Feb 15, 2011

مهرجان برلين السينمائي- الحلقة الرابعة: لماذا لن تقوم للسينما العربية قائمة | فيلم عن ظل عدي صدّام حسين | إيزابيلا روسيليني | نقد أفلام

YEAR 4 | ISSUE: 628

مهرجان برلين السينمائي الدولي - 4
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا
سنوات ضوئية  | لماذا لن تقوم للسينما العربية قائمة؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في صميم الجواب مباشرة: لأننا لا نملك سوقاً موحّدة لعرض انتاجاتنا في الداخل وإنجاز حركة تمويل فاعلة على صعيد الدول العربية المختلفة.
هذا السؤال وجوابه مستلهم من دورة مهرجان فيها أفلام من معظم أنحاء العالم المنتج، بإستثناء الدول العربية المتعددة (باستثناء فيلمين قصيرين). أما لماذا لا نملك هذا السوق فالحديث يطول ولو أنه من الممكن اختصاره أيضاً: إذا لم يكن السبب التشرذم القائم بين بعض هذه الدول، فبسبب عدم وجود إنتاجات مشتركة، وإذا لم يكن بسبب عدم وجود إنتاجات مشتركة، فلأنه لا توجد هيئات ومؤسسات خاصّة تعمل بلغة: إعمل محلّياً وفكّر عالمياً
لا يمكن مقارعة هوليوود، لكن يمكن تكوين سينما تستفيد من المعطيات اللغوية المشتركة. السينما الأسبانية لديها سوق داخلي كبير، لكن سينماها تسافر الى معظم بقاع أميركا اللاتينية وتستمد من اللغة التي تجمعها بالقارة هناك (بإستثناء البرازيل التي تتحدّث البرتغالية وبعض البقع الفرنسية التأثير) مخزوناً إضافياً تحقق عبره مزيداً من الإنتشار وبالتالي من الإيرادات٠
صندوق عجب
الى ذلك، ليس هناك مثل هذا الطموح. السينمائي العربي لا زال يؤمن بالعمل منفرداً. قليلون هم الذين يرتبطون هذه الأيام بتيارات او يحلّقون كسرب واحد في فضاء الفن كما كان الحال عندما ألّف غالب شعث وعلي عبد الخالق "جماعة السينما المستقلّة" في السبعينات، او حين التأم شمل محمد خان وعاطف الطيب وبشير الديك في شلّة عمل سمّوها "أفلام الصحبة".
العمل منفرداً يُسهل التقوقع على ما هو أقل تحدّياً وتأثيراً على أساس أن المخرج او الممثل او الكاتب او أيا سواهم سوف يسعى لتفسير وممارسة السينما على النحو المعتاد وليس على النحو الصحيح بالضرورة.
وفي حين تعلّم النظم الإنتاجية والصناعية معاني الإلتزام والتحدّي والعمل الجماعي، فإن السينما العربية تبقى داخل سياجها وبما تيسّر من أعمال. وبإستثناء السينما المصرية، فإن الفيلم الأول لمخرج عربي ما قد يكون الأخير، او -في أحسن الأحوال- سيبقى الوحيد لبضع سنوات قبل أن تثمر جهوده عن جهات تمويلية داعمة.
مثال واحد ربما كان كافياً: رضا الباهي، مخرج تونسي كان قادراً في النصف الثاني من السبعينات وحتى نهاية الثمانينات على تحقيق فيلم جديد كل سنتين الى ثلاثة. هذا حين كانت سينما شمال أفريقيا ومخرجيها لا زالوا يثيرون اهتمام الفرنسيين.
في العام 2002، أي قبل تسع سنوات أنجز "صندوق عجب" ومن حينها صوّر مشاهد من فيلم عانى من مشاقه، هو "براندو براندو" ولا يزال يعمل فيه حتى الآن.
عندنا كل سينما تريد أن تقوم بذاتها على الرغم من أن المقوّمات المحلية غير كافية. إذا أخذت السينما اللبنانية التي تنشط حينا وتمر بفترة جفاف حيناً آخر، تجد أنها لا تملك ما يكفي من حجم مشاهدين محليين ما يجعلها تتوق للعروض الفرنسية وبعض الأوروبية الأخرى، وهذا ليس سبيلاً لخلق صناعة سينمائية. أما الأفلام العراقية المنتجة فحالها اليوم أسوأ مما كان عليه بالأمس نظراً لأن الدعم الحكومي مفقود. ذلك الدعم كان يعوّض قليلاً (وبغض النظر عن الرسالات السياسية التي إن لم تسر في هذا الإتجاه سارت في سواه). الآن على الفيلم العراقي ان يجول بين عواصم أوروبية وعربية لكي يجمع تكلفة إنتاجه وغالباً ما يخفق في استردادها من عروضه مهما اتسعت (يعرض فيلم "إبن بابل" لمحمد الدرّاجي في نيويورك لكن لن تجده بين الأفلام الخمسين الأكثر إيراداً. لن تجده في لائحة مجلة "فاراياتي"  المؤلّفة من 105 أفلام.
كل ذلك مدعاة للأسف، لكنه واقع يُجيب عن السؤال المطروح الذي يشعر به هذا الناقد كلما وجد نفسه يبحلق في أفلام المسابقة، غثّها وسمينها، متمنياً لو أن فيلماً عربياً يمزّق المتوقّع ويصل الى هذا المحفل او ذاك.


من أفلام الدورة:  فيلم عن ظل إبن الرئيس عدي صدّام حسين



 في أواخر العام الماضي عرض المخرج العراقي قاسم حول نسخته عن الرئيس العراقي السابق صدّام حسين من دون أن يسمّيه في فيلمه "المغني". هناك شاهدنا كوميديا سوداء ذات طروحات سياسية حول حياة دكتاتور عراقي يُقيم حفلة عيد ميلاده في أحد قصوره والحفلة المحفوفة بشروط تُفرض على الحاضرين تحت عين رقابة الكترونية تتنصّت على كل همسة يتبادلها إثنان، تتحوّل الى تنفيذ عقوبات من بينها عقوبة أن يغني المنشد الذي جيء به من القرية بسبب صوته البديع ووجهه الى الحائط كونه جاء متأخراً عن الموعد رغم أعذاره. أيضاً من بينها سحب إمرأة من جلستها مع زوجها لأنها انتقدته والرئيس كون الزوج قام فأنشد شعراً بحياته مقابل سيارة مرسيدس. المرأة يتم جلبها الى غرفة تقع تحت الأرض ويقف في وسطها جزّار ولا نعرف ما حدث لها بعد ذلك. وينتهي الفيلم بقيام "الدكتاتور" بسحب مسدّسه وإطلاق النار على إمرأة أخرى شربت ولم تكتم ما تشعر به حياله٠
يا له من عيد ميلاد٠
أما لماذا لم يسمّي المخرج الرئيس فيعود الى أنه أراد الترميز الى كل دكتاتور كما قال لي. في الوقت ذاته لا يمكن لهذا الترميز أن يتم لأن كل شيء هنا عراقي وكل شيء هنا موقوت بحرب على الجبهة الإيرانية وكل شيء مرهون بتشخيص أحد الممثلين المطلوب منه أن يكون شبيهاً سلوكا وكلاماً بصدّام حسين.
عرض الفيلم في مهرجان دبي الأخير وبعد نحو شهر عرض مهرجان سندانس فيلماً له علاقة بفترة حكم  صدّام حسين بعنوان "بديل الشيطان". هذه المرّة من دون رمز او ترميز. الفيلم ذاته معروض في الدورة الحادية والستين الحالية في مهرجان برلين السينمائي خارج المسابقة٠
من الطبيعي أن يبقى العراق محط اهتمام السينما العالمية (وهذا الفيلم الناطق بالإنكليزية من تمويل بلجيكي وإخراج النيوزلندي لي تاماهوري) خصوصاً في عالمنا الحالي حيث هناك موضوعاً لافتاً كل يوم في حياة الناس الأمنية والسياسية والإجتماعية، فكم من الوقت سيمضي من قبل أن تنتقل أحداث ميدان التحرير الأخيرة الى السينما سواء المصرية او الأميركية او سواهما؟ وهل في الأفق فيلم عن أزمة تقرير المحكمة الدولية يُطرح كفيلم تشويقي؟ ما نعرفه أن المنتج التونسي طارق بن عمّار صرّح أنه سيقوم بإنتاج فيلم عن التونسي محمد بوعزيزي، ذلك الشاب الذي حرق نفسه فأشعل ثورتان٠
"بديل الشيطان" هو فيلم أكشن وتشويق منفّذ جيّداً وهو المتوقّع من المخرج الذي قدّم في تاريخه بضعة أفلام مشروطة بقدراته على الإثارة البصرية المفعمة بالتوقيت وحسن الإيقاع من بينها فيلم جيمس بوند سابق هو "مت في يوم آخر" وآخرها الفيلم الذي قام ببطولته
Next   كل من نيكولاس كايج وجوليان مور بعنوان: التالي
إنه عن لطيف يحيى الرجل الذي يشبه عدي حسين (إبن صدام) الذي كان كل ما هو مطلوب منه أن يقف أمام فوهة المخاطر ويواجه المؤامرات (حقيقية منها ومتخيّلة) ممثلاً دور إبن الرئيس العراقي. ليست حياة سهلة، لكنها بالنسبة للطيف، وكما يقدّمها الفيلم وظيفة كوظيفة الطبّاخ او المصوّر او سائق التاكسي. طبعاً هي خطيرة إذا مارسها وربما أشد خطراً لو رفض ممارستها
والأمر، على هذا النحو، يشبه الممثل البريطاني الذي قام بالدور وأسمه دومونيك كوبر، فهو دور خطر إذا قبل به كون من حيث أنه قد يخفق فيه تبعاً لسلوكيات تختلف بين الثقافتين العربية والأوروبية، ومن الخطر أن لا يوافق عليه طالما أن مسيرته السينمائية الى الآن لا زالت في الظل وتحتاج الفيلم الذي يستطيع القيام ببطولته ليبرهن عن استحقاقه. وهو يبرهن عن هذا الإستحقاق فعلاً لاعباً الدورين المتوازيين: هو لطيف وهو عدي٠
حسب سيناريو مايكل توماس، الذي كتب سنة 1939 سيناريو الفيلم التشويقي "روبي كايرو" من إخراج غرايم كليفورد وبطولة أندي مكدووَل وليام نيسن وفيغو مورتنسن، فإن لطيف كان لواءاً في الجيش وعلى شبه كبير بعدي حسين، والأخير طلبه مباشرة بعد أن نجا من معركة وقعت في قلب المدينة. واللقاء بينهما بسيط الشكل ومباشر. عدي قال للطيف أنه بحاجة الى من يلعب ظلّه في الحياة العامّة. هل يستطيع القبول؟ طبعاً- هذا هو المطلوب. هل يستطيع أن يقول: أرجوك سيّدي اعفيني؟  لا فكلمة عدي، ككلمة أبيه أيامه، لا تتحوّل: "إذا رفضت فإن عائلتك ستباد". لطيف سيقبل على مضض والفيلم سيستخدم هذا "المضض" ليلعب عليه لأجل منح الشخصية ضوءاً إيجابياً يُستخدم عادة في الأفلام البوليسية والتشويقية (كحال هذا الفيلم) لوضع الشخصية في إطار يُثير التعاطف.
درامياً ينجز المخرج هدفه الرئيسي: مقارنة بين البريء والمذنب. بين رجلين متشابهين كل منهما نسخة مناقضة للآخر. لكن ما يخفق فيه هو كم العنف الذي يصر على تقديمه من دون فائدة. فالفيلم مناسبة للحديث عن القتل والإغتصاب والتعذيب وسوى ذلك مما كان سائداً في زمن غير بعيد٠
في الثمانينات أخرج الياباني الراحل أكيرا كوروساوا "ظل المحارب"، عن ذلك المواطن البسيط، في زمن بعيد، الذي من شدّة شبهه بـ "اللورد" الذي يحكم المقاطعة، يتم تعيينه ظلاً له: سيتصرّف تماماً كما لو كان هو "اللورد" بإستثناء أن الحاشية تعرفه وستبقيه مربوطاً بحبلها تهينه متى تشاء وتدفعه الى الموت حين تريد، وسوف يحارب عنه. بقعة يمكن إزالتها بالغسيل. الفيلم الرائع (تحت إسم "كاغاموشا") لا يزال متوفّراً على اسطوانات، ولو كان حاضراً لشوهد مرّة أخرى كونه أفضل فيلم عن موضوع الإنسان البديل الذي يواجه معضلات حياته انطلاقاً من شبهه بمن يحكم البلاد٠


إيزابيلا روسيليني: من معطف أبيها الى رئاسة لجنة التحكيم
روسيليني ورئيس مهرجان برلين ديياتر كوزليك


بينما لا يزال مكان المخرج الإيراني جعفر بناهي، وسط لجنة التحكيم شاغراً بإنتظار أن تسمح له سلطات بلاده بالسفر لكي يشغله (وهي لن تسمح) تقوم الممثلة إيزابيللا روسيليني بمهامها كرئيسة لجنة تحكيم روعي فيها أن تستوعب التنويع التقليدي، ففيها الممثل، والمخرج والمنتج والمنتمي الى جسد فني ملهم آخر لا يمكن الإستغناء عنه في السينما. فإلى جانب روسيليني كممثلة، هناك الممثلة الألمانية نينا هوس، والمخرج الكندي غاي مادِن والمنتجة الأسترالية جان تشامبان والممثل الهندي أمير خان ومصممة الأزياء الأميركية ساندي باول.
كيف سيتم لهذه النخبة التي لا يجمعها الا المنهج العريض للعمل السينمائي، الإتفاق على الجوائز هو أمر لا يمكن معرفته طالما أن السجالات والنقاشات ستكون، كما الحال دائماً، منغلقة وستبقى سريّة. لكن السؤال جائز: غاي مادِن مخرج مستقل بأفكار مجنونة، أمير خان من صلب السينما الهندية التجارية، نينا هوس ممثلة موهوبة من منتصف التسعينات، أما المنتجة شامبان فهي تعمل بإختيارها مع المخرجة النيوزلندية جين كامبيون ذات الأسلوب المناهض تماماً لأسلوب غاي مادِن، ولو كان جعفر بناهي هنا لاكتمل التشرذم على الآخر.
لكن روسيليني لديها خبرة التأقلم والمثابرة والصبر الطويل. حين كانت في الثالثة عشر من عمرها أصيبت بمرض أسمه "الجنف" يُصيف خلايا الجسم فينهك البدن بأسره. لثمانية عشر شهراً بقيت تخضع للعمليات والمراحل الطويلة للإستشفاء ولجبس بحجم جسمها النحيل، قبل أن تخرج من التجربة وقد انتصرت على حالتها لتنتقل الى عرض الأزياء والتمثيل بعد سنوات قليلة.
إنها إبنة المخرج روبرتو روسيليني، أحد روّاد السينما الواقعية الجديدة في إيطاليا من الممثلة الأميركية إنغريد برغمن. هي نصف توأم (ولدت قبل شقيقتها إيزوتا بثلاثين دقيقة). وفي حين توجّهت إيزوتا حين كبرت الى الأدب الإيطالي فتعلّمته ثم درّسته، جذبت الأضواء إبنة السينما اليها عن طريق عرض الأزياء والعمل مع شركات الدعاية للمساحيق. في سنة 1976، حين كانت في الرابعة والعشرين من عمرها، التحقت بوالدتها التي كانت على أهبة التمثيل في فيلم درامي من إخراج المعروف فنسنت مانيللي بعنوان "مسألة وقت". كانت أقل الممثلين، وبينهم لجانب والدتها ليزا مانيللي وتشارلز بوير وفرناندو راي، شهرة. لكنها لفتت الأنظار ما جعلها تبقى في الوسط الفني منذ ذلك الحين والى اليوم.
لم تمض الا سنوات قليلة حتى وجدناها في بطولة فيلم "ليالي بيضاء" لتايلور هاكفورد لاعبة دور صديقة راقص الباليه ميخائيل بارشينكوف في قصّة هروب من خلف الستار الأحمر للنظام الشيوعي الى الحرية. ورد هذا الفيلم الدعائي سنة 1985 وحقق نجاحاً لا بأس به علي المستوى التجاري، لكن الفيلم الذي أنجز لها خدمة فنية لائقة كانت فيلم ديفيد لينش المثقل بالإيحاءات الغامضة والأجواء الساخرة والداكنة معاً "مخمل أزرق" لجانبها في الأدوار الرئيسية دين ستوكوَل وكايل مكلاكلن ودنيس هوبر ولورا ديرن وجميعهم أمّوا العرض الذي أقيم للفيلم في مهرجان كان السينمائي سنة 1986
وبعد أربع سنوات ظهرت في فيلم آخر للينش هو "قلوب طائشة" او حسب عنوانه الأصلي  Wild at Heart
ما بين الفيلمين مثّلت ايزابيللا ستة أعمال  ايطالية وأميركية، لكن أيا منها لم يحقق نجاحاً مميّزاً. وهذا استمر لما بعد "قلوب طائشة" ليس لأنها ليست موهوبة الإداء، بل لأن المشاريع المسندة إليها لم تحفل الا نادراً بالمعالجة الفنية الصارمة التي تستطيع الإفادة منها كما الحال في فيلمي لينش المذكورين٠
لا يمكن بالطبع لقاء أي عضو في لجنة التحكيم لكن لو كان ذلك ممكناً لسألها الناقد عن فيلمها الذي انتهت من تصويره مؤخراً بعنوان "دجاج بثمر الخوخ"، ليس لعنوانه الغريب بل لأنها تؤدي فيه زوجة شخص إسمه ناصر علي (يقوم به ماثيو أمالريك)، وأحد ممثلي الفيلم هو الجزائري الأصل جمال دبوس. وهذا ليس كل جديدها، لديها فيلم تم تصويره في فرنسا بعنوان "ينوع متأخر" Late Bloomers
يقود بطولته الأميركي وليام هيرت وآخر كندي عنوانه "ثقب المفتاح" Keyhole
تم تصويره في كندا .... وهنا بيت القصيد: "ثقب الباب" من إخراج غاي مادِن .... أوه.... فما الذي يمكن لنا أن نستوحيه من هذه العلاقة المهنية؟ هل ستتمدد بإتجاه جبهة موحّدة، او أنهما أوعى من أن يدخلان في لعبة تراض مسبق؟
أفلام اليوم
 Almanya **
ألمانيا
إخراج:  ياسمين سامدريللي
تمثيل:  فيدت أرنسن، فخري ياردم، ليلايي هاوسر
كوميديا | تركيا | المسابقة

من المحتمل أن يكون اختيار فيلم "ألمانيا"  كان له وقع مفاجيء  على مخرجته التركية ياسمين سامدريللي، الا إذا كانت اعتقدت أنها حققت إنجازاً مهمّاً بالفعل. نعم هو فيلم يتعامل وأوجاع الهجرة والمهاجرين واختلاف الثقافات، ونعم لديها أفكاراً مثيرة للإهتمام في هذا الخصوص كما في طريقة وتوقيت المشاهد المثيرة للفكاهة، لكن الفيلم ليس فيلم مهرجانات ولا يجب أن يكو
بالنسبة لنقاد غربيين، فإن المرء يفهم حماستهم للفيلم على أساس أنه معالجة ترفيهية لموضوع مهم، وهو بالفعل كذلك، لكن هذا لا يعني بحد ذاته نجاحاً للمعالجة نفسها. القصّة التي كتبتها المخرجة نفسها تنتقل من الستينات الى اليوم وتعود الى الوراء ثم تتقدّم الى الأمام بسلاسة في بعض الأحيان، وعلى نحو قفزات غير مجدية في أحيان أخرى
بداية موفّقة مع مزج من لقطات تبدو موثّقة الى أخرى حيّة نتعرّف فيها على حسين (فيدت أرنسن) حال وصوله الى ألمانيا مهاجراً من بلدته الأناضولية، ثم ننتقل اليه في الزمن الحاضر وقد أصبح كبير السن يمنّي النفس بالعودة الى بلدته. في بداية الأمر يطرح موضوع البقاء مع عائلته الكبيرة التي تحتوي على أولاده وزوجاتهم وأحفاده كما على زوجته، لكنه لاحقاً ما يذكر أنه قصد تمضية الصيف فقط. من حفلة الغداء المعجوقة وذات التنفيذ المسرحي الى حكايته قبل وصوله الى ألمانيا أول مرّة وكيف أحب تلك المرأة التي تزوّج منها لاحقاً وأنجب. ثم الى الحاضر قليلاً، ثم الى تكملة الخط التاريخي حيث عودته من المانيا ليعود بزوجته، وأولاده الصغار الثلاث الى ألمانيا حيث يتم فتح فصل جديد هنا مع استمرار تناوب الأحداث. الفيلم يغطس تحت ثقل هذه التنقلات بالتدريج حتى إذا ما انتقل لمواصلة حكاية قرار حسين العودة بأسرته الواسعة في الزمن الحالي الى تركيا، هبطت الوتيرة ومضى الجزء ما قبل الأخير من الفيلم كمتابعات باهتة التأثير. المجموعة المختارة من الممثلين جيّدين، خصوصاً بالنسبة لشخصيّتي الجد وزوجته. وهناك -في النصف الأول من الفيلم- تقع أفضل الملاحظات بالنسبة للإختلاف الثقافي بين الأتراك المسلمين والألمان المسيحيين بعضها على شكل كابوس يتراءى للجد في اليوم الذي سيحصل على جواز سفر ألماني، إذ يحلم بأن المسؤول عن تسليم جوازات سفره يقول له: "من الآن وصاعداً سيكون عليك أن تشرب البيرة وتأكل لحم الخنزير مرّتين في الأسبوع" ثم يقدّم للتركيين صحنين من اللحم فيتردد في حين لا تمانع زوجته الطعام على أساس حماسها لنيل الهوية الألمانية. مشهد طريف يخدم تعليقاً تركياً على الفواصل الإجتماعية التي يتعرّفون إليها في حياتهم الغربية٠
احتمالات الفوز: دون المعتدلة على عكس فيلم "عسل" التركي (بكل أحداثه) الذي نال ذهبية مهرجان برلين في العام الماضي٠


الجائزة |  The Prize **
إخراج: باولا ماركوفيتش
تمثيل:  باولا غالينيللي هرتزوغ، لورا أغوريكا
المكسيك/ بولندا/ ألمانيا - المسابقة

يقوم هذا الفيلم على ملاحظة تفاصيل كثيرة وعلى نحو دائم. رغم ذلك، فإن أحد أهم نقاط ضعفه هو أن تلك التفاصيل (الواقعية) ليست واقعية تماماً. المخرج ماركوفيتش تعيش في المكسيك حالياً، لكن فيلمها الذي يحمل أعلام دول كثيرة (ولو أنه مقدّم بإسم المكسيك) يتحدّث عن تجربة عايشتها حين كانت في السابعة من عمرها ولجأت ووالدتها الي الشاطيء هرباً من حكم العسكر في تشيلي حيث وُلدت.
إنه حول أم (أغوريكا) وإبنتها الصغيرة (هرتزوغ) اللتان تعيشان، لسبب يتم الكشف عنه لاحقاً، على شاطيء أرجنتيني معزول وكئيب. والكآبة هنا شرط مفروض على الفيلم ويؤدي دوره في هذا النطاق وبالتلاؤم مع كم من الكآبة التي يتم تقديم الأحداث من خلالها من دون تمييز. على ذلك الشاطيء، هيكل لبيت مهجور اتخذته الأم منزلاً. الهواء يصفع النوافذ والباب مرتفع عن الأرض ما يسمح بالمطر النفاذ الى داخل البيت والأثاث أقل من بسيط. سنعلم لاحقاً أن المرأة هاربة من الفاشيين (خلال السبعينات ولو أن الفيلم لا يذكر ذلك صراحة) وأن زوجها (أب الفتاة) لابد أنه قُتل. لكن حين تبدأ الفتاة بالإلتحاق بمدرسة قريبة تتفق معها والدتها على أن لا تذكر شيئاً عن أبيها. وتختلق الفتاة حين يتم سؤالها كذبة مفادها أن والدها يعمل في بيع الستائر، وأمها ربّة بيت.  لاحقاً ستحكي الفتاة لأمها كيف كذّبت على الصف وكيف صدّقت المعلّمة والتلاميذ الكذبة، ثم ولنحو دقيقة كاملة تبدأ ضحكاً يخرق الآذان من دون أن نستطيع مشاركتها السبب او نعرف ما المقصود بإطالة توقيته٠
والكثير من المشاهد هي أيضاً طويلة ولا تقول شيئاً (مفيداً او غير مفيد)، مثل ذلك المشهد الأول الذي نتابع فيه لنحو أربع دقائق الفتاة ذاتها وهي تمشي على الشاطيء، ثم كل تلك المشاهد الساحلية الأخرى بعدما تعرّفت الفتاة على صديقة من عمرها وأخذتا تمضيان الوقت في اللعب والإستلقاء على الرمال. كل تلك المشاهد وسواها هي مجرد كاميرا مفتوحة من دون استقبال فاعل او مهم. يمر المشهد والفيلم بكامله بعد ذلك مسطّحاً ولولا أنه صرخة  ضد الفاشية لما كان لديه أي شيء يمنحه باستثناء حسن إدارة مخرجته لممثليها صغاراً وكباراً. لكنها صرخة لا تصل  الا على نحو مركّب وبشق النفس. ولجانب أن مشاهد كثيرة ضائعة سدى فإن المخرجة  تخفق في ناحيتين رئيسيّتين الأولى تتمثل في طريقة استخدام الصوت فإذا هو مفتعل ومضج وأحياناً ما يصدر عن أشياء غير معروفة، والثانية في رسم حدود مكانية لما يدور. لا أحد يعرف أين موقع المدرسة من الشاطيء وفقط بعد نحو نصف ساعة نكتشف موقع البيت من البحر. الأدهى أن الدقّة ليست من مميّزات هذا الفيلم ففي مشهد ماطر بشدّة تقف المدرّسة تحت المطر من دون نقطة ماء واحدة تسقط عليها. شعرها وملابسها ووجها لا يزالان جافّين علماً بأنها لا تقف تحت مظلة.  كذلك ليس معروفاً لماذا على المدرسة أن تكون صفّا واحداً وملعباً. تركيبة لا تختلف في الديكور والمواصفات عن المنزل نفسه. كل ذلك يدفع الفيلم الى لون واحد ويفقده صدقيّته تماماً٠
إحتمالات الفوز: ضئيلة وما دون٠

سنوات برلين: 1979

عام الأزمة

  أزمة كبيرة وقعت في هذا العام عندما أعلنت الدول الشيوعية انسحاباً جماعياً احتجاجاً على فيلم مايكل شومينو "صائد الغزلان". الحكاية وما فيها أن الفيلم احتوى، كما يعرف من شاهده، على مشاهد اعتبرها السينمائيون والمسؤولون الروس مساساً بالتضحيات التي قدّمها الشعب الفييتنامي ضد "الإمبريالية الأميركية". المشاهد المذكورة اعتبرت عنيفة وقاسية حتى بين النقاد الأميركيين لكن دول المنظومة الشرقية في أوروبا اعتبرت أن بقاءها في برلين أمر لا يمكن القبول به فانسحبت هي وأفلامها ما جعل الدورة واحدة من أقل دورات المهرجان فاعلية٠
مدير المهرجان وولف دونر، الذي كانت هذه السنة آخر سنوات عمله، واجه اختيار أن يستجيب للضغط فيسحب "صائد الغزلان" من العرض، او يرفض ذلك فيسحب الروس والألمان الشرقيون والبلغاريون والبولنديون والمجريون أفلامهم.
لم يفز فيلم شيمينو بالذهبية بل نالها فيلم بعنوان "ديفيد" يعلّق على فييتنام من زاوية إنسانية.  من بين الأفلام الأخرى التي عرضت في الدورة التاسعة والعشرين
"حب مستعجل" لفرنسوا تروفو (فرنسا)، "عرس ماريا براون" لراينر فرنر فاسبينذر (ألمانيا)، "إرنستو" لسلفاتوري سامبري (إيطاليا)، "هاردكور" لبول شرادر (الولايات المتحدة) والفيلم المصري "الإسكندرية ليه" ليوسف شاهين٠
أفضل ممثل: ميشيل بلاسيدو عن "أرنستو" وأفضل ممثلة الألمانية هانا شيغولا عن "عرس ماريا براون٠
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2006- 2211٠




Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular