Feb 10, 2011

يوميات مهرجان برلين | بناهي | مواضيع سياسية تفرض نفسها | فيلم الإفتتاح: عزم حقيقي

Year 4 | n. 625

يوميات مهرجان برلين السينمائي الدولي - 1
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا
اللقطة الأولى | بناهي حاضر وغائب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
، 
تم ارتكاب خطأ فاحش عندما صدر قرار بمنع المخرج اللامع جعفر بناهي من العمل لعشرين سنة وبسجنه لست سنوات ومنعه، بطبيعة الحال، السفر الى أي مكان، وهو الذي كان تم اختياره عضواً في لجنة تحكيم الدورة الحادية والستين من المهرجان الألماني الكبير. هذا كلّه لأنه كان على أهبة تحقيق فيلم، فما البال لو أنه حققه فعلاً؟ طبعاً الخلفية هي مواقفه المعادية للنظام الجائر القائم هناك وتعبيره عن مواقفه هذه من خلال أفلامه السابقة.
حين تم إلقاء القبض على بناهي للتحقيق معه، رفض مبدأ الخضوع للتحقيق أساساً. في الوقت ذاته، أي قبل نحو أربعة أشهر، تم القبض أيضاً على مخرج آخر، أقل شهرة، أسمه محمد رسولوف، الذي كان يستعد لإخراج فيلم جديد. وكان البوليس الأمنى ورجال المدّعي العام الذي أمر باحتجاز بناهي، يعتقد أن المخرجين يعملان معاً على مشروع رسولوف. لكن رسولوف أكد للمحققين أن المشروع مشروعه الخاص وليس لبناهي علاقة به. التحقيق رأي أن رسولوف تجاوب مع المحققين فقرر إطلاقه والسماح له بتصوير فيلمه (وهو ما سيقدم عليه المخرج خلال الأسابيع القليلة المقبلة)، أما جعفر بناهي، فإنها لم تستطع أن تعامله بالمثل نظراً لأنه رفض التجاوب معها والإجابة على اسئلتها مقرراً أنه مخرج يُحاكم من دون وجهة نظر وأن لا أحد يستطيع منعه من ممارسة عمله.
الحقيقة هي أنه لو لم تكن أفلامه السابقة، ومنها "الدائرة" و"ذهب قرمزي" و"تسلل" ، معمولة بذكاء وإيحاء  لكي تكشف ازدواجية نظام قائم على تشجيع القمع وحجر الحرّيات، ولو لم تشهد تلك الأفلام النجاح الذي استحقّته في عروضها العالمية لما كانت التهمة جاهزة والعقاب فادحاً.
صحيح أنه لا يزال طليقاً والقرار لم يتم تنفيذه بعد، ولو أن الجولة الثانية قادمة لا محالة، الا أن المسألة ما عادت جعفر بناهي ومحمد رسولوف، بقدر ما هي كل تلك العثرات التي تضعها الدولة ضد نفسها فتبدو، كما الحال في برلين الآن، مدانة بأفعالها حيال مخرجيها ومثقّفيها ومبدعيها.
والمثير للإعجاب في شخص هذا المخرج وللعجب في شخوص محاكميه، أنه كان تلقّى عرضاً بترك البلاد أسوة بالمخرجين عبّاس كياروستامي ومحمد مخملباف (وكلاهما أقل منه إجادة ولو أن ذلك موضوعاً آخر) اللذان يعيشان حالياً في المنفى الفرنسي، لكن المخرج أصر على أنه لا يريد ترك وطنه وأنه يريد أن يستمر في تحقيق أفلامه فيها.
في برلين  الحالي، جعفر بناهي حاضر رغم غيابه ليس لأن المهرجان قرر عرض "تسلل" ويضعة أفلام أخرى من أعماله فقط، بل لأن العالم كله بات يتحدّث عن هذا الثمن الباهظ الذي يصر النظام فرضه على المثقّفين إذا فكّروا والمبدعين إذا ما ترجموا أفكارهم الى نتاجات فنية هي في مصاف ما لا يمكن المس به في العالم المتحضّر. هذا على الرغم من أن بناهي حذر في استفزاز الحكومة الإيرانية ولم يشأ الإتصال بالصحافيين الأجانب او استثمار الإهتمام الإعلامي الكبير حوله حتى لا يزيد الوضع المفروض عليه سوءاً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الدورة الحادية والستون من مهرجان برلين السينمائي تجمع بين 
الفن والسياسة  أرادت او لم ترد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Coriolanus. كوريالانو لرالف فاينس: شكسبير السياس
إذ تنطلق الدورة الحادية والستون من مهرجان برلين السينمائي الدولي في العاشر من هذا الشهر (وحتى العشرين منه) فإن مطراً من الملاحظات  والتوقّعات يهطل على اولئك الذين يأخذون من الحياة عطلة يقضونها في عتمة الصالات.
وفي مقدّمة الملاحظات ما يتعلّق بحقيقة كونه يُقام في مدينة كاملة وليس منتجعاً او بلدة صغيرة.  بين ثلاثة آلاف مهرجان سينمائي ونيّف، تُقام بلا توقّف طوال العام، هناك عشرة يمكن اعتبارها بالغة الضرورة. لا حياة للسينما من دونها. ومن بين العشرة هناك ثلاثة هي أكبر وأهم هذه المهرجانات العشرة وأكبرها عمراً أيضاً هي برلين في مطلع العام، كان في مطلع الصيف وفنيسيا في مطلع الخريف.
وفي حين أن مهرجاني "كان" و"فنيسيا" يؤكّدان، مع مجموعة أخرى من المهرجانات المعروفة، مثل سان سابستيان ولوكارنو وكارلوفي فاري وسندانس، أن المهرجانات الناجحة هي تلك التي تُقام خارج العواصم الرئيسية حول العالم، فإن برلين من بين إثنين او ثلاثة (يمكن التفكير بتورنتو ودبي) التي تؤكد العكس. فبرلين هي عاصمة أوروبية كبيرة وكونها تضم واحداً من أكبر مهرجانات العالم وبنجاح متواصل منذ ستين سنة، يكسر تلك القاعدة ويحوّلها الى مجرد نظرية.
نجاح برلين عاماً بعد عام، وقد واصل هذا الناقد حضوره من العام 1978 وصاعداً، ليس بدوره صدفة. أيام ما كانت المدينة منقسمة الى نصفين، واحد بارد ومنتعش في الجزء الغربي، والآخر بارد ومنقبض في الجزء الشرقي، بلور المهرجان أهميّة خاصّة على أساس أنه ملتقى سينما الشرق والغرب معاً. تلك الأفلام التي عُرضت في رحابه، على تلك الشاشة الكبيرة وسط المدينة (وليس بعيداً عن جدارها) جاءت من مختلف البلدان الأوروبية (كما من أرجاء العالم المختلفة). أوروبياً، حفلت بأفلام من المجر وبولندا وألمانيا الشرقية والإتحاد السوفياتي لجانب تلك الألمانية الغربية والفرنسية والإيطالية وباقي البقاع المنتجة في أوروبا المتحررة.
أهمية هذا اللقاء كمن في الفرصة المتاحة أمام النقاد والجمهور على حد سواء مشاهدة كيف يفكّر السينمائيون في الشرق الأوروبي وكيف يعبّرون عن أفكارهم وإذا ما كانوا استطاعوا بث مضامينهم الخاصّة والمختلفة عن السائد في بلادهم أم لا. والكثير من تلك الأفلام اختلفت وتميّزت وتجرأت وبل خرجت بجوائز، يحضرني منها الآن فيلم  الروسية لاريسا شوبتكو "الصعود" وفيلم الألماني (الشرقي) الراحل أيضاً كونراد وولف "
 Solo Sunny صولو صَني
حين انهار الجدار العازل (1961-1989) بين جزء متحرر وآخر أشبه بالمحتل، تساءل كثيرون عن مستقبل المهرجان وقد بدا أنه فقد دوره ذاك. لكن المهرجان الألماني برهن عاماً بعد عام خلال السنوات اللاحقة عن أنه كان بنى من المكانة ما لا يمكن معه إلغاء قيمته وأهميّته.

أكثر من ذلك، أنه في حين بدا أن العالم مقبل على عصر جديد ستتضاءل فيه السياسة بعدم وجود دواعي لمجابهات بين الشرق والغرب بعد ذلك الحين، وجدنا مهرجان برلين خير دليل على أن السياسة، بكل أبعادها واتجاهاتها، لا زالت حيّاً يُرزق (للأسف) وأنها لا زالت المحور الذي يدور العالم من حوله.
هذا الدليل زار المهرجان مرات ومرّات منذ ذلك الحين والى اليوم. في كل مرّة عمد مخرج الى إنجاز فيلم جيّد يتعرّض لقضية من تلك المعاشة من حولنا، فإن برلين (أكثر من سواه بين المهرجانات التي تحفل بالعروض العالمية الأولى) هو الوجهة الرئيسية التي تفوز بعرض هذا الفيلم. حتى إذا ما كان الأمر يعتمد على صدفة الروزنامات الإنتاجية وموعدها من العام، فإن المرء لا يستطيع الا وأن يرى بوضوح أن نصيب مهرجان برلين من الأفلام التي تناقش الأوضاع السياسية هو أكثر من نصيب المهرجانات الرئيسية الأخرى.
وكما نقلنا في العام الماضي تلك الأفلام التي تعاملت ومواضيع سياسية واجتماعية متعددة، فإن المنتظر هذا العام هو مزيد من تلك الأفلام الباحثة في هذه المضامين الشائكة، مثل "عفو" لبوجار أليماني (ألبانيا) و"غائب" لماركو برغر (أرجنتينا) و"صُنع في بولندا" لبرمجلوف ووجيزيك (بولندا) و"كوريولانوس" لرالف فاينس (بريطانيا)، وهو تطوير لمسرحية وليام شكسبير قام الممثل المعروف (في فيلمه الأول خلف الكاميرا) بنقلها الى العصر الحالي.  وهذا فقط من بين مجموعة المسابقة التي يبلغ عددها ستة عشر فيلماً.
في مجمله، سيعرض الفيلم أكثر من 400 فيلم، تم إختيارها من بين ألوف الأفلام التي تقدّمت للإشتراك به. والرقم المتوقّع لعدد الذين سيدخلون الصالات لمشاهدة هذه الأفلام هو 450 ألف مشاهد أكثر من نصفهم من الجمهور "العادي" الذي يشتري تذاكره. هذا الرقم مبني على مبيعات العام الماضي من التذاكر الذي وصل الى 274 ألف تذكرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيلم الإفتتاح: "عزم حقيقي": ذات مرّة في عالم فسيح ووحشي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
True Grit   عزم حقيقي
 True Grit ***
‮إختيار مهرجان برلين للفيلم الجديد للأخوين جووَل وإيثَن كووَن، "عزم حقيقي" يحتوي على قدر من التقدير الخاص لسينمائيين استطاعا استحواذ إعجاب النقاد والمثقفين بسلسلة من الأعمال المصنوع غالبها بذكاء وعين على المكان والسلوك الشخصي لأبطالها. ومع إعلان مهرجان "كان" السينمائي عن أن فيلم وودي ألن المقبل "منتصف الليل في باريس" سيفتتح دورته المقبلة، وقيام مهرجان فنيسيا الأخير بافتتاح دورته في أيلول/ سبتمبر بفيلم "بجعة سوداء" لدارون أرونوفسكي، تكون ظاهرة الإفتتاح الأميركي للمهرجانات الرائدة الثلاث قد اكتملت.
»‬عزم حقيقي‮« ‬هو فيلم وسترن سبق للمخرج لمتمرّس هنري‮ ‬هاذاواي‮ ‬ أن أخرجه سنة 1969 من بطولة جون واين في‮ ‬دور روبرت روستر كوغبيرن المارشال الذي‮ "‬لا‮ ‬يدخل الخوف عقله‮" ‬على حد وصف أحدهم له والذي‮ ‬تطلب منه الفتاة ماتي‮ ‬روس‮ (‬كيم داربي‮) ‬القبض على قاتل أبيها توم تشايني‮ (‬جف كوري‮) ‬الذي‮ ‬التحق بعصابة‮ ‬يرأسها ند بَبر‮ (‬روبرت دوڤول‮). ‬روستر كوغبيرن‮ ‬يوافق على مضض على أن‮ ‬يقوم بالمهمّة وحده،‮ ‬لكن ماتي‮ ‬تصر على أن تصحبه‮. ‬معهما في‮ ‬المغامرة الشاب لابيف‮ (‬غلن كامبل‮) ‬الذي‮ ‬يريد القبض على توم لأسباب أخرى‮. ‬الفيلم تألّف من رحلة الثلاثة في‮ ‬براري‮ ‬الغرب‮.‬
في‮ ‬الترجمة السينمائية الجديدة،‮ ‬يقدم الأخوين كووَن على النهل من الرواية وليس من الفيلم،  ‬لكن كون الأصل أيضاً‮ ‬اعتمد الرواية من دون كثير تعديل،‮ ‬فإن النتيجة شبه واحدة سواء استلهم الأخوين الكتاب او الفيلم‮ (‬يؤكدان أنهما شاهدا فيلم هاذاواي‮ ‬حين كانا صغيرين فقط‮).‬
جف بردجز في‮ ‬شخصية روستر‮  (‬وبعصبة سوداء أيضاً‮ ‬كما حال الشخصية في‮ ‬الرواية والفيلم السابق‮) ‬وهايلي‮ ‬ستاينفلد في‮ ‬دور الفتاة بينما‮ ‬يؤدي‮ ‬مات دايمون دور لابيف‮. ‬الملخص أعلاه‮ ‬يصلح تماماً‮ ‬لإيجاز أحداث نسخة كووَن لأن المتغيّرات قليلة‮. ‬لكن النبرة مختلفة تماماً‮. ‬فيلم هاذاواي‮ ‬كان احتفائياً‮ ‬بالممثل واين وبالوسترن كنوع أدمن واين عليه حتى أصبح هو تعبيراً‮ ‬عنه‮. فيلم الأخوين كووَن بلا إحتفاء على الإطلاق‮. ‬حتى التغني‮ ‬بالغرب الأميركي‮ ‬كنوع سينمائي‮ ‬أمر‮ ‬غير وارد‮. ‬عالم الأخوين كووَن هنا مؤلّف من سرد ملتزم بالحكاية من دون نوستالجيا او تعبير من أي‮ ‬نوع سوى تلك البرودة الساخرة التي تتسرّب مثل جدار يشح بالماء،  وهذا سيء لمتلق كان الوسترن بالنسبة له نوعاً ‬من المعايشة وجدانياً‮ ‬مع عصر ولّى ولا‮ ‬يزال مثيراً‮ ‬للإهتمام كتاريخ وكبيئة زمنية واجتماعية‮.‬
يؤم الشقيقان كووَن الوسترن بأقل قدر من المرجعية‮. ‬إذا كان لابد،‮ ‬فهو بالتأكيد شبيه بأفلام وسترن السبعيناتية من حيث التشكيل اللوني‮ ‬للتصوير والتشكيل السلوكي‮ ‬للشخصيات‮. ‬وهو رصين ومُلاِحظ لكنه ليس ثقيلاً‮ ‬ولا تفصيلياً‮. ‬وأسلوب العمل هو‮ ‬غير استعراضي‮ ‬وغير مبهر بحد ذاته وفي‮ ‬وقت واحد‮. ‬الناحية الأولى جيّدة،‮ ‬الثانية ‬عامل آخر مفقود في‮ ‬هذا الفيلم الذي‮ ‬يمر بهدوء نهر صغير‮  و-أحياناً- بملله٠
لكن  ‬اعتماد المخرجين على الرواية من دون تدخّلات من جانبهما لجذب الفيلم في‮ ‬أي‮ ‬إتجاه أمر‮ ‬يساعدهما على إتقان تنفيذ الفصول من حيث التأليف اللغوي‮ ‬لمشاهد كل فصل‮. ‬خذ مثلاً‮ ‬الفصل الذي‮ ‬يستمر لخمس دقائق والذي‮ ‬نتابع فيه دخول الفتاة الباحثة عن روستر كوغبيرن الى المحكمة حيث تتم محاكمته بتهمة قتله عدداً‮ ‬من أفراد أسرة واحدة‮. ‬لاحظ كيف أن المخرجين في‮ ‬البداية بنيا الفصل عليها في‮ ‬مطلع الأمر‮. ‬حركتها الى داخل القاعة وملاحظتها الجميع وأماكن كل منهم وسماعها ما‮ ‬يدور‮. ‬إذ تتقدّم في‮ ‬القاعة بحثاً‮ ‬عن مكان تستطيع أن تشاهد منه كل شيء،‮ ‬خصوصاً‮ ‬روستر،‮ ‬تتحرّك الكاميرا تلقائياً‮ ‬لتكشف عما تراه‮. ‬بعد ذلك،‮ ‬تنصرف عنها لكي‮ ‬تتابع الحوار بين روستر ومحاميه‮. ‬لقطات متبادلة بين الشخصين بعد أن‮ ‬ينتقل التنفيذ من اللقطات البعيدة المتوسّطة،‮ ‬الى لقطات متوسّطة لكل منهما على انفراد‮. ‬المنوال نفسه بين روستر والمدّعي‮ ‬العام مع اختلاف في‮ ‬زوايا اللقطات من قبل العودة الى الفتاة قبل انتهاء الجلسة‮. ‬كل ذلك بيسر شديد وتوظيف صحيح للمكان ولما‮ ‬يرد في‮ ‬المشهد للتغلّب على الحوارات الطويلة المصاحبة‮.‬
لاحقاً،‮ ‬في‮ ‬مكان ما وسط الفيلم،‮ ‬ينتهج الأخوين تقسيماً‮ ‬لغوياً‮ ‬آخر‮: ‬روستر وماتي‮ ‬على حصانيهما في‮ ‬منطقة شجرية‮. ‬الكاميرا تتحرّك وراءهما ببطء‮ ‬يماثل بطء تقدّمهما الى منطقة جديدة،‮ ‬ثم تنتقل الى امامهما لتتراجع عنهما بذات البطء‮. ‬هنا‮ ‬ينتبه روستر على أن هناك شيئاً‮ ‬خطأ في‮ ‬المكان‮ ‬يتوجّب الحذر منه‮. ‬بذلك تكون الكاميرا واكبت الإحساس قبل بدايته حتى تتيح للمشاهد الشعور به‮. ‬حزء كبير من نجاح المهمّة‮ ‬يعود الى مدير تصوير الأخوين كووَن المفضّل‮ (‬والدائم‮) ‬روجر ديكنز‮.‬
بمراجعة الكتاب‮ (‬الذي‮ ‬أعيد طبعه بمناسبة الفيلم‮) ‬ندرك كم كان الشقيقان أمينان حيال الحوار الوارد في‮ ‬النص الأصلي‮ ‬خصوصاً‮ ‬وأن الكاتب بورتيس كان ذكياً‮ ‬في‮ ‬استخدام حواره‮. ‬ما‮ ‬يخفقان به هو شحن الأزمات الواقعة بين الأطراف الثلاثة بقدر من الحرارة‮. ‬بسبب ذلك،‮ ‬فإن الحوار المتبادل بين شخصية جف بردجز وشخصية مات دامون دائماً‮ ‬أقل أهمية مما‮ ‬يبدو عليه الأمر في‮ ‬الوهلة الأولى‮. ‬المشاهد ذاتها بينهما لا تبدو طبيعية بين رجلين من ذلك العصر كل منهما‮ ‬يدّعي‮ ‬أنه مقاتل أفضل من الآخر‮. ‬النتيجة هي‮ ‬أنهما‮ ‬يبدوان أقرب الى إمرأتين عجوزتين تتناوبان الردح كل للأخرى خصوصاً‮ ‬في‮ ‬مشهدين ضعيفين للغاية‮: ‬المشهد الذي‮ ‬يهزأ روستر كوغبيرن من لابيف،‮ ‬وذاك الذي‮ ‬يتنافسان فيه على إصابة أهداف طائرة‮. ‬وهما مشهدان وردا على بعد ثلث ساعة كان الفيلم خلالها قد‮ ‬غطس في‮ ‬مستنقع راكد لم‮ ‬يخرج منه الا قبل نحو ثلث ساعة من نهايته‮.‬


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2006- 2211٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular