Feb 22, 2011

مهرجان برلين - الأخيرة |قراءة النتائج وأهم الملاحظات

YEAR 4 | ISSUE: 630

برلينيات
ثري دي من الفترة النازية

بينما كان مخرج استرالي أسمه فرانك مورا ينقّب بحثاً في المواد الأرشيفية الألمانية المصوّرة تمهيداً لإنجاز فيلم وثائقي عن كيف استخدم النازيون السينما لخدمة إعلامهم، فوجيء باكتشافه فيلمين قصيرين (مدّة كل منهما 30 دقيقة) مصنوعان بالأبعاد الثلاثة.
بذلك يكون الألمان أوّل من اكتشف كيفية صنع أفلام ثلاثية الأبعاد في العالم. فالسائد هو أن الأميركيين أنجزوا ذلك  النظام في مطلع الخمسينات، لكن ها هي القرائن تشير الى أن أول  السينما الألمانية هي  التي سبقت نظيراتها حول العالم، فتاريخ هذين الفيلمين يعود الى سنة 1939
إنه اكتشاف بالغ الأهمية يُعيد النظر في أشياء كثيرة من بينها أن هناك قيمة بالغة الأهمية حتى في الأفلام ذات القصد الإعلامي او ما يُسمى بسينما البروباغاندا. فالغاية لإتقان اللغة السينمائية التي من خلالها يتم التعبير عن الفيلم (أي فيلم) لم يتوقّف والكثير مما نراه اليوم في هذا الصدد هو تطوير لما كان سائداً. فنحن نعلم أن الألوان مورست حتى حينما كانت السينما لا زالت عبارة عن أفلام قصيرة صامتة في السنوات العشر الأولى من القرن العشرين، وأن التعبير عن زمانين، ماض وآني، في فيلم واحد على طريقة "فلاشباك" تم أيضاً في تلك الفترة. وبل أن نطق السينما كان مثار محاولات عدّة سنوات طويلة قبل أن ينبري "مغني الجاز" للنطق -جزئياً- سنة 1927
بالنسبة للمؤرخين فإن هذا الإكتشاف الجديد بالغ القيمة وسيعيد إرساء جديد على التاريخ الفعلي للسينما ما يعني أنه كلمّا اعتقدنا أننا فهمنا التاريخ واعتبرناه مرجعاً موثوقاً، كلما تبدّت لنا حقائق جديدة تغيّر مفهومه تغيّراً كاملاً، وهذا ليس فقط بالنسبة للسينما، بل بالنسبة لكل شؤون الحياة
الكاميرا غير الخفية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا زلت على اعتقادي وبل يزداد هذا الإعتقاد رسوخاً: معظم من يستخدم الكاميرا كما لو كان يحرك أصبعه في الهواء يفعل ذلك لأنه لا حساً فنياً لديه يرشده الى كيف يستخدم الكاميرا لصالح الفيلم. في أفلام هؤلاء تتحرّك الكاميرا كما لو كانت الجزرة أمام المشاهد. تلهث. تصعد. تهبط. تستدير يمينا او يساراً. ترتجف.  تهتز وكل ذلك بإسم الواقعية او "الطبيعية".
الحقيقة هي أن تأطير اللقطة، إضاءتها، تحديد حجمها وزاويتها، والإنتقال من لقطة الى أخرى ضمن منهج فني أمر غير سهل على الإطلاق.  صحيح أن القرار في التصوير يتّخذه مدير التصوير، لكن هذا يعمل بمقتضى منهج المخرج وكيف يعالج موضوعه الدرامي ولأي غاية. المخرج الذي لا يعرف كيف يوضّب لقطاته وبالتالي مشاهده، سيجد من السهولة بمكان كبير أن يطلب من مدير تصويره أن يحمل الكاميرا واللهاث وراء الممثل حينا وأمامه حيناً ثم تركه ورمي نظرة على المكان وربما على سيارة مارّة او إمرأة ترمي مياها وسخة في الشارع قبل أن تستدير في عودة الى الممثل.... كل ذلك من دون دواع فعلية.
في أحد الأفلام التي شاهدتها مؤخراً تنحدر الكاميرا من الممثل السائر في الطريق لكي تتبع حذاءه الأيسر. لماذا؟
ما يفعله مثل هذا المخرج هو الطلب من المشاهد النظر الى الفيلم من خلال الكاميرا وليس مباشرة، بينما لا شيء علي الإطلاق- حتى التمثيل او الإخراج، يجب أن ينزع نحو معاملة نافرة متدخلاً بين الجمهور وفيلمه- فما البال بالتصوير؟
إحترام المرأة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تجمع بطلة فيلم  ألماني عُرض هنا قطع زجاج مكسور ومتناثر وتضعه على حافة الكنبة ثم ... تجلس عليها بهدف الإنتقام من نفسها بعدما لاحظت أن شريكها في البطولة ضحّى بها لأجل إمرأة أخرى.
وكنا في العام السابق ما شاهدنا بطلة فيلم آخر تؤذي نفسها على نحو أفظع مستخدمة المقص لأنها لم تعد تستطيع السيطرة على عواطفها.
ما يعتبره الآخرون فنّا، أراه بلاهة، وما يعتبرونه تعبيراً راقياً أراه سخفاً. وفي حين أن هناك أساليب كثيرة تستطيع من خلالها الحديث عن مشاعر المرأة، فإن أكثر هذه الأساليب رداءة هو أن تأتي فجّة ومفروضة وغير قابلة للمنطق او التصديق.
ما الذي كان يُضير المخرج الذي اعتقد أنه يكتشف الماء الساخن لو أنه جهد قليلاً ووجد طريقة أخرى للتعبير عن أزمة بطله من دون هذه المشاهد التي يُقصد بها استحواذ الإهتمام مجانياً. إحداث صدمة واعتبار أن إحداث الصدمة بحد ذاته هو فن عظيم.
في حديث الغرب عن المرأة وتقديرها، تراهم في خضم معايير مزدوجة. المرأة هناك نالت حريّات وخسرت أخرى. ليس أن عالمنا يخلو من عيوب لكن من حسناته أن نساءنا لا زلن يتعاملن واخلاقيات مزروعة في مكانها تحدد لهن خيارات لا يمكن أن تعود عليهن بالضرر إذا ما مورست، من قبلها ومن قِبل الرجل، على نحو منصف وصحيح.
حين ورد مشهد الجلوس على الزجاج المكسور، خفت على الزجاج او على نفسي من الأذى وقررت أنني شاهدت ما يكفي من الأفلام ولا أريد أن أقع مريضاً في أيام المهرجان الأخيرة. تركت الصالة وبحثت عن فيلم آخر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  الدب الذهبي بلون أخضر:
أخيراً فازت السياسة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كما انقسم الحضور حيال فيلم "نادر وسيمين" حين عرضه، انقسموا ثانية حين إعلان النتائج.
الإنقسام الأول كان تبعاً لمشاهدة الفيلم. كثيرون أحبّوا الفيلم لخصاله الفنية والخطابية، وكثيرين أيضاً اعتبروه فيلماً جيّد الصنع إنما ليس بالجودة التي يدّعيها الفريق الأول.
الإنقسام الثاني تبع إعلان جوائز الدورة الحادية والستين الحالية مساء التاسع عشر الحالي. صفق البعض وصفّر البعض، لكن إذا ما كانت الغالبية بالعددية، فإن عدد المصفّقين غلب على عدد المصفّرين.
المشكلة هي أن الفيلم، الذي هو دراما إجتماعية حول تبعات الإنفصال لزوجيّن قررا أن طريق كل منهما يختلف عن الآخر، يصب في وسط وضع سياسي ساخن يحيط بالوضع الشامل لمنطقة الشرق الأوسط. ومع أن لجنة التحكيم لم تشر إليه، الا أنه كان هناك على المنصّة كما كان هناك حينما تم عرض ذلك الفيلم وفي كل يوم آخر.
وبما أن ما يحدث في إيران حاضر بقوّة، فإن منح الفيلم جائزة الدب الذهبي كان فعلاً سياسياً أكثر منه أي شيء آخر.  الأمل، كما لابد داعب المهرجان ولجنة التحكيم، هو أن يحرج ذلك الحكومة الإيرانية ويرد على قرارها بحرمان جعفر بناهي من السفر. ففي نهاية الأمر، كان من المفترض بالمخرج الإيراني المُقيّد الى قرار بإدانته لفيلم لم يحققه بعد، أن يشترك في لجنة التحكيم التي ترأستها الممثلة الإيطالية إيزابيلا روسيليني، وقرار بمنح الفيلم الإيراني "نادر وسيمين" الجائزة الأولى (وجائزتي أفضل تمثيل نسائي وأفضل تمثيل رجالي) هو من باب الرد من ناحية ومن باب التعاطف مع منتقدي النظام- هذا على الرغم من أن "نادر وسيمين" لا ينتقد شيئاً. إنه ليس فيلماً سياسياً ولا يهدف أن يكون والا لما سُمح له بالإنتقال الى المهرجان الحالي.
لكن السؤال عمّا إذا كان فوز هذا الفيلم الدرامي الإجتماعي الذي لا بأس بمستواه (أخرجه أصغر فارهادي الذي سبق وله وأن أخرج فيلماً لافتاً أيضاً بعنوان "حول إيلي") سيحرج فعلاً نظام ماض في تعسّف الناس والمثقّفين وأهل المهنة السينمائية. بالتالي، من هو الذي يضحك أخيراً: مهرجان برلين معتقداً أنه أسدى للنظام ضربة ما، او النظام الذي نال الجائزة رغم كل شيء؟
المضحك- المؤلم هو أن نيل الجائزة أمر معنوي لا حجماً تأثيرياً له على الإطلاق، وأن أصغر فارهادي فاز على كتفي مخرج آخر اضطرته الظروف لكي يبقى في مكانه غير قادر، كما قال في رسالته الى المهرجان، الا على الحلم. فكيف يمكن أن يساعده فوز فيلم إيراني بإستثناء مباركته الطيّبة؟
نادر وسيمين: انفصال

الأمر الآخر هو التالي:
فيلم أصغر فارهادي عبارة عن موضوع جيّد مُعالج بإدارة فنيّة مركّبة، لكنه ليس خرقاً للمعتاد الفني. الفيلم الثاني في عداد الفائزين هو "حصان تورينو" الذي لم يتضمّن المهرجان ما يتجاوزه من حسنات فنيّة وطريقة تنفيذ. موضوع من خارج العالم الذي نعيش فيه يلتقي وشجون شخصياته الإنسانية البسيطة. ومعالجة سينمائية تصر على الصعب وتصهره في جماليات رائعة.
النتيجة التي توصّلت اليها لجنة التحكيم لا يمكن أن تكون كما جاءت لو أنها حكمت على النواحي الفنية وحدها وتركت السياسة للنظم وأهل تلك المهنة، لكن مرّة أخرى، ولن تكون الأخيرة، تغلب ما يُعتقد بأنه مصلحة سياسية على ما هو سينمائي بحت.
طبعاً كان من الأسوأ أن ينال فيلم آخر الجائزة الأولى او الثانية. أفلام المسابقة هذا العام  فكثير من الأفلام هذه السنة لم ترتق الى المستوى الجيّد الذي تعوّدناه من المهرجان هذه السنة.  الغالبية كانت على قدر معين من الجودة لا ترتفع عنه بما في ذلك الأفلام الألمانية التي قيل فيها (على الورق) أنها تعبّر عن سنة قوية من الإنتاجات. أحد هذه الأفلام "إذا لم نكن نحن، من؟": دراما اجتماعية عن كيف انساق الشباب الألماني في الستينات الى حياة من البذخ العاطفي والسياسي خالطين بين الجنس والمخدرات والسياسة. إذا ما كان الفيلم أراد التعبير عن فترة، فهو سقط في الإنضمام الى التأطير وخوض التاريخ كما يقرأه. قائم على الحوار وخال من فرص تعبير حقيقية، لكنه ليس رديء الصنع مطلقاً، بل عادي في طريقة سرده لدرجة لا تخلو من الملل.
الفيلم التركي "يأسنا الكبير" لسيفي تيومان أفضل حالاً لكن ليس بكثير. كذلك أفضل حالاً من الفيلم التركي الذي شوهد في مطلع هذه الدورة " لياسمين سمدريللي. إنه حول صديقين من سنوات بعيدة يستقبلان شقيقة صديق ثالث لتعيش معهما في الشقّة الكبيرة الهادئة شرط تركها وشأنها وعدم التعرّض إليها، وذلك إثر محنة عائلية وقعت لها. لكن كل منهما واقع في حبها لا محالة. الفيلم من هنا يرصد تغيّر حالتهما السابقة. ليس أن الصديقين يتعاديان بسببها، لكن بالطبع هناك تلك اللحظات التي يود كل منهما لو أنها تحبّه هو. فيلم تيومان بذلك دراما عاطفية مثيرة للإهتمام ومشغولة بحس كلاسيكي هاديء بلا مغامرات فنية او أسلوب عمل لافت.
"أودم" الإسرائيلي (أيضاً من المنطقة ذاتها التي ضمّت هذا العام تركيا وإيران وإسرائيل) عن المرأتين الفلسطينيّتين اللتين تلتقيا في لندن بعد طول غياب وتسردان،  كل للأخرى ولنا، مزيج من الذكريات العاطفية وتمرّان على أحداث ومواقف سياسية عانتا منها حينما كانتا تعيشيان في رام الله. مرّة أخرى، نجد الموضوع المهم المعبّر عنه بجفاف فني على يدي المخرج جوناثان ساغال على الرغم من صدق رغبته في وصم الإحتلال الإسرائيلي بالإغتصاب رابطاً ما حدث لهما بما يحدث للأرض الفلسطينية٠
يأسنا الكبير- تركيا
أما باقي الأفلام الآتية من دول أوروبية فبعضها لم يكن يخلو من تحدّيات، لكن الهدف ضاع عليها فلم تصبه. المثال الأوضح هو فيلم "سبت بريء" للروسي ألكسندر ميندازه حول ربيع سنة 1986 عندما اشتعل الأفق في شرنوبل بلون برتقالي بعدما انفجرت محطّة شرنوبل فجأة. الفيلم يقع في يوم واحد حيث يحاول بطل الفيلم (أنطون شاغان) انقاذ نفسه وصديقته وحين تفوتهما الفرصة ينضمّان الى حفلة عرس تُقام على الرغم من كل المخاطر الصحية التي يعلم الجميع مداها. من نصف ساعة أولى تعد بعمل صارخ، الى ساعة لاحقة يقضيها المخرج في فوضى من الصورة والصوت. الأولي تصبح لهاثاً لا طائل منه والثاني ضجيجاً يشبه ذلك الذي ينتج عادة عن أصوات طحن نحاسية ممتزجة مع صوت موتور قطار قديم سقطت سمّاعات الصوت في داخله. قبل النتائج عرض فيلم ألباني وهي المرّة الأولى في تاريخ المهرجان الذي يتم فيه عرض فيلم من هناك: إنه "غفران من الدم" لجوشوا مارستون (أميركي) عن ثأر بين عائلتين في قرية ألبانية ومعاناة بطل الفيلم الشاب من جراء هذا الوضع كما معاناة شقيقته التي عليها أن تبيع الخبر عوض أبيها الهارب خوفاً من القتل. كل ما كان يحتاجه هذا الفيلم هو شيء من البعد الإجتماعي الأوسع للحالة التي يرصدها لأن الحكاية كما هي لا تخرج عن نطاق قصّة عادية معزولة عن محيطها قدر الإمكان. فيلم جيّد، كما الحال مع الفيلم التركي "يأسنا الكبير" ومثله أيضاً يبقى محدود الطموحات والنتائج.

وفي حين نال "نادر وسيمين" الدب الذهبي وتبعه "حصان تورينو" حاصداً الدب الفضّي، نال، كما ذكرنا، فريق ممثلي الفيلم الأول، ذكوراً وأناثا، جائزتي التمثيل. أما جائزة أفضل مخرج فذهبت للألماني أولريخ كولر عن "مرض النوم" الذي تدور أحداثه في أفريقيا حول إمرأة ألمانية تجد أن عمل زوجها هناك يباعدها عنه. وكالعادة، ذهبت جائزة السيناريو للفكرة وليس لحيثيات الكتابة وبذلك نالها "غفران من الدم" علماً بأن بعض قصوره عائد الى السيناريو ذاته.
في مجال التصوير حصد  ووجيش ستارون  الجائزة في هذا المجال وهو الذي صوّر فيلم "الجائزة"، أحد تلك الأفلام المصنوعة بكاميرا مهزوزة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 سبعة أيام برلينية: تعدد القضايا وغياب الهم الجماعي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مخرج وبطلا فيلم "سبت بريء" الروسي خلال تقديم الفيلم

البعد الشاسع بين السينما العربية وبين كل ما عداها يتكشف هذا العام مع كل يوم يمر من أيام هذا المهرجان السينمائي الكبير. لقد لاحظنا هنا، كما لاحظ سوانا، غياب السينما العربية- لكن هذا الغياب هو قاعدة وليس استثناءاً، بينما بات غياب سينما أخرى من المنطقة ذاتها هو القاعدة وليس الإستثناء.
فمبدأياً، لا يوجد منطق وراء غياب السينما العربية بل مناهج تفكير خطأ تتمدد بإتجاهات ثقافية واجتماعية وسياسية تجتمع تحت مظلّة "اللا إكتراث". لكن حتى هذا التجمّع لا يعني أنه السبب الوحيد وراء الغياب الذي يزداد وضعه فداحة حينما نلحظ الإهتمام الكبير الذي يبديه المجتمع السينمائي بالسينما الإيرانية والتجاهل الكامل للسينما العربية.
هذا على الرغم مما نعرفه جميعاً من العداوة المتبادلة بين ايران والغرب ما يوعز الى فكرة أن الغرب ربما يحب من يعاديه. بالتالي، إذا ما كان هذا صحيحاً، فإن السينما العربية التي ليس لديها منهج معاد ولا تنطلق من وضع ايديولوجي متزمّت تخسر أشواطاً حتى قبل أن يصل الفيلم الى شاشات المهرجانات الدولية.
هذا الكلام يأتي على ضوء الإستقبال الجيّد الذي أحاط بفيلم أصغر فرهاردي الجديد "نادر وسيمين: إنفصال" الذي تم تقديمه في المسابقة يوم أول من أمس (الإثنين) وهو الفيلم المقدّم رسمياً بإسم إيران، أي أن الدولة التي جلبت على نفسها انتقادات المحافل الدولية لحكمها الجائر على المخرج جعفر بناهي، هي ذاتها التي استقبل فيلمها بترحيب شديد وبل باعتقاد شامل بأن هذا الفيلم جدير بالجائزة الكبرى إذا ما قررت لجنة التحكيم ذلك.
المحيّر في الموضوع أن الفيلم فيه نقد لجوانب سلبية في المجتمع الإيراني، لكنه ليس في الأسلوب العاكس لسينما ذاتية الطرح كتلك التي في أعمال بناهي. فهل يعني ذلك أن المسؤولين هناك لا يمانعون النقد إذا ما ورد ضمن في خانة الحكاية الإجتماعية المعهودة ويعارضونها إذا ما كانت ضمن أسلوب سرد يرصد الحالة على نحو من يسلّط الضوء عليها؟ وما الفرق حينها إذا ما كان العملان ناقدان؟ أم أن المسألة هي أن بناهي مقصود لذاته، في حين أن فرهادي لا يزال معتبراً من أبناء النظام الذي سيتاح لهم تناول ما يريد طالما أنه في النهاية يصوّر المسألة علي أساس أنها قصّة لا أكثر من ذلك او أقل؟

بلا محور
الإجابات تحتاج الي بحث، لكن ما هو مؤكد أن هذا الفيلم تحديداً من بين بضعة أفلام رفعت درجة الحرارة في مهرجان  خلال الأيام القليلة الأخيرة. فمن بعد بداية واعدة بفيلم واحد (هو الأميركي "نداء جانبي" الذي لا يبدو أنه سينجز أي نجاح على صعيد الجوائز) طغت جملة من الأفلام التي تبدو كما لو ضلّت طريقها الى شاشة هذا المهرجان من بينها الفيلم التركي/ الألماني "ألمانيا" لياسمين سيمديرللي، و"كهف الأحلام" لڤرنر هرتزوغ  (ألمانيا) و"السبت البريء" لألكسندر مينداز (روسيا)، و-على الأخص- "الجائزة" لباولا ماركوفيتش (المكسيك)  و"مرض النوم" لأولريخ كولر (ألمانيا). وحتى الفيلم الكرتوني "حكايات الليل" للفرنسي ميشيل أوسيلو لم ينجز جمالاً للتنويع الذي افترض أنه سيحدثه.
 كذلك فإن أفلاما تم تقديمها خارج المسابقة إنما ضمن البرنامج الرسمي كأعمال رئيسية لم تأت بمستوى فني كبير، كما الحال مع "مدخل الخدم" للفرنسي فيليب لو غواي  وبقي لفيلم "مجهول" لخوام كوليت سيرا و"وحدة النخبة 2" إيجابية أنهما من النوع التشويقي الذي حد من استغراق المشاهدين في النوم خلال عروض الأفلام المذكورة.
لكن مع دخول المهرجان نصفه الثاني سخن الجو فجأة. صار لدى المرء أعمالاً يتحدّث عنها الحضور في إعجاب او-على الأقل- في اختلاف بين استحقاقه للجائزة او عدمها، او حتى فيما إذا ما كان فيلماً جيّداً او مجرد محاكاة للجودة.
أحد هذه الأفلام التي دار ولا يزال لغط كبير حولها هو فيلم تيلا بار "حصان تورينو" الذي -وكما تنبأنا بالأمس- وجد من أحبّه كثيراً ومن كرهه جدّاً من دون لقاء وسط.
أما الفيلم الإيراني "نادر وسيمين: انفصال" فهو مشغول ببراعة مخرج لفت اليه الأنظار في فيلمه السابق "عن إيلي" الذي لم يستحق في الواقع كل ذلك التقدير الذي لاقاه.
ما يتكشّف عنه هذا الوضع هو أن ما يضعف المهرجان ربما التنويع الشديد ليس في الأساليب فقط بل في الطروحات. علي عكس السنة الماضية حين تصدر موضوع الإسلام والمسلمين المهاجرين  طروحات ثلاثة أفلام عرضت في المسابقة الرسمية، لجانب الفيلم التركي "عسل" الذي نقل شريحة حياة ثقافية من الأناضول الى الشاشة الكبيرة بذكاء مفرط، فإن أفلام هذه السنة لا محوراً جامعاً لها بل حكايات تذهب في كل إتجاه حسب ما أثار رغبة السينمائي الواقف خلف عمله.
طبعاً إختلاف المضامين لا علاقة له بقيمة الأفلام المعروضة، فهذه تتبع شروطاً أخرى، لكن ما ينتج عن ذلك هو تشرذم ناصية تثير الإهتمام أكثر وتمنح المراقب القدرة على اعتبار أن الدورة هي مؤشر عاكس وصحيح لما يمر به العالم اليوم من قضايا.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2006- 2211٠




Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular