Dec 11, 2010

Year 4. Issue: 616 | يوميات مهرجان دبي السينمائي - 1


المفكّرة  
Cairo Time
2010/12/12
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت رحلة مريحة ولو طويلة (خمسة عشر ساعة) من لوس أنجيليس الى دبي. كيف لا تكون والجلوس في البزنس له مزاياه في مثل هذه المسافات الشاسعة. تصوّر نفسك تنتقل من ثقافة الى ثقافة. من مجتمع الى مجتمع ومن بلد بمقوّمات الى بلد بمقوّمات. مهما قالوا لك أن العالم قرية صغيرة لا تزال المسألة هي أنك تطير. ترتفع عن الأرض. تحلّق وحين تهبط تجد نفسك في مكان جديد وبيئة مختلفة. ما بين بسم الله والحمد لله خمسة عشر ساعة من الموسيقى والقراءة ولا نوم٠
عرضوا عليّ عدد جديد من مجلة »هالو« التي تصدر بالإنكليزية في الإمارات فأخذتها. وقلّبت فيها ثم وجدت إسمي منشوراً على  مقابلة مع الممثل جورج كلوني. قرأت الأسئلة فإذا بها ليست اسئلتي، ولم أبعث بها الى هذه المجلة. لقد قابلت كلوني عدة مرات في السنوات الخمس الأخيرة لكن هذه المقابلة ليست من عندي. كيف تنشر المجلة مقالاً بتوقيعي؟  وكم مرّة فعلت ذلك ومنذ متى؟
المهم وصلت الى دبي متحفّزاً لمشاهدة أي فيلم معروض على الشاشة بدءاً من الليلة. على الطائرة وأمام شاشة لا بأس بعرضها،  شاهدت فيلماً مصري الروح وأميركي الإنتاج بعنوان »وقت قاهري« ا و
Cario Time
وهو من إخراج رُبى ندّا (أرجو أن أكون كتبت إسمها صحيحاً لأنه منقول عن الإنكليزية) وبطولة الهادئة والرصينة باتريشا كلارك سون والممثل (المولود في السودان) ألكسندر صدّيق الذي انتبهت إليه منذ أن لعب دوراً محدوداً في فيلم ريدلي سكوت «مملكة الجنة»٠
فيلم رُبا ندّا (مولودة في تورنتو، عاشت في سوريا، الآن في الولايات المتحدة) هو قصّة حب مزدوجة: من ناحية قصة حب المخرجة الى القاهرة التي تصوّرها بجمالية رقيقة، ومن ناحية أخرى قصّة حب صامت الى حد بعيد بين زوجة أميركي يعمل في نطاق اليونسكو في غزّة تصل الى القاهرة لأول مرة لكي تلتقي بزوجها لتكتشف أنه سوف لن يكون قادراً على المجيء. في المطار يستقبلها طارق (صدّيق) بكل نبل وشهامة ويساعدها في الترويح عن نفسها بينما تنتظر عودة زوجها. الحب يترعرع بين الإثنين لكنه لا يقفز من داخل الصدر الى الجسد. هذه الزاوية ليست لنقد الأفلام لذلك أتوقّف هنا وربما عدت اليه في نقد منفصل. ما أستطيع أن أقوله هو أنه كان مفاجأة سارّة، لكنه كان يمكن أن يكون أفضل. هناك رقّة تصل بالفيلم الى حدود الهشاشة، ولو أنه لا يسقط من يدي المخرجة بأي حال٠
شاهدت نُتَفاً من أفلام مصرية أفضلها »إحنا تقابلنا قبل كده« لهشام الشافعي. بقى جيّداً لأول عشر دقائق على الأقل، بعد ذلك بدا افتعال اللقطات والمؤثرات التصويرية والموسيقية يأكل من الجهد بأسره. الفيلمان الآخران »على جنب يا اسطى» لسعيد حامد. سيارة هذا الفيلم تصطدم  تصطدم بعمود الكهرباء بعد خمس دقائق من بدايته وتتعطل٠ أما أسوأ الأفلام فكان »نمس بوند« لأحمد البدري الذي لم يصلح للتكملة. اكتفيت بنصف ساعة منه  ثم لجأت الى الموسيقا لكي تمحي آثار العدوان 

بين بداية ونهاية | في إحصاء شمل 23 سينمائياً وناقداً تبيّن أن الغالبية تتوقّع أن  يفوز الفيلم البريطاني »خطاب الملك«، الذي يدور حول إصرار الملك جورج السادس وضع نهاية لتلعثمه حين يخطب، بالأوسكار الذي سيتم توزيعه في السابع والعشرين من شباط/ فبراير المقبل . في المركز الثاني من المتوقّعات يبرز »الشبكة الإجتماعية«  الذي دار حول مبتدع الفايسبوك وأساليبه التي جعلته واحداً من أثرى أغنياء العالم. لكن المفاجيء أن توقّعات فيلم »بداية«، ذلك الذي رأينا فيه ليوناردو دي كابريو وهي تجذب بطلها الى داخلها، شهد ارتفاعاً في التوقعات وضعته ثالثاً بعدما كان دون الخامسة٠
على صعيد التمثيل يتوقع هؤلاء فوز كولين فيرث (عن »خطاب الملك) يليه جف بردجز عن دوره في »عزم حقيقي«، الوسترن الجديد الذي يقوم بردجز بتمثيل الدور الذي مثّله جون واين في نسخة 1974. أما بالنسبة للممثلات فالنسبة الغالبة وراء آنيت بانينغ عن »الفتيان بخير« ثم نتالي بورتمن عن »البجعة السوداء« فجنيفر لورنس عن »عظمة الشتاء«٠       

المخرج بيتر وير يشن هجوماً  | في محاضرته في أكاديمية الفنون السينمائية والتلفزيونية البريطانية شن المخرج الأسترالي بيتر وير هجوماً لاذعاً ضد استديوهات السينما الهوليوودية وأكّد أنه سوف لن يعمل لها بعد اليوم. صاحب »ترومان شو« و«الشاهد« من بين أخرى قال أنه يرى السينما قد تحوّلت الى "لعب أطفال« وأن القصص اليوم أصبحت "الخير ضد الشر على نحو ساذج« وأن هناك "تركيز على الشرير لأن صار أكثر إثارة" في عرف المنتجين٠
لبيتر وير فيلم جديد بعنوان »طريق العودة« الذي يسرد فيه قصّة  بوسنيين يخاطرون بحياتهم لأجل  العودة الى قريتها التي دمّرتها الحرب الأهلية

من فينسيا الى بيكينغ وشنغهاي | تم توقيع اتفاق بين مهرجان فنيسيا والمسؤولين الرسميين الصينيين  يقضي بأن يتم عرض الأفلام الإيطالية التي سبق عرضها في دورة فنيسيا الأخيرة في كل من شنغهاي وبيكينغ. حسب الإتفاق ستتوجّه الأفلام الإيطالية التي تشارك في كل دورة من دورات المهرجان العريق الى الصين لكي تشترك في أسبوع للسينما الإيطالية تحت راية المهرجان المعروف.  من بين الأفلام التي ستتوجه قريباً تبعاً لهذا الإتفاق »عزلة الأرقام الأولى« الذي يدور حول الإيطاليين الذين سقطوا في العراق خلال سنوات غزو العراق الأولى

أوراق ناقد | محمد رُضا
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على مهرجانات السينما العربية أن تتوجّه الى الجمهور وليس الى النقاد
في مثل هذه الأيام  يكرر الإعلام الأسئلة والنقاشات ذاتها٠
هناك مهرجانات أكثر من عدد الأفلام المنتجة في العالم العربي٠
هناك سوء تنسيق بينها فهي تتابع وتتقاطع بحيث لا تعطي فرصة كافية لاسترداد النفس٠
تعرض الأفلام ذاتها فتجده معروضا في أكثر من مهرجان عربي٠
نصف المهرجانات هي استعراضية تحفل بالنجوم والبذخ ولا تقدّم شيئاً للجمهور.
كل هذه الأحكام تخرج عن الواقع وسياقه وكلها تقريباً آتية من وجهة نظر صحافيين وإعلاميين ونقاد نسوا أن هناك سواهم في ساحة السينما فأخذوا يكتبون، في الغالب، عما يعنيهم على أساس أنه نقد لواقع المهرجانات٠
نعم،  تكاثرت مهرجانات السينما العربية في السنوات السبع الأخيرة الى حد جعلها مصدر تهكّم بعضنا على أساس أنه هناك من المهرجانات ما يفوق عدد الأفلام الصالحة للعرض فيها.  لكن الكثرة والوفرة ليست المشكلة. في نهاية الأمر، كل من هذه المهرجانات موجّه لجمهور هو أضعاف مضاعفة لعددنا نحن كنقاد. ما أقصد قوله هو إنه إذا ما كانت شكوانا من أن الفيلم الذي شاهدناه في أبوظبي هو ذاته الذي سيعرض  في القاهرة او في قرطاج، وذلك المعروض علي شاشة مهرجان أيام بيروت السينمائية هو ما عرض علي شاشة  مهرجان الإسكندرية،  فإن الجمهور في هذا البلد او ذاك  لا يزال مختلفاً ويحق له أن يرى على شاشاته أي فيلم جيّد يمكن الحصول عليه. فهو لن يسافر من بلده الى البلد الاخر لمشاهدة أي فيلم يريد مشاهدته. والأهم هو أن يكون لدى المهرجان المعيّن ما يكفي من الأفلام الجيدة بحيث يتحلّق الجمهور المحلّي حوله ولا ينصرف عنه.٠
إذاً المسألة ليست نحن النقاد بل هم: المشاهدون. بالتالي، كم هو قدر الثقافة التي يستطيع المهرجان توفيرها عبر عروضه لجمهور اعتاد مشاهدة السينما السائدة وحدها. وتبعاً لذلك قدر التأثير الذي يستطيع صنعه في الذات الفردية، ثم في الذوات الإجتماعية، بمجرّد فتح العين على سينما مختلفة
المشكلة هي كيف يقود المهرجان الواحد منافسة شريفة للحصول على أفلامه٠
وجود النقاد في المهرجانات العربية ضروري للتوجيه وفي لجان التحكيم ضروري بسبب الإلمام الشامل للعمل السينمائي وقدرتهم على الخروج باختيارات أفضل شأناً مما هي عليه اليوم في معظم المهرجانات العربية٠

بالنسبة للتنسيق فهو جيّد إذا ما كان موجوداً، لكن ماذا تفعل إذا ما كانت المهرجانات مربوطة بروزنامة إنتاجية من ناحية، وبظروف خارجة عن نطاقها من ناحية أخرى. ظروف مثل استعداد الفنادق لملء غرفها في الموعد الذي تختاره، الطقس، المهرجانات الأخرى، الى آخره٠٠٠
ثم إذا كان المشاهد المغربي لا يستطيع أن يأتي الى دبي او يسافر الى القاهرة لحضور مهرجانها، ولا يستطيع المشاهد الإماراتي حضور مهرجان القاهرة، كما أسلفنا، ما المانع إذاً من أن يتم عقد هذه المهرجانات من دون تنسيق؟ هل ننسّق فقط لأنه أمر مريح لنا نحن النقاد؟
بالنسبة للنجوم والإستعراضات هي أيضاً ليست حكماً. هناك مهرجانات لا نجوم فيها ولا استعراضات. هل هي أفضل من المهرجانات التي تتباهى بنجومها؟ او العكس صحيح؟ لا٠
الخوف هو أن نصبح نقاد مهرجانات وليس نقاد أفلام نأتي للمهرجانات لأجلها. طبعاً إذا ما كان هناك خلل حقيقي يؤثر على المهرجان او على جمهوره وأفلامه، فإن ذلك لابد من ذكره، لكن أن ننتظر إفتتاحاً لافتاً لنشيد او خطأ في التقديم لندمّر. أن نعيب على المهرجان أنه يستدعي النجوم بوفرة حين تسمح ميزانيّته بذلك، وحين لا تسمح نعيب عليه أنه تقشّف، فإن ذلك هو مادّة إعلامية تقصد بها الإثارة وليس مادة نقدية ذات قيمة٠
 ما يدعو للنقد هو ممارسة المهرجان للمناسبة التي يقيمها. معاملته للسينما عموماَ وللسينما العربية خصوصاً.  مدى جدّيته وجدواه. ما إذا كان يشجع فعلاً المخرجين ويمنحهم مجالات لعرض انتاجاتهم، او يستخدمهم او يتركهم يستخدمونه.  طبعاً هناك مهرجانات لا تقرأ النقد وإذا قرأت لا تأخذ به، لكن هذا ليس من مسؤوليات الناقد. ما عليه هو أن يكتب بقناعة عمّا يستحق الكتابة. والباقي من مسؤولية سواه٠

مهرجان دبي السينمائي الدولي السابع
خاتم سلسلة المهرجانات العربية ينطلق اليوم

127 Hours

تنتقل العيون من مهرجاني القاهرة ومرّاكش الى مهرجان دبي الذي ينطلق اليوم (الثاني عشر من كانون الأول/ ديسمبر) في دورته الجديدة. ثلاثة مهرجانات تتعاقب على نحو  متواصل ومكثّف هدفها واحد وطرق الوصول اليه متعددة
في القاهرة اجتمع أهل الفن من مصريين وعرب وأجانب في حفل كبير  في البداية وآخر في النهاية بينما توالت الأفلام جاذبة إليها الباحثين عن الجديد في عتمة الصالات. منذ سنوات وهذا اللقاء لا يفعل أكثر من ذلك بعدما تكاثرت عدد المهرجانات المنافسة في المنطقة وتم انتزاع المبادرة منه. المهرجانات الأخرى، أبو ظبي من هنا والدوحة من هناك ثم مرّاكش ودبي، تتمتّع بقدرات ماديّة تجعلها قادرة على صياغة علاقة أكثر حتمية وآنية مع عالم العروض السينمائية وثقافاتها، وتتميّز بإدارات حديثة ذات آلية  سريعة وغربية التفكير ومنوال العمل ما يؤمّن لها مشاركات أوسع ويمنح جهودها صبغة مستغربة من دون أن تكون بالضرورة متغرّبة.  نسيج يبدو تآلفاً طبيعياً (سواء أكان ذلك فعلاً او لم يكن) بين ما هو عربي- شرقي وبين ما هو أجنبي- غربي
في مرّاكش تم تقديم دورة عاشرة جديدة بأفلامها قديمة بمؤيّديها ومعارضيها. نائب الرئيس نور الدين الصايل من أكثر المدافعين عنها ونُقل عنه أنه قال معلّقاً على الإنتقادات بأن الدورة كانت فرنسية أكثر من اللازم، أن فرنسا دولة ذات تاريخ سينمائي عريق ولا يمكن تجاهلها وتستحق من المهرجان التكريم. والمنتقدون أعابوا التوجّه الفرنسي والغياب العربي، وبل الغياب المغربي ذاته ملاحظين أن هذه الدورة عادت الى منطلقات الدورات الأولى حيث كان استبعاد السينمائيين المغاربة وأعمالهم أمر شبه عادي من قبل الإدارة الفرنسية التي تتولاه

هذا يترك مهرجان دبي السينمائي الدولي، ليس بالمقارنة مع ما أنجزه او لم ينجزه كل من القاهرة ومرّاكش، بل مع حصيلة مهرجانات أخرى مثل دمشق وقرطاج والدوحة، والمنافس العتيد أبوظبي
وإذا ما كنا تحدثنا هنا سابقاً عن المنافسات القائمة بين مهرجانات السينما العربية، فإن ما هو جديد في هذا الموضوع هو أن كل هذه المنافسات لم تؤثر على وضعية أي من هذه المهرجانات بعد. هذا العام، كان عام المحك الذي كان متوقّعاً له أن يفصل ويحسم. هل يقف قرطاج على قدميه من جديد كما كان حاله قبل سنوات ليست بعيدة؟ هل يتجاوز دمشق العثرات التي تواكبه بسبب من وضعيته المختلفة؟ هل يقفز القاهرة فوق مصاعبه المالية؟ هل  سيستغل مهرجان مراكش بمناسبته العاشرة لإدخال تعديلات؟ ما هو حال مهرجان الدوحة في دورته الثانية؟ هل سيكون بداية جديدة؟ وماذا عن مهرجان أبوظبي؟ هل سرق السجّادة من كل المهرجانات الأخرى؟ وهل أصيب مهرجان دبي بمقتل كونه آخر المهرجانات ما يجعل الأفلام العربية (التي هي بيت القصيد بالنسبة لمعظمها) تلجأ الى المهرجانات الأقرب إليها وكونه يعمد الى أسلوب تعاط مختلف مع السينمائيين قائماً على خطّة من الإحترام المهني المتبادل؟
من أيلول/ سبتمبر الى هذا اليوم، توالت هذه الاسئلة ومع نهاية كل مهرجان توالت الأجوبة أيضاً: لا شيء تغير. لا شيء تأثر. لا شيء ارتفع ولا شيء هبط. وقف قرطاج على قدميه من دون أن يستعيد أمجاده. أثبت مهرجان دمشق حضوره من دون أن يتجاوز عثراته. أقيم مهرجان القاهرة بميزانيّته المحدودة وأثار النقاشات ذاتها. احتفى مراكش بمناسبته الخاصّة من دون أي تعديلات. والدوحة أقيم للمرة الثانية ولو من دون تغيير او نمو. وأقام مهرجان أبوظبي استعراضاً كبيراً من الأفلام والنجوم والمشاريع من دون أن يسرق السجادة من تحت أي قدم
أما دبي  فلم يُصب لا بمقتل ولا حتى بجرح. لا زال هو مسك الختام لموسم حافل كما كان سابقاً ومنذ إقامته للمرة الأولى سنة 2004
عروض أولى
لحين، خلال الصيف الماضي، بدا القلق واضحاً على محيا مؤيدي هذا المهرجان وبعض مسؤوليه: هناك مهرجانات منافسة وبعضها يملك ميزانيات مماثلة لميزانيّته او أكثر منها، وهي تصرف منها على جذب السينمائيين وأفلامهم. توفّر إغراءات عدّة. بعضها متمثّل برفع قيمة الجوائز، والبعض الآخر يدخل في نطاق الحوافز. كثير منها ممارسات لم يشهدها العمل المهرجاناتي من قبل ويتضمّن تقديم الأموال مسبقاً مقابل أن يوافق المنتج او المخرج او كليهما معاً على تخصيص هذا المهرجان او ذاك بفيلمه. زاد الطين بلّة حقيقة أن مهرجان دبي يأتي في نهاية الموسم. يمر قطار المهرجانات على كل تلك المحطات الصغيرة والمتوسّطة والكبيرة ثم يتوقّف عند دبي. من ذا الذي سيفضّل تفويت الفرص السابقة وإنتظار المحطّة الأخيرة؟
 مدير المهرجان الفني، السينمائي مسعود أمرالله، كان متوجّساً من أن الكثيرين من السينمائيين سيفضّلون التعامل مع ما هو مغر وجاذب و"مفيد" على الإنتظار حتى الشهر الأخير من العام لدخول مسابقة  تُقام على أسس سليمة ورصينة٠
و.... كان معه حق. الكثيرون فعلاً فضّلوا أبو ظبي والدوحة وتوجهّوا اليهما خصوصاً مع تلك الحوافز المالية المسبقة التي وضعتها إدارة المهرجانين أمامهم.  لكن ، وما لم يكن محسوباً تماماً، هو أن العديد من السينمائيين كانوا أعلى إدراكاً  لما يحاول دبي إنجازه جدّياً على صعيد العمل المهرجاناتي والتزموا به٠
لا عجب إذاً أن برنامج الدورة السابعة من المهرجان تخلو من إمارات الضعف او الهوان أمام المتغيرات والمنافسات. ليس هذا فقط، بل تعد بأفضل دورة قدّمها المهرجان الى اليوم
من الثاني عشر الى التاسع عشر من هذا الشهر تتوالى الفيلم غزيرة ومتتابعة: 157 فيلماً جاءت من كل قارات العالم. منها 41 فيلماً هي عروض دولية أولى. عدد الأفلام العربية، تلك التي تعتبر المحك الفعلي والرئة الأولى التي يتنفس بها المهرجان العربي، يبلغ 70 فيلماً. العدد الإجمالي المذكور هو انعكاس لنمو يبلغ ثلاثين بالمئة مقارنة مع عروض العام الماضي٠
والتميّز ينطلق من اليوم الأول. فيلم الإفتتاح هو أحد تلك الأفلام التي تشملها توقّعات كبيرة في الفوز بجائزة الأوسكار كأفضل فيلم. عمل بريطاني رصين من تلك التي لا يحسن سوى السينمائيون الإنكليز بتقديمها خصوصاً حين ترتبط بتاريخهم الوطني وبثقافتهم السياسية والإجتماعية٠

The King's Speech

إنه  «خطاب الملك» المطروح  بشدّة لا على صعيد الأوسكار فقط بل على صعيد جوائز العام الدولية كلها
مثل الغولدن غلوبس الأميركي والبافتا البريطانية والسيزار الفرنسي.  ومعه مطروحة أسماء كولين فيرث، الذي يؤدي البطولة لاعباً شخصية الملك جورج السادس، الذي قاد، وونستون تشرشل،  بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية. كذلك من  أقوى المرشّحين الممثلين هيلينا بونهام كارتر عن دور زوجة الملك وجيفري رَش في دور الطبيب الذي لم يكن يحمل شهادات، لكنه نجح في مداواة معضلة خطيرة لم يكن يصلح جورج لأن يكون ملكاً على عرش بريطانياً بوجودها٠
الفيلم الواعد
الفيلم، وممثليه، فازوا فعلاً بجوائزهم الأولى وذلك خلال حفلة جوائز السينما البريطانية المستقلة. والفيلم في حد ذاته إنتاج مستقل ومحدود الكلفة. معظم ميزانيّته التي لم تزد عن مليوني دولار ذهبت الى ممثليه والى إتقان  ملامح وشروط الفترة التاريخية التي تدور فيها الأحداث٠
نتعرّف على الملك جورج السادس (كولين فيرث) الذي كان يعاني من التأتأة خصوصاً حين يواجه مهمّة إلقاء خطاب او الحديث رسمياً في مجمع ما.  الملك البريطاني كان مدركاً أن البلاد لن تطيق سماع رئيس دولة لا يجيد الكلام. وهو سعى للتغلّب على هذه المعضلة عبر  الذهاب الى عدة أطبّاء، لكن أحداً منهم لم يستطع نفعه. أخيراً، اهتدى الى طبيب استرالي أسمه  ليونل لوغ (جفري رَش) الذي بدأ يمارس معه تدريبات نطق غير تقليدية الى أن استطاع إنجاز المهمّة في الوقت المناسب: خطاب الملك لمناسبة تولّيه العرش. كل هذا والطبيب أخفى عن الملك أنه ليس طبيباً على الإطلاق، بل استرالي مهاجر وربما ترك وطنه هرباً من قضاء صادر بحقّه
أدوات المخرج الفنية ليست متعددة. مفاتيحه في هذا المجال محدودة ومفرداته اللغوية بسيطة. لكنه يحسن الإمساك بالإهتمام وإدارة الممثلين وخلق مشاهد متوتّرة على بساطة تكوينها. إننا أمام ملك يعرف أنه يطلب ما يبدو المستحيل، لكنه موزّع بين الضغط المتمثّل في مركزه المرتقب وبين القبول بالهزيمة والإستسلام لمشكلة تلعثمه. لاحقاً ما يجد نفسه أيضاً موزّع الرغبة ما بين طرد الطبيب المزيّف واعتبار أنه خاض معه تجربة خاسرة، وبين الدفاع عنه أمام رجال البلاط والكنيسة على إيمان داخلي منه بأن هذا الطبيب لديه ما يدعو للثقة٠
لكن أهم ميزة لهذا الفيلم ليست في الإدارة الفنية والمعالجة القصصية، بل في التصميم الفني من ناحية والتمثيل من ناحية أخرى٠
في المجال الأول، عمد الفيلم الى ألوان داكنة وهادئة على العين (بني، أسود، أخضر، أزرق داكن) تيمّنا بفترة لم تكن فيها الألوان الفاقعة معتمدة كما في الحقب اللاحقة. هذا الى جانب أن معظم الأحداث داخلية ما يحدد نوعية الألوان المستخدمة (في مقابل ألوان الطبيعة الأكثر إشراقاً).
أما التمثيل فهو إنجاز رائع من قبل الجميع خصوصاً كولين فيرث. هنا يجب أن لا ننسى أن تمثيل التلعثم أمام الكاميرا ليس فقط صعب على الممثل، بل صعب على الفيلم لأنه يتطلّب منه تحويل الصد الآلي للمشاهدين الى قبول. المخرج يحقق ذلك بنجاح، لكنه لم يكن سيحقق شيئاً لولا حسن أداء ممثله للدور٠
  أفلام وأقسام
عربياً هذا العام،  فإن الأفلام المعروضة تعكس تحدي المهرجان لحشد أفضل ما استطاعت العواصم العربية إنجازه. التحدي مزدوج من حيث أن عليه البحث بعناء عن أفلام جيّدة يعرضها، وأن يبحث عنها فيما تبقّى من أعمال لم تحاول اللحاق بركب المهرجانات الأخرى التي تناثرت قبله.
إثنا عشر فيلماً روائياً طويلاً في المسابقة. ثلاثة من مصر هي »ستة، سبعة ثمانية« لمحمد دياب و»الخروج« لهشام عيسوى و»ميكروفون« لأحمد عبد الله. ثلاثة من المغرب: «براق» لمحمد مفتكر، «ماجد« لنسيم عبّاسي« و«عند الفجر« لجيلالي فرحاتي. إثنان من العراق: »الرحيل من بغداد« لقتيبة الجنابي و»المغنّي« لقاسم حول. وفيلمين من سوريا: »دمشق مع حبّي« لمحمد عبد العزيز و«مطر أيلول« لعبد اللطيف عبد الحميد، ثم فيلم من كل من لبنان («رصاصة طائشة» لجورج الهاشم) والأردن («مدن الترانزيت» لمحمد الحشكي)٠
 وما هو جدير بالملاحظة هو وجود ارتفاع في عدد الأفلام المصرية المنتمية الى سينما مختلفة، سمّها بديلة او مستقلّة او "غير شكل"٠
كما أن  هناك استمرارية لسينما تخرج من رماد الوضع العراقي الصعب الذي عوض أن يحد ويمنع من الإنتاج، بات سبباً له٠
فوق ذلك كله،  هناك مزيج من أعمال سينمائيين من أجيال سابقة (أطولهم باعاً المخرج العراقي قاسم حول) وبين أعمال سينمائيين من الجيل الجديد وبعضهم (كما الحال مع الأردني محمد الحشكي) يقدّم فيلمه الأول٠
 لكن الحالة التي يخلقها هذا الحشد المدروس من الأعمال، ليست محدودة في مسابقة المهر العربي للأفلام الروائية، ولا حتى لمسابقة الأفلام القصيرة والتسجيلية، بل هي حال منتشرة في العديد من الأقسام الموازية. في السنوات السابقة، بدا واضحاً أنه في الوقت الذي يقبل فيه الجمهور الإماراتي كما المقيم في الإمارات على الأفلام العربية كما لو كان يحاول معرفة أين وصلت في مشوارها الى الآن، يقبل كذلك على الأفلام الأجنبية التي يعلم أن التوزيع التجاري لن يشملها.  من بين هذه الأفلام ما يجد حالة شيوع نقدية في الغرب كما حال «خطاب الملك«، أحد هذه الأفلام وأقواها أيضاً »عظم الشتاء« لمخرجة سينمائية تبدو وُلدت عملاقة أسمها دبرا غرانيك. إنها تحيط موضوعها، الذي سنتعرض إليه في رسالة لاحقة، بكثير من الحس الطبيعي والإنساني في قصّة هي تعليق اجتماعي وعاطفي ونفسي مستمر من لقطة ساحرة الى أخرى٠

Oblivion Island

في عالم مختلف تماماً تقع أحداث فيلم »العودة« للأسترالي بيتر وير الذي يدور حول مجموعة من البوسنيين ينوون العودة الى قريتهم خلال الحرب الأهلية. »127 ساعة« لداني بويل عن تلك الرحلة السعيدة لبطله (جيمس فرانكو) التي تتحوّل الى كابوس
وفي حين أن الفيلم التركي الساحر »عسل« الفائز بذهبية مهرجان برلين الأخير من تلك الأفلام التي سمع او قرأ عنها المتابعون والهواة العرب كثيراً قبل وصولها الى شاشة دبي، فإن  »جزيرة الغموض« للياباني شينسوكي ساتو من تلك التي لم تشهد عروضها بعد عالمياً وتنتظر حكم جمهور المهرجان العربي. إنه ليس مجرد فيلم جيّد، بل فيلم أنيماشن جيّد يحمل ما لا تحمله معظم افلام الأنيماشن المتداولة من فن ورسالة وألوان في مكانها.  هذا الفيلم  معروض في قسم خاص للأطفال، واحد من خمسة عشر قسماً على المرء أن يتابع منها ما يستطيع ومن الأفضل أن لا يغفل عن أي منها .... إذا ماكان ذلك ممكناً



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular