Nov 3, 2010

Year 4 | Issue: 611 |جورج كلوني ضد كلينت ايستوود ضد عادل إمام

رحيل جيل كلايبورغ: وألغاز »هانا ك- الفيلم السابق لأوانه

آخر مرّة شاهدت فيها جيل كلايبورغ على الشاشة كان سنة 2006 خلال فيلم عنوانه
Running With Scissors
كان أسمها سابعاً في عداد الممثلين يتقدّمها أنيت بانينغ وإيفان راتشل وود وبرايان كوكس وأليك بولدوين  وجوزف فاينس وجوزف كروس٠ لا يهم، إسم غوينيث بولترو ورد بعدها٠
لكن كلايبورغ غابت قبل أوانها، ولم يكن »الهرب مع مقص« سوى واحد من أفلام متباعدة في العقد الماضي، فالفيلم السابق له ورد سنة 2001 بعنوان »سقوط«، مثل »الهرب مع المقص« مستقل وشوهد من قبل قلّة٠
ولدت من عائلة ثرية قبل 66 سنة وتوفيت في الخامس من هذا الشهر ومثّلت أوّل أفلامها، «حفلة العرس«
سنة 1969.  وهو فيلم صغير لبرايان دي بالما The Wedding Party
أدوارها بقيت صغيرة حتى أدّت البطولة النسائية في فيلم ارثر هيلر
Silver Steak  أدوارها بقيت صغيرة الى أن شاركت في بطولة فيلم آرثر هيلر: خط فضي
بعده انبرت لأدوار البطولة في الأفلام التالية
Semi- Tough | Michael Richie (1977)
An Unmarried Woman | Paul Mazursky (1987)
Luna | Bernardo Bertulocci (1979)
Starting Over |  Alan J. Pakula (1979)
It's My Turn | Claudia Weill (1980)
First Monday in October | Ronald Neame (1981)
I'm Dancing as Fast as I Can | Jack Hofsiss (1982)
ثم جاءت الحادثة. أعجبها سيناريو فيلم كتبه الإيطالي فرانكو سوليناس (كاتب «معركة الجزائر«) عن فكرة للفرنسي كوستا-غافراس بعنوان «هانا ك«٠
فيلم  قل مثيله في السينما الغربية من حيث تأييده لحق الفلسطيني في الإحتفاظ ببيته وأرضه. فلسطيني يتسلل من الأردن عائداً الى حيث كانت قريته. كيف يمكن لها، وهي -مثل غافراس- يهودية، أن تشترك في فيلم يعترف بحق الفلسطينيين في الأرض؟ هاج الإعلام عليها والنتيجة  هي أنها بقيت ثلاث سنوات بلا عمل وحين عادت في فيلم لبروس مالموث بعنوان »أين الأطفال؟"   لم تعد كنجمة كبيرة كما كان حالها في السابق.  الروسي أندريه كونتشالوفسكي منحها البطولة في فيلم رئيسي  بعنوان »أناس خجلون« لجانب  باربرا هيرشي وذلك سنة 1987 لكن لا شيء مثيراً بعد ذلك٠
المثير للعجب هنا هو أن شركة "كانون الإسرائيلية" (لاصحبيها مناحيم غولان ويورام غلوبوس) هي التي دفعت فاتورة هذا الفيلم. هل الفاتورة التي دفعتها جيل كلايبورغ كانت أفدح من فاتورة "كانون"؟ أريد أن  أقول نعم، لكني بصراحة لست متأكداً فهي بقيت على الشاشة على نحو متواصل حتى العام 1993 ولو أن معظم ما مثّلته لم يكن إنتاجات رئيسية.  لا تفتني ملاحظة أن  فيلم بروس بيرسفورد »أثرياء في الحب«  سنة 1988 كان آخر بطولة لها في تلك الحقبة٠
أن فيلمها »هانا ك« لم يُعرض على نطاق واسع، هذا صحيح. عرضته  (على التوالي) فرنسا، الولايات المتحدة (فقط في نيويورك) سنة 1983 ثم أعيد طرحه في ثلاثة أسواق سنة 2003 هي اسبانيا وآيسلندا والأرجنتين. وهو حسب علمي متوفّر على شريط فيديو لكنه ليس متوفّراً  كأسطوانات٠
أمر لافت آخر: الفيلم، في بعض المصادر مقدّم على أساس أنه فرنسي/ اسرائيلي وذلك بإنتظار أن يكشف المموّل الفعلي (شركة كويتية) الحقيقة ويصّلح الخطأ، لأن ذلك الفيلم لم يدخله قرش اسرائيلي واحد٠

المؤكد أن جماعات اللوبي الصهيونية في الولايات المتحدة، وبينها إحدى أكثر المؤسسات اللوبية شراسة،
تنادت لمنع الفيلم وأثرت على سحبه من المدن الرئيسية في أميركا بعد أسبوع الى   B'nai B'rith
ثلاثة أسابيع من عرضه٠
 إنه في تلك الفترة تحديداً (النصف الأول من الثمانينات)  ظهر سيل من الأفلام المعادية لما هو عربي. هذا بعضها
Power | Sidney Lumet
Raiders of the Lost Ark | Steven Spielberg
Rollover | Alan J. Pakula
Exposed | James Toback
Protocol | Herbert Ross

ـــــــــــ  مهرجانات ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على هامش الدورة الأخيرة لمهرجان قرطاجة السينمائي
صعود وهبوط السينما الأفريقية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضــا
Teza (Kenya)
الحديث عن السينما الأفريقية ينضوي تحت سقف الحديث عن سينما الستينات. أعلم أنني أعود لهذه الكلمة "الستينات" في الكثير من المرّات في الفترة الأخيرة، لكن ذلك من شدّة أهميّتها. كما ذكرت سابقاً، هي فترة سينمات جديدة ألمّت بالعالم أجمع: من الدول الأوروبية الشرقية الى تلك الغربية، ومن السينما العربية ذاتها الى السينما اللاتينية. من السينما الأميركية والكندية امتداداً الى السينمات الكامنة في بعض أركان آسيا الجنوبية وأسيا الوسطى. كذلك الحال بالنسبة للسينما الأفريقية٠
في الأساس، الستينات فترة تحرر وطني شمل  معظم الدول الأفريقية. بمعنى أنه كانت هناك دول استقلّت قبل ذلك (مصر سنة 1922، ليبيا 1951،السودان وتونس والمغرب 1956، غانا 1957، غينيا 1958) لكن العدد الأكبر الذي شمل الجزائر والسنغال ومالي وصوماليا ومدغشقر وتوغو وبينين، والنايجر ونايجيريا، وسيراليوني، وغابون وكونغو وتانزانيا ورواندا وكينيا وأوغاندا وسواها حققت استقلالاتها من العام 1960
في الثلاثينات كانت السينما المصرية أول دولة أفريقية الجغرافيا وعربية الإنتماء تصنع أفلاماً  على نحو متواصل (في العشرينات على نحو متوالي لكن غير متواصل)، وفي الخمسينات، بعد ثورة يوليو اتسعت رقعة السينما المصرية أضعاف ما كانت عليه خارج حدودها، وقام المخرج يوسف شاهين بالتواصل مع الثورة الجزائرية عبر فيلمه »جميلة بوحيرد« (1958)، قبل ثماني سنوات من فيلم آخر عن الثورة الجزائرية نال تقديراًً أعلى في الغرب (وعاش أطول) هو »معركة الجزائر« لجيلو بونتيكورفو (1966)٠

ما بقي أكثر حضوراً في سينما يوسف شاهين هو فيلم آخر أنجزه سنة 1958 هو «باب الحديد« الذي عكس كامل شاهين وحسّه وفنّه كما لم يفعل فيلم من قبل على هذا النحو. لكن »جميلة بوحيرد« (او كما سُمّي غرباً «جميلة الجزائرية») أخاله نال إقبال الناس أكثر كونه عن ثورة مسلّحة ضد الإستعمار الفرنسي. المهم هو أنه ما أن نالت السينما الجزائرية استقلالها سنة 1962 وواحداً من أوّل إنجازات الثورة كان تأسيس "المركز الوطني للسينما الجزائرية«، التي أطلقت سلسلة أفلام عن الثورة وحرب التحرير ما بين 1963 و1967. قبل ذلك كانت الأفلام المصنوعة هناك أفلاماً فرنسية تنتمي الى ما اصطلح تسميته عن حق بـ "السينما الإستعمارية"٠
في العام  1965 بدأ إنتاج الأفلام في الجزء غير العربي من القارة وفي العام 1966 تم إطلاق أوّل دورة من مهرجان قرطاج السينمائي محتفلاً منذ البداية بالسينما العربية والأفريقية معاً٠
عثمان سمبان
حاولت البحث في موقع المهرجان عن تاريخه. هناك رابط تحت عنوان "أرشيف"، لكنه لا يعود لأكثر من عامين الى الوراء للأسف. ماذا يفعل موظفو وزارة الثقافة بأوقاتهم خلال العمل؟ هل هناك أفضل وأنبل من الإحتفاظ بتاريخ أعرق مهرجانات العالمين العربي والأفريقي وإتاحته للباحثين؟ هل يمكن لأحد الأخوة في تونس (ممن لديهم الوقت بعيداً عن الفايسبوك) لفت نظر الوزارة الى هذا التقصير؟في الدورات التي حضرتها من هذا المهرجان شاهدت أولى أفلامي الأفريقية:  «الإختيار« و»الجدّة« لإدريسا ويدراأوغو (بوركينا فاسو)، «سوداء ...» و»إكسالا«، بين أخرى لعثمان سمبان (السنغال)، وأفلام لشيخ عمر سيسوكو (مالي)، عيسى سيرج كويلو (تشاد)، هايلي جيريما (إثيوبيا)، عبد الرحمن سيسوكو (مالي) وآخرين عديدين٠

واحد من مزايا ذلك العصر أن السينما بالنسبة لأفريقيا (كما لقطاعات كثيرة من السينمائيين العرب) كانت تعبيراً عن تلك القضايا الإجتماعية والسياسية. بالنسبة للسينما الأفريقية، كانت تلك القضايا من النوع الذي  يشغل بال المثقّفين الخارجة بلادهم من حكم استعماري جائر. الدعم الذي كانت تلك الحركات التحررية تتلقّاه من قوى اليسار في العالم (الإتحاد السوفييتي واحداً منها) كان حافزاً لسينما ثورية  بسبب القناعة بأن الفن (للفن او لغيره) هو غالباً للبرجوازيين والرأسماليين. عثمان سمبان نفسه كان كتب في صحيفة ماركسية ذات مرّة: "الفن لا وجود له في أي لغة في أفريقيا الغربية" (هذا ما نقله عنه الباحث مارك كوزينز ذات مقالة). هذا ما يوضّح السبب في أن العديد من الأفلام الأفريقية تحاشت التأثّر بالسينمات الفرنسية والألمانية والبريطانية والبلجيكية والأسبانية وهي من بين الدول الأوروبية التي وزّعت أفريقيا فيما بينها ونهبت ثرواتها قبل الإستقلال، ثم نظّمت أمورها مع البنك الدولي لنهب ثرواتها بعد الإستقلال أيضاً٠
لكن عدم محاولة تحقيق أفلام فنية هو مفهوم خاطيء في أفريقيا كما كان مفهوماً خاطئاً في بلد المنشأ، وبلد المنشأ في الأساس لم يمارسه والا لما كان هناك ذلك التقدير الكبير لسينمائيين سوفياتيين عديدين من أيام أيزنشتاين وحتى انهيار النظام الشيوعي: بوندارتشوك، غريغورف كوزنتسيف، غريغوري دانيليا، دزيغا فرتوف،  فكتور إفشنكو، علي خميروف، ألكسندر زارخي وسواهم، وأنا أتحدّث عن الذين حققوا أفلاماً غير ممنوعة٠
حين انهار الإتحاد السوفييتي لم يتغيّر العالم كلّه فقط، بل السينما ذات الفكر الثوري (أفريقية وسواها). لقد تبع ذلك الإنهيار دوران النظم اليسارية حول نفسها (في أفضل الأحوال) وصعود النبرة الرأسمالية غير الوطنية. تلك التي تعمل في كل بلد، لكن لحساباتها الخاصّة بحيث تستفيد هي ويبقى البلد في حاله. غياب السينما الجيّدة والمتطوّرة وذات الطروحات و-نعم- الفنية هو، في جوانب، نتيجة من نتائج هذا الإنهيار الشامل للسينما المختلفة حول العالم٠

  • كُتبت خصيصاً لمجلة "ظلال وأشباح"٠

مهرجان أبو ظبي السينمائي في ختام دورته الرابعة
بين ارتباك الإدارة وخذلان لجان التحكيم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
بقلم:   بشار إبراهيم


كأنما لم يكفه كلّ الاستنساخ الذي قام به المدير الأميركي بيتر سكارليت، فجاء الارتباك والتلعثم الواضح في حفل ختام الدورة الرابعة من مهرجان أبو ظبي السينمائي، ليزيد الطين بلة، إلى درجة بدا معها كأنه يعيدنا إلى المربع الأول ٠
كل شيء بدا فوضوياً، عابثاً، مرتجلاً.. ليس فقط على مستوى أن يحلّ الممثل المصري خالد أبو النجا، محل مقدمي الحفل، ويقوم بما ليس من مهماته، الأمر الذي جعل مقدم الحفل يقولها على المنصة، دون تردد: «لقد أخذ خالد أبو النجا دورنا«! بل أيضاً إلى الدرجة التي سيقوم بها أبو النجا بالاحتفاظ بواحدة من الجوائز، ويستلمها بنفسه، بعد أن أعلنها لغيره!.. فليس ثمة من يستلم هذه الجائزة الهاربة.. ولينساها الجميع في درج منبر الكلام
وكذلك، ليس على مستوى أن لا يعرف أحد كيف تُدار الأمور خلال ساعة واحدة، من المفترض أن السيد سكارليت أمضى سنة كاملة، وقبض الرواتب العالية، من أجلها، وفي سبيل تنظيمها، وبرمجتها.. فاختلط الحابل بالنابل، طيلة الساعة.. وتدلل، هو، وبعض رؤساء لجان تحكيمه، في الصعود إلى المنصة، في نزعة للظهور، وتشوّف الحال، ربما أكثر من الفائزين أنفسهم!.. بل كذلك في أن نرى الممثلة المصرية بسمة؛ بطلة فيلم «رسائل البحر«، المنافس على الجائزة، والمتسابقة هي نفسها، تقوم بالإعلان عن واحدة من الجوائز.. فماذا لو كانت الجائزة لفيلمها؟ هل تعلنها وتشارك باستلامها؟ الله ستر!
عدم المقدرة على إدارة حفل الختام، على هذا النحو المريع، أعادنا دفعة واحدة إلى حقيقة أن كل ما فعله بيتر سكارليت، خلال عام مضى على تسلمه إدارة مهرجان أبو ظبي السينمائي، لا يعدو كونه استنساخ تجربة مهرجان دبي السينمائي، حرفاً حرفاً، واقتفاء أثره خطوة بخطوة.. وبدا كأنما فاته، أيضاً، أن يستنسخ كيفية تنظيم حفل الختام، لائق، فوقع في الارتباك واللعثمة! ٠
وبيتر سكارليت، القادم من عقلية تجارية غربية، كان قد ظنّ أنه بعرضه المسرحي المفبرك، مع مذيع حفل الافتتاح، يمكن له أن يثير شغف الجمهور للمفاجآت التي قال إنه أعدها، فما كان من الجبل إلا أن تمخض فولد فأراً! فكما لم تتمكن عنزاته من نيل أي إعجاب، في الدورة الماضية، ها هو حصانه يثير نفور الكثيرين، وهم يرون السيد سكارليت يفشل في ملامسة اهتمامات الجمهور العربي، وحتى في فهمه، خاصة وأن السيد الأميركي يبدو مؤمناً بأن العرب مولعون بالأحصنة، دائماً وأبداً، حتى لو كانت عبر فيلم تجاري، من الدرجة الثالثة، لا يستحق المشاهدة في أي صالة سينما، فما بالك بافتتاح مهرجان، يتكئ على نحو مليار دولار سنوياً ٠
مؤسف ما جرى في حفل الختام، فعلاً.. زاده أن النتائج بدورها جاءت لتضفي خيبة أخرى، خاصة «مسابقة آفاق جديدة«، التي من المفترض أن يعلّق الكثيرون الآمال عليها، باعتبار أنها يمكن أن تكون فرصة لاكتشاف المواهب السينمائية العربية الجديدة!.. ولكن كل هذا ذهب أدراج الرياح، خاصة مع وجود رئيس لجنة تحكيم امتلك من العجرفة، والإعجاب بالذات، ما جعله (وقد كنت شاهد عيان على الحادثة) أن ينسحب من قاعة عرض فيلم «غيشر« الإيراني، قبيل انتهاء عرض الفيلم بأكثر من ربع ساعة، ، في مسرح أبو ظبي، لأعلم في اليوم التالي، أنه التحق بالعرض الخاص بفيلمه، الذي كان يعرض في الوقت نفسه!2010/10/18وذلك مساء يوم
المأزق الذي يبدو أنه وجد نفسه أمامه، تمثَّل في أنه لم يجد سبيلاً سوى لمنح هذا الفيلم ذاته الجائزة الكبرى، ربما إعجاباً بمشهد تنظيف المرحاض المسطوم، الذي قهقه له بصوت مسموع، كالمسطول!.. أقول هذا، حتى لا أتهمه بعدم الرغبة العنصرية في منح الفيلم السوري المتميز «مرة أخرى«، أو الفيلم العراقي الذي لا يقل تميزاً «كرنتينا«، لتذهب الجائزة العربية لفيلم لبناني/ أميركي متوسط الحال، يُدعى «طيب، خلص، يلا«، الأمر الذي جعل حتى مخرجي الفيلم نفسيهما يعبران عن دهشتيهما، إذ كان أقصى طموح لهما، هو الحصول على منحة «صندوق سند«، وعرض فيلمهما (البسيط على حدّ تعبيرهما هما)، فجاءتهما الجائزة الكبرى، بأكثر القرارات رعونة! ٠
لا أعرف كيف لم ينتبه السيد بيتر سكارليت إلى أن ثمة مخالفة جوهرية هنا، إذ أن هذه الجائزة المخصصة أصلاً للمخرجين السينمائيين العرب، نال نصفها على الأقل (حتى لا نقول ثلثيها) المخرج الأميركي دانييل غارسيا، الشريك في الإخراج، والكتابة، والمونتاج، فضلاً عن قيامه بالتصوير، ومشاركته في اختيار الموسيقى.. فهل يجوز أن تذهب الجائزة المخصصة من أجل «أفضل فيلم روائي لمخرج عربي جديد«، إلى فيلم روائي يقوم بغالبيته مخرج أميركي؟! وهل يمكن أن يتمّ تفسير هذا بأن رئيس لجنة التحكيم تلك، ما هو إلا أميركي التربية والدراسة، فرنسي الهوى، دون أن ننسى التمويل الإسرائيلي الحكومي لأفلامه؟!..
قبل ذلك بأيام، وفي موقف دعا إلى التندّر، أعلن الأميركي بيتر سكارليت «أنه يشعر أن أبو ظبي وطنه«! ضحكنا، وصمتنا.. فجميعنا يعرف السبب!.. ولكنه لم يقل لنا حينها إنه سيدخل معه الأميركيين، إلى درجة أن ينال مخرج أميركي «جائزة اللؤلؤة السوداء لأفضل فيلم روائي لمخرج جديد من العالم العربي«! تذكروا الاسم: دانييل غارسيا..
ولم تتوقف الخيبات التي جاء بها «زعيم لجنة تحكيم مسابقة آفاق جديدة« بهذا، فكان لا بد لها أن تتكامل مع مخالفة صريحة أخرى، لا أدري كيف تم تمريرها، إذ بدل أن يتم منح جائزة «أفضل فيلم وثائقي لمخرج جديد من العالم العربي« لمستحقها المصري فوزي صالح، عن فيلمه «جلد حي«، قامت لجنة التحكيم بإصدار أغرب بيان يمكن أن يُعلن، لخصته اللجنة بقولها: «ترغب لجنة التحكيم بالإشارة إلى أهمية مبادرات التمويل، مثل «صندوق سند»، و»الصندوق العربي للثقافة والفنون»، في رعاية المواهب، والتي سوف تؤتي ثمارها فيما يتعلق بمستقبل صناعة السينما العربية. لذلك فإننا نوصي بأن يتم تخصيص جزء من أموال الجائزة في هذه الفئة إلى «صندوق سند»، لمواصلة عمله في دعم صانعي الأفلام الوثائقية العربية الجدد« ٠
هكذا، وبدلاً من القيام بمنح الجائزة لمستحقها؛ المخرج السينمائي، كاملة غير منقوصة، شاءت لجنة التحكيم إرجاع الأموال، والتبرع بها لمصدرها «صندوق سند«! لا ندري من أين أتى هذا القرار الخرافي؟ من قال لهم إنه يجوز اقتطاع جزء من هذه الجائزة، ومنحها لجهة غير متسابقة أصلاً، بل هي داعمة، وممولة، لجزء من الأفلام المشاركة في المهرجان؟ أما يكفي ذاك الانحياز الفاضح لبعض الأفلام التي دعمها «صندوق سند«، إلى درجة أن البعض، في لجان التحكيم، بدوا وكأنهم يطمحون لنيل رضا هذا الصندوق العتيد، تارة بمنح أفلامه الجوائز، دون وجه حق، وتارة بمنحه هو نفسه ثلاثة أرباع جائزة، في مخالفة صريحة؟!..٠
وإذا كان من الممكن للجنة تحكيم ما أن تخالف النظام، أو المنطق، فإن إدارة المهرجان هي المسؤولة والمعنية أولاً بردع هذه المخالفة، ورفضها، والتوجيه للجنة التحكيم، إما بحجب الجائزة، أو منحها لمن يستحق.. أما أن يجري اقتطاع جزء من الجائزة، دون وجه حق، كرمى لعيني «صندوق سند«، فهذا مما لا يخطر على بال!
ولا نريد أن نتساءل، فنقول: ترى كيف يمكن لهذه التصرفات العجيبة أن «تؤتي ثمارها فيما يتعلق بمستقبل صناعة السينما العربية«، وهي تنشر الإحباط بين المخرجين السينمائيين العرب الجدد الذين خرجوا كلهم (باستثناء اللبنانية رانيا عطية، الشريكة للأميركي دانييل غارسيا)، من المولد بلا حمص؟
ومع الاستغراب الشديد لخروج فيلم متميز، مثل الفيلم المصري «رسايل البحر«، دون أي انتباه.. يبقى أن الإشراقة الوحيدة، والناقصة، وذات المخالفة، أيضاً، هي أنصاف الجوائز التي مُنحت لكل من: كيم لونغينوتو، وباتريشيو غوزمان، وماهر أبي سمرا، وجورج سلاوزر. فقد كانت المخالفة صريحة، أيضاً، في منح نصف «جائزة اللؤلؤة السوداء لأفضل فيلم وثائقي من العالم العربي«، للمخرج الهولندي الكبير جورج سلاوزر، دون أن تقنع أحداً إضافة جملة «أو حول العالم العربي«، التي بادرت إليها لجنة التحكيم!..٠
انتهت الدورة الرابعة من مهرجان أبو ظبي السينمائي، وهي في كل تفصيل من تفاصيلها تدعونا لإعلاء الصوت من أجل ضرورة إيجاد إدارة عربية، قادرة، ومحترفة، تخلّص هذا المهرجان من عثراته، وفوضاه، وتُُخلص لحقيقة السينما العربية، واقعها، ومستقبلها، وهمّها، وهمومها.. وكي تسدّ الأبواب تماماً أمام حالات التسلل الإسرائيلي، التي لم نعدم وجودها، سواء كأفلام، أو كأشخاص!٠

  • أرسلها الناقد | بشّار إبراهيم
3

موسم الحج لمهرجان القاهرة السينمائي 
ورحلة البحث عن فيلم يمثل مصريعاني من 
شح التمويل ويحتاج لأوكسجين صناعي٠

بقلم: كمال القاضي


للمرة الثانية على التوالي يفطن مهرجان القاهرة السينمائي إلى أهمية الوحدة العربية وضرورة تعزيز هذا الاتجاه السياسي بالتضامن الافريقي، حيث الحديث المنفرد عما يسمى بالعولمة الثقافية يفضي حتما الى ضياع الهوية ويفقد الفنون خصوصيتها ويقلل من تأثيرها، خاصة السينما التي تمثل وسيطا مباشرا بين المحيط العربي والمحيطات الدولية، وتعد ركيزة أساسية لتلاشي الحواجز النفسية بين الشعوب وخلق روح الانتماء واللحمة وتعضيد أواصر الإخاء والصداقة في كثير من الأحيان، فما تفعله السينما يصلح ما تفسده السياسة، ولعل من مقومات ذلك ما يشمله برنامج الأفلام والندوات لمهرجان القاهرة هذا العام، الذي يبدأ في الفترة من 30 تشرين الثاني/نوفمبر ويستمر حتى 12 كانون الاول/ديسمبر القادمين، ويتضمن رؤية بانورامية جديدة تطرح القضايا العربية وقضايا القرن الافريقي وتستعيض بها عما كان يسمى في السابق بقضايا الشرق الأوسط، ويحمل تعميما مخلا بالمعنى وينفي الخصوصيات العربية والافريقية خارج الحسابات الفنية والثقافية والسياسية والاجتماعية، وبالتالي يبدو البارز على الخريطة فقط هو المصطلح الجديد الذي تنطوي تحته إسرائيل وتجني بفضله مكاسب عديدة، أقلها أن تظل تحت الأضواء ويتم التعامل مع نشاطاتها المختلفة كأمر واقعن بيد أن المغاير هذا العام واللافت ايجابيا هو اختيار محاور تربط بين امتياز مصر السينمائي وصلاتها بالدول الشقيقة، بل وامتدادها الاستراتيجي داخل القارة الافريقية السمراء، والمتمثل في السعي الدؤوب لفتح اسواق تجارية للفيلم المصري هناك، وكذلك السماح بتوزيع الفيلم الافريقي بالسوق المصرية حتى وإن كان ما ينتج هو مجرد تنويع على القضايا الافريقية برؤوس أموال حرة تخضع لقانون الشراكة بين مؤسسات افريقية وأخرى أجنبية، ويحسب لإدارة المهرجان في هذا الخصوص التنسيق مع شركات عالمية كبرى  لدعم الفكرة وتقديم العديد من الصور الأرشيفية والتراثية المطلوبة لنجاح المشروعن والمؤكدة لعمق العلاقات الثلاثية بين مصر والعرب وافريقيا، من ناحية أخرى يستحدث المهرجان في دورته الرابعة والثلاثين لعام 2010 برنامجا آخر لعرض الأفلام العالمية التي ناقشت الواقع المصري، او أشارت إليه أو حتى نوهت بسمات وخصائص الشخصية المصرية، والأمثلة على ذلك كثيرة، من بينها ما أخذ عن أدب نجيب محفوظ وأنتج سينمائيا مثل الفيلم المكسيكي 'زقاق المدق' والفيلم الشهير 'المريض الإنكليزي' والفيلم الأمريكي 'روبي كايرو'، بالإضافة الى خمسة عشر فيلما آخر، ويتخذ مهرجان القاهرة السينمائي الدولي لدورته شعارا يضع له عنوانا سياحيا، 'مصر في عيون العالم' ليكون دالا على المكانة السينمائية والثقافية للبلد الذي تقام على أرضه الفعاليات السنوية، التي تحج إليها الأفواج والشركات والفضائيات والنجمات والنجوم من كل فج عميق، وهو مؤشر يوحي بتحول الحدث السينمائي الكبير الى أداة جذب دعائية تستخدم لترويج النشاط السياحي الخارجي والداخلي، وربما يرتبط هذا العرض بتكريم بعض النجوم من اصحاب الشعبية والجماهيرية الكاسحة، وأبرزهم ليلى علوي، تفاحة السينما المصرية والعربية، كما أطلق عليها منذ قيامها ببطولة فيلم رأفت الميهي 'تفاحة'، وحصولها على جائزة أحسن ممثلة منتصف التسعينيات، وتعد ليلى واحدة من أكثر بنات جيلها تميزا وعطاء، فرصيدها من الأفلام يربو على 70 فيلما، تنافسها في التكريم الفنانة صفية العمري، وهي من جيل سابق عرفت بأدائها الأرستقراطي ويبلغ عدد أفلامها 60 فيلما، أما مدير التصوير د. رمسيس مرزوق فهو ثالث المكرمين والملقب بساحر الضوء والحاصل على 45 جائزة وميدالية وشهادة تقدير، وسبق تكريمه نحو اثنتي عشرة مرة طوال مسيرته الفنية الحافلة، ومن مزايا الدورة 34 للمهرجان السينمائي السابع على مستوى العالم الاحتفاء باسمين كبيرين، هما الفنانة أمينة رزق والفنان محمود المليجي فقد قررت اللجنة العليا إهداء الدورة إليهما وفاء وعرفانا وتقديرا لإسهاماتهما واحتفالا بمرور مائة عام على ميلادهما، وتجدر الإشارة هنا إلى حجم الدعم المالي الذي تقدمه وزارة الثقافة للمهرجان والذي يقدر بـ100 ألف جنيه تعطى للفائز الأول بجائزة السيناريو من بين 28 سيناريو، يشارك بها 28 مبدعا من مختلف دول العالم العربي، والحقيقة أن هذا التبرع من وزارة الثقافة لا يعدو كونه إسهاما متواضعا يأتي ذرا للرماد في العيون، حيث تكلفة الضيافة لواحد فقط من نجوم المهرجان تتجاوز هذا الحد في ليلة أو ليلتين بأحد الفنادق الكبرى، اللهم الا إذا كان هناك دعم آخر في الخفاء ولا يعلن عنه، عملا بمبدأ السرية عند تقديم الصدقات، حيث لا تدري اليد اليسرى ما أعطته اليد اليمنى، وفي هذه الحال لا يسعنا إلا أن نرفع القبعة لأصحاب المعالي بوزارة التثقيف والتصفيق فالشكر كل الشكر للوزير الفنان والتحية كذلك موفورة لرئيس المهرجان الشرفي عمر الشريف والفعلي عزت أبو عوف، حيث الكلمة كلمتهم، ولا معقب على قراراتهما، ونود أن نؤكد طالما أننا في معرض الحديث عن أموال الزكاة التي تقدمها الوزارة المعنية لماراثون الأفلام العربية فان مائة ألف جنيه مصري أخرى تمنح مناصفة بين المخرج والمنتج لأفضل فيلم عربي، ولكن هذا السخاء ايضا لا يستطيع أن يفي بحاجة مهرجان كبير، مثل مهرجان القاهرة يعاني من أنيميا 'البنكنوت' ومهدد بتصلب في شرايين التطوير والتحديث والإبداع ويفتقر لكثير من مقومات الحياة الطبيعية والاستمرار في المنافسة، أزمات المهرجان بدأت منذ رحيل سعد الدين وهبة وتوالت الى ان جاء أبو عوف الى كرسي الرئاسة، ورغم المناشدات والاستجداءات لا تزال هناك مشكلات كثيرة تواجهه أصغرها الفوضى التي تصاحب عادة حفلي الافتتاح والختام وأكبرها عدم وجود أفلام جاهزة تمثل مصر في المسابقة الرسمية ورحلة البحث الشاقة عن فيلم مناسب والعثور عليه في الوقت الضائع قبل ساعات من بدء الفعاليات الرسمية، تلك هي الأمراض المزمنة التي لم يبرأ منها المهرجان، وإن كان فتح الباب أمام أفلام الديجتال سيغير الكثير من ملامح الصورة المشوهة وينعش الرئة السينمائية بالأوكسجين الصناعي

  • نُشرت في "القدس العربي"٠

الممثل كحالة سياسية | جورج كلوني ضد كلينت ايستوود ضد عادل إمام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضــا

كلينت ايستوود
The Ides of March  الفيلم المقبل لجورج كلوني عن مسرحية بعنوان الخامس عشر من  مارس
سبق لمؤلّفها بو ويليامز. وهو مسرحية سياسية الطابع  حققت نجاحاً علي خشبات برودواي والعنوان يرمز الى الليلة التي تم فيها قتل جوليوس سيزار في العام الرابع والأربعين قبل الميلاد٠
جورج كلوني سينتج وسيمثّل لجانب بول جياماتي وماريسا توماي ورايان غوزلينغ والتصوير سيبدأ في الشهر الثاني من العام المقبل٠
الفيلم المقبل لكلينت ايستوود من المتوقّع أن يكون »هوڤر«، ليس عن صانع المنظّفات الشهيرة بل عن رئيس الأف بي آي ج. إدغار هوڤر الذي مسك منصبه سنة 1924 وبقي فيه حتى وفاته بعد 48 سنة٠
أما بالنسبة لعادل إمام، ففيلمه المقبل، الذي انتهى من تصويره قبل أسابيع قليلة، هو »الزهايمر« للمخرج عمرو عرفة٠
الثلاثة مشتركون، بخلاف أن المهنة واحدة، في أن اهتماماتهم سياسية. جورج كلوني يساري، كلينت ايستوود يميني وعادل إمام يساري ويميني من حيث يعلم او قد لا يعلم٠
إنه من الملحوظ بالطبع أن كلوني وإمام تعاملا مع الحرب العراقية (كل على حدة طبعاً) بينما استبعد ايستوود أي موضوع له علاقة بالسياسة الأميركية الخارجية الا مرّتين في السنوات الثلاثين الماضية. الأولى عبر فيلم موجّه ضد "السوفيات" بعنوان «فايرفوكس« (1982). والثاني عبر فيلم تدور أحداثه الختامية حول غزو غرينادا سنة 1983، ثلاث سنوات قبل انتاج هذا الفيلم. كلا الفيلمان، يجب أن أقول، ليسا لا حربيين ويتمتّعان بقدر بعيد جّداً عن التوثيق والواقعية: الأول مغامرة خيالية لسرقة أحدث طائرة سوفياتية، والثاني عن متاعب السيرجنت ايستوود في حياته الخاصّة وقيادته لمجموعة المارينز المتّسم بالصرامة لحين دخولها تلك الحرب الصغيرة٠
لديه فيلمين آخرين في السنوات القليلة الماضية تعاطيا موضوع الحرب- لكنهما لم يتعاطيا موضوع السياسة الأميركية الخارجية. »رايات أبائنا« و»رسائل من إيو جيما«. الأول، في الحقيقة، ضد الإعلام الذي يستغل البطولة التي يحققها الجنود (عن واقعة) والثاني عن الجنود اليابانيين في الأيام الأخيرة من احتلالهم لجزيرة إيوا جيما من وجهة النظر اليابانية٠
أي من هذه الأفلام لا يحمل شعارات، لكن المبدأ الجامع بينها أن وجهة نظره ليست انتقادية من وجهة نظر ليبرالية متحررة من جذور مواقفها السياسية. يمينية ايستوود هي في الموقف المحافظ حيال الأشياء، لكن إذ أقول ذلك أراه اخترق تلك الأشياء أكثر من مرّة٠
لعل فيلم «توران غورينو« (2008) يعبّر عنه أفضل تعبير. لقد قام ببطولته (وإخراجه طبعاً) ويتحدّث عن رجل مسن، كان شارك في الحرب الكورية في الخمسينات. يعيش الآن في حي من لوس أنجيليس ويلاحظ، بعد نحو ثلث ساعة من بداية الفيلم او نحوها، أن الحي كان حيّاً أبيض البشرة ومحافظ وعائلي. الملاحظة تأتي في عداد سرده المتغيّرات الواقعة اليوم بالصورة قبل الكلمة: بات الحي المحافظ حيّاً مختلطاً فيه آسيويين ومكسيكيين وسود. تغيّرت معالمه وجيرانه "البيض" السابقين تركوه الى أحياء أخرى. الجدد يمثّلون مشكلة٠
لكن  وولت، كما أسمه في الفيلم، لا يكن العداء بالضرورة. إنه شخص متذمّر ويحب لو بقي الحي كما هو لكنه، مثل غالبية الأميركيين، يحمل إرث الترحيب بالأخر للوطن الذي بُني على مهاجرين. نراه يتدخّل لمساعدة العائلة ذات الأصول الصينية (في الحقيقة هي من شعب مونغ الذي، تقليدياً انتشر فوق الصين وفييتنام وتايلاند) في تدبير نفسها حيال عصابة (من نفس الأصول) تحاول جذب صبي العائلة المراهق الى صفّها. في مشاهد أخرى نلم بعصابة لاتينية وأخرى أفرو- أميركية. المهم أنه في نهاية الفيلم يقرر أن يضحّي بحياته في مقابل مستقبل تلك العائلة المهاجرة٠
Unforgiven
ليست التضحية بحد ذاتها موقف سياسي يساري او يميني. ليس كل يميني يفعل ذلك، لكن السياق الذي تأتي به (وعلى نحو منطقي) هي رغبة الإنعتاق من وضع لا يستطيع فعل أي شيء حياله. لا يستطيع العودة الى أيام سيارته (الخمسينات) ولا استعادة الماضي الذي كانت فيه المدينة بيضاء. في الوقت ذاته مرتبط بموقفه الإنساني الذي يفرض عليه تبعة التمثّل بالمسيح٠
    بفحص أفلام ايستوود الأخرى، لا يمكن التغاضي عن أن نقدي في عدد كبير منها: الشريف (جين هاكمان) في «غير المسامَح» (1992) رجل سادي يسيء استخدام القانون. لديه منزل يبنيه بنفسه لكن المنزل يخر بالماء. الرمز الواضح هنا هو أنه ينتمي الى مؤسسة تخر ماءاً. إنه شخص مُعين رسمياً  ينتمي الى القانون لكنه يسيء اليه. هذا الموقف مضاد لمن ينشد، في سينما الغرب الأميركي، تحويل رجل القانون الى نموذج يحتذي به٠
Absolute Power جين هاكمان يصبح رئيس جمهورية الولايات المتحدة في : سُلطة مطلقة
وهو لا يزال على فساده. إنه على علاقة مع عاهرة -أوّلاً، سادي المعشر- ثانياً، يضرب المرأة لكي يُثار جنسياً، (ثالثاً) و-عن دون قصد- يقتلها. اللص (ايستوود) يشهد ذلك ويصبح مطارداً من قبل أمن البيت الأبيض لإسكاته. هل حقيقة أن هذا الفيلم أُنتج على عهد جورج بوش الأب (1997) لها دلالة إدانية؟ ايستوود لا يتحدّث لغة نظريات المؤامرة والا لكان الفيلم معاد على نحو تلقائي، لكن حتى وإن لم يفعل، فإن السؤال جائز ويكشف عن أن ايستوود قد يكون إنساناً محافظاً لكنه غير مقيّد بوضعه٠
   لعل المشكلة التي تعترض طريق المؤيد الكامل لايستوود، وأنا من أشد المعجبين به مخرجاً وحضوراً على الشاشة، هو تعامله مع العناصر العرقية غير البيضاء ٠
سلسلة »هاري القذر« (المؤلّفة من خمسة أفلام) مليئة بالنماذج: الأسود، اللاتيني، الآسيوي، ثم المرأة ولو أنها بيضاء. العلاقة لا يمكن أن تكون متساوية لكن أفضلهم هم الواقفين في الصف ذاته. عازف الجاز تشارلي بيرد (في فيلم »بيرد«) يتعرّض لنظرة بالغة الدكانة واصمة من دون استراحات إنسانية أخرى. إدمانه الشديد للمخدّرات غير مرتبط بدوافع إنسانية والإعجاب بموسيقاه صوتي أكثر منه جمالي او فني. لا إنكار إنه من أفضل أعماله، لكن قسوته واضحة٠
هذا لا يعني أن ايستوود عنصري على الإطلاق وشخصياته الشريرة الأعتى والأكثر تطرّفاً هي بيضاء ونجدها في العصابة النازية التوجه في »أي ظريقة ما عدا الخسارة« (1979)  والعصبة اليمينية المتشددة المؤلّفة من رجال بوليس ينفّذون الإعدام بأنفسهم في المتّهمين في «ماغنوم فورس« (1973) الذي ردّ فيه على من اتهمه باليمينية في أول فيلم من السلسلة وهو »ديرتي هاري« (1971). ولو أنه في »الفارض» (1976) جعل المتطرّفين الراديكاليين اليساريين هدفاً له٠
إذا ما كان ايستوود يمينياً، فهو من اليمين ذي الأجندة المنطقية، تلك التي لا يُلام فيها على مواقفه المؤيدة للولايات المتحدة كنظام اجتماعي. عدم رغبته في الحديث السياسي المباشر او في السياسة الخارجية الأميركية يمكن أخذه، الى حد، كبرهان عن عدم الرغبة في الوقوف مع تلك السياسة على طول الخط كما فعل جون واين في زمانه فكان مع أميركا أصابت او أصابت (على أساس أنها لا تخطيء)٠
The American  | جورج كلوني

المسألة مختلفة مع جورج كلوني كونه يساري معلن التوجّه. قبل المضي، اليساريون واليمينيون قد يتفقون وقد يختلفون بالنسبة لمدى تأييد الواحد منهم الى اسرائيل. من أيام جين فوندا الى اليوم، اليسار الأميركي يسار في كل شيء الا حين يقترب الأمر من تأييد الكيان الصهيوني في إسرائيل. ذلك بسبب تقاعص العرب عن إظهار القضيّة الحقّة وفشلهم في السياسة كما في السينما (هذا نصف السبب الشامل) وبسبب ما أنجزه هتلر من أذى على اليهود بحيث بات تأييد "الضحايا المساكين" فعل إنساني حيال عرب متّهمون بأنهم كانوا مع تركيا والنازيين سياسة وضمناً٠  
كلوني يعكس القلق الفردي الأميركي حتى حين لا يكون الفيلم ذا وجهة سياسية واضحة: القلق البادي عليه في »الأميركي« للمخرج أنطون كوربين (المعروض حالياً في مصر وعواصم الخليج) هو واحد من وجوه هذا التشخيص. ذلك الذي في صلب شخصيّته في في فيلمه الحديث الآخر 
Up in The Air

في »الأميركي« يؤدي جورج كلوني شخصية رجل متوحّد، او كما يُسمّى بإتقان في الإنكليزية
Loner
يخل بنظامه الإنفرادي ذاك فيضطر لقتل إمرأة كانت معه، ثم يغيّر مكان عزلته من ثلوج منطقة مقفرة في  السويد الى قرية ايطالية في بعض الجبال، وذلك هرباً من أشخاص يودّون قتله. لا يهرب المخرج أنطوان كوربِن من الإيحاء بأن الشخص الذي يود إزاحة بطله من الطريق، هو ذاته الذي كان يوكله بمهمّات القتل، كون جاك/ كلوني قاتلاً محترفاً. حتى جاك يشك بالأمر سريعاً، لكن الوفود المسلّحة التي تود قتله تظهر مجدداً في النصف الثاني من الفيلم قبل أن يظهر موكله نفسه٠
في الأفلام عموماً لديك النظام التالي
إذا كان البطل المنفرد مبتسماً، واثقاً، ذا قدرة على مقاومة العواطف، يقتل أوّلاً ويسأل بعد ذلك فهذه هي صفات البطل اليميني٠
إذا كان البطل المنفرد محبطاً، منعزلاً، يغازل فكرة ترك المهنة وتكوين الأسرة ويقع في الحب فهي صفات البطل اليساري او، على الأقل، البطل الذي يكتبه ويخرجه يساري يرى العالم مكاناً غير أهل لكي يعيش فيه الإنسان، كما يجد أن بطله ليس قوّة عتيدة فقط، بل بشر عادي في المقام الأول٠
جورج كلوني هو هذا البشر العادي (جون واين، ايستوود الأول، تشاك نوريس، سلفستر ستالون هم أبطال ينضحون بالموقف اليميني)٠
البطل السعيد: يميني. البطل الحزين: يساري. سنجد إذا ما أمعنّا استثناءات كثيرة لكنها لن تخل بالقاعدة٠ي
إنها ذات الشخصية التي نراها في فيلمه السابق »مايكل كلايتون« (2007) الذي أخرجه توني غيلروي.  لكن كلوني، مثل ايستوود وعادل إمام، ظهر في أفلام تجارية محضة بلا هوية محددة. أفلامه الأولى من العام 1987  الى العام 1997 ذات نفس تجاري بلا مواربة بما فيها الفيلم الذي قام ببطولته تحت عنوان «باتمان وروبن» الذي هو فيه شخص منطو، لكنه ينتمي الى نموذج آخر من الإنسان المنطوي لا يُدرج بسهولة على خانة اليمين او اليسار. لكن بعده مباشرة وفي »صانع السلام« لميمي لَدر وجدناه في فيلم يؤيد السلام على الحرب  ثم حين بدأ يظهر تحت إدارة المخرج ستيفن سودربيرغ أخذ يكوّن فعلياً تلك الشخصية الخارجة عن أي إطار في أفلام لا تحتفي بالحاضر ما يجعلها أقرب الى خط يساري منها الى أي خط آخر٠
 
3 Kings
الفيلم- الموقف بدأ مع «ثلاثة ملوك» لديفيد أو راسل: جنود اميركيون وراء الذهب خلال حرب الخليج الأولى، يجدون أنفسهم أمام مشكلة إنسانية. يصدّقون أن إدارتهم السياسية تكترث لما يكترثون له لكنهم يدركون لاحقاً أن الشعب العراقي ليس في أوليات تلك الحرب٠
إذا مررنا على بضعة أفلام تجارية الشأن يحتاجها الممثل لكي يبقى قادراً على تنفيذ الأفلام التي يريد سنرى كلوني يتصدّى لرواية واقعية كتبها عميل سابق للسي آي أيه أسمه تشاك باريس يتحدّث فيها عن بعض ما كلّف به من مهام قتل. كلوني أخرج هذا الفيلم (أول إخراج)  في العام  1999 كما لعب أحد الأدوار الرئيسية فيه. لفيلمه الثاني مخرجاً لم يقل مستوى عن السابق وهو »ليلة سعيدة، حظ طيّب« او
Good Night, and Good Luck
ذلك أن الموضوع الدائر هنا هو انتقاد هجمة اليمين المتطرّّف في أميركا على يساره إثر محاكمات "لجنة التحقيق في الممارسات غير الأميركية" المعروفة أيضاً بـ "لجنة مكارثي"٠ الفترة التي يدور فيها الفيلم هي الخمسينات حينما بقي الإعلام واقع تحت قبضة الرغبة في اللعب بمشاعر الناس وتخويفهم من العدو الأحمر الذي كاد أن يتسلل الى الحكم. حين حقق كلوني هذا الفيلم، كان الماضي يعيد نفسه في عهد الرئيس جورج و. بوش حيث استنفر اليمين أدوات التخويف واستغلّها في ضرب العراق كما في توسيع مساعي سيطرته على قطاعات كثيرة من العالم٠
أنجز كلوني هذا الفيلم سنة 2005 وأنجز فيلمه الثالث سنة 2008 تحت عنوان
وهو مصطلح لعدد من لاعبي كرة الروغبي (بينهم كلوني) يحاولون الخروج Leatherheads
من ورطة العمر والحكم المسبق للإعلام والمستقبل الغامض للاعبين. ليس الفيلم الرياضي المنتشي عنفاً وضرباً او تهريجاً كما الحال مع العديد من الأفلام المنتمية الى هذا الخط٠
هو تعليق آخر على الحرب في العراق يتكّهم فيه على The Man Who Stare at Goats
معالجة شؤون الحرب بناءاً على أحداث في الأصل حقيقية٠
عادل إمام

للأسف لا يوجد ذلك العمق في المدلولات التي تنضح بها أفلام عادل إمام. إنه ممثل "وطني"  و"قومي عربي مؤمن بالناصرية" و"معاد للإرهابيين" و"ضد التطبيع" وستجد أنه من حيث المبدأ لا يمكن أن تكون كل هذه الأشياء (او إثنين منها على الأقل) وأن تكون "من الصف الوطني" (بكلمة أخرى: اليمين) في الوقت ذاته. لهذا السبب، فإن أعماله المناوئة للإرهاب إذ تنحو لتأييد السُلطة لا تلتقي وإعلانه بأنه ناصري. ومعاداته للتطبيع لا تلتقي أيضاً مع ذلك الخط الوطني. بكلمات أخرى، إذا ما كان الموقف القومي والمعادي للتطبيع  متوازيان ومتلائمان، فإن وقوفه لجانب النظام حينها يحتاج الى تفسير. كذلك يمكن أن تكون قومياً او مع النظام الحالي وتكون في الوقت ذاته مناوئاً للتطرّف الإسلامي ولجماعات التديّن كيفما اتفق٠
إنه من المثير حقّاً كيف أنه من بين كل الأفلام التي لعبها من سنة 1964 الى اليوم، هناك واحد فقط مختلف تماماً عن الأفلام الأخرى التي يربو عددها على السبعين كما اعتقد. بكلمات أخرى، في »النوم في العسل«  (1996)  و»الهلفوت« (1985) اختلافات، لكنهما ليسا مختلفان كلّيا. والأمر ذاته موجود في معظم الأفلام الأخرى٠
إنه، كأساس، المواطن العادي الذي يحب النساء ويعيش حياة فقر مدقع، او هوس شبابي عام وذلك في معظم ما سبق 1980 من أفلام، ثم المواطن الذكي الذي لا يزال يحب النساء لكنه ينجح في الوصول الى المال الذي هو الحب الحقيقي للإنسان (حسب تلك الأفلام) والى مصاف رجال الأعمال الفاسدين ثم مصاف الوزراء المهيمنين وذلك في غالبية ما تلا العام 1990 من أفلام. في منطقة الوسط، هناك شخصية ابن القاع المنجذب بين الحبين: للمال وللنساء٠
هذا الخط العريض من الإهتمامات مشغول بنفس وتيرة "اللاموقف نهائي" الذي تعكسه آراؤه ومواقفه السياسية. إنه مع الفقير، لكنه يطالبه بايجاد سلوك يشابه سلوكه وسيصل الى السُلطة. ثم هو الواصل الى السُلطة من أوّل الفيلم لا لينقدها بل لينقاد فيها٠
أكاد أقول أن الفيلم الوحيد من بين كل أعماله الذي قدّم فيه عادل إمام صورة مغايرة لكل هذه الإتجاهات، هو فيلم «الحرّيف« الذي مثّله تحت إدارة المخرج محمد خان. طبعاً سنجد أدواراً أخرى له  تحاذي فيلم خان سنة 1983 تحمل همّاً إنتقادياً  لكنها مُعالجة ككوميديات شخصية  تبرز قيمة بطلها كنجم بينما يبرز »الحريف« قيمة النص الدرامي الذي كتبه بشير الديك فوق قيمة النجم٠
طبعاً لم يحقق الفيلم أي نجاح يُذكر قياساً بأعمال الإمام الأخرى مثل »زوج تحت الطلب« و»رمضان فوق البركان« و»كراكون في الشارع« و»الإرهابي« و»الإرهاب والكباب«، لكن واحداً من عناصر النجاح هو التخلّى عن جدّية الفكرة في سبيل خفّة المعالجة وتطويع المادّة لكي تمنح الممثل وجوداً نجومياً داخل الفيلم. إنه لا يمثّل لكي يصبح نجماً، ولا حتى يبقى نجماً، بل يمثّل أساساً كنجم٠
على نفس المنوال، نجد أنه في حين أن »مرجان أحمد مرجان« قد يصف رجال الأعمال الناجحين بالمصلحة الفردية الا أنه لا يعارضهم طالما أن عادل إمام (او شخصيّته في ذلك الفيلم) تنص على أنه منهم. في »حسن ومرقص« هو المندفع في تبنّي مصلحة الوطن من باب التصدّى للداعين الى التفرقة الطائفية، لكن  الفيلم يخلو تماماً من أي طرح سياسي او اجتماعي او حتى ديني مجد متجاوزاً التفاصيل المهمّة وصولاً الى المانشيت العريض بضرورة التوافق. أما الوزير في الفيلم فهو إنسان طيّب يتكّل على وكيل أعمال لا تخلو أعماله من غباء مضحك٠
هذا القسم الأخير من أعماله يزداد توهّجاً تحت ضوء يميني، لكنه يعارض في الوقت نفسه لب ما ورد في فيلمه الأسبق »السفارة في العمارة«. وفي حين أن معاداة التطرّف الديني، الذي هو وجه يميني آخر، موجودة في أعماله الكثيرة الا أن لا ذكر فيه  للعلاقة القائمة، بصورة غير مباشرة، بين اليمين النظامي المعادي للتطرّف وبين اليمين الطائفي المعادي للنظام

  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠



Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular