاهدتها. في العام 1954 تأكد لمتابعيه أنه ترك سينما الفيلم نوار وراءه، للأبد تقريباً، حينما أم الفانتازيا المعروفة بـ"20 ألف فرسخ تحت الماء"،  من بطولة كيرك دوغلاس وجيمس ماسون وبول لوكاس وبيتر لوري. كان هذا أول فيلم شاهدته لفلايشر وكنت لا زلت في العاشرة او الثانية عشر. حملت ذكريات مشاهده التي تدور حول عالم مجنون يعيش تحت الماء وتلك التي تصوّر اخطبوطاً عملاقاً يترصّد البحارة الى حين شاهدته مرّة أخرى قبل نحو عشر سنوات. فيلم جيّد في نوعه (خيال علمي/ مغامرات) وأمّه المخرج بالسينما سكوب كشأن العديد من افلامه اللاحقة٠
في العام التالي أخرج فيلمين أحدهما وسترن بعنوان "بانديدو" مع روبرت ميتشوم في دور تاجر سلاح يحط قريباً من الحدود في المكسيك ليبيع السلاح ولديه خيارين: بيعه للثوار او بيعه للحكومة، وهو يختار الثورة. جيّد التنفيذ لكنه ليس من النوع الذي يترك بصمة كبيرة في نوعه او على أساس فني صرف. "الفايكنيغز"، بعد عامين كان أيضاً بالسينما سكوب، كشأن "عشرين ألف فرسخ..." و"بانديدو"، لكنه كان سيئاً في نواحي كان المخرج يستطيع التعامل معها ولم يفعل مثل اختياره السيء من الممثلين والترقيع الممارس في شخصياتهم لتبدو سكندنافية. كليشيهات ونمطيّات ولو أن مشاهد المعارك موحية ومعتنى بها
Compulsion  و Crack in the Mirror  بعد فيلمين من بطولة أورسن وَلز هما
Bandido

وفيلم وسترن آخر ("هذه الهضاب الألف") وفيلم كوميدي ("المقامرة الكبيرة") عاد الى التاريخ يضع فيها قصصه. هذه المرّة أسند الى انطوني كوين شخصية باراباس في "باراباس" (1962)، دراما عن الصراع في داخل  شخص بطله. الأحداث تدور في عهد عيسي (عليه السلام) من خلال وجهة نظر باراباس الذي يرقب أفعال المسيح من بعيد وينظر الى حياته الخاصّة. إنه لا يجد السعادة لا إذا كان كافراً ولا إذا كان مؤمناً لكنه سيعلم أن الإيمان ربما الأصدق الى ما يطلبه على أي حال٠
الرواية مأخوذه عن كاتب سويدي أسمه بار لاجرفيتز نال جائزة نوبل حينها لكن همّ المخرج ليس الأدب بل السينما (وهذا مقبول).  في مجمله هو فيلم متوسّط القيمة سواء أنظرت إليه بعيداً عن نوعه التاريخي/الإنجيلي او داخله٠
بعده مباشرة جاء "رحلة عجيبة" حيث الطريقة الوحيدة لإنقاذ عالم يعاني من الكوما الناتجة عن جلطة دموية هو الدخول في دماغه. للغاية يتم تحويل فريق من الباحثين الى ميكروسكوبات ويتم وضعهم داخل ما يشبه الغواصة وحقنهم في دماغ الرجل. فكرة غريبة، أليس كذلك؟ اليوم يبدو هذا الفيلم الذي أسندت بطولته الى ستيفن بويد وراكيل وَلش (ولعب دور النائم جان دل فال) وقد أصبح قديماً نظراً لاختلاف المؤثرات من ناحية وللراحة المونتاجية التي تتيح للمشاهد التمعّن والتأمل عوض الإسراع في التقاط البصريات من ناحية أخرى. لكن فكّر في زمن تحقيقه (1966) وتابع الحكاية وليس ما ستلتقطه من مؤثرات، وستجد أنه أحد أفضل أفلام الخيال العلمي في حينه
فيلم رتشارد فلايشر الغنائي "دكتور دوليتل" (1967) شاهدته بعينين مفتوحتين مرّة واحدة، وبعين واحدة مرّة ثانية ولم أحبّه في المرّتين. ليس فقط أنه نوع من السينما لا يعنيني كثيراً، بل لأنه تلقيم مواقف عاطفية وكوميدية مناسبة وغير مقنعة حين تريد الغوص، لبضع سنتمرات، تحت جلود شخصياتها
هذا كله تغيّر في فيلم رتشارد فلايشر اللاحق- الفيلم الذي إن كان هناك عمل  بوليسي واحد لابد من
The Boston Strangler  مشاهدته لفلايشر فليكن هذا الفيلم. إنه: خانق بوسطن 
الذي أنجزه سنة 1968 مع الراحل (حديثاً) توني كيرتس في البطولة. "خانق بوسطن" او "سفّاح بوسطن" كما حمل الفيلم عنواناً عربياً آنذاك، مبني علي أحداث حقيقية بطلها الحقيقي شخص بإسم ألبرت ديسالڤو مارس جرائم الإغتصاب والخنق في مدينة بوسطن ما بين 1962 و1968  حين ألقي القبض عليه معترفاً ومعانياً من انفصام في الشخصية. في العام 1973 قُتل داخل السجن الذي أودع فيه، ولو أن الفيلم لا يذهب الى هذا الإتجاه (كونه من إنتاج تاريخ فاصل بين القبض على المجرم وموته)٠
كثير من الإيجابيات في شغل فلايشر هنا لكن الوقت أزف للتوقّف عند هذا الحد وتكملة الإستعراض في العدد المقبل- إن شاء الله٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2006- 2211٠






Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular