Feb 11, 2011

مهرجان برلين السينمائي - الحلقة الثانية

YEAR  4 | ISSUE 626

مهرجان برلين السينمائي الدولي - 2
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللقطة الأولى | فرحة العيد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 بعد سنوات على انهيار الجدار العازل بين شعبي وطن واحد، لا يزال السفر من لوس أنجيليس الى برلين يمر عبر مطار في بلد ثالث. تستطيع أن تختار أي شركة طيران. تستطيع أن تختار أيضاً أي مدينة أوروبية لكي تكون محطتك الأوروبية الأولى قبل أن تستقل طائرة أخرى مطار تاغل البرليني الدولي.
لماذا؟ لا أملك الجواب لكنه سؤال مهم. الأهم هو الواقع: حضرت برلين مراراً وتكراراً وذلك من قبل توحيد المدينة والدولة وما بعدها، والإنتقال دوماً كان: مباشرة من عاصمة أوروبية وغير مباشر إذا كان الإنطلاق من الولايات المتحدة.
إذ وصلت الى مطار زيورخ قبل 40 دقيقة من الموعد المفترض للوصول (أمر نادر) وجدت الوقت للتفكير في كل تلك السنوات الأربع والثلاثين التي داومت فيها (بإستثناء ثلاثة أعوام متفرّقة) على المجيء الى هذا المهرجان من أيام ما كان المهرجان يدعو الصحافيين الى هذه الأيام حيث الميزانية ما عادت تكفي لكل هذا الكرم. ومن أيام ما كان المرء يمشي من فندقه الى دار العرض وسط البلد، الى حين تم بناء القصر الجديد الذي ترفرف عليه أعلام الدول المشاركة تتبلل بالمطر سنة وبالثلج سنة أخرى. وجدت أنني لابد أنني شاهدت مئات الأفلام في برلين (ومئات أخرى في "كان" و"فنيسيا") وحاولت أن أحسب لكني توقّفت سريعاً. ربما الموضوع بحاجة الى كتاب. أما الآن فعيد سينمائي آخر ينطلق وعلي اللحاق بالخطوط السويسرية لكي تنقلني الى هناك على الوقت او قبله بأربعين دقيقة٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دورة برلين الحالية تكرّس سينما الأبعاد الثلاثة كتعبير فني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
My Best Enemy.jpg  أفضل أعدائي
 لا يمكن بالطبع إقامة مهرجان كبير كهذا المهرجان في بلد يزخر بالصناعة السينمائية تاريخاً وحاضراً، ويعيش وضعاً إقتصادياً مزدهراً يجعله الأول أوروبياً، حسب تصنيف "الإيكونوميست" مؤخراً، من دون أن يقدّم تظاهرة خاصّة بالسينما الوطنية.
لكنها تظاهرة حديثة نسبياً، فالدورة الحادية والستين الحالية، تشهد المناسبة العاشرة فقط لتظاهرة "تظاهرة السينما الألمانية" ما يعني ذلك أن السنوات السابقة للعام 2000 اكتفت بتقديم الأفلام الألمانية وسط المسابقة او في عروض التظاهرات غير المتخصصة الأخرى (فورام، بانوراما الخ...).
لكن منذ أن أخذ المهرجان بتخصيص عرض خاص يتضمّن أفضل ما تم إنتاجه محلياً من أفلام والمتابع صار قادراً على رصد حركة الفيلم الألماني كما لم يستطع من قبل.
هذا العام  هناك مساحة كبيرة من المواضيع التي ينهل منها السينمائيون الألمان مواضيعهم: بعضهم لا يزال يفكّر في الوضع الذي كان ماثلاً حين كانت البلاد منقسمة. آخرون يتحدّثون على عن شؤون اليوم وحدها، لكن سواء أكان الفيلم ينتمي الى الأمس او الى اليوم، فإن السينما الألمانية تتمتّع حالياً بنسبة إقبال كبيرة تنعكس على الدورة الحالية، ليس في إطار هذه التظاهرة فحسب بل أيضاً في إطار المسابقة الرسمية أيضاً.
Almania ألمانيا

ياسمين سامدريللي، مخرجة تركية تعيش في ألمانيا وتفكّر في تركيا، وحققت فيلماً مستوحى من الحالتين عنوانه "ألمانيا" يُعرض في نطاق العروض الرئيسية متناولاً حكاية رجل تركي أسمه حسين يلماز، هاجر الى ألمانيا مع عائلته في منتصف الستينات (حين كانت الهجرة مسألة حاسمة في حياة المهاجر والبيئة المحيطة به معاً). بعد أن عاش طويلاً ينتقل به الفيلم الى اليوم حيث يعبّر عن رغبته في العودة الى الأناضول ليعيش باقي حياته هناك. هذا سيخلق وضعاً تحيط به المخرجة من كافّة جوانبه الإجتماعية بأسلوب فكه.
فيلم ألماني مشترك مع فرنسا عنوانه "عدوّي المفضل" للمخرج وولفغانغ مورنبيرغر حول أحداث تقع تبدأ سنة 1943 حينما سقطت طائرة عسكرية تضم ضابطاً ألمانياً وإبن صناعي يهودي. كلاهما نجا من الموت لكن الأيام باعدت بينهما الى أن تم اعتقال اليهودي وإرساله الى المعسكر. يتدخل الضابط لإخراجه من هناك لكن الحكاية ستمتد لتشمل تبادل مواقع قوى خلال السنوات اللاحقة.
في المسابقة فيلم أولريخ كولر "مرض النوم" عن وقع الإنفصال الحاصل بين عائلة ألمانية تعيش وتعمل في الكاميرون (الزوج مسؤول عن مشروع محاربة "مرض النوم") وإبنتها تعيش في ألمانيا. الرجل مشغول دائم بعمله والزوجة تعيش عزلتها هناك وتتوق للعودة الى المانيا حتى ولو أدى ذلك الى انفصالها عن زوجها.
Pina |  بينا
هذه النماذج الثلاثة تأتي مختلفة الأساليب والإهتمامات، كذلك فيلم ڤيم ڤندرز الجديد "بينا" (او "بينا بينا بينا" كما عنوانه الألماني). المعروض في المسابقة بالأبعاد الثلاثة.
إنه عن مصممة ومدرّبة رقص باليه ومسرحي الألمانية  بينا بوش وحسب تصريح للمخرج المعروف فإنهما كانا قررا منذ سنوات بعيدة تحقيق فيلم عن مهنتها. حينما ماتت بينا في صيف العام 2009 قرر إحياء المشروع وجلب له راقصين مسرحيين معروفين لكي يقدّموا عروضاً كانت بينا صممتها. هذا وحده يبدو إنجازاً فنياً مهمّاً، لكن الجديد الذي يقوم به المخرج هو أنه يعمد الى تقنية الأبعاد الثلاثة ليقدّم من خلالها فيلما فنياً صرفاً، اي على عكس السائد حيث الفيلم المجسّد بات مطلباً للأفلام التجارية وحدها (تم عرض 22 فيلم بالأبعاد الثلاثة في العام الماضي وحده).
كما الأفلام المذكورة سيتم العودة الى هذا الفيلم خلال الأيام المقبلة، كذلك لبعض الأفلام الألمانية الأخرى المتكوّمة في عروض تظاهرتها الخاصّة. واحد من هذه الأفلام يبدو من بين الأفلام الإحدى عشر الأكثر استحقاقاً للإهتمام من تلك المعروضة في التظاهرة. إنه "الجائزة" لإلكي هوك التي كانت عاشت سنوات شبابها فيما كان يُسمّى بألمانيا الشرقية، وهي هنا تتذكر كيف كان الحال أيامها.
فيلم "التعليم" ينطلق بعيداً جدّاً متحدّثاً عن عالم صناعي مغلق على نفسه يعيش بين الحسابات والإلتزامات ما يؤثر على وضع بطله (جوزف باندشو) العائلي.
وعلى نحو إجتماعي أيضاً يحيط فيلم "زهور مثلّجة" لسوزان غوردانشيكان بوضع شاب من بوسنيا يعيش في ألمانيا كمهاجر غير شرعي وبالتالي فإن عمله غير قانوني. لكن المأزق الذي يجد المسؤولون أنفسهم طرفاً فيه هو أنه بعمله هذا تمكّن من مساعدة إمرأة ألمانية عجوز لم يشأ أولادها العناية بها.
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيلم | "الوِحدة النخبة 2" عن فساد البوليس٠

Elite Squad 2 ***
إخراج: جوزي باديلا
تمثيل: ووغنر مورا، إراندير سارتوس، أندره راميرو
برازيل- 2010
خارج المسابقة

هذا الفيلم المعروض في قسم البانوراما هنا، والذي عُرض سابقاً  خلال أيام مهرجان "سندانس" هذا العام، هو رحلة  مزدوجة واحدة يقوم بها المخرج الى موضوع فيلمه السابق الذي قطف نجاحات جماهيرية كبيرة، والثانية يقوم بها المشاهد الذي ربما قد يتطلّع الى الراحة بعيداً عن أفلام الهموم الجادة ذات الأساليب الفنية الشائكة.
الجزء الثاني هذا لم يتأخر عن تلبية احتياجات المخرج لنجاح جديد حيث فاقت مبيعاته من التذاكر ما حققه الفيلم الأول. هذا على الرغم أنه يبدو، في بعض  نواحيه، ترجمة لأي فيلم هوليوودي يدور حول قسم شرطة يحقق في جرائم غامضة. منوال الفيلم هو أن مبعث هذه الجرائم فساد الأجهزة البوليسية والسياسية في البرازيل، لكن هذا الجانب كَثر من خاض فيه من سينمائيي هوليوود وكوّن علامة فارقة في سينما كلينت ايستوود الأولى حين لعب بطولة "الفارض" في السبعينات: حكاية التحري هاري (المعروف بهاري القذر- نظراً لأساليبه غير الأكاديمية في مواجهة المجرمين) الذي يكتشف خلية بوليسية تقوم بتنفيذ عمليات الإنتقام من المجرمين الذين تطلقهم المحكمة نظراً لعدم وجود إدلّة٠
   هناك  نقطة لقاء آخر بين "المُجبر" لجيمس فارغو وبين "وحدة النخبة 2" هو أن كليهما جاءا ليبرهن عن براءتهما من تهم نسبت إليهما بعد فيلم سابق. فكلينت ايستوود كان قدّم شخصية التحري هاري في "هاري القذر" سنة 1971 اي قبل خمس سنوات من "المجبر". الأول، من إخراج دون سيغل حمل عبر موضوعه نوعاً من مباركة الحلول الفردية وتنصيب التحري كقاض وجلاد في نفس الوقت. كذلك الحال بالنسبة للجزء الأول من "وحدة النخبة" حيث كان الموضوع عن بطولة رجال البوليس في مواجهة الأشرار بكل وسيلة متاحة بما في ذلك التصرّف الفردي بعيداً عن البروتوكول القضائي.
الفيلم الجديد إذاً تراجع عن هذا المنحى يقوم به المخرج نفسه حتى لا يوصم بأي تبعية سياسية. هذه المرّة فإن بطله المنتمي الى وحدة عسكرية تقوم بمهام رجال البوليس حين تدعو الضرورة والعمليات المعقّدة يكتشف، وقد تم نقله الى وظيفة إدارية، أن الفساد مستشر في الجهاز الأمني لمدينة ريو دي جنيرو نفسه. الإكتشاف يؤدي به الى مجابهات متوقّعة، لكنها تبقى مثيرة، بينه وبين أكثر من شخص متضرر، بينهم سياسيون في الحكومة ورجال بوليس على حد سواء.
هناك حنكة في إدارة الأحداث وسرعة في الإيقاع وتشخيص عارف بالأمور. يستفيد الفيلم طبعاً من حقيقة أن الأحداث منسوجة من وقائع ليست بعيدة عما نراه. طبعاً لم يحلّها شخص مثل بطل الفيلم مورا، لكن مثل هذه الأفلام تحتاج الى بطل وهذا الفيلم ليس استثناءاً. مورا يقدم على العمل بإيمان جلي وهو نقطة وحيدة في العمل حين يأتي الأمر الى تشخيص وجود إنساني ما، أما الباقين فينتشرون في الزوايا أقرب الى الزينة منهم الى الفعل الحقيقي المنتظر.

نقد أكثر تحليلاً لعدد مقبل من : فيلم ريدر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رسالة جعفر بناهي الى برلين: "سأنتظر تجسيد أحلامي في أفلامكم"٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
‮وجه المخرج الإيراني جعفر بناهي يوم أمس  رسالة مؤثرة الى مهرجان برلين، وفناني السينما حول  العالم تحدّث فيها عن وضعه كسينمائي يرفض التراجع عن مبادئه كصاحب رؤية تود التعبير عن نفسها من خلال أفلامها. وفيما يلي مقتطفات:
"عالم السينمائي مميّز بقدرته على التداخل بين الواقع والأحلام. صانع الفيلم يستخدم الحقيقة كإيحاء ويلوّنها بألوان مخيّلته ويخلق بذلك فيلم هو عرض لأحلامه وآماله"

"الحقيقة هي أنني مُنعت من إخراج الأفلام خلال السنوات الخمس الماضية والآن رسمياً ممنوع من حقي في العمل لعشرين سنة أخرى. لكني أعلم أنني سأواصل تحويل أحلامي الى أفلام في داخل خيالي. أعترف أنني، كمخرج واعٍ إجتماعياً، لن أستطيع أن تصوير المشاكل اليومية التي تهم شعبي"

"في الواقع، لقد ضنّوا على حقي في التفكير والكتابة لعشرين سنة، لكنهم لن يستطيعون منعي من الحلم أنه بعد عشرين سنة سيتغيّر الظلم والقهر الى الحرية والتفكير المُشاع"٠

"لقد حكموا عليّ بعشرين سنة من الصمت. لكني في أفلام أصرخ لأجل الوقت الذي نستطيع فيه أن نتحمّل بعضنا البعض، ونحترم كل وجهة نظر الآخر، ونعيش من أجله".

"حقيقة الحكم عليّ أنني سأقضي ست سنوات في السجن. سأعيش للسنوات الست المقبلة على أمل أن آمالي سوف تتحوّل الى حقيقة. أتمنّى من رفاقي المخرجين في كل مكان من العالم أن ينجزوا أفلاماً عظيمة لكي استوحي، حين خروجي من السجن، الرغبة في الإستمرار والمشاركة في عالم من الأحلام التي تحدّثوا عنها".

"سأستسلم لحقيقة وضعي وللسجّانين، لكني سأنتظر تجسيد أحلامي في أفلامكم آملاً أن أجد فيكم ما حرمت منه"٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أرشيف برلين: 1977

The Ascent |  الصعود
‮كانت مرّتي الأولى والمرّة الأخيرة التي يقام بها المهرجان في الربيع. أتذكّر فرق الجاز عند المقاهي والسهولة الفائقة والتنظيم الدقيق معاً الموضوعان في خدمة الجميع. لم تكن الأمور معقّدة بالنسبة لناقد شاب جاء يحبو حباً في تلقّف السينما ومتابعة دراسته لها وللحياة من خلالها.
رئيس المهرجان حينها كان المبتسم دوماً وولف دونر الذي كان زار موسكو الغارقة في التقاليد المقيّدة وطلب بضعة أفلام لجلبها الى المهرجان، من بين تلك الأفلام شريط المخرجة الراحلة لاريسا شبتكو. قالوا له مستحيل. قال لهم: المستحيل هو أن أتراجع عن هذا الطلب. حتى المخرجة (التي ماتت بعد سنتين تقريباً في حادثة سيارة) لم تصدّق أنه فعل ذلك. الفيلم كان "الصعود": دراما عن الناس بعد الحرب يتضمّن نقداً للفترة الستالينية لا يمكن أن تفوت أحداً. ليس هذا فقط، بل ربح الفيلم جائزة مهرجان برلين الأولى وسط فرح الجميع تحية لمخرجة موهوبة عرفت كيف تقول لا بفن.
من الأفلام الأخرى التي عرضت واستقبلت جيّداً

"ربما الشيطان" لروبير بريسون (فرنسا)
"حفلة دون" لبيرس بيرسفورد (استراليا)
"أقنعة غريبة" لبال ساندور (المجر)
"الرجل الذي أحب النساء" لفرنسوا تروفو (فرنسا)
"نيكولوديون" لبيتر بوغدانوفيتش (الولايات المتحدة)
"العرض المتأخر" لروبرت بنتون (الولايات المتحدة)
"دوائر" لكريستو كريستوف (بلغاريا)
"بين الأسطر" لجوان ميكلن سيلفر (الولايات المتحدة)
"البُناة" لجورج فونز (المكسيك)


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2006- 2211٠


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular