Nov 30, 2010

Year 4. Iss. 615 | إتحاد النقاد وموسم الفشل | الناقد وفلسفة الفيلم: أندريه بازان رائدا/ السيناريو يقودً | سباق الأوسكار: بداية مبكرة |الكاتب البوليسي جيمس م. كاين | الوداع الطويل: هؤلاء رحلوا هذا الشهر


مفكّرة | 2010/12/7
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المخرج  داني بويل يوجّه جيمس فرانكو 
مشاهدات
منكب ليل نهار على مشاهدة الأفلام التي يتم عرضها عرضاً خاصّاً لأعضاء جمعية مراسلي هوليوود تمهيداً لعملية انتخاب جوائز الغولدن غلوبس.. ما لا أستطيع التوجّه اليه بالسيارة  أشاهده في البيت، والأيام كثيرة تلك التي أمضيها من موقع صالة الى أخرى من العاشرة صباحاً وحتى الثانية عشر بعد منتصف الليل. إنها  240 فيلماً مطلوب منّا إبداء الرأي فيها منها  قبل العاشر من هذا الشهر حين نصوّت للمرّة الأولى (من مرّتين). ما هو أميركي ومنها ما هو أجنبي. منها ما هو رسوم او وثائقي او روائي٠
كثير منها شاهدته حين هبط عروضه في فترات مختلفة من العام ما يجعل مهمّة الإنصراف الى الأفلام الأجنبية (ونصفها مرشّح لأوسكار أفضل فيلم أجنبي أيضاً) وغالبيّتها لم يُعرض في أي من المهرجانات الرئيسية ولو أن بعضها كان جديراً بأن يفعل. ملاحظة أكررها كل سنة لنفسي متسائلاً عن لجان الإختيار التي تعمل لهذه المهرجانات٠
الى اليوم ومنذ بداية العام الحالي شاهدت  266 فيلماً جديداً (آخرها قبل ساعة من جلوسي لكتابة هذا التقرير: »127 ساعة» لداني بويل- الصورة ) و108 أفلام قديمة أشاهدها للمرّة الأولى (هناك نحو مئة أخرى أشاهدها وأنا أعمل وعادة ما تكون إعادات)٠ هذا ما يجعل حصيلتي -قبل بداية مهرجان دبي في الثاني عشر من الشهر- تصل الى 374  فيلم٠
بالمناسبة، كتبت العدد الجديد من "كتاب السينما" ثلاث مرّات حتى الآن  من دون أن يجد طريقه للنشر بعد. وها أنا أكتبه للمرّة الرابعة وفيه كل هذه الأفلام. هل سأجد مؤمناً بالسينما والثقافة لنشره؟

جوائز
سطا فيلم »خطاب الملك« (الذي يفتتح مهرجان دبي السينمائي مطلع الأسبوع) على أهم جوائز مسابقة الفيلم البريطاني المستقل. فهو ربح جائزة أفضل فيلم، وأفضل ممثل أوّل (كولين فيرث) وأفضل ممثلة مساندة (هيلينا بونهام كارثر) ثم أفضل ممثل مساند (جفري رَش) وأفضل سيناريو (ديفيد سيدر). لكن المخرج توم هوبر لم ينل جائزة إذ ذهبت جائزة الإخراج  الى غارث إدواردز عن فيلم »وحش«٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 فيلم رومان بولانسكي «الكاتب الشبح« أعتبر أفضل فيلم أوروبي هذا العام وقطف حفنة لا بأس بها من جوائز هذه مؤسسة الفيلم الأوروبي في دورتها الثالثة والعشرين (أقيمت في استونيا هذا العام). الفيلم نال جائزة أفضل فيلم وبولانسكي أفضل إخراج وإوان مكروغر أفضل ممثل والسيناريست روبرت هاريس أفضل سيناريو وحصد ألبرخت كونراد جائزة أفضل تصميم انتاجي. كذلك خرج الموسيقار ألكسندر دسبلات بجائزة أفضل موسيقى٠ 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 الأفلام الأميركية الخمسة التي تبدو الأقرب الى إختيارات الأوسكار حاليا هي
King's Speech, Social Network, 127 Hours, Inception
Winter's Bone و
الجدول قد يختلف من أسبوع لآخر الى موعد الحفلة في السابع والعشرين من شباط/ فبراير 2011
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  منح مهرجان ستوكهولم الذي اختتم أعماله يوم السبت الماضي جائزته الأولى لفيلم فييتنامي عنوانه »لا تخف يا بي« وفوقها جائزة أفضل تصوير أيضاً. الفيلم الذي يدور حول صبي في السادسة من عمره يعرف معنى الوحدة ملاحظاً حياة الشخصيات التي حوله (والدها لمقعد وعمّته والخادمة) كان جال  ثلاثين مهرجاناً خلال العام الماضي وأنجز بضع جوائز سابقة. أهمية جائزته الجديدة هي أنه نالها عنوة عن بضعة أفلام لافتة من بينها »عظمة الشتاء« الذي يقود أكبر قدر من ترشيحات جائزة غوثام للأفلام الأميركية المستقلة حالياً٠
Get Low
بالم سبرينغز يؤيد روبرت دوفال

  الممثل الأميركي المخضرم روبرت دوفال  (79 سنة) الذي انطلق من سبعينات القرن الماضي بخطى واثقة منتقلاً من أدوار صغيرة الى أدوار بطولة من دون أن يتمتّع بشروط الوسامة التقليدية سيحضر الدورة الثانية والعشرين من مهرجان بالم سبرينغز الدولي (ثلاث ساعات بالسيارة شرقي لوس أنجيليس) لاستلام جائزة شرف في الثامن من الشهر الأول من العام المقبل. حين سألته "الشرق الأوسط" مؤخراً ما إذا كان سيعاود الإخراج (أنجز في مسيرته ثلاثة أفلام كمخرج) ابتسم وقال: "أعتقد أنني سأكتفي بالتمثيل"٠
لدوفال فيلم جديد عنوانه »إنخفض« من المنتظر عرضه في مهرجان سندانس في الشهر نفسه

أوراق ناقد
....................................................................................................

على الرغم من أن إعلان الإتحاد الدولي لنقاد السينما العرب كان واضحاً حين ذكر، في أكثر من مناسبة، أنه معني بالنقاد دون سواهم. لكن ذلك لم يوقف سيلا من غير النقاد بعث يطلب قسائم الإنتساب. ثلثا هؤلاء من الصحافيين السينمائيين، وثلث آخر من المخرجين٠
بالنسبة للفريق الأول، ليس هناك معاداة  بل كل احترام، لكن المسألة هي أن هذا الإتحاد لنقاد السينما وليس للصحافيين السينمائيين. هذه كانت الرغبة بناءاً على كل المعطيات التي وردت في إعلاننا السابق
بالنسبة للفريق الثاني، تتبدّى الحاجة لأن يجتمع المخرجين لإنشاء إتحاد خاص بهم.  بل أعتقد أنها ضرورة أساسية فنصفهم مظلوم في مهنته، يجد من شبه المستحيل تحقيق أفلامه وهذا لا ينطبق على غير المعروفين فقط بل على المعروفين في عالمنا أيضاً٠
وعلى ذكر كل هذا، هل أحلم في عالم عربي لا يعرف الوطنية الغبية فلا يرتفع الحس الأقليمي على الحس القومي؟ فلا يعتبر اللبناني او المصري او السوري او الكويتي او المغربي او الجزائري او اليمني أنه هو أفضل من سواه؟ هل أحلم إذا ما رغبت في أن أرى الناقد السينمائي قدوة تُحتذى في عملية تجاوز السلبيات والنواقص الفردية ومراجعة العقل والحكمة وفعل ما هو ضروري للتغيير؟
هل أحلم إذا ما أردت المبدأ يتقدّم على ما سواه وأن يرتفع التضامن على الفردية؟

الجواب: نعم..... أحلم بالطبع، لكنه حلم لذيذ ولي حق فيه٠
ً الفشل ليس حلاً

الإقبال المرتفع الذي يلاقيه عادل إمام  عبر فيلمه «الزهايمر« ليس نجاحاً الا من زاوية ما يعود به الى ذلك الممثل المخضرم من مكاسب معنوية ومادّية. الحقيقة، هي أن استمرار نجاح عادل إمام وفشل معظم الأفلام الأخرى في تحقيق نتائج موازية هو ما يجعل المسألة أقرب الى حفرة يقع فيها الإنتاج المصري بكامله هذه الأيام ومنذ بضع سنوات.
الأكثر من ذلك، أن الإقبال شبه الدائم على الأفلام الكوميدية المصرية دون سواها، هو أيضاً ليس نجاحاً للسينما المصرية بل تضييق خناق. أفلام العيد، إذا ما تابعناها، هي مجموعة من الأفلام الكوميدية ذات المستوى الراضخ لما يطلبه الجمهور،  او بالأحرى، لما يطلبه فريق من الجمهور مع تجاهل الفئات الأخرى منه.
إنها أفلام مثل »سمير وشهير وبهير« و»عائلة ميكي« و»ولاد البلد« و«الرجل الجامد بسلامتو« و» محترم الا ربع« و»إبن القنصل« و»بلبل حيران« مع ممثلين أمثال أحمد السقا ومحمد رجب ومحمد لطفي وشيكو وأحمد فهمي وسواهم٠
تغيب عن الساحة الأنواع التي عرفتها السينما المصرية في عصرها الذهبي وما قبل وما بعد: الأفلام المقتبسة عن الروايات الأدبية، سير الشخصيات، الدراميات الإجتماعية، القصص العاطفية الرصينة، وحتى أفلام الأكشن والتشويق٠
بالتالي، لو كنت في القاهرة وتريد أن تشاهد فيلم أكشن ما عليك سوى الذهاب الى حيث يُعرض فيلم »لا يمكن إيقافه» مع دنزل واشنطن، وإذا أردت فيلماً تشويقياً خفيفاً فعليك بـ «أحمر« مع بروس ويليس   او بفيلم «الأيام الثلاثة المقبلة« (بطولة راسل كرو) إذا كانت النيّة فيلماً تشويقياً جاداً ومدروساً.
طبعاً كلها أفلام أميركية بسبب سوء معاملة الموزّعين العرب عموماً للأفلام غير الأميركية. لكن علي الأقل، هناك صنعة جيّدة بالنسبة لنصف المعروض من هوليوود، بينما يغيب هذا المستوى عن معظم المطروح من قِبل واحدة من أهم سينمات المنطقة.
على هذا الأساس، فإن عدو السينما المصرية الأول ليس من يكتب منتقداً، بل من يصنع هذه الأفلام التي تحد من قدرة المشاهد، أينما كان، على التفكير. وليس من يتمنّى لها العودة الى الوضع الذي يمكن معه الحفاظ على عناصر تلك الصناعة، بل من يختصر الطريق دوماً صوب الربح السريع ويرفض أن يتحمّل مسؤوليّته حيال الوطن والمواطنين. حيال الإسهام في رفع مستوى الفن والثقافة عبر الإقدام على أفلام تطرح ما يُفيد او ما يُثري او ما يحمل، على الأقل، ترفيهاً واعياً ومصنوعاً بمعايير ذكية
لقد ارتاح المنتجون العاملون الى هذه النوعية من الأفلام مركّزين جل طاقاتهم (وأموالهم) فيها. كذلك فرح العديد من المخرجين الجدد بأن المنتجين يطلبونهم أكثر من سواهم لإنجاز هذه الأفلام. لكن هذا بالتحديد مصدر الأزمة ذلك أنه يعكس الفشل في مواصلة ما حفلت به السينما المصرية من أمجاد ويدفع بالإنتاجات الى هاوية فعلية. إنه الفشل حتى مع إنجاز حفنة من هذه الأفلام ما يكفي لاسترداد تكاليفها. والفشل لا يجب أن يكون حلاً٠


الناقد وفلسفة الفيلم | أندريه بازان رائداً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في أواخر صيف 2008 أقامت الكاييه دو سينما وجامعة شنغهاي  حلقة دراسية عن الناقد السينمائي الراحل أندريه بازان (ولد في  الثامن عشر من نيسان /أبريل  سنة 1918 وتوفي في الحادي عشر من  تشرين الثاني / فبراير سنة 1958 م.)  حضرها جمهور غفير من المعنيين بالموضوع السينمائي وثقافة الفيلم وبينهم طلاب ونقاد ومخرجين. ووجود المخرجين (من بينهم مثلاً آن هوي، هاو سياو-سيين جاو زانغكي من بين آخرين) لم يكن لأجل حضور حفلات ساهرة، بل ألقى بعضهم محاضرات موضوعها الإرث النقدي الذي تركه بازان من خلال أكثر من ألفين وخمسمئة  مقالة نقدية كتبها في خمسة عشر سنة. محاضرة المخرج جاو زانغكي ، صاحب »حياة ساكنة« و»المدينة 24« وهما من أفضل إنتاجات السينما الصينية في العقد الأول من هذا القرن، كانت قراءة لتعاليمه، في حين ألقى هاو سياو-سيين 
 محاضرته في التأثير التي تركته تلك الكتابات على السينمائيين٠
أكرر هذا حدث في الصين وليس في مصر او في لبنان او في تونس او المغرب، الدول المنفتحة من عمق التاريخ المعاصر على الغرب وثقافاته.  في هذه الدول، تحديداً، عاشت و(شبه) ماتت حركات نقدية عامرة  من الخمسينات وازدهرت في الستينات والسبعينات ثم تقطّعت أوصالها وخف أثرها وتأثيرها فيما بعد والى اليوم. ليس فقط أن هذا الجسد النقدي لم يحتف بأي ناقد غربي من وزن بازان، بل لم يحتف بأي ناقد الا في عداد تأبينه إثر وفاته. حدث ذلك مع العزيز الراحل سامي السلاموني والزميل العزيز سمير نصري وبالكاد حدث مع الطاهر الشريعة. لكن حتى هؤلاء لم يحدث أن تداولت أبحاثهم ودراساتهم الجامعات، ولا تم الإحتفاء بهم في ندوات متخصصة٠
لابد أن هناك من سبب، تساءلت وأنا أقرأ خبر ما حدث في شنغهاي متأخراً عنه سنتين وثلاثة أشهر: إما ليس لدينا نقاداً  يستحقون، بمعنى أن الراحلين ليسوا أهلاً للإحتفاء والدرس، وإما ليس لدينا نقاداً واعين لأهمية هذا النوع من الفعل ممن لا زالوا على قيد الحياة .... او أننا لا نملك أي نوع من النقاد الحقيقيين  واعين او غير واعين
في الفترة التي كان فيها بازان يعمل على تأسيس منهج سينمائي للنقد السينمائي، يبتعد فيه عن الهيمنة الأدبية على السياق (وهي الهيمنة التي تعيش في كتابات البعض) كان هناك نقاد آخرون جيّدون في العالمين الغربي والشرقي. دورنا العربي البارز جاء في الستينات لكنه كان في الواقع تابعاً إن لم يكن بالتأثر فعبر البرمجة الزمنية. نعم كانت هناك حركات نقدية في الأربعينات  والخمسينات في مصر لكني لست واثقاً، وقد مر على اطلاعي عليها نحو عشرين سنة، ما إذا كانت من النوع الذي عاش على الصياغات الأدبية أم لا. الغالب، وحسب الإنطباع الذي كوّنته، أنها وإن تعاطت الأفلام المصرية، الا أن ما كان بعيداً عن مداركها، كما هو بعيد عن مدارك معظم المشتغلين في النقد حالياً، البحث في كيفية تحويل النقد السينمائي لفيلم ما الى دروس سينمائية٠
    القطيعة بين المخرجين والنقاد ليست وليد صدفة. الفريق الأول لم يجد نفسه مستفيداً من الفريق الثاني لسببين: الأول: مخرجو الستينات كانوا يعرفون أكثر عن السينما من معظم نقاد الفترة. الثاني نقاد الستينات كانوا، في معظمهم، غير قادر على الإضافة. فقط على كتابة الآراء وتسديد المواقف. وهذا المعظم هو ما زال سائداً الى اليوم٠
لا أقول ذلك لإعفاء المخرجين الحاليين (والجيل الجديد في معظمه يقف على 180درجة من الجيل السابق والأسبق) من قرارهم غير المعلن بتجاهل الكتابة النقدية، لا العربية وحدها بل سواها. هناك نقطة يتوقّف عندها المخرج ويقول لنفسه: وصلت. لا أريد أن أتعلّم. المشكلة هي أن معظمهم توقّف عندها باكراً جدّاً، لذلك لن يتعلّم وعادة لا يصنع أفضل مما صنعه في إطلالته الأولى٠
الأمر نفسه بالنسبة للناقد. جل النقاد وضع تلك النقطة حاجزاً بينه وبين أن يتعلّم أكثر. لقد اكتفى أول ما صار لديه حيّزاً للتعبير. بذلك عامل نفسه معاملة صاحب دكّان كشري. صاحب الدكّان، مع احترامي له ولمهنته، ليس عليه أن يعرف -إذا ما أراد- أكثر مما يتّصل بأدوات رزقه: سعر المواد التي يستخدمها للطبخ، كيفية جذب الزبائن، هل هناك مظاهرة  ستجتاح الشارع وتقطع رزقه؟ هل يحتاج الى من يساعده في الطبخ او لا، هل اتسخت ملابسه ام لا تزال نظيفة الخ٠٠٠٠ الفارق هو أن صاحب دكان الكشري ليس مطلوباً منه أن يخطب في الناس وينقل معرفة مبرمجة ورأي في الوضع الثقافي والإنساني (ولو أن ذلك ليس ممنوعاً عليه) بينما الناقد عليه، تبعاً لمهنته، أن يفعل ذلك عبر وسيط هو الأرحب من الكتاب والمسرح والرسم والموسيقا ووسائل التعبير الأخرى. لكنه قرر أنه وصل. بعض من أعرف من النقاد يكتب اليوم المقالة ذاتها التي كتبها حين بدأ قبل خمس وعشرين سنة. نفس الأسلوب. نفس الكلمات. نفس مواقع القرار. لا استزادة ولا معرفة تزيد عن معرفة الأدوات الأساسية: اختيار المادة. كتابتها. متى ستنشر٠
السيناريو يقود
ٍRashomon
واحد من الأسس التي وضعها بازان (ولمن يسأل قرأت ما ترجم الى الإنكليزية من كتاباته) كانت  الدور الذي يلعبه السيناريو في الفيلم. بالنسبة إليه فإن السيناريو هو من عليه فعل الإكتشاف وليس السرد فقط. هناك، لنقل، مشهدا أول لمدرسة في قرية (على غرار فيلم «عمر المختار« لمصطفى العقاد مثلاً) او مشهداً لحصان منطلق الى وسط البلدة (كما في «شريط أبيض« لمايكل هنيكي). السيناريو هو الذي اختار البداية المذكورة (حتى ولو أضاف المخرج المشهد عليه) لغاية: التعريف بالمكان والزمان وكنه الشخصيات والحياة. هذه الأمور نفسها هي ما ترصدها الكاميرا ما يجعل السؤال المنطقي هو من الذي يسرد: السيناريو او الكاميرا٠
وهناك فارق. عند بازان السيناريو هو من يجب أن يسرد وذلك عبر اختياراته كما عبر مفهوم المعالجة للفكرة التي يطرحها. يبدأ سيناريو «راشامون» كما كتبه أكيرا كوروساوا وشينوبو هاشيموتو سنة 1950 بلقطات تضعنا في "المكان": (بوابّة مخلوعة) ومع الشخصية (رجل راشامون واقف تحت المطر.  ثم لقطة لرجلين آخرين  كانا لجأا الى المكان ووقف تحت سقفه إتقاءاً للمطر المنهمر بغزارة. لا يتحرّكان٠
والعبارة الأولى التي ينطلق بها أحدهما (قاطع أخشاب، أما الثاني فهو راهب بوذي) هي: "لا أستطيع أن أفهم. لا أستطيع أن أفهم مطلقا"٠
الآن هناك سبب (او أكثر) لكل اختيار (ولمن يرغب يمكن أن أكتب نقداً للفيلم وهذه البداية)  موجود في السيناريو قبل أن تصوّره الكاميرا، بما في ذلك السبب وراء اختيار العبارة الأولى: ما الذي لا يفهمه المتحدّث؟ سنعرف بعد قليل في الفيلم ما يقصده. لكن الكلمات هي تحديد لحالة قبل الشرح ولا ينفع معها تحت الشرح أولاً٠
المهم أن التفريق بين اختيار السيناريو من المشاهد (الأين والماذا) يبرز على  اختيار الكاميرا. بل هو اللغة الأولى للفيلم. بازان يلفت النظر الى أن السيناريو هو النص الذي سيفرّق بين جودة الفيلم وحسن تعبيره عن المخرج أكثر من الكاميرا. اتخاذ الكاميرا الوسيلة الأساسية كنص يقلّص دور الكاتب ودور المخرج معاً  ويعطينا فيلماً غير ذاتي. أنها مسألة من سيقوم بالكشف عما سنراه؟ والتفريق ليس هيّناً. مطلع فيلم مايكلأنجو أنطونيوني «الخسوف« (1962) عبارة عن لقطات صغيرة ثم أكبر منها ثم أكبر منها لكي تشمل في النهاية البيت ومن فيه (هذا عوض العادة: لقطة شاملة للمكان، فالبيت من الخارج ثم البيت من الداخل مثلاً). من قاد؟ ليس الكاميرا لأنها كانت تترجم المطلوب في بال المخرج. التفصيل يؤدي الى الصورة الأكبر وليس العكس. إنها وسيلته او أسلوبه- هذا ليس مهمّاً. المهم هو أن هذا الإختيار يلتئم مع مفهوم أن يقود النص المشاهد عوض أن تقوم الكاميرا بتقديمه٠
الحلم ككيان مستقل
He Walked By Night
كتب بازان سنة 1947  يقول: "إذا ما حددنا ثقافة الفيلم ليس كمعرفة تاريخية وفنية وتقنية ، لكن أيضاً كاعتراف بأحلامنا وأوهامنا وأفكارنا حتى السوداوية، فأن ذلك يعني أن كل فيلم، مهما كان رديئا ومفبركاً، هو وثيقة غير قابلة للإستبدال"٠
وأعتقد أن هذا هو جزء مما لاحظ القراء هنا، خصوصاً في مجلة »فيلم ريدر« أني أقوم به. ترى ما فائدة أن أكتب عن فيلم مجهول او منسي وربما كان رديئاً لا يعرفه أحد ولا يساهم في ملكية أحد الثقافية او الفنية؟ لقد فعلت ذلك وفي نيّتي أن أفعل ذلك دائماً، لكن لماذا؟ لأن هذا الفيلم (بصرف النظر عن قيمته- وليس كل فيلم مجهول او منسي هو فيلم رديء بل هناك اكتشافات عجيبة) صار وثيقة عن كل ما
ما فيه (القصّة، الأجواء، المعاني، الفترة الزمنية التي تقع الأحداث فيها، الفترة الزمنية التي تم فيها تصوير الفيلم، الغاية منه الخ....) وعن كل من فيه (من الكاتب الى المخرج مروراً بالعناصر البشرية الرئيسية وتلك الثانوية وشغل كل منهم وتركيبته في الفيلم او أثره وتأثيره). إنه جزء من حياة اشتغل عليها خمسون فرد او أكثر أو أقل وحوّلوها الى مادّة بصرية قائمة. استخرجوا من الحياة التي في الواقع غير قابلة لـ "اللمس" وجعلوها حياة من ذات الصنو (أفضل او أسوأ) قابلة لـ "اللمس" و"النظر" المحدد ضمن تركيبتها. أنت على المقعد تنتقل- من دون أن تنتقل- ما بين كوخ في الغابة ينعزل فيه شخص او أكثر، وبين  منزل واسع في المدينة فيه شخصيات أخرى وفي كل منهما حدثاً مختلفاً او متشابها. في الواقع عليك أن تأخذ طيّارة او سيارة وتنتقل في رحلات مكوكية لتعرف ما يحدث هنا وهناك خلال الحدث ولن تستطيع الا أن يفوتك الكثير. في السينما، تلتقط ما يدور في المكانين. هذا ما يحوّل استحالة الإمساك بالحياة الى احتمال الإمساك بها او ببعضها علي الأقل٠
في هذا الصدد فإن «لورنس العرب« او «راشومون» او «المواطن كين« هو في نفس أهمية أفلام مجهولة كـ
َQuicksand (1950), Eyes in the Night (1942), Impact (1949), He Walked by Night (1946) 
ولا علاقة للمستوى الفني من هذه الزاوية. طبعاً »لورنس العرب« ابداع ملحمي، و»راشومون« كيان إنساني وفني قائم بذاته و»المواطن كاين« لأورسن وَلز او »نوستالجيا« لأندريه تاركوفسكي أعلى قيمة بكثير، لكن من حيث الوضع العاكس للحياة التي نعيشها كل هذه الأفلام في مستوى واحد. كلها نتيجة أحلام ومصادر ونتائج٠
يلحظ بازان أمرآً آخر في السينما كحلم وكوثيقة جماعية ذات كيان مستقل: في الميلودراميات العربية والهندية والأميركية قد يتزوّج إبن أحد كبار الأثرياء من العاملة البسيطة في مصنع أبيه، او من الفلاحة التي وقع في حبّها. في الواقع هذا مستبعد. في السينما هذا ما تم تداوله عشرات المرّات (وأحياناً لا يزال). ونحن كمثقّفين وقفنا موقف إدانة على أن هذا هو الكذب بعينه. والحقيقة أن معظم الأفلام الميلودرامية تستحق الشكوك التي نوجهها اليها، لكن بازان وجد أن مفهوم السندريللا هذا مثّل ملايين المشاهدين. من هو الناقد الذي يريد أن يضن علي المشاهدين العزّل في حياة مدقعة هذه الفسحة من الحلم؟
أنا لا أريد٠


مناسبات |  بداية مبكرة لسباق الأوسكار: آنيت بَنينغ
ضد هيلاري سوانك وليوناردو ديكابريو ضد نفسه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في مثل هذه الأيام من العام 1999 وجد المنتج المعروف هارڤي وينستين نفسه في مواجهة صعبة مع ستيفن سبيلبرغ. فهارڤي كان لديه فيلماً على درجة رفيعة من التميّز الفني عنوانه »شكسبير عاشقاَ« للإنكليزي جون مادن مع جفري رَش وتوم ولكنسن وجوزف فاينس وجودي دنش وغوينيث بولترو. أما المخرج- المنتج سبيلبرغ فكان أنجز واحداً من أكثر أعماله طموحاً وهو »إنقاذ المجنّد رايان« مع توم هانكس، توم سايزمور، إدوارد بيرنز، مات دايمون وجيوفاني ريبيسي  من بين فريق رجالي كبير٠
كل من وينستين وسبيلبرغ منّى نفسه بأوسكار أفضل فيلم، وكل منهما دفع ملايين لحملة ترويج أين منها حملات الإنتخابات السياسية. هارڤي هاجم "الفيلم الآخر" علنا، لكن سبيلبرغ أصدر تعليماته لرئيس مكتب الإعلام (أسمه تيري برس) بعدم تبادل إطلاق نار كلامي مع المنتج النيويوركي المعروف وأخيه بوب بشركتهما آنذاك »ميراماكس«٠
النتيجة كانت فوز »شكسبير عاشقاً« بأوسكار أفضل فيلم  وفوز بطلته بولترو بأوسكار أفضل ممثلة وجودي دنش بأوسكار أفضل ممثلة مساندة. أما «إنقاذ المجنّد رايان» فقد خسر أوسكار أفضل فيلم (وهو الأعلى مرتبة كما نعلم)  لكنه ربح حفنة من الأوسكارات في المقابل فحصد أسوكار أفضل مخرج وأفضل تصوير سينمائي (يانوش كامينسكي) وأفضل صوت وأفضل توليف وأفضل مؤثرات صوتية
هذا العام، قد يتكرر الموقف ذاته. هارفي وينستين لديه فيلم من نمط «شكسبير عاشقاً« ذاته عنوانه «خطاب الملك»  (يفتتح مهرجان دبي المقبل) وسبيلبرغ لديه فيلمين: واحد يتبع سينما الأنيماشن (توزّعه باراماونت) تحت عنوان »مغامرات تان تان: سر اليونيكورن«، والثاني حربي (كما كان حال »إنقاذ المجنّد رايان«)  بعنوان »حصان الحرب« (توزّعه ديزني)٠
لكن هارڤي يدخل منافسة مزدوجة، او لنقل أنه سيجد منافسة حامية حتى من دون سبيلبرغ، فندّه هذه المرّة هو المنتج سكوت رودين الذي يطمح لتسجيل انتصار أوسكاري عبر فيلمه الجديد «الشبكة الإجتماعية« الذي أخرجه ديفيد فينشر. ومن المثير وجود إشاعات هوليوودية تتساءل ما إذا كانت الحرب بين هارڤي وسكوت بدأت إعلامياً بالفعل. في هذا النطاق فإن السؤال المطروح هو عما إذا كان هارڤي هو المسؤول عن إثارة التساؤل حول مصداقية »الشبكة الإجتماعية«. من ناحية مضادّة، فإن هناك حديث حول ما إذا كانت أحداث »خطاب الملك« مفبركة. فالفيلم يقوم على نص مفاده أن الملك جورج السادس (ملك بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية) كان يعاني التأتأة. لكن مؤخراً هناك من يقترح أنه لم يكن يعاني من شيء ما قد يُصيب احتمالات نجاح الفيلم ببعض الخسائر. في كل الأحوال فإن الممثل الرئيسي لفيلم »خطاب الملك«، وهو كولين فيرث ضمن ترشيحه بلا عناء إذ قدّم أداءاً يؤهله لهذه الخطوة٠
سوانك/بَنينغ
هذه الحرب ليست وحدها الدائرة، والمنافسات حامية منذ الآن بين أكثر من فريق. خذ مثلاً المنافسة على أوسكار أفضل ممثلة، حيث هناك إجماعاً على أن أنيت بَنينغ لابد ستكون من بين المرشّحات وذلك عن دورها في »الفتيان بخير«: دراما خفيفة حول إمرأتين تعيشان معاً وزوج إحداهما السابق يطرق الباب من جديد. المشكلة التي تواجهها بَنينغ مزدوجة: هناك احتمال كبير في أن تجد نفسها في مواجهة مع شريكتها في البطولة جوليان مور (التي تؤدي دور المرأة التي جاء زوجها السابق يطرق الباب) وهناك احتمال في أن تجد نفسها في مواجهة هيلاري سوانك عن دورها في »إدانة« المعروض حالياً. هيلاري هذه السنة من بين المرشّحات المتوقّعات وغير المؤكدات لكن مجرد أن لديها حظ يثير تكهنات كثيرة كونها فازت على أنيت بَنينغ مرّتين سابقاً: في العام 2000 تنافست بَنينغ وسوانك على أوسكار أفضل ممثلة. الأولى عن دورها في »جمال أميركي« والثانية (التي كانت لا تزال في مطلع عهدها) عن »الصبيان لا يبكون« ... وفازت سوانك. بعد أربع سنوات وجدت بَنينغ نفسها في مواجهة ثانية. كانت آمالها كبيرة عن دورها في فيلم »أن تكوني جوليا« لكن سوانك كانت أشبه بجوكر آخر لحظة فخرجت رابحة أوسكارها الثاني عن فيلم كلينت ايستوود «مليون دولار بايبي«٠
مخرجون متنافسون
بالنسبة للمخرج ديفيد فينشر، صاحب «الشبكة الإجتماعية«  فإن حظّه هذا العام يبدو أفضل من حظّه في السنة الماضية حين تم ترشيحه لأوسكار أفضل إخراج عن «قضية بنجامين باتون المثيرة للفضول»   ولو أن هذا لا يضمن له شيئاً حتى الآن. فإلى يساره هناك طامح آخر هو المخرج  ديفيد أوراسل والى يمينه كريستوفر نولان. الأول حقق فيلماً درامياً بعنوان «المقاتل» يصفه من شاهده الى الآن بأنه جدير بسباق الأوسكار والثاني لديه »بداية«، الفيلم الذي كان عرف نجاحاً كبيراً خلال عروضه التجارية قبل شهرين. هذا النجاح جاء مزدوجاً إذ استقبل جيّداً كذلك من قِبل النقاد٠
هنا يدخل ليوناردو ديكابريو اللعبة 
فهو يقف في بطولة »بداية« كما يقف مارك وولبرغ في بطولة »المقاتل«، لكن الملاحظ أن ديكابريو جاد في سعيه لأن يجد نفسه بين المرشّحين و-من ثمّ- بين الفائزين، ولديه حظّان عوض الحظ الواحد. فهو بطل فيلم
آخر يمكن أن نجده مطروحاً حين إعلان الترشيحات في الشهر الأول من العام المقبل، هو «جزيرة الإغلاق«
الذي أخرجه مارتن سكورسيزي وعُرض في مطلع هذه السنة  Shutter Island
هنا تجدر ملاحظة أن ديكابريو في مقابلاته الأخيرة حريص على انتهاز الفرصة المتاحة للمقابلات التي يجريها لحساب فيلم «بداية» لكي يُشير الى دوره في »جزيرة الإغلاق« ويمنحه قدراً موازياً من الثناء. الغاية هنا تذكير الرأي العام، وبالتالي أعضاء أكاديمية العلوم والفنون، المؤسسة المانحة للأوسكار، بذلك الفيلم السابق. فمع أن عروضاً خاصّة أقيمت لفيلم سكورسيزي لكي يحضرها الأعضاء هذه الأيام، الا أن التجارب السابقة دلّت على أن الأفلام التي تعرض في النصف الأول من السنة لديها حظ أقل من تلك التي تعرض في النصف الثاني، وعليه فإن جهدا إضافياً يقع على عاتق المتّصلين بذلك الفيلم لإعادة إحيائه من جديد٠
لكن إذ يعني ذلك أن ليوناردو ديكابريو يريد أن يضمن لنفسه تواجداً إما عبر فيلم سكورسيزي وإما عبر فيلم كريستوفر نولان، يعني أيضاً أنه إذا ما تم ترشيحه للفيلمين معا فإنه بذلك سينافس نفسه بنفسه. هذا لا يضمن شيئاً وإن كان يزيد بالتأكيد من الإحتمالات٠
الأكثر إثارة في هذا النطاق هو التالي
ديكابريو يدرك أن الأوسكار عادة ما يذهب الى الأداء الدرامي وليس الى التمثيل في فيلم أكشن. على هذا النطاق، فإن فوزه إذا ما حدث، سيكون بسبب »جزيرة الإغلاق« إذا ما استطاع التسلل الى الترشيحات. أما »بداية» فمشكلته هي أنه فيلم أكشن بالتأكيد. وهي مشكلة لا تطال ديكابريو فقط، بل الفيلم  والمخرج نولان إذ قد يخرجان بلا أوسكار٠
الى الآن، فإن ما سبق هو مجرّد عيّنة موضوعية لما سيقع تتابعاً من الآن وحتى موعد إقامة الحفلة المقررة في السابع والعشرين من الشهر الثاني من العام المقبل. فالترشيحات الأولى ستتوالى، تتبعها الترشيحات الرسمية ثم المرحلة الفاصلة بين إعلان تلك الترشيحات والحفلة ذاتها. وفي كل مرحلة سيتكاثر الحديث وترتفع الوتيرة وستزداد المافسة حدّة. ولابد أنه سيكون لنا عودة الى هذا السباق، الذي هو أشبه بحرب مواهب مستمرة٠

وراء الشاشة
(1) 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
James M. Cain
الكاتب الذي دق الباب أربع مرات-  الحلقة الأولى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 ليس هناك ما هو أكثر ظلاماً من طريق سكة حديد في منتصف الليل. مضى القطار بعيداً، وتكومت هناك منتظراً زوال الوخز في قدمي. كنت قد قفزت من الجانب الأيسر للقطار إلى الفاصل بين خطي السكة، ولم يكن هناك أية فرصة في أن أُشاهد من الطريق العام على بعد 200 قدم مني. بقيت هناك على يداي وقدماي جاهداً لأرى شيئاً ما عند الجانب الآخر من السكة. وكان هناك طريق مترب لمصنعين صغيرين في الخلف. كل شيء حول الطريق كان مساحات شاغرة، ولم يكن مضاءاً. كان لا بد أن تكون هناك الآن. كان لديها سبع دقائق قبلي. تركت محطة القطار قبل سبع دقاق من انطلاقه، واستغرقت رحلتي فيه ستة دقائق، وهي تحتاج إلى 11 دقيقة فقط لتصل إلى هنا. لقد اختبرت هذا عشرون مرة. جمدت بلا حركة وأمعنت محاولاً أن أتبين السيارة... لكني لم أرها...»٠
Double Indemnity  هذا مقطع من رواية: تأمين مزدوج
التي كتبها جيمس م. كاين عام 1936. منذ جملتها الأولى نتبع وصفاً موحياً لخطي سكة حديد وهما جاثمان في سكون في قلب ظلمة الليل، وعلى الرغم من أن الطريق الرئيسية لا تبعد كثيراً، إلا إنها تبعد مقداراً كافياً لنشر الظلمة والسكون في المكان الذي قفز فيه بطل الفيلم من القطار جاثماً بلا حركة على يديه وقدميه، متطلعاً حوله باحثاً عن المرأة التي كان عليها أن تنتظره هناك حسب الخطة الموضوعة بينهما، حيث سيعملان على نقل جثة زوجها، الموجودة في سيارتها، ووضعها على خط سكة الحديد حيثما هو الآن بعد أن موه بعض الركاب وجعلهم يعتقدون بأنه هو صاحب الجثة التي سيقرأون عنها في صحف الغد٠
مثل باقي القصة، ودون الدخول في تفاصيلها وتقديم نهايتها المسيطرة، من السهولة نقل هذا الوصف إلى فيلم، أو تخيله صوراً تمر على الشاشة أثناء قراءة الكتاب. من السهولة متابعة ما يدور، وتحس المواقف المشوقة التي تنتشر في العقل والجسد معاً. صحيفة «سترادي ريفيو أوف ليتراتشر» قالت مرة: «لا أحد توقف في منتصف واحد من روايات جيم كاين». وبعد قراءة ثلاثة من النوع». «ميلدرد بيرس». «ساعي البريد يدق الباب مرتين». «سريناد» أو «غالانيا» يمكن طبيعياً استيعاب المقصود بذلك الحكم وتصديق الادعاء الذي فيه إذا ما كان القارىء معجباً بالأدب البوليسي ومتابعاً جيداً يفرق بين أنواعه.
جيمس م. كاين لا ينتمي إلى عالم جورج سيمنون، باتريشا هايسميث، ديك فرنسيس أو أغاثا كريستي الملتزمة ـ شكلاً ونصاً ـ بالأدب الكلاسيكي للقصة، ولا إلى عالم أريك آمبلر، برت هوليداي أو إد ماكبين، حيث الرواية هي أقرب إلى مغامرة واحدة متصلة الأحداث وسريعة الإيقاع وليس لديها مجال كبير للإدلاء بشهادات واقعية أو نفسية. إنه يقف بين الجانبين مع بضعة كتّاب آخرين تتميز أعمالهم بالعمق وبالمعايشة والتحليل النفسي من دون أن تبقى على اتصال بالصيغة الأدبية المغلقة أو تلتزم بالشكل الكلاسيكي للرواية الإنكليزية. هؤلاء جميعهم أميركيون وفي هذا بعض سبب ذلك الانفصال، لكنهم من ناحية أخرى، ورغم التشويق المختلف الذي يقدمونه، إلا إنهم أيضاً لا يقعون في مدار الروايات الشعبية السريعة كتلك التي يوقعها برت هوليداي وأريك آمبلر مثلاً. هؤلاء هم ـ إلى جانب جيمس م. كاين: داشيل هاميت، رايموند شاندلر وروس ماكدونالد. معهم، اشترك كاين ـ ولو كان أقلهم شهرة ـ في رسم ملامح معينة لفن القصة البوليسية التي مارسوها، لكنه اختلف في ملامح أخرى هامة أيضاً٠
لقد استقى كل هؤلاء شخصية البطل ـ الرجل، الخشن، المحبط، الوحيد، الذي يعمل في عناد، ويتوغل في القضايا الموكلة إليه، أو في الأحداث المرسومة إليه، فإذا به يبحر في عالم من الفساد الاجتماعي ليجد نفسه من القلة التي تسير دوماً ضد التيار السائد. إنه رجل من الطبقة المتوسطة وما دون، يعيش أجواء السنوات الصعبة، ويشهد تحطم الأحلام الجميلة، ويتعامل مع شخصيات مختلفة لكن المجرم فيها ينتمي إلى الطبقة الثرية، وضحاياه ـ من الطبقات الأخرى ـ قد تقدم على جرائمها بدورها، بدافع من الحب، الغيرة، الإحباط والدوافع الأخرى التي لا تخلو من العاطفة.
إبطال كاين، شاندلر، هاميت وماكدونالد، وإن اختلفوا، كانوا يسردون الأحداث على ألسنتهم، ومجرد القيام بهذا يحدث الاختلاف الكبير بينهم وبين أبطال أغثا كريستي وجورج سيمنون أو غيرهما، فبدلاً من الشمولية السردية التي لا تخلو من الإنشاءات الشاعرية الجميلة، والتي تبحر في تأليف اللغة الأدبية الجميلة أو المملة أو الاثنين معاً، تتصل كل الأحداث وتنضم في خط واحد ينطلق من الوصف الوحيد المتوفر وهو وصف البطل لما يشعر به، لما يراه ولما يحدث له بحيث ينقطع القارىء ـ بطبيعة الحال ـ عن تحسس ما يدور خارج الشخصية المروية إلا إذا تبرعت تلك الشخصية بتقديمه، وهي كثيراً ما تفعل ذلك من باب معايشتها. هذا يعني أن هذه الشخصية كثيراً ما تقدم شرحاً للواقع الذي تحياه، يتميز بالتواضع والبساطة كما بقيمة نادرة من تحسس الألم الناتج عن موقع هذه الشخصية في المجتمع وما تعانيه ـ في عناد وخشونة ـ منه. كل هذا، يرتسم في كلمات نقدية مريرة وساخرة في نفس الوقت.
لكن المختلف في روايات كاين، كون بطله ليس بالضرورة ترحياً خاصاً (اسم تحري شاندلر كان فيليب مارلو، واسم تحري هاميت هو سام سباد، وتحري روس ماكدونالد هو ليو آشر) بل إنسان ما. رجل له مشكلة. جريمة هو مرتكبها، وعقاب لا بد أن يصل إليه. كما إن الدافع لارتكاب جريمته، كما في «ساعي البريد دائماً يدق مرتين» و«تأمين مزدوج»، يبدأ من حب شهواني وتطلع إلى الأفضل عبر الطريق الوحيد المتبقى له، أو هو الإنسان الذي يعايش حالات مادية متقلبة تجعله محوراً لردات أفعال نفسية خطرة. وبما أن معظم أبطال كاين هم فقراء، أقرب إلى متصعلكين يبدأون رواياتهم من دون آمال، فإن الصراع للوصول ـ عندما تتاح الفرصة ـ يصير مزدوجاً. إنه يمر عبر الحصول على المرأة كما الوصول إلى مستوى أفضل من العيش، وكثيراً ما تكون الجريمة في سبيل أحدهما أو الاثنين معاً هي الطريق لتحقيق مثل هذه التطلعات المفاجئة٠



الوداع الطويل | هؤلاء رحلوا في شهر تشرين الثاني/ نوڤمبر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
28/11/2010
Leslie Nielsen | لسلي نيلسون
ممثل أميركي. وُلد في 11/2/1926
وافته الشهرة في الفترة الأخيرة من حياته حين لعب بطولة سلسلتين كوميديّتين ناجحتين  في الثمانينات
Airplane  و Naked City
سابقاً ما لعب أدواراً مساندة (غالباً) من العام 1950 (239 فيلماً وحلقة تلفزيونية). بدأ في أدوار شريرة (بوليسية ووسترن) ثم نوّع أكثر في الستينات قبل أن يحقق نجاحه كوميدياً بوجه صارم وجهل تام لما يدور من حوله. أفلام ٠
Counterpoint| Ralph Nelson (1967) ***
 Four Rode Out | John Peyser (1970) **
The Poseidon Adventure  | Ronald Neame (1972) ***
The Amesterdam Kill | Robert Clouse (77)  ***
Nuts | Martin Ritt  (87) **

27/11/2010
Irvin Kershner |  إرفن كيرشنر
مخرج إميركي.  وُلد في 29/4/1923 ٠
بدأ إخراج أفلام تشويقية رخيصة الكلفة لروجر كورمان في أواخر الخمسينات ثم انتقل الى التلفزيون لحين قبل عودته الى السينما في منتصف الستينات. حافظ على مستوى تقني جيّد، لكنه لم يترك بصمة. أنجز نحو عشرين فيلم سينمائي أشهرها
The Empire Strikes Back (1980) ***
أخرج فيلمين عبّرا عن عنصريته للعرب هما
Raid On Entebbe (1976) ** Never Say Never Again (1983) **
أفلام أخرى
 A Fine Madness **
Up in the Sandbox (72) **, S*P*Y*S (74) **: The Return of a Man Called Horse (76) **, Eyes of Laura Mars (78) **, Robocop 2 (90) **
23/11/2010
Ingrid Pitt |  إنغريد بِت

ممثلة بريطانية بولندية الأصل نجت من المعتقل النازي حين كانت صغيرة وبعد أن استقرّت في برلين الشرقية شابّة هربت الى الغرب ولعبت بضعة أدوار صغيرة جدّاً من العام 1964 حتى ظهرت في دور شبه رئيسي في «حيث تجرأ النسور« (من بطولة كلينت ايستوود ورتشارد بيرتون) وهو الفيلم الذي فتح لها الطريق لإنتاجات شركة "هامر" التي تخصصت بأفلام الرعب حيث ظهرت في عدد أولها دور بطولة
The Vampire Lovers |  Roy Ward Baker  (1970)
أفلام أخرى
Countess Dracula | Peter Sasdy (71) **
The House That Dropped Blood | Peter Dufel (71) ***
Bones | Jim Goddard (72)
The Asylum | John Stewart (2000) **

17/11/2010
N. Wiswanathan | ن. ويزواناتان
ممثل هندي بأدوار قليلة وُلد سنة 1926 وعُرف بأدواره في أفلام لساتياجت راي أبرزها، بالنسبة إليه

Kanchenjungha
يسنة 1966 . آخر فيلم له، حسب معظم التقارير،  ورد سنة 2006   وعنوانه
Andhakarer Shabdo

13/11/2010
Luis Garcia Berlanga | لويس غارسيا برلانغا
مخرج وكاتب وسبق له أن مثّل في السينما الأسبانية منذ  الخمسينات. ولد في الثاني عشر من تموز/ يوليو. لويس برلانغا لم يحقق شهرة كبيرة في الخارج كما فعل مخرجون أسبان آخرون، لكنه تمتّع بإعجاب نقدي ملحوظ قبل وبعد زوال الحكم الدكتاتوري الأسباني فرانكو الذي وصفه بـ "أسباني سيء" بسبب أفلامه المنتقدة لدور نظام فرانكو السياسي علماً بأنه وُلد من أسرة برجوازية بدوره. من أفلامه
Placido (61 ), Executioner (63 ), National  Shotgun (78)  etc....




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular