Jan 15, 2011

جوائز الغولدن غلوبس | السينما المصرية الجديدة | عودة غودزيللا | نيكول كيدمَن | سينما روبرت ألتمن- الحلقة 2

Year 4 | Issue 622

    هذا     العدد

ترشيحات الناقد وتوقّعاته لجوائز
الغولدن غلوبس 
.......................................................
تقاريرالخط الواقعي الثالث في السينما المصرية:
العيساوي، دياب، عبد الله، خوري وبطوط
غودزيللا جديد لتجديد تاريخ الوحش الياباني على
الشاشة
......................................................
لقاء  | نيكول كدمَن تعترف بأخطاء الأمس وتفتح
صفحتها الجديد خلال حديثها مع محمد رُضا
......................................................
سينما روبرت ألتمَن  |  "ماش" لم يكن مجرّد فيلم
مميّز للمخرج، كان كوميديا سوداء عن الحرب.
أي حرب٠



 من سيفوز ومن سيلوذ في سباق الغولدن غلوبس الليلة؟

نظرة عامّة
اليوم الأحد تعلن في حفل كبير نتائج ترشيحات جوائز الغولدن غلوبس التي تقيمها جمعية مكوّنة من
نحو 87 ناقد وصحافي يراسلون أكثر من 50 صحيفة ومجلة حول العالم.  بعض الصحف التي أمثّلها من بين المطبوعات المعتمدة في هذا الجسد الصحافي الذي سابقاً ما اعتبرته بعض هوليوود دخيلاً عليها، أما الآن فتنظر إليه كأحد أهم المناسبات السينمائية السنوية. ومع أن الجائزة لا تملك الشهرة ذاتها التي يتمتّع بها الأوسكار، الا أنها تسببت في وجع رأس مزمن للجائزة الأولى من حيث الإنتشار كون الكثير من نتائج الغولدن غلوبس ما هي الا مؤشر مؤكد لما ستأتي به نتائج الأوسكار ما يجعل أكاديمية العلوم والفنون السينمائية (راعية الأوسكار) تشعر بأن الغولدن غلوبس يخطف منها حس المفاجأة
بعيداً عن هذا الجانب، فإن ما يميّز الغولدن غلوب تعدد فروعه السينمائية والتلفزيونية. ويتبدّى ذلك من خلال المسابقات الخاصّة بالأفلام فهناك خمس مسابقات تخص هذا الجانب هي: أفضل فيلم روائي درامي، أفضل فيلم روائي كوميدي او استعراضي،  أفضل فيلم أجنبي، أفضل فيلم أنيماشن، وأفضل فيلم مصنوع للتلفزيون.
كل واحد من هذه المسابقات يشمل خمسة أفلام تم اقتراحها للمنتسبين لكي يختاروا الفيلم المفضّل لديهم ومجموع الأصوات الخاصّة بكل فيلم سيحدد الفيلم الفائز. إذا ما نظرنا الى مسابقة أفضل فيبلم درامي فإن المنافسة شديدة بين  الأفلام الخمسة  من دون  تفريق: وهي "خطاب الملك" و"البجعة السوداء" و"الشبكة الإجتماعية"  و"المحارب" و"بداية".
الأمر أسهل توقّعاً بالنسبة للأفلام المتنافسة على جائزة أفضل فيلم كوميدي، إذ يبدو أن "أليس في أرض العجائب" هو الذي يقود الدفّة. إن لم يفز هو فلربما فاز "الأولاد بخير" او »برليسك"٠
على صعيد أفضل فيلم أجنبي، فيلمان يبرزان أكثر من سواهما: "بيوتيفول" الأسباني المكسيكي و"الحافة" الروسي، لكن هذا لا يعني أن الأفلام الأخرى، وهي "الحفلة" (فرنسا) و"أنا حب" (ايطاليا) و"في عالم أفضل"  ليس لديها دفع أكيد.
في نطاق سينما الأنيماشن فإن النتيجة شبه محسومة بين فيلمين أساسيين: "توي ستوري 3" و"الإيهامي" وهو أنيماشن فرنسي. كلاهما أفضل من أي من الأفلام الثلاثة الأخرى٠

هذا التقسيم بين أفلام درامية وكوميدية يفتح المجال لعدد أكبر من الممثلين ليدخلوا السباق وبالفعل هناك  ست مسابقات في هذا الإطار: أفضل ممثل في فيلم درامي، أفضل ممثلة في فيلم درامي، أفضل ممثل في فيلم كوميدي، أفضل ممثلة في فيلم كوميدي، أفضل ممثل مساند وأفضل ممثلة مساندة. بالإجمال، هذه المسابقات يشترك فيها 30 ممثلاً سينمائياً (ونحو ذلك تلفزيونياً).
الأبرز هذا العام:  كولِن فيرث عن دوره في "خطاب الملك" كأفضل ممثل درامي، بذلك يتقدّم على جيسي أيزنبرغ ("الشبكة الإجتماعية") وجيمس فرانكو ("127 ساعة") ورايان غوزلينغ ("بلو فالنتاين") ومارك وولبرغ ("المحارب)٠
في المسابقة الموازية للممثلات، لا يمكن إغفال أن نتالي بورتمن هي المرشّحة الأولى عن دورها في "البجعة السوداء"، لكن لو كان التفضيل هنا يعني شيئاً فإن جنيفر لورنس في "عظمة الشتاء" تحمل الفيلم بجدارة على كتفيها وتقدّم دوراً لا يُضاهى.
في مجال التمثيل الرجالي الكوميدي، نلحظ أن  جوني دب مرشّح مرّتين، مرّة عن دوره في "أليس في بلاد العجائب" ومرّة عن دوره في "السائح"  وإذا ما نالها فستكون عن الفيلم الأول. فوز أحد آخر سيكون مفاجأة بإستثناء أن بول جياماتي أدّى دوراً بارعاً في "نسخة بارني"٠
في الصعيد نفسه نسائياً، نجد بطلتا فيلم "الفتيان بخير" وهما أنيت بانينغ وجوليان مور تتنافسان على الجائزة. هذا التنافس قد يغري البعض بتوجيه الجائزة الى آن هاذاواي عن "الحب وأشياء أخرى". لكن ماذا عن أنجلينا جولي عن "السائح"؟ لديها فرصة جيّدة إن لم يكن بسبب إدائها بالضرورة، فبسبب شخصيّتها التي تستدعي الإهتمام والإحترام ولشيء من تاريخها الممتد لنحو عشرين سنة على الشاشة.

ترشيحات الناقد وتوقّعاته
إذاً ها هي ترشيحاتي الخاصّة (تلك التي صوّت لها باللون الأزرق) وتوقّعاتي التي عادة ما تختلف عما قمت بترشيحه (اللون الأحمر). اللون الأخضر هو حين يتطابق التصويت والتوقّع  معاً على إسم واحد٠

BEST PICTURE – DRAMA
أفضل فيلم - دراما
التوقع صعب هنا لأن المنافسة شديدة بين الأربعة الأول. هذا يجعل "المحارب" (الخامس) أضعف التوقّعات
The Social Network
Black Swan
Inception
The King's Speech
The Fighter

BEST PICTURE - MUSICAL OR COMEDY
Alice in Wonderland
أفضل فيلم- ميوزيكال او كوميدي
حسبما تناهى إليّ "برليسك" محبوب لأنه موسيقي، و"الفتيان بخير" محبوب من قبل المثليين (أناثاً او ذكوراً) . ما أعرفه أن "أحمر" و" السائح" لن يقفا على منصّة الفوز.
Alice in Wonderland
Burlesque
“The Kids Are All Right
“Red
“The Tourist

BEST DIRECTOR
أفضل مخرج
أعتقد ديفيد فينشر قام بعملية صعبة بسهولة كبيرة حين أخرج "الشبكة الإجتماعية". كريستوفر نولان قام بعملية أصعب، لكنه في النهاية أخرج مؤثرات أكثر مما أخرج بشر. صوّت لفينشر وأتوقّع فوزه. فارق التوقّعات بينه وبين دارن أرونوفسكي ضئيل.
David Fincher : The Social Network
Darren Aronofsky: Black Swan
Tom Hooper: The King’s Speech
Christopher:  Nolan Inception
David O. Russell:  The Fighter

BEST ACTOR - DRAMA
أفضل ممثل- دراما
كولين فيرث أفضلهم في تجسيده من دون التقليل من شأن جيمس فرانكو
Colin Firth: The King’s Speech
James Franco: 127 Hours
Ryan Gosling: Blue Valentine
Mark Wahlberg:  The Fighter
Jesse Eisenberg:  The Social Network
Natalie Portman
BEST ACTRESS - DRAMA
أفضل ممثلة- دراما
هالي بيري؟ لا أعتقد، نيكول كدمن لا. جنيفر لورنس لا زالت حديثة العهد، ميشيل وليامز؟ لا أعتقد. آه لابد أنها نتالي بورتمن إذاً. صوتي ذهب الى جنيفر لورنس بناءاً على قوّة إداء دور يحمل الفيلم بأسره.
Jennifer Lawrence: Winter’s Bone
Natalie Portman Black Swan
Halle Berry: Frankie and Alice
Nicole Kidman: Rabbit Hole
Michelle Williams: Blue Valentine

BEST ACTOR - MUSICAL OR COMEDY
أفضل ممثل- ميوزيكال او كوميدي
بول جياماتي رائع وأنا معه. جوني دب دائماً جيّد، لكن يتوقّف الأمر على إذا ما كان الفيلم مناسب او لا.
أعتقد أن الجائزة ستذهب إلى أحد هذين الإثنين
Paul Giamatti: Barney’s Version
Johnny Depp Alice: in Wonderland
Johnny Depp: The Tourist
Jake Gyllenhaal: Love and Other Drugs
Kevin Spacey: Casino Jack
جوني دب

BEST ACTRESS - MUSICAL OR COMEDY
أفضل ممثلة - ميوزيكال او كوميدي
صوّت لجوليان مور، لأني لست معتقداً أن أنجلينا جولي مثّلت بجمال، بل ظهرت جميلة. آنيت بانينغ ... يعني. الباقيتان ربما.
Julianne Moore The Kids Are All Right
Angelina Jolie The Tourist
Annette Bening The Kids Are All Right
Anne Hathaway Love and Other Drugs
Emma Stone Easy A

BEST SUPPORTING ACTOR
أفضل ممثل مساند
كرستيان بايل، كرستيان بايل، كرستيان بايل
Christian Bale: The Fighter
Michael Douglas: Wall Street: Money Never Sleeps
Andrew Garfield: The Social Network
Jeremy Renner: The Town
Geoffrey Rush: The King’s Speech

BEST SUPPORTING ACTRESS
أفضل ممثلة مساندة
هذه الممثلة الأربعينية أدّت دورها بحضور ثابت وقد صوّت لها، لكني معجب بسواها. هيلينا بونهام كارتر قد تكون هي الفائزة.
Melissa Leo: The Fighter
Amy Adams: The Fighter
Helena Bonham Carter: The King’s Speech
Mila Kunis: Black Swan
Jacki Weaver: Animal Kingdom

BEST ANIMATED FILM
أفضل فيلم أنيماشن
أعجبني "توي ستوري 3" لكني صوّت لـ "صانع الوهم" لأن رسالته أكثر أهمية ولاختلافه عن السائد.
Despicable Me
How to Train Your Dragon
The Illusionist
Tangled
Toy Story 3

BEST SCREENPLAY
أفضل سيناريو
قرأت سيناريوهات الأفلام الثلاثة الأول وأعجبتني وقرأت كيف قام  المخرج ديفيد فينشر بالتدخّل في سيناريو أرون سوركن حين أخرج "الشبكة الإجتماعية" فأسقطته. السيناريو الوارد هنا خامساً أكتبه وأنا نائم٠
Danny Boyle and Simon Beaufoy: 127 Hour
David Seidler, The King's Speech
Christopher Nolan, Inception
Aaron Sorkin, The Social Network
Lisa Cholodenko and Stuart Bloomberg: The Kids are All Right

BEST FOREIGN-LANGUAGE FILM
أفضل فيبلم أجنبي
شاهدت الكثير من الأفلام الأجنبية التي تم ترشيحها لجائزة أفضل فيلم أجنبي. كثير منها جيّد لكنه لم يصل الى الترشيحات النهائية. من بين الموجود ترشيحي هو "بيوتيفول" ومن أعتقد سيخرج بها؟ لا أستطيع التخمين هنا
Biutiful
.
Biutiful (Mexico
The Concert :France/ Romania
The Edge :  Russia
I am Love :  Italy
In a Better World :  Denmark/ Sweden

BEST ORIGINAL SCORE
أفضل موسيقا
Alexandre Desplat :  The King's Speech
Danny Elfman :  Alice in Wonderland
A.Rahman :  127 Hours.



تقارير

الخط الواقعي الثاللث في السينما المصرية
الخروج لهشام العيساوي
واحد من أفضل علامات العام المنصرم خروج مجموعة مختلفة عن السائد من الأفلام المصرية التي التقت في كونها امتداد للسينما التي تتناول قضايا إجتماعية بأسلوب واقعي. إنه ليس خطّاً جديداً بل إمتداداً لخطّين سابقين: واحد بدأ في الخمسينات وشمل على أفلام لكمال سليم وصلاح أبوسيف وأحياناً ليوسف شاهين وهنري بركات، وآخر بدأ في السبعينات من خلال أفلام  لعاطف الطيّب وبشير الديك وخيري بشارة ومحمد خان٠
الخط الثالث  يتكوّن حالياً من أسماء جديدة، كما كان حال الأسماء السابقة حين بدأت العمل في تلك السنوات الغابرة: محمد دياب، هشام العيساوي، أحمد عبدالله وابراهيم البطوط. ولا يجب أن ننسى الجانب الوثائقي من هذه السينما ما يعني بالضرورة ماريان خوري التي كانت أنجزت أحد أفضل الأفلام الوثائقية العربية في العام الماضي وهو 'ظلال" وذلك بالمشاركة مع المخرج المغربي مصطفى الحسناوي.
المخرج أحمد عبد الله وجائزته
هذا الفيلم ليس واقعياً من زاوية نزوله الى الشوارع لتصوير الناس في حياتها العادية وما تخوض فيه من مشاغل ومشاكل، بل يمضي، من دون تعليق صوتي ومن دون الحاجة الى تفعيل ما هو ماثل أمام الشاشة، ليقدم حكايات من داخل أسوار مصحّة نفسية بأسلوب تصوير راصد يحمل الكثير من الحزن  والشجن حول موضوع قد لا يغرب عن البال قريباً، فتبقى صور حالاته المطروحة علينا ماثلة ومؤثرة متناولاً حياة بعض المرضى الذين هم على مشارب مختلفة يعانون من أسباب متعددة دفعت بهم الى المكان. لكن طوال الوقت، هناك تذكير بالعالم الخارجي ومسؤوليّته حيال هذه النماذج المنسية.
الأفلام الأخرى تختلف في طروحاتها الواقعية. إذا ما كان المخرج ابراهيم بطوط متميّزاً عن أترابه الآخرين هنا بشيء، فبحقيقة أن فيلمه الجديد "حاوي" هو من رعيل منهج اختطّه ونجح به: تفعيل حركة سينما مستقلّة ينفي البعض وجودها أساساً.
في الحقيقة أن عدم الإعتراف بها لا يقوم عن سوء نيّة في كل الأحوال، بل عن اختلاف في الرؤى، فالبعض يعتبر أنه حتى تكون هناك سينما مستقلّة بالفعل، عليها أن تتحقق عبر آلة إنتاجية تختلف تماماً عن الحلقات التي على كل فيلم المرور بها سواء أكان سائداً او مستقلاً. هذه الحلقات هي الإنتاج والتوزيع والعرض الجماهيري ثم الجمهور نفسه. من هذا المنظور لا توجد سينما مستقلّة لأنها تحتاج الى كل هذه الحلقات وتمارسها.
رغم ذلك لا يمكن تجاهل دور ابراهيم  بطوط الذي خطف فيلمه الأخير "حاوي" جائزة مهرجان الدوحة.   المخروجون الثلاثة الآخرون، وهم هشام عيساوي وأحمد عبد الله ومحمد دياب، فإنهم يشكّلون حالة متجانسة فمنهجهم الواقعي يجمع بينهم بشدّة. الأول عبر فيلمه "الخروج" والثاني عبر "مايكروفون" والثالث من خلال فيلمه "678"، وكلّها أفلام جيّدة رغم  نواح محدودة يشكو فيها الفيلم الواحد من ضعف هنا او هناك: "الخروج" من نهاية أقل أهميّة وأكثر تشاؤماً مما يجب، "مايكروفون" من تكرار الحالة الواحدة على طول الشريط، و"678" من انهيار الفيلم في نصف ساعته الأخيرة متحوّلاً الي قصّة عليها أن تنتهي بعدما كانت لمعظم الوقت حالة إجتماعية تحقق غاياتها.
اللقاء بين هذه الأفلام جميعاً ليس مصادفة، بل هو نتيجة الرغبة في تغيير السائد السينمائي كما السائد السياسي. كلا الجانبين سكتا خط ينتقل بالمخرج من محطّة الي أخرى بحثاً عن عالم أفضل يتمنّاه لفنه كما لمجتمعه. ولا عجب أن الأفلام المذكورة تقصد البحث في مواطن ضعف المجتمع، فهي تشعر به وتريد أن تخدمه بفنّها ورسالتها وكل ما نطلبه لها هو أن يقبل عليها الجمهور ولا يخذلها خلال عروضها التجارية المرتقبة٠

غودزيلا آخر يعود الشاشة: الوحش ياباني والصنعة أميركية

  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هناك عودة قريبة الى الوحش الخرافي المعروف بـ "غودزيللا" بطلها مخرج بريطاني ناشيء أسمه غاريث إدواردز  أنجز في العام الماضي فيلما تشويقيا رخيص الكلفة بعنوان «مونسترز"،  كان الأول له ونال عنه ثناء النقاد والمنتجين السينمائيين في الوقت نفسه. حالة شبه نادرة هذه الأيام.
وكان إدواردز قد انكب على هذا المشروع منذ بضعة أشهر لكنه لم يكن في وضع يمكّنه من الترويج لفكرته هذه الى أن خرج فيلمه للعروض فتقدم بمشروعه ونال سريعاً موافقة شركتي إنتاج هما وورنر ولجندري.   ما ساعد على اعتماده مخرجاً لفيلم قد تصل كلفته الى أكثر من مئة مليون دولار، حقيقة أن فيلمه الأول ذاك  أظهر عناية فائقة بالتصميم العام للمشاهد وبتصويرها على ضوء يخلق جماليات موحشة تناسب فكرة ذلك الفيلم.
فالوحش الخارج من مياه المحيط الباسيفيكي لأول مرّة سنة 1945 في فيلم أخرجه حينها إيشيرو هوندا، استولى على الإهتمام سريعاً ما جعله بطلاً قومياً محتفى به في 28 فيلم ياباني توالت من ذلك التاريخ الى العام 2004
هذا الى جانب الكتب وألعاب الفيديو ومجلات الكوميكس والمسلسلات السينمائية.  ويختلف غودزيللا عن وحوش هوليوود التي خرجت في الفترة ذاتها في أنه ذا شخصية مركّبة إذا ما صح التعبير. ففي جذوره الأولى أنه نتاج إلقاء القنبلتين الذريّتين على هيروشيما وناغازاكي قبل عشر سنوات من تاريخ الفيلم الأول. بذلك تقمّص الوحش، في الوجدان الشعبي الياباني، أسوأ المخاوف المحتملة ولو في هامشها الخيالي العريض. "غودزيللا" (او "غودزيرا" كما في اليابانية) هو الكابوس الذي يقع نتيجة استخدام الإنسان للقوّة النووية. ومع أن بعض الأفلام صوّرت غودزيللا على أساس أنه مستعد للدفاع عن البشر ضد مخلوقات ضارية أخرى، الا أن معظم الأفلام صوّرت كذلك الدمار الكبير الذي يستطيع الوحش إحداثه في المدن اليابانية من دون أن تتمكن القوّات العسكرية المختلفة من التصدّى فعلياً له. في جل هذه الأفلام يخرج من الماء الى اليابسة ويدمّر في مسيرته الجسور والمباني والطرق ومن عليها٠
من هذا كلّه يستطيع المرء أن يستنتج بأن ردّ فعل اليابانيين على قيام الولايات المتحدة بإلقاء القنبلة النووية على بلادهم كانت تجسيد الإعتداء في شخص وحش ضخم لا يرحم ولا يردعه شيء عن تدمير الحياة فوق الأرض. في الوقت ذاته، وبما أن الشعور العام لليابانيين بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة أنهم دفعوا ثمن ما قاموا به حين شنّوا الحروب على دول جنوب شرق آسيا، فإن الرسالة التي في الأفلام المذكورة، خصوصاً تلك التي انتجتها شركة شووا في الخمسينات والستينات، أن الوحش كان ردّة فعل أكثر منه فعلاً. لقد تم إيقاظه من سباته الطويل، تقول تلك الأفلام، وعلى اليابان تحمّل النتائج٠
الحقبة الثانية وردت في النصف الثاني من الستينات حين ابتاعت شركة أخرى، أسمها هايسي، السلسلة وانتجت سبعة أفلام طوّرت فيها من التقنيات ومنحب غودزيللا مظهراً يثير قدر أكبر من التعاطف. لكن بصرف النظر عن تلك النظرة او سواها، فإن اليابانيين الذين التفوا على كل أفلامه، ومعظهما بالأبيض والأسود، كانوا في الواقع يقبلونه  بأي صورة كانت٠
حينما قام المخرج الأميركي رولاند إيميريك بتحقيق نسخة أميركية مكلفة من تلك الشخصية، سمّاها، ببساطة، "غودزيللا"، كان الأمل ابتكار سلسلة ناجحة من الأفلام يكون ذلك العمل، الذي قام ببطولته ماثيو بروديريك وجان رينو، أوّلها.
لكن فيلم إيميرك لم ينجز من النجاح ما يكفي لاعتماد الفيلم تمهيداً لسلسلة تحمل إسمه. كان مثيراً للضحك في مناسبات لم يكن المقصود منها إثارة الضحك، وكان مغالياً في تحديثه  صورة الوحش الى درجة أن المشاهدين وجدوا أنفسهم أمام شخصية كاريكاتورية وليست كلاسيكية سبق لهم أن أقبلوا عليها لعناصر وقيم أخرى. في الوقت ذاته هناك دلالات تشير الى أن غاية إيميريك كانت تقليد ستيفن سبيلبرغ والإيعاز بأن هناك آخرون يستطيعون تحقيق ما ينجزه. وكان إيميريك قدّم قبل نسخته من «غودزيلا« فيلمه الخيالي العلمي "يوم الإستقلال" سنة 1969 وذكر حينها أنه غير معجب بأفلام سبيلبرغ التي تصوّر مخلوقات الفضاء مخلوقات مسالمة، قاصداً بذلك «اي تي« و»لقاءات قريبة من النوع الثالث"٠
مهما يكن، فإن التجربة الهوليوودية التي تمثّلت بفيلم غودزيللا لم تثر الإهتمام المطلوب ولا نصف القدر من الإعجاب الذي سجّلته الأفلام البيضاء والسوداء وذات المؤثرات البدائية المصنوعة في اليابان. هذه هي المفارقة المهمّة التي يعد غارث إدواردز بتداركها

لقاء نيكول كيدمَن : التصقت بالشخصية التي أمثلها لدرجة البكاء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خلال السنوات التي تبعت فوزها بالأوسكار سنة 2002 عن فيلم »الساعات»  تعرّضت مهنة نيكول كيدمَن الى
خضّة كبيرة: مجموعة من أفلامها اللاحقة أخفقت في العثور على جمهور كبير من بينها »دوغفيل« و»بقعة إنسانية« و»ولادة«. الى ذلك كانت هناك أفلام أخرى حاولت فيها استعادة ذلك الجمهور على اعتقاد منها أن نوعية تلك الأفلام الفنية في الغالب هي سبب الفشل، ما أدّى الى سلسلة من الأفلام المخفقة تجارياً ومن دون اسلوب فني يعوّض ذلك الفشل. من هذه الأفلام »زوجات ستبفورد« و»مسحورة« وصولاً الى فيلمها الثاني مع المخرج باز لورمن »استراليا« سنة 2008 (الأول كان »مولان روج« سنة 2001).
الآن، تبدو الممثلة التي لا زال عديدون يعتبرونها، وعن حق، إحدى أفضل الممثلات الأميركيات حين تجد الشخصية المناسبة في الفيلم المناسب، وقد استوعبت دروس المرحلة السابقة وباتت قادرة على التخطيط على نحو أكثر دراية وفهماً.
الممثلة الأسترالية التي ولدت قبل 43 سنة وفازت بنحو 33 جائزة مختلفة من أصل 61 ترشيحاً، تدرك الآن أن سبيلها للبقاء على السدّة هو حسن الإختيار. ولديها مجموعة من المشاريع التي انتقتها بعناية كما تقول لي قبل بدء الحديث بقليل مضيفة: "أشعر بأنني الآن في فترة جديدة من حياتي العملية. الفترة التي لم أعد مستعدة فيها لأي تنازل. بالتالي آمل أن تكون كل أفلامي بدءاً من هذا الفيلم من تلك التي رغبت بها دوماً"٠
وهذا الفيلم الذي تتحدّث عنه هو حديثها المعروض حالياً تحت عنوان »جحر الأرنب«: دراما كلاسيكية عن حياة والدين فجعا بموت ولدهما وكيف يؤثر ذلك على حياتهما معاً. إنه ليس الموضوع المناسب لكل الناس، لكنه الموضوع الذي جذب كيدمَن أكثر من سواه فاشترت حقوقه عن مسرحية نيويوركية وأقدمت على إنتاجه. وللعام الجديد، لديها ثلاثة  أفلام تحمل مواضيع مختلفة أقربها للعرض «مرور ممنوع« الذي يشاركها بطولته نيكولاس كايج. ومن بينها فيلم من انتاجها فقط عنوانه «مونتي كارلو» من بطولة أندي مكدوويل ومجموعة كبيرة من الممثلات الشابات٠

مسرحية خاصّة
عددت عشرة أفلام جديدة يُقال أنك ستقومين بها. هل
أنت مستعدة لثلاث سنوات من العمل المتواصل؟
طبعاً وبل مشتاقة لذلك ولو أن بعض الأفلام التي يقولون أنني مرتبطة بها لم تصل إليّ بعد. أحياناً ما أقرأ أنني سأمثل في فيلم ما وأنا لم استلم أي إشعار بذلك

كلّما كان الدور صعباً، كلّما استهواك. هل هذا صحيح؟
أشعر بالشخصية التي تروق لي ولذلك أؤدّيها. المسألة في الحقيقة أكثر تعقيداً من ذلك. أعرف الآن أن قراءتي لبعض الشخصيات كانت مبهمة بالنسبة إليّ وربما لو أتيح لي أن أعود لتمثيلها لفعلت ذلك على نحو مختلف قليلاً. هناك أفلام أخرى كثيرة كانت الشخصيات واضحة تماماً واتاحت لي فهمها من البداية. مفتاح كل شيء هو أن أجد السبيل لدخول الشخصية. لا. لدخول عواطفها وتوتّرها. أن أفهم كيف تواجه ما تواجهه ومن أي منطلق٠

هذا ما حدث معك في "جحر الأرنب"؟
بالتأكيد. حين قرأت السيناريو قررت أن أعيش الشخصية مسبقاً. كنت أقرأ وأبلور نفسي استعداداً لما سأقوم به. لاحظت أنني مشدودة تماماً الى ما تعيشه وما تعانيه. أصارحك، حين كنت أصحو أحيانا من النوم، وهذا حدث وقت التصوير، كنت أجد نفسي أبكي.  كنت أجد نفسي مهتزّة أرتجف حتى العظم. سابقاً حدث ذلك معي في سنوات عملي، لكنه لم يحدث على هذا النحو العنيف والمتتابع. ثلاث او أربع مرّات في ستّة أسابيع. هنا أدركت أن الدور يزعجني ويؤثر فيّ لكن مع هذا الإدراك شعرت بأنني اقتربت من الشخصية الى حد الإلتصاق. وكان هذا هو المطلوب فعلاً. كان عليّ بعد ذلك أن أحترم هذا الوضع وأبذل في الإداء كل ما أستطيع بذله٠

حماسك للعمل أدّى بك الى القيام بإنتاج الفيلم
وليس فقط بطولته؟ هل شاهدت المسرحية التي
تم وضع السيناريو عنها؟
لا. لأني أعيش في مدينة ناشفيل والمسرحية عرضت في نيويورك ولم أتمكّن من مشاهدتها. لكني قرأت النقد الذي نشرته صحيفة "ذ نيويورك تايمز" لها ودهشت لما قرأته عنها.  منذ تلك اللحظة امسكت الحكاية باهتمامي وقلت في نفسي "هذا مشروعي المقبل. سأقوم بإنتاج هذه المسرحية فيلماً". اتصلت بشريكي في شركة الإنتاج وسألته إذا ما كان يستطيع الذهاب الى نيويورك وحضور المسرحية وفعل ذلك وأبدى إعجابه. من حسن الحظ أن حقوقها لم تكن قد بيعت بعد. عادة ما يشتري (المنتج) سكوت رودين كل شيء  (تضحك)٠

كيف تقيّمين مراحل حياتك السينمائية، لنقل منذ أن
أصبحت نجمة؟
أعتقد أنها مرحلة طويلة مليئة بالنجاح والعثرات. أحياناً ما جنحت بعيداً ولكني كنت أعود  الى نهجي بحثاً عن المادّة الجيّدة وعن الشخصية النسائية الرائدة بصرف النظر عن تشابكها وعمقها، بل لأنها عميقة لأن عمقها وما تحتويه من مشاعر في الداخل هو ما كنت أصبو اليه باحثة لأتقدم. نعم، لقد ارتكبت أخطاءاً كبيرة في هذه الرحلة، لكني أيضاً حققت نجاحات كبيرة. أتذكر أن أحداً قال لي في مطلع حياتي المهنية: إذا كنت تريدين أن تستمري طويلاً في هذه المهنة عليك أن تتوقّعي الصعود والهبوط. وهذا حقيقي. أنظر الى الأمس وأشعر بأنني أريد الآن أن أبذل أكثر في سبيل تكوين كيان من الأفلام الجيّدة. أفلام ذات قيمة٠

تحت السطح
سبق لك أن انتجت فيلماً واحداً على ما أعتقد. هل
هذا صحيح؟
نعم. قبل تسع سنوات قررت أن أنتج مع شركاء لي حينها فيلم المخرجة جين كامبيون "في الحسبة"
كانت تجربتي الأولى٠  In the Cut 

والوحيدة ... الى حين قمت بإنتاج هذا الفيلم. لماذا
عدت الى الإنتاج؟ ما الذي تتوخينه من ذلك؟
أعتقد أن المسألة واتتني بالتدريج. بعد ذلك الإنتاج الأول اعتبرت أن إقدامي عليه كان لأسباب استثنائية. المشروع  كان جميلاً وأنا لم اشترك به كممثلة لكن الموضوع أعجبني والمخرجة لها سمعة فنية كبيرة في استراليا والعالم. ولأني اعتبرته فعلاً استثنائياً لم اهتم بإعادة الكرّة. لكن خلال كل تلك السنوات لابد أن يكوّن الممثل وجهة نظر ما فيما يتم إنتاجه من مشاريع وربما كان الشعور داخلي مثل نهر تحت سطح الأرض حتى إذا ما وجد منفذاً ظهر فوقها.  هناك أيضاً سبب آخر يعود الى شعوري بالإحباط من أنني لا أملك مؤسسة خاصّة بي وأنني بحاجة الى هذه المؤسسة لكي استطيع إنجاز الأفلام التي قد تتردد شركات أخرى بإنتاجها٠

هل تعتبرين بعض  أفلامك في التسعينات والعشرينات
مثل  «دوغفيل» و«ولادة« و»زوجات ستبفورد« و»مسحورة« من
بين العثرات التي كنت تتكلّمين عنها؟
لكل فيلم حالته. بالطبع بعض الأفلام التي ذكرتها لم تحقق لي أي نجاح خاص. لكنها بدت مشجّعة ومختلفة حين قرأتها. الإنتاج بأسره بدا مناسباً والمشروع متكاملاً بعناصر مختلفة. لكني أري ما تقصده حين تذكر  فيلماً مثل »مسحورة« إنه لا يحتوي على الشخصية التي تحدّثت عنها قبل قليل. تلك المركّبة التي تسبب الشغف بها. لكن أزاء كل مرحلة هناك مسائل لا تدركها حينها. الآن الأمر مختلف ولو عرض علي بعض هذه الأفلام سأكون أكثر تدقيقاً٠

أنت سفيرة خير للأمم المتحدة وقبل أشهر قليلة زرت
هاييتي. ما الذي خرجت به من تلك الزيارة؟
المأساة التي وقعت في هاييتي معروفة الآن لكن الإقتراب منها او السفر الى هاييتي للتعرّف على الحقيقة أمر آخر مختلف تماماً. لقد قابلت فتيات يعشن في مخيّمات ومآوي، وتحدّثت الى عدد كبير منهن كن تعرّضن الى الإغتصاب وأنجبن باكراً نتيجة ذلك. شعرت بالأسف الشديد لهن، لكن من ناحية أخرى، وأنا لا أقول ذلك تخفيفاً للوقع، فرحت أنهن في رعاية جمعيات خيرية قائمة على مساعدة المصابين خصوصاً ضحايا مثل هذه العمليات التي تتظلل بالأحداث السياسية والإضطرابات.

فيلم »جحر الأرنب« يتحدّث عن زوجين فقدا
ولديهما. هل هناك علاقة بين صور تلك المأساة
والمأساة التي في الفيلم؟
هذا سؤال مثير لأنه بالفعل هناك علاقة. أعتقد أن الفيلم لا يتعامل فقط مع مآساة زوجين فقدا إبنهما ويعانيان من ذلك، بل أيضاً حول الأسى الذي يصيب الآباء والأمهات في شتّى الظروف.  في هذه الناحية أردته رمزياً وفي الوقت ذاته يتحدّث عن المشكلة المعروضة مباشرة٠

أحد الأفلام التي انتظرها بفارغ الصبر ويتردد أنك
ستقومين بإنتاجه هو قصّة حياة المغنية البريطانية
دستي سبرينغفيلد. أين أصبح هذا المشروع؟
هل تذكر ما قلته لك قبل قليل؟ هناك مشاريع لا أدري بها تُنسب إليّ. لكني أوافقك أي فيلم عن دستي سبرينغفيلد سيثير اهتمامي ايضاً٠


سينما روبرت ألتمن : أبطال من ورق 2

في الحلقة الأولى تحدّثت عن بداية المخرج روبرت
ألتمن وفيلميه الأوّلين- هنا تكملة تتعلّق بواحد من
أعماله الأشهر٠

"ماش"  كان مفاجأة سنة 1970 حينما خرج للوجود٠
السنة كانت سنة أفلام حربية و"ماش" هو كوميديا في زمن الحرب.  كانت الولايات المتحدة  تخوض حرباً ضروساً في فييتنام،  والسينما الأميركية كان لديها خيارين: النوم في سرير العسكر وتقديم أفلام من شأنها إعادة الثقة بالمؤسسة، او النوم في سرير منتقدي الحرب وتوفير أفلام معادية للعسكر وللحرب. النيّة الأخيرة تبدّت في أفلام وسترن أهمّها في ذلك العام ذاته "ليتل بيغ مان"، لآرثر بن، و"سولدجر بلو" لرالف نلسون. أما الأفلام التي اصطفّت الي جانب المؤسسة فكانت عموماً حربية جادّة ولو أنها لم تكن عن فييتنام:
Kelly's Heroes لبرايان ج. هاتون عن مهمّة في معقل نازي خلال الحرب العالمية الثانية
لروبرت ألدريتش كان عن مهمّة أميركية- بريطانية ضد معقل ياباني Too Late The Hero
في الخمسينات
أخرجه رتشارد فلايشر واليابانيين كينجي فوكاساكو وتوشيو  Tora! Tora! Tora
ماسودا (بعدما اعتذر عنه أكيرا كوروساوا) عن الهجوم الياباني الكاسح على ميناء بيرل هاربور الذي كبّد الولايات المتحدة خسائر جسيمة، في العام 1941
أخرجه فرانكلين شافنر حول القائد الأميركي باتون الذي قاد معارك طاحنة على Patton
جبهات الحرب العالمية الثانية.
من ناحيته، أقدم فيلم روبرت ألتمَن "ماش" على التعليق الساخر على حرب أخرى هي الحرب الكورية. لكنه وإن لم يكن فيلم معارك، الا أنه فيلم عن الفترة أبطاله الجنود الأميركيون الذين كانوا بتصرّفاتهم وسلوكهم داخل معسكراتهم لا يسخرون من الحرب فقط، بل من أنفسهم. صورة الرجل الواحد كبطل من ورق زرعها المخرج في هذا الفيلم وانطلق بها لأفلامه الأخرى. كان هناك فيلم آخر عمد الى السخرية مكان الجدّية في طرحه الحرب هو "كاتش 22" لكن إخراج مايك نيكولز، هو ما كان بحاجة الى السخرية، وبإستثناء نجاح نقدي لافت، لم يسجّل الفيلم  نجاحاً تجارياً كبيراً
وفي حين أن "باتون" و"تورا تورا تورا" تمتّعا بميزانيتين كبيرتين تفوق ميزانية "ماش" بأضعاف المرّات، الا أن "ماش" هو الأكثر ربحاً بسبب قلّة ميزانيّته. فوكس التي موّلت الفيلم لم تكن تعرف أي فيلم ستحصد. وقد عرضته على نحو عشرة مخرجين، لكن هؤلاء إما تعاقبوا وغادروا المشروع بعد حين، او رفضوه سريعاً. هذا قبل أن يصل الى عناية روبرت ألتمن الذي قبل به على الفور
أول ما فعله ألتمَن هو أنه إذ ذكر الحرب الكورية في مطلع الفيلم على نحو عابر، لم يكترث لذكر المكان مطلقاً، ومع مضي الفيلم يجد المرء نفسه يغادر الحرب الكورية مستبدلاً إياها بالحرب الفييتنامية كون الفيلم لم يسع بعد ذلك لتأكيد مكانه، كما كون ما يقع على الشاشة ليس محدّداً بتاريخ. حقيقة أن كاتب السيناريو رينغ لاردنر غضب بشدّة حين شاهد الفيلم واكتشف أن القليل مما كتبه لا زال على الشاشة، يشي أيضاً بأن فوكس نفسها كانت اعتقدت، بناءاً على السيناريو، أنها ستشاهد عملاً مختلفاً. ألتمَن حذف معظم الحوار وكوّن للفيلم منحى مختلفاً تماماً لأحداثه تناسب الكوميديا السوداء التي التهمت الفيلم٠
دونالد سذرلاند وإليوت غولد

حين شاهدت الفيلم أوّل مرّة في صالة "الإلدورادو" الراحلة في بيروت، ربما في العام التالي لخروجه، لم أقدّره كثيراً، لكن ليس أن خبرتي في القراءة بين السطور (او هل أقول بين اللقطات؟) كانت محدودة فقط، بل لم أكن أعرف ما الذي يريد المخرج قوله مستعيناً بالفورميلا الكوميدية. أن الأطباء والممرضين والجنود الأميركيين خلال الحرب الأميركية - الكورية كانوا لاهين عن القتال في مشاحنات ومواقف صغيرة؟ أن المخرج كان يريد الهزء من العسكرية (وهذا مفهوم) إنما لم يعرف كيف يقدّم أحداثاً تساعده بلوغ هذه الغاية؟
لكني لاحقاً علمت أنني لم أكن الوحيد الذي لم يفهم المطلوب وكيفيّته؟  خلال التصوير احتج الممثلان دونالد سذرلاند (والد كيفر المعروف بمسلسل "24" )  وإليوت غولد لدى المخرج من طريقته غير الكلاسيكية التي كان يدير بها المشاهد (لقطات طويلة  للمكان الواحد وجمل حوارية لا تتوقّف)  واتجها الى شركة فوكس مطالبين بتغييره لكن مساعيهما فشلت. ألتمن لم يعرف الا لاحقاً بذلك، لكن اكتشافه لما قاما به لم يمنعه لاحقاً من الإستعانة بإليوت غولد بضع مرّات
ما يدركه المرء لاحقاً أن "ماش" يبدو بلا حبكة ليس عن ضعف. نعم تستطيع أن تنسحب من الفيلم من دون ذرّة إعجاب إذا أردت، لكن تقديم فيلم بلا حبكة هو الذي قرره المخرج تحديداً وأنجزه. بالنسبة إليه، وكما في أفلامه الأخرى، الحياة ليست عبارة عن حبكة في ساعتين، او حبكة يمكن تلخيصها في ساعتين، بل هي ما يعرضه على الشاشة من مشاهد تتمحور حول اللا حبكة. اللاحدث٠ مشاهده هي سكتشات طويلة سوريالية بعض الشيء وغير منطقية كثيراً. بذلك يصف المخرج الحرب بذاتها، وهنا يتأكد المشاهد أن سبب تغييب الحرب  الكورية من الذكر الا لمماماً يعود الى أن المقصود هو كل الحرب٠
لن يعمد ألتمَن الى هذا الأسلوب دائماً، فلديه أفلاماً أكثر انطواءاً تحت لواء السرد المتفاهم عليه أكثر من سواه، لكنه دائماً ما استغل الفيلم ليصف شخصياته الحالمة التي لا تستطيع أن تصنع من حلمها الا وهماً. أبطال ألتمن كما سيتوالون كانوا فرساناً دون كوشيتيون لا أكثر يعيشون حياة خالية من القيمة. هذه نظرة المخرج كما سنراها في الحلقات المقبلة٠





 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2006- 2211٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular