Dec 14, 2010

ّYear 4. Issue 617 | مهرجان دبي- الحلقة الثانية


يوميات  مهرجان    دبي    السينمائي   الدولي - 2
اليوم نقد: "مطر أيلول" (سوريا)، "عند الفجر" (المغرب)٠
في الأيام المقبلة: "مدن ترانزيت" (الأردن)، »ستة سبعة
تمانية« (مصر)، »الرحيل من بغداد« (العراق)٠ 
وأفلام أخرى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لماذا لا يزال مهرجان دبي  في الطليعة بعد سبع سنوات من انطلاقته؟
مسعود أمر الله آل علي: المدير الفني لمهرجان دبي

هل على المترجم أن يكون شاهد فيلم الإفتتاح لتوم هوبر لكي يدرك أن كلمة
Speech
في عنوان الفيلم 
The King's Speech
مقصود بها "خطاب" وليس "حديث"؟ الغالب لا. ببعض الفصاحة وبقليل من مراجعة القصّة سيدرك أن الدراما المُصاغة حول حياة الملك جون السادس (أربعينات القرن الماضي) تدور حول التأتأة التي كانت منعت الملك البريطاني من إلقاء "الخُطب" وليس من الحديث العادي.
لكن المهرجان انطلق بعنوانه البديل ومن حسن حظّه أنها الملاحظة السلبية الوحيدة على حفل الإفتتاح الذي دشن الدورة السابعة من هذا المهرجان
على أعرض شاشة شاهد عليها هذا الناقد صوراً (وهو شاهد الكثير) تم استهلال الحفلة بلوحات واسعة بعضها حي وبعضها مصوّر تلاحمت في آن واحد ومن دون هفوات بيد وتصميم عربيين كاملين. استعراض موسيقي لثقافات بعض أركان هذا العالم في تجسيد للهدف الذي رفعه المهرجان منذ دورته الأولى سنة 2004 وهو »تلاقي الثقافات«. وهو هدف ما زال مجسّداً يعايشه الزائر اليه عاماً بعد عام ولو أنه تطوّر كثيراً عما كان عليه في العامين الأوّلين. فعوض أن يكون عن تلاقي ثقافات إنما مع وجود هوّة بين الوافد والمقيم، هو منذ عامه الثالث وحتى الآن تلاقي ثقافات بلا فروقات ومن دون هيمنة ثقافة على أخرى كما الحال في مهرجانين دوليين آخرين موزّعين في المنطقة.
مرجع ذلك بالطبع الى أن إدارته التنفيذية (الموزّعة بين رئيسه عبد الحميد جمعة ومديره الفني مسعود أمرالله آل علي) عربية. كذلك أن مديره الفني ذاك، سينمائي ممارس وذي رؤية ومنهج وخطّة تطبيقية.
حين ازدادت المنافسة من حوله أصر على أن لا يجاري المتنافسين. ترك المهرجانات الأخرى تفعل ما تريد لكي تؤمن الأفلام التي تستطيع الوصول إليها وانتظر هدوء الغبار ليعلن برمجته الخاصّة. ليس أن هذا الإنتظار كان هدوءاً وحده، بل كان توتّراً أيضاً: كثيرون هم المخرجون والمنتجون الذين سارعوا بقبول اغراءات وحوافز مالية تعرّضوا لها لأجل الإشتراك في المهرجانات المحيطة. ليس أن دبي لا يستطيع أن يجاري لكن، وحسب ما يقوله مسعود أمرالله لـ "الشرق الأوسط": "لو فعلت ذلك لخسرت قيمة المهرجان وجهد ست سنوات من العمل الدؤوب لمعاملة السينما والسينمائيين بالإحترام الواجب"٠

ليس فقط أن هذا حقيقي، بل هو أيضاً شأن مثمر نتج عنه دورة تبدو، ولو على الورق حالياً، أهم دوراته وأكثرها إثارة.
حفل الإفتتاح تبع الإستعراض الموسيقي الموجز والفني بكامله بقراءتين على نفس الإيجاز الأول من قبل الرئيس والثاني من قبل المدير ومن دون  استثمار الوقت لإطراءات (ولو أنها مستحقة نظراً لموقف حكومة دبي المؤيد للمهرجان) كما من دون اي تبجح بالإنجاز نفسه. بل ذكر واقعي بما حققه المهرجان في تاريخه وبما يعتبر أنه حققه في هذه الدورة ولها.
ثم تم تقديم لجان التحكيم المختلفة (هناك ثلاث مسابقات رئيسية وأربعة موازية) بطريقة لم أجدها في أي مهرجان دولي: بالصورة وعلى الشاشة أيضاً تم استعراض كل اسم وصورة لكل عضو في كل لجنة تحكيم في أقل من خمس دقائق. شخصياً، شعرت بالفخر إذ وجدت نفسي في هذا التقديم كوني عضو في لجنة إتحاد نقاد السينما الدوليين التي ستمنح جائزتين واحدة لأفضل فيلم عربي طويل وأخرى لأفضل فيلم عربي قصير.
كل واحدة من هذه المسابقات مقسّم الى ثلاثة: هناك مسابقة المهر العربي الموزّعة الى الأفلام الروائية والأفلام الوثائقية والأفلام القصيرة. والحال نفسها بالنسبة لمسابقة المهر الأسيوي- الأفريقي و-للمرة الأولى- تم استحداث مسابقة للمهر الإماراتي. مرّة أخرى مسعود أمر الله:
"هذا الحراك لم يكن لولا تأسيس مهرجانات إماراتية، فمن »مسابقة أفلام من الإمارات« في أبوظبي سنة 2002 الى "مهرجان دبي السينمائي الدولي" سنة 2004 وانتهاءاً بـ "مهرجان الخليج السينمائي" في دبي (2008)، ساهمت هذه الحضانات بشكل حقيقي دف دفع صانعي الأفلام لإنجاز هاجسمهم المجتمعي والبصري"٠
مجمل عدد الأفلام المشتركة في هذا القسم أربعة عشر فيلماً تتوزّع ما بين الوثائقي الطويل والقصير وبين أفلام روائية قصيرة. 
عشرة أفلام روائية عربية في مسابقة المهر العربي وثمانية فيلم وثائقي طويل وخمسة عشر فيلم قصير تم التعامل معها جميعها، وكالعادة، بتساو مثالي حيث الإيمان بأن كل شكل من أشكال العمل السينمائي يستحق مكانته بجدارة. يقول رئيس برمجة القسم العربي عرفان رشيد أن هناك تركيزاً على المخرجين الشباب: "إذا كان التركيز على الشباب المبدعين خياراً جوهرياً، فإن ما يأتي من هؤلاء الشباب يؤكد صحة المسار إذ يضع كل منهم أصبعه على الجرح الأكثر إيلاماً وحضوراً في الواقع اليومي المعاش"٠
 
أفلام المسابقة العربية  
  
مطر أيلول
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج: عبد اللطيف عبد الحميد
سوريا- 2010
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مبدأ الأصبع والجرح يتّضح  كثيراً في فيلم عبد اللطيف عبد الحميد »مطر أيلول« الذي شاهدناه في عرضه الإماراتي الأول بعدما كان شارك في مسابقة مهرجان دمشق السينمائي الدولي قبل نحو شهر حيث خرج بالجائزة الثالثة.
عبد اللطيف عبد الحميد ليس من شباب السينما لكنه متّع السينما السورية بعدد كبير من أفلامه التي تناولت مواضيع عاطفية معظمها يحدث مع الشباب ولو أن ذلك ليس وقفاً عليهم في هذا الفيلم. الموضوع هنا يدور حول أب أسرة (أيمن زيدان في إقناع) ماتت زوجته وشاهد ترعرع أولاده الشبّان الستّة. أربعة منهم يعزفون الموشّحات والتراثات الموسيقية لكن الجميع واقعون في الحب. هؤلاء الأربعة يحبون أربعة شقيقات من عائلة صديقة، والشابّين غير العازفين كل في حب مختلف: واحد مع فتاة يركض من أجلها مسافات المدينة حاملاً إليها وردة كل صباح، وآخر يصر على تنفيذ سيّارة الفتاة التي يحبّها. كلا الفتاتين تحبّان هذين الشابّين والكلمات بين الأربعة قليلة جدّاً إن لم تكن نادرة والعلاقة واقفة على الوله المعبّر عنه بالنظرات.
لكن، علاوة على ذلك كله، فإن الأب أيضاً في الحب. إنه يحب خادمة البيت. إمرأة متوسّطة العمر يلتقيها في سيّارته في بستان ما. أيضاً تنظر اليه وينظر اليها والكلام بينهما محدود.
في الهاجس هناك الشخص النافذ (او هكذا يريدنا الفيلم أن نفترض) الذي كان الأب ضربه علقة ذات يوم قريب والآن يسعى لمصالحته والإعتذار منه لأنه يخشى على نفسه وأولاده. سنرى قرب النهاية أنه كان على حق في مخاوفه، ولو أن النتائج الأليمة ليست من صنع أحد باختياره.
التعليق على الجرح النازف في فيلم عبد الحميد يتمثّل بخفّة: هذه العائلة التي تحب على نحو شامل، تعيش حالة خوف من خطر مضاد للحب. »مطر أيلول« يصبح حول الضغط الذي يشعر به الإنسان العادي في وطنه ضد التبعيات الناتجة عن المحسوبية والفساد والعلاقات السُلطوية. في هذا النحو لم يختلف هذا الفيلم عن أعمال عبد الحميد السابقة، فهي جميعاً دارت عن السُلطة الكامنة في شخص ضد الأشخاص الباقين. عادة، وفي أعماله الريفية (غالبية ما حققه للآن) هي شخصية الأب التي قد تعكس شخصية السياسي او تماثلها. لكننا هنا مع أب مختلف هو بدوره ضحية الوضع الجاثم ذاته.
كما في أفلام عبد الحميد الأخرى أيضاً مسألة لا تسبح في التيار ذاته: العاشقون في أفلام المخرج متيّمون لدرجة البلاهة. لا تجد حكيماً في العشق، ربما لأن الوقوع في الحب مناف للحكمة، لكن المشكلة هي أن التصرّفات دائماً ما تنم عن سذاجة تكسر نوعية الرسالة المنشودة من وراء تجسيد تلك العاطفة الإنسانية. إذ هي عاطفة جيّاشة في أعمال المخرج، وفي هذا الفيلم أيضاً، تفقد ما قد تدعو إليه او قدراً منه على أي حال. تصبح المسألة أن كل هذا القدر من الحب سيقود الى كل هذا القدر من البؤس.
تنفيذياً، لدى المخرج أفكاراً نيّرة وتنفيذ لقطات جيّد، لكن الصلة بين الإثنين دائماً ما تأتي فاترة. بعض المشاهد مزروعة في غير أوانها، وبعض النقلات ليست سلسة، كذلك فإن الشخصيات مكتوبة باجتهاد خاص ولا تؤدي الى المنشود منها، ما يجعل العمل واقع تحت مخاطر الإنزلاق بفعل كثرة المطر وليس  بسبب جفافه.
على ذلك، هو أفضل من أعمال المخرج القريبة السابقة وعلى الأخص، «أيام الضجر» الذي كان شارك في مهرجان دبي العام ما قبل الماضي٠

عند الفجر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج: جيلالي فرحاتي
المغرب- 2010

 
سيبقى فيلم جيلالي فرحاتي «شاطيء الأطفال الضائعين» (1991) ليس من أفضل أعماله وحسب، بل من أفضل أعمال السينما المغاربية الى اليوم. هذا يقول شيئاً عن حال فيلمه الجديد الذي لا يصل الى مستوى ذلك الفيلم، لكنه يبقى -في أضعف الأحوال- عملاً بارزاً بملكيات فنية خاصّة.
أبطال هذا الفيلم هم -في شطحة ما- أطفال ذلك الحين وقد نموا وتزوّجوا وأنجبوا. الشيء الوحيد الذي لم يحققوه هو الإنتقال من الهامش الذي وجدوا أنفسهم فيه على أحد الشواطيء، الى المتن او الكيان الإجتماعي ذاته. أنهم ما زالوا على الهامش وإن كان أبطال هذا الفيلم (بينهم المخرج نفسه في دور عمر) غيّروا الموقع الجغرافي. عمر وزوجته كلثوم (أسماء الحضرمي) يعيشان في بيت صغير في بلدة في منطقة غير مسمّاة. كلاهما ممثل مسرحي (وهو مخرج أيضاً) يتمنيان تحقيق مسرحية ولو في خلاء المنطقة الجبلية التي يعيشان فيها. لكن الزوج يسعى لمسرحية يقدّمها في طنجة. المشكلة هي أنه يكتب كلاماً من نوع يخاف المنتجون الإحتكاك به. ردّاً على ذلك يسأل عمر أحد المنتجين إذا ما كان يريد هو أن يكتب النص. بجواب او من دونه، يجد عمر نفسه وقد استرد نصّاً لا زال على الورق ومن دون أمل في   خروجه الى حيّز الفعل.
لكن هذا ليس كل ما يقع معه: أحد تجار المخدّرات ألقى بحقيبة خضراء أمام منزله هرباً من البوليس. يفتحها عمر ويكتشف ما فيها فيخفيها ويحاول بيعها ليحل لا مشكلته الفنية فقط، بل مشكلة زوجته الصحية. في الوقت ذاته، تعمل إبنته الشابّة في ملهى يديره شخص مدمن. إنه يتمنّى الفتاة كما يتمنّاها صاحب الشقّة الملتحي، لكنها تقف بنبل وراء رسالتها مدافعة عن شرفها من دون تردد وبقوّة نجدها عادة بين شخصيات المخرج النسائية في كل أفلامه.
هذا الفيلم هو شحنة اجتماعية- سياسية أخرى لكن مشكلته موغلة في محاولة سرد يختلف عن التقليدي ما يوقع الفيلم في خطوط موازية لا تشكّل بديلاً صحيحاً. مرّة أخرى، نجد تشتتاً في العرض وتكراراً في الحالات تمر متكاسلة. إنجاز المخرج البصري جيّد من حيث تأليف الصورة، عادي من حيث التصوير (قام به كمال درقاوي) ولو أن حضور الأداء لا غبار عليه في كل الحالات. هناك قناعة وإدارة صحيحة للشخصيات ولممثليها وفوق كل ذلك، ذلك الحزن القيّم الذي يتسرّب الى العمل، ولو أنه لا يترك التأثير العاطفي الذي كان من المفترض أن يتركه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular