Oct 21, 2010

n. 609 | تجمّع لنقاد السينما | فيلم كلينت ايستوود الجديد| أيام وأفلام من مهرجان أبوظبي | هوليوود: صعود اليسار واليمين

   

نقد فيلم  | محمد رُضــا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 Hereafter   ****

فيلم كلينت ايستوود الجديد تانغو حب عن الموت



من الآن
إخراج: كلينت ايستوود
أدوار أولى: مات دامون، سيسيل دو فرانس، جاي مور، برايس دالاس هوارد، جورج وفرانكي مكلارن، تييري نيوفيك٠
دراما | الولايات المتحدة- 2010
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان عمر المخرج الأميركي الراحل جون هيوستون ثمانين سنة حين صوّر آخر أفلامه وعنوانه »الميّت« في العام 1987 وهو مات في نهاية العام ذاته.
المخرج الياباني  أكيرا كورساوا كان في التاسعة والسبعين من عمره حين أخرج »أحلام« في
العام 1989 وفي الثمانين من عمره حين أخرج «مغناة في الربيع«  سنة 1990 ثم في الرابعة والثمانين حين حقق آخر أفلامه »فيما بعد« (او «مَدادو«) سنة 1993 أي قبل أربع سنوات من رحيله٠
أما كلينت ايستوود فهو اليوم في الثمانين من عمره وجديده بعنوان »من الآن«.
المسألة ليست في ذكر عناوين أفلام هذه المجموعة بعدما أصبحت فوق الثمانين، بل ملاحظة أن الموضوع الذي جثم في »الميّت« لهيوستون وفي أفلام كوراساوا الثلاث المذكورة، كما في فيلم ايستوود الجديد هو واحد: الموت٠
بالنسبة لايستوود الموت ليس غريباً عن أعماله. إنه ينزف دماً وقد يموت في نهاية «الخارج عن القانون جوزيه وَلز« سنة 1976 ومتمثّل في موت أقرب الناس إليه في »غير المسامح« (1992) وأقرب الناس الى شخصية بطله شون بن في »ميستيك ريفر« (2003)، ثم هو محنة يتعرّض إليها بنفسه في »مليون دولار بايبي« (2004) حينما تطلب منه هيلاري سوانك أن يخلّصها من عذابها فيفعل. وفي آخر فيلم مثّل فيه (وقام بإخراجه أيضاً) وهو »غراند تورينو« (2008) يصوّر موته هو٠
الى ذلك، تيمة مسيحية تطغى على عدد من أفلامه:
 في: الطيّب، السيء والبشع The Good, The Bad and the Ugly
لسيرجيو ليوني (1966) حين يعتقده إيلاي والاك مات لكنه يعود للحياة ليخفي سرّاً٠
وفي: «أشنقوهم عالياً«  Hang 'Em High
عندما يُتهم بأنه سارق ماشية ومن دون منحه فرصة البرهنة على براءته يشنقونه، لكنه لا يموت ويعود لينتقم في فيلم تد بوست سنة 1968
وفي: مسافر السهول العالية High Plains Drifter
الذي أخرجه بنفسه سنة 1973 حول العائد من الموت بعدما ضُرب وعذّب وترك ليموت٠
في »فارس شاحب« Pale Rider
الذي هو أيضاً من إخراجه  (1985) يلتقي وجهاً لوجه مع رجل (جون راسل) كان اعتقد أنه قتله منذ سنوات بعيدة. هذا واحد من مضامين أخرى في هذا الفيلم متأثرة من حياة المسيح وفكرة عودته لإنقاذ البشرية.
وفي »غير المسامَح« The Unforgiven
يتركه جين هاكمن ورجاله في أنفاسه الأخيرة قبل أن يتعافى ويعود للمنازلة في ذلك الوسترن الجيد الذي حققه ايستوود سنة 1992
اللقطة الأخيرة من ذلك الفيلم يحفر قبراً تحت شجرة، كما لو كان قبره٠

لكن هنا في فيلمه الجديد المؤلف من ثلاث حكايات يعرضها متوازية منتقلاً بين حكاية وأخرى بسلاسة بالغة، يتحدّث عن الموت نفسه وعن تأثيره على شخصياته٠
الموت هنا يختلف عن الموت في أي من أفلامه السابقة من حيث أنه يتعامل معه كموضوع وليس كناحية او بعد في موضوع آخر. وهو يبدأ  فيلمه بذلك العزف الخفيف على الأوتار، عادة استقاها فيلماً وراء فيلم واختتم أعماله بها. في »غير المسامَح« مثلاً هناك عزف قريب جدّاً لما نسمعه هنا على المشهد النهائي. هنا يطالعنا المخرج بمشهد يقع في غرفة في فندق آسيوي على البحر (المدينة غير محدّدة) . ماري مذيعة تلفزيونية فرنسية ناجحة (سيسيل دو فرانس)  على علاقة عاطفية مع منتج برنامجها ديدييه (تييري نيوفك) وهما يمضيان تلك العطلة في ذلك المكان الهاديء والجميل. تغادر غرفتهما وتوصي له بالفطار من موظّف الإستقبال ثم تخرج لتتمشّى صباح ذلك اليوم المشمس . كل شيء يبدو طبيعياً لكن فجأة هناك هدير. يسمعه  ديدييه ويخرج للشرفة مستطلعاً. يسمعه جميع من في الشارع فيلتفون بحثاً عن مصدره. تسمعه هي فتنظر حولها.  وفي لحظة ينتقل الفيلم من الهدوء الى العنف: سونامي  هادر نراه أوّلاً من شرفة الفندق. أمواج الساحل الخفيفة تنسحب للخلف كما لو أُمرت بذلك وأمواج عاتية بارتفاع طوابق تتقدم سريعاً. البحر يتحوّل الى جبل من الماء  يترك البحر ويجرف اليابسة وما عليها من سيارات ومباني وأسواق وبشر. ماري تجد نفسها مجروفة، ثم تُصاب بضربة على رأسها فتغرق. يتم سحبها الى اليابسة وتُعتبر ميّتة، لكنها تصحو. من لحظتها تلك تدرك أنها خبرت الموت ورجعت منه٠
ننتقل الى سان فرانسيسكو:  جورج (مات دامون) يعمل في البناء. لديه موهبة (يسمّيها لعنة) وهي التواصل مع الأرواح. شقيقه الأكبر سنّاً يريده تحويلها الى «بزنس»، لكنه يرفض. لكنه يضطر الى ممارسة هذه الميزة مرّتين. المرّة الأولى حين جاءه صديق شقيقه معانياً من غياب زوجته، والثانية حين يتعرّف على فتاة جميلة (برايس دالاس هوارد) أدركت سرّه فاضطر لأن يوصلها بأبيها الميّت وخرجت من التجربة لتقطع علاقتها به. كل ذلك قبل أن يقرر الذهاب الى لندن حيث موطن كاتبه المفضّل تشارلز ديكنز٠
في لندن، وقبل وصوله وخلال مرور القصّتين السابقتين، نتعرّف على التوأم (فرانكي وجورج مكلارن). أنهما صبيّان دون الثانية عشر من العمر. أحدهما أكبر من شقيقه بإثني عشر دقيقة. أمهما مدمنة كحول ويحاولان إنقاذها من محاولات موظفي الخدمات الإجتماعية إدخالها المصحّة. في غمار هذه المحاولة يسقط أحدهما ميّتاً بفعل حادثة سيّارة. الآخر يعيش حياته في ذكرى أخيه. يطلب مساعدة عدد من أدعياء التواصل مع الأرواح لعلّه يستطيع الحديث الى أخيه لكنه يفشل.
الثلاثة: المذيعة التي خسرت عملها لكنها تحوّلت الى مؤلّفة ناجحة والصبي الباحث عن شقيقه وجورج المتمتع بكفاءة لا يريد الإشتغال فيها، يلتقون في لندن من دون معرفة مسبقة ولقاءهم يفتح صفحة حياة جديدة لكل واحد٠


في نصف الساعة الأولى يؤسس ايستوود لهذه الحكايات. لكن البداية وحدها لها وقع منفصل. إنها تصلح لأن تأتي في سياق فيلم كوارثي. الطريقة التي أنجز فيها ايستوود مشهد السونامي هي تصوير أمواج عاتية بالفعل، ثم تصوير أمواج مصطنعة تم صنعها في حوض ضخم في ستديوهات وورنر، ثم مزج الإثنين مع مؤثرات الكومبيوتر غرافيكس محققاً تلك النقطة العالية التي يبدأ بها الفيلم٠
سيناريو بيتر مورغن الذي كتب سابقاً »الملكة« و»فروست/ نيكسون« و»آخر ملوك سكتلندا« مختلف عما كتبه من قبل لأنها المرّة الأولى بعد تلك السيناريوهات التي يترك جانباً الشخصيات الحقيقية ويعمد الى التأليف المطلق. من ناحيته، فإن ايستوود ينصرف الى تنفيذ الحكايات والإنتقال من كل واحدة الى الأخرى في إدراك كامل لمتطلّباتها. لن تلحظ توتّراً ولا تكلّفاً ولا إبهاراً. لديه موضوع قوي وسيناريو جيّد ومجموعة من الممثلين التلقائيين وفوق ذلك اهتمامه هو بالموضوع وإصباغ حسّه التراجيدي عليه. آخر ما يريده من فيلمه أن يبدو لك كما لو كان فيلم رعب او تشويق روحاني على طريقة فيلم بيتر جاكسون «العظام المحببة«  The Lovely Bones او طريقة م. نايت شيامالان في فيلمه الماهر »الحاسة السادسة«
The 6th Sense٠
 لكن الحكايات الثلاث لا تلتقي على مستوى واحد حين يأتي الأمر لإيضاح المبررات. تصوير المخرج لحكاية الشاب جورج (دامون) ولحكاية التوأم الإنكليزي أفضل معالجة من حكاية المنتجة حالما تعود الى باريس. في كتابة هذا الجزء لم ينجح السيناريست مورغن (او الفيلم ذاته إذا ما كان المخرج اختصر بعض المشاهد لسبب ما) في منح شخصيّتها مبررات كافية. لا يبدو كما لو كان يعرف أين يقف من معايشتها الموت وإدراكها أنها عادة للحياة بعد زيارة قصيرة، ولماذا على ذلك أن يؤثر على أدائها في الاستديو٠
الفيلم بكلّيته لا يشبه أي عمل حققه ايستوود من نواحي فنيّة أيضاً. لم يسبق له أن صوّر فيلماً استخدم فيه الكومبيوتر غرافيكس على هذا النحو (او على أي نحو بإستثناء مشاهد قيادته طائرة حربية بالغة
السرعة في «فايرفوكس«- إذا كنا نعتبر ذلك مؤثرات) ولم يسبق له أن استخدم كاميرا محمولة باليد بهذه النسبة  وهو يديرها من دون أن يُشعرك بها على هذا النحو تبعاً لمدرسته القديمة في الإخراج.
في مجمله الفيلم يختزن أفضل ما في كيفية صنع الأفلام كلاسيكياً. وهو كان يستطيع أن يصوّر إستحضار الأرواح على نحو معقّد: أجواء داكنة، أصوات غريبة، ذعر، توتّر ومؤثرات صوتية عالية، لكنه يبتعد عن كل تلك الكليشيهات ليقدّم التواصل بسيطاً: لحظات من ملامسة كف جورج لأي من الشخصيات التي تريد التواصل مع الموتى وبعد ذلك يتلو جورج ما يسمعه. إذا كان المشاهد  يريد من الفيلم دخول دهاليز المؤثرات بعد كل ما شاهدناه منها خلال سنوات حتّى تحوّلت الى فقاقيع صابون، فإن هذا يعني أن ايستوود هو  أكثر منه شباباً٠




أيام وأفلام من مهرجان أبوظبي السينمائي

مقالتان من الزميلين بشّار ابراهيم وزياد
عبد الله حول المهرجان الذي ينهي دورته
الرابعة يوم غد السبت. بعد ذلك، وفي نطاق
هذا الملف الصغير، يعرض الزميل عبد الله
لفيلمين عربيين من أبرز ما تحدّث عنه النقاد
العرب في المهرجان٠







ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملاحظات ليست أخيرة  | بشّار إبراهيم

 ،عندما انعقدت الدورة الأولى من مهرجان أبو ظبي السينمائي، عام 2007 وكان اسم المهرجان يحمل اسم «مهرجان الشرق الأوسط السينمائي ( الدولي)، كتبنا ملاحظات ليست أخيرة، حينها، كان لها أن تؤكد على مجموعة من المفاهيم، التي كان لا بد لهذا المهرجان أن يأخذ بها، وأن يعمل على ضوئها، ويمشي بهديها!..
يومها، قلنا إن على هذا المهرجان، الذي اتخّذ له اسم «مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي«، أن ينفض عنه هذا الاسم، ويتخلّى عنه، طالما أنه لا يتوافق مع حقيقة اسمه، وجوهر فعالياته، وغاية مراده.. فإذا كان هذا المهرجان لا يريد أن يكون مهرجاناً «شرق أوسطياً»، فعلاً، اتكاء على مفهوم «الشرق أوسطية»، وما تحمله من دلالات سياسية، أو جغرافية، ويريد الاتساع، حتى ليكاد يشمل العالم كله.. وإذا كانت تسمية المهرجان، بالشرق أوسطية، لا تريد الانحصار بقوس جغرافي، أو سياسي، يمكن له أن يتوافق مع رؤى سياسة، لن يمتد بها القوس المكاني من أواسط أفريقيا، إلى أواسط آسيا.. فليس ثمة من مبرر لذاك الاسم، والذي كان يخفي حضور مدينة أبو ظبي التي تحتضن هذه المهرجان، ويجعلها لاحقة نافلة!٠
كان أمراً طيباً أن تبادر الجهات المعنية بالمهرجان، المبادرة، ما أن التقطت أنفاسها، إلى تغيير الاسم نحو الصواب، ليصبح مهرجان أبو ظبي السينمائي«، في تطابق لائق بين هذا الحدث الفني الثقافي، وحضور المدينة/ الإمارة القوي على مستوى الثقافة العربية أولاً، وعلى مستوى التفاعل الثقافي، الذي يمتد حتى ليكاد يشمل العالم كله
 لم تكن مسيرة مهرجان أبو ظبي وما بين الدورة الأولى، وحتى أبواب الدورة الرابعة
التي تعقد ما بين الرابع عشر والثالث والعشرين من هذا الشهر، سهلة ولا المطالب دانية التحقق، إذ بدا واضحاً أن المهرجان، وهو يبحث عن هوية له، يدخل في مسارب ومنعرجات ضيقة، لم يكن لها أن تمنحه القدرة على الوصول إلى ما يبتغيه. فطفت على السطح حالة من التردد والقلق، تم التعبير عنها من خلال تغيير سدة المهرجان، من دورة إلى أخرى، حتى صار لدينا ثلاثة أسماء، تولت ثلاث دورات على التوالي!٠

الآن، بات من الممكن القول إن الدورة الرابعة من مهرجان أبو ظبي السينمائي، هي دورة الوقوف على القدمين، وانتصاب القامة، والنظر المتأمل إلى الأفق المنشود، والتطلع إلى تحقيق المزيد! كأنما هي الدورة الأولى، الحقيقية، التي يمكن للمهتم الوقوف أمامها، ومحاسبة طاقهما التنفيذي، وقد مضى أكثر من عام على استلامهم مهامهم. فإذا كان من الممكن الصفح عن الكثير مما اعترى المهان في دورته الماضية/ الثالثة، مع الطاقم نفسه، بسبب أنه لم تكن قد مرت سوى أشهر معدودات على توليهم المهام، فإن هذا العذر قد تبدد الآن، ولم يعد من الممكن التبرير بضيق الوقت، خاصة مع هذا المهرجان الذي لا يمكن الحديث فيه عن ضيق الإمكانيات المادية، أبداً.
عندما تسلم الأميركي بيتر سكارليت إدارة المهرجان، ومنذ اللحظات الأولى لسماع الخبر، كان من المؤكد أن ثمة خبرة عالية يمتلكها هذا الإداري العتيق، الذي يحتفظ في سجله الشخصي بإدارات ناجحة لعدد من المهرجانات العالمية، وشهادات لا تتردد بصدد قدرته على أن يكون إضافة لهذا المهرجان، بعد شوط من السؤال عن أهلية وجدارة مديري المهرجان الأوليين، السابقين! مع الاحترام لشخصيهما، دون شك٠
كان الوقت متاحاً أمام بيتر سكارليت، وفريقه المحترف.. وكانت الإمكانيات المادية متوفرة إلى حد فائض، ربما.. وما زال المهرجان يتمتع بميزة التوقيت السنوي المبكر، الذي يسبق باقي المهرجانات، حتى ليكاد الموسم السينمائي العربي، الحقيقي، يبدأ من مهرجان أبو ظبي السينمائي، الذي بسبب من توقيته السنوي المبكر، على الأقل، كان له أن يترك لسائر المهرجانات العربية الأخرى خيارين أحلاهما مرّ: فإما أن تقوم تلك المهرجانات العربية بتكرار العروض التي سبق له أن قدمها، أو التوقف عند حدود ما لم يتمكن من وضعه في برامجه، أو ما لم يقم باختياره، أصلاً!٠
الملاحظة الهامة هنا، هو أننا نعتقد أن هذه الميزة (التوقيت السنوي المبكر)، وفي الوقت التي هي ميزة دون أدنى شك، فإنها في الوقت نفسه ينبغي أن تكون مسؤولية تقع على كاهل مهرجان أبو ظبي السينمائي؛ المسؤولية التي تجعل إدارته تدرك بذكاء، وبشيء من النزاهة طبعاً، أنه ليس المطلوب منها أن تأخذ كل ما يمكن، وأقصى ما يتوفر، لها من أفلام، بل أن تؤكد، قولاً وعملاً، أن اختياراتها لا تخضع لاستثمار هذه الميزة، وإغواء التباهي الإعلامي بكثرة العروض الأولى، ولا سطوة القوة المالية، بل أن تستجيب (اختياراتها) لهوية المهرجان، وغايته، وأهدافه، وتحقيق تناغم وانسجام روح برامجه، تلك التي تميز مهرجاناً عن آخر، والتي تؤشر بوضوح، لدى العارفين على الأقل، إلى حقيقة أن هذا الفيلم يصلح للذهاب إلى هذا المهرجان أو ذاك٠
الإشكالية الأساسية، هنا، والتي ستبقى متعلقة بهذا المهرجان، تتمثل في أنه ينتمي إلى القوة المالية الأكبر، وإلى الحضور الثقافي الأبرز، ذاك الذي تمثله إمارة أبو ظبي، وبالتالي فمن المنتظر، ومما يراهن عليه الكثيرون، أن يكون مهرجانها السينمائي على قدر المسؤولية، والقدرة على التعبير عن روح هذه المدينة، وعن استراتيجياتها.. وبالتالي فإن الاختيارات الفيلمية، وإن كانت متاحة على أوسع مدى، استناداً إلى أسبقية التوقيت، والقوة المالية، ينبغي لها أن تنضبط، طواعية!.. وهذه الانضباطية سوف تؤكد للقاصي والداني مدى عقلانية هذا المهرجان، واتزانه، وموضوعيته، وتعافيه من آفة أن يضم كل المتاح من أفلام، تحت هوس العرض العالمي الأول!.. والكف عن استخدام إغواء المال، أو الوقت٠
مع فريق محترف من المبرمجين، العارفين بشؤون السينما العربية والعالمية لحظة بلحظة (العراقي انتشال التميمي، الفلسطينية رشا السلطي، مثلاً)، وبإدارة الخبير بيتر سكارليت، ينبغي أن تغدو هذه الملاحظة قاعدة في التفكير، وركيزة في برامج العمل.. لا علاقة لها بإرضاء سوى الضمير المهني، ولا هاجس لديها إلا الارتقاء نحو الأفضل، على قاعدة إدراك أن مهرجان أبو ظبي السينمائي، سيكون أقوى وأفضل، في إطار علاقة تنافسية مشروعة، مع مهرجانات عربية أخرى، قوية ومتميزة، وليس مع مهرجانات محصورة بخيارات ضيقة، وإمكانيات محدودة، تجعل من المال المتوفر في هذا المهرجان لعنة عليه، وليس ميزة له!٠
حسناً فعلت الدورة الرابعة للمهرجان، أنها أعلنت منذ وقت مبكر عن موعدها، الأمر الذي ترك للمهرجانات الأخرى، فرصة أن تنتقي مواعيدها دون تقاطعات، أو تداخلات، كانت تترك آثاراً سلبية بيّنة. ففي العام المنصرم، مثلاً، وبسبب التزامن في الانعقادين، عانى مهرجان الإسماعيلية للأفلام الوثائقية والقصيرة، انحساراً واضحاً في الحضور، لانشغال الكثيرين من السينمائيين العرب بالحضور إلى أبو ظبي.. والأمل أنه في هذا العام، واعتباراً منه، تمّ تجاوز المشكلة٠
وإذ بادر مهرجان أبو ظبي السينمائي، من طرفه بذلك، هذا العام، فإن هذا لا يلغي حقيقة أنه سيحتاج، هو وسائر المهرجانات العربية، لأشكال مختلفة من التنسيق والتعاون، على العديد من الأصعدة. وعلى إدارة مهرجان أبو ظبي السينمائي، كما على إدارات سائر المهرجانات السينمائية العربية، إدراك حقيقة أنه لا جدوى من التشابه، والتماثل، واقتفاء الأثر.. بل إن المطلوب هو التمايز والاختلاف، الذي يؤسس للغنى والتنوع والتعدد، وهو ما يؤسس فعلاً لعملية دعم السينما العربية بأفلامها، واتجاهاتها، ومدارسها، وتنوعاتها.
وبالعودة إلى ثنائية التوقيت السنوي المبكر، والقوة المالية، والإمكانيات الواسعة، نعتقد أن المسؤولية الأكبر ينبغي لها أن تقع على كاهل مهرجان أبو ظبي السينمائي، خاصة وأنه، في الوقت نفسه، أتى تالياً لباقي المهرجانات السينمائية العربية باستثناء مهرجان الدوحة ترايبيكا، الذي من الصعب أخذه، حتى الآن، وعلى أبواب دورته الثانية، على محمل الجد

مهرجان أبو ظبي السينمائي، يتحمل هذه المسؤوليات جميعها، شاء أم أبى، ولا يمكنه أن يفك ارتباطه بها! وسواء بالنسبة لبيتر سكارليت، أو أي من طاقم فريقه، أو للإدارة الإماراتية العليا، فإن تجاهل هذه المقتضيات، لن يفيد بشيء، اللهم سوى بإفساح المزيد من مساحة الهمس والتعليق، والامتعاض الخافت، الذي لا بد أن يعلو ذات يوم.
من الجيد طبعاً، والجدير بالتنويه حقاً، أن مهرجان أبو ظبي السينمائي، وقد وجد نفسه أخيراً. وندرك أنه ليس ثمة من مهرجان سينمائي سيكون خلواً من الملاحظات. ولكن من المؤكد أن ثمة ما يبقى بين يدي مهرجان أبو ظبي السينمائي من مهمات جليلة، لا بد أن يؤسس لها اليوم، ويتولاها غداً، لنحصد ثمارها في كل وقت: دعماً لصناعة السينما العربية، تمويلاً لمشروعات أفلام مميزة، عروضاً سينمائية مهمة، جوائز لؤلؤية بارقة.. وقبل هذا كله، ومعه: الأيدي السينمائية العربية المتشابكة، المتناسقة، المتعاونة، المتفاهمة.. التي تؤكد أن بإمكان السينمائيين العرب، كما المبدعين العرب، فعل ما لا يقدر عليه الساسة العرب.. غفر الله لهم!٠




أفلام منتقاة بـ "شغف" | زياد عبدالله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إذا كانت الدورة الثالثة من «مهرجان أبو ظبي السينمائي» قد اختتمت بالماعز حين أحضر المدير التنفيذي للمهرجان بيتر سكارليت أربع عنزات، بدلاً من نجوم فيلم الاختتام «الرجال الذين يحدقون بالماعز»، فإن افتتاح الدورة الرابعة يوم  الخميس الماضي كان من نصيب الأحصنة مع فيلم
لكن قبل فيلم راندال واليس والحوار الممسرح مع شاب إماراتي عرض فيها مغريات Secretariat
ما تقدّمه هذه الدورة بغية إقناع المشاهدين بمتابعتها، عرض شريطاً قصيراً للإيراني جعفر بناهي 
  بعنوان «أكورديون»، في نوع من التضامن مع السينمائي الإيراني الممنوع من السفر، بسبب مواقفه المتضامنة مع المعارضة في بلاده. يحكي الفيلم الذي لا يتجاوز خمس دقائق عن الاضطهاد الديني والاقتصادي والعسكري٠
بعد بناهي مباشرة جاء »سكرتيريت«   ليفتح الباب على مصراعيه أمام الخيول وسباقاتها في نسيج درامي هوليوودي حيث شاهدنا دايان لين تنتقل من تحدٍّ إلى آخر، والخيل الحمراء  تفوز من سباق إلى آخر... وقد استكملت بإرادة المرأة الحديدية عناصر نجاحها مع المدرب لوسيان لوران (جون مالكوفيتش). مع «سكريتيرييت»، يمكن استعادة «الخيل والليل... ودايان لين» إن كان المطمح استشراقياً، وفقاً لاقتناع أميركي طاغٍ، على ما يبدو، بأن أفضل وسيلة للتواصل مع العرب هي... الخيل
لحسن الحظ أن في البرنامج أفلاماً أخرى. فكان بوسع الجمهور الإختيار من بين 170 فيلما قدّمتها هذه الدورة وألّفت بانوراما عالمية منتقاة بـ "شغف" ذلك التعبير الذي يردده سكارليت دوما. بينما يرى انتشال التميمي، مبرمج الأفلام العربية أن مهرجان أبو ظبي أصبح "قبلة السينمائيين العرب والأجانب"  مشيراً الى أن "خريطة عروض الأفلام في المنطقة العربية تبدأ مع مهرجان أبو ظبي"٠
  خمسة عشر فيلماً  في مسابقة الروائي الطويل، بدأت عروضها مع فيلم  الكندي دني فيلنوف «حرائق» المقتبس عن نص المسرحي وجدي معوّض. يقدم الشريط ميلودراما عن الحرب الأهلية اللبنانية. يبدأ الفيلم من كندا، ويعود إلى بلد شرق أوسطي يُقدم فيه المسيحيون على قتل المسلمين واللاجئين والعكس صحيح، ويمرّ على واقعة «بوسطة عين الرمانة» باعتبارها تجري في الصحراء! الفيلم جاء نصف خيالي نصف واقعي. لكن تضارب اللهجات العربية، وتحويل بيروت إلى عمان (موقع التصوير)، من العناصر التي تضعف العمل٠
 وفي إطار مسابقة الأفلام الروائية الطويلة التي يرأس لجنة تحكيمها هذا العام المخرج الأرجنتيني لويس بوينزو، قدم السوري نضال الدبس جديده «روداج». الفيلم ثاني شريط سوري يعرض في «أبو ظبي» من إنتاج القطاع الخاص في سوريا، بعد شريط حاتم علي «الليل الطويل». ويندرج ذلك ضمن الجهود التي يبذلها المخرج السوري هيثم حقي في بعث القطاع الخاص في سوريا، من خلال شركته «ريل» للأفلام، لكونه منتج كلا الفيلمين، إضافة إلى إنتاجه أفلاماً أخرى يبقى رهان حقي منحازاً إلى التجريب والبعد الجمالي، وفيلم الدبس يندرج فيمن بينها جديد عبد اللطيف عبد الحميد... هذا السياق. في «روداج» يقود الحب إلى علاقة ترزح تحت وطأة الخوف والبنى السلطويّة والقمعيّة... ويكون مصيرها
التحنيط. فشخصية محنط النسور التي أداها سلوم حداد، سرعان ما تتخذ أبعاداً دراميّة ورمزيّة تنتهي به إلى محنّط للحب . ولا مفرّ من ملاحظة أن القاعدة التي أسس عليها الفيلم معرّضة لخيانات تقنية، ما حدّ من خصوصيّته وتمايزه. ولعل فيلم الدبس هو آخر أعمال السينمائيين السوريين الذين تخرّجوا من «فغيك» (المعهد العالي للفنون السينمائية في موسكو) كما قدمته رشا السلطي، المشاركة في صياغة البرنامج العربي للمهرجان.
 أبرز أفلام المسابقة حتى الآن كان «أرواح صامتة»، فيلم الروسي أليكسي فيدورتشنكو الذي يؤكد طليعية هذه السينما المتواصلة... إضافة إلى فيلم مميز للبوسني دانيس تانوفيتش بعنوان «سيرك كولومبيا»، يرصد بدايات تفكك يوغسلافيا. ويخبّئ لنا البرنامج في الأيّام المقبلة أفلاماً كثيرة تعبّر في اجتماعها هنا عن «شغف» القائمين على مهرجان أبو ظبي. عربيّاً، نحن في انتظار «شتي يا دني» للبناني بهيج حجيج عن مخطوفي الحرب ومصائرهم، وجديد المصري داود عبد السيد «رسائل البحر».
 إلى جانب مسابقة الروائي الطويل، نشير إلى مسابقة «آفاق جديدة» المستحدثة، ويرأس لجنة تحكيمها السينمائي الفلسطيني إيليا سليمان. الأفلام المتنافسة هي لمخرجين في عملهم الأول أو الثاني، كما هي حال دانا أبو رحمة في فيلمها الثاني «مملكة النساء: عين . وكذلك الأمر مع رانيا عطية ودانييل 1982الحلوة» عن سيرة النساء الفلسطينيات إبان الاجتياح الإسرائيلي عام غارسيا في «طيب، خلص يلا»، وجود سعيد في باكورته المميزة «مرة أخرى»، وصولاً إلى عدي رشيد في «كرنتينا» الذي يصوّر معاناة العائلات العراقية المهجّرة.
 برامج أخرى كثيرة تشهدها الدورة الرابعة، تمتد إلى مسابقة الوثائقي حيث فلسطين حاضرة لكن بعيون غربية، كما هي الحال مع فيلم الألماني روبرت كريغ «أطفال الحجارة ــــ أطفال الجدار». يتعقب الشريط أطفال الحجارة، وما آل إليه مصيرهم اليوم. ولا بد من إشارة إلى «دموع غزة» للنرويجية فبيكه لوكبرغ التي توثّق ما عاشه سكّان القطاع إبان العدوان الإسرائيلي. أما «ميرال» لجوليان شنابل فمادة لنقاش طويل عن طريقة تعاطي الغرب مع قضايانا المصيريّة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اليازرلي عن الأب الذي لا يعود

نقد: زياد عبد الله
نريد للرسائل أن تصل، لا أحد يرغب في أن يكتب رسالة لنفسه، هناك رسالة سينمائية منجزة منذ أكثر من 33 سنة مثلما هو فيلم المخرج العراقي قيس الزبيدي «اليازرلي»، وأخرى لم تمرّ عليها سنة بعد وقد أصبحت رسائل أو «رسائل البحر» جديد المخرج المصري داود عبدالسيد، ولتبدو السينما العربية مع «اليازرلي» شبيهة تماماً بذاك الذي يضع رسالة في زجاجة ويرمي بها في البحر، لها أن تصل أو لا تصل، وقد تستغرق وقتاً طويلاً ومترامياً، أو كما نرى في فيلم عبدالسيد حين يقع الصياد على زجاجة في داخلها رسالة، فيستعيذ من الشيطان ويرمي بها مجدداً في البحر، وعندما يقع عليها يحيى  فإن رموزها تستعصي عليه ويصير في بحث عن معاني الكتابة التي تحتويها٠

حديثنا قادم بالطبع من عرض «اليازرلي»، أول من أمس، في الدورة الرابعة من مهرجان أبوظبي السينمائي، ومعه «رسائل البحر» الذي سيعرض يوم الجمعة المقبل، ضمن عروض مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، ولنضيف إليهما فيلم «حياة السمك» للتشيلي ماتياس بيزيه ضمن المسابقة الرسمية، والذي له أيضاً أن يلتقي مع حديثنا عن الرسائل بوصف حياة السمك جزءاً من التجوال الذي لا يتوقف، أو كما هي حياة أندريه  شخصية الفيلم الرئيسة الذي يعود إلى تشيلي وسرعان ما يغادرها عائداً إلى الترحال الذي تحولت إليه حياته
لن نعود إلى الحديث عمّا حاصر فيلم «اليازرلي» الذي انتج عام ،1974 لكن لنا أن نورد ما قدم به الزبيدي فيلمه قبل العرض، أول من أمس، قائلاً: «إن أي مسعى للتغيير مصيره العقاب»، ويقصد بهذا العقاب كمية الحذف والتقطيع الذي تعرّض له الفيلم، ومن ثم عرضه في مناسبات أقل من قليلة، وأمور أخرى لها أن تطال مسيرة هذا السينمائي الطليعي، وليمتد ذلك ويصل إلى الحلم المشروع بتقديم مقترحات جمالية مغايرة لها أن تحدث أثراً في مسيرة السينما العربية، الأمر الذي لم يحدث بما يجعلنا نعود إلى المرحلة التي انتج فيها «اليازرلي» لنجدها أكثر أهمية وخصوصية مما هي عليه حال السينما العربية٠
سنتكلم عن الفيلم هذه المرة، دون أية منغصات أخرى، ولكوني أيضاً شاهدت الفيلم في ما مضى على أقراص «دي في دي»، لتكون هذه المرة الأولى التي أشاهده فيها على الشاشة الكبيرة، مع كون النسخة أيضاً التي عرضت ضمن برنامج «خرائط الذات» قد تعرضت للأكسدة، فأصبح البياض الطاغي على الفيلم أميل للحمرة، لكن ذلك لن يمنع من مشاهدة فيلم حافل بسرد خاص، من الضروري لأي مهتم بالسينما أن يشاهده ليتعرف الى ما كان من الممكن انجازه في ظروف استثنائية تكلم عنها الزبيدي، وقد كانت متعلقة بالمؤسسة العامة للسينما في سورية، وقد كانت حينها منفتحة على السينمائيين العرب ليحققوا أفلامهم وفي تطلع نحو المغايرة والطليعية والتجريب٠
فيلم «اليازرلي» المأخوذ عن قصة قصيرة للروائي السوري المعروف حنا مينا بعنوان «على الأكياس»،  معالجة بصرية  تأخذ من الحكاية شخوصها وعوالمها لتقدم وفق سرد يؤكد ما يحاصر الفتى الذي سيكتب على الأكياس، الأب الذي لا يعود، اليازرلي (عدنان بركات) الذي يحل مكانه مجازياً، هو صاحب تجارة الحنطة، وفي حالة هيام بصبيحة (نادية أرسلان) إلى درجة يهاجمها فيها وهي عارية في الحمام، المشهد الذي يحتفي بالجسد.  إضافة الى أولئك الصبية الذين مثلوا لمرة واحدة وللأبد، وقد اختارهم الزبيدي ليلعبوا أدوارهم، وقد تعرف اليهم في موقع التصوير بين مدينتي اللاذقية وطرطوس السوريتين٠
٠«اليازرلي» ليس في النهاية عن قصة معاناة فتى يتسلط عليه الفقر والرجولة وغياب الأب فقط، إنه عن كيف قدم ذلك، كيف جاءت عليه البناءات البصرية التي يقترحها، بدءاً من العربة التي تظهر في بداية الفيلم، مروراً باللقطات البطيئة والفلاش باك المتكرر في لحظات معاناة الفتى مع العمل الشاق، وصولاً إلى النهاية وكله مما يشاهد ولا يكتب٠

رسائل البحر

بالانتقال إلى «رسائل البحر» فإن المخرج داود عبدالسيد يقدم ما  يندرج أيضاً في السؤال عن الكيفية التي قدم فيها الاسكندرية، وما هو السرد الذي سيقود في النهاية لوضعنا أمام حكاية مبنية برقة وشغف لها أن تضيء في الوقت نفسه قسوة ما آلت إليه هذه الحياة، والكيفية أيضاً التي يتحرك فيها الفيلم ليجمع الماضي في الحاضر، الاسكندرية كمدينة «كوسموبوليتانية»، من خلال العائلة ذات الأصول الإيطالية، وعلى هدى الحنين ربما، وذاك الحاج الذي ينوي إخلاء العمارة وإقامة مركز للتسوق في دلالة واضحة على المتغيرات التي تطال المدينة، خصوصاً أن هذا الأخير يصطاد السمك بالديناميت، الأمر الذي يختم فيه الفيلم في لقطة نجد فيها يحيى وحبيبته وسط قارب محاط بمئات الأسماك الطافية، وليكون ذلك واحداً من التشويهات الكثيرة التي يمثلها هذا الحاج، أو معادلاً لبرجوازية صغيرة تتسيد المشهد وتستولي على كل شيء، وتفرض قيمها المستعدة لتسخير أية قيمة في خدمة الربح والمنفعة٠
لكن كل ما في الفيلم سيكون على النقيض مما تقدم على صعيد الأجواء الشعرية التي يقدمها، ونحن نتابع ما ستصير عليه حياة يحيى (آسر ياسين) الذي يسعى إلى حياة حرة متمركزة حول جمال هذه الحياة، حيث الحب والصداقة وصيد السمك بعيداً عن مهنة الطب الذي درسه، وعبر التغيرات التي يشتغل عليها يحيى فإن حياة جديدة تفتح أمامه أكثر اتصالاً بالحياة الحقيقة فهو ينتقل من فيلا كبيرة بعيد وفاة أمه، إلى شقة صغيرة في الاسكندرية، ونمضي معه وهو يبني عالمه الخاص وهو يجرب الكحول أول مرة، ويتعرف
الى «بادي غارد» (محمد لطفي) يكون مثالاً للقوة والطيبة في آن معاً، إنه مأخوذ بنافذة يقف أمامها ساعات وساعات وهو ينصت إلى من يعزف على البيانو من خلفها، ومن ثم يمشي إلى جانب امرأة (بسمة) تصعد معه الى بيته فيظنها «عاهرة»، ويعرض عليها نقوداً فتقبل بـ10 حنيهات، وليكون ذلك بمثابة انطلاقة في قصة حب تعدنا باكتشافات كثيرة أولها أن هذه المرأة ليست «عاهرة»، ما  ينمّى علاقة يحيى بها
فيلم لعبدالسيد لن يكون إلا محط ترقّب وترحيب، وبالتأكيد سيكون معبراً للقول «والله زمان يا داود عبدالسيد»، ولـ«رسائل البحر» أن يقول لنا بدوره كم هي مفتقدة هكذا أفلام في السينما المصرية٠




كيف ردّت هوليوود على السينما الفاشية الألمانية والإيطالية
 محمد  رُضا
في هذه الحلقة الثالثة من دراستي حول
السينما والفاشية، وبعد استعراض وضع
السينمتين الإيطالية والألمانية (العددان  606
و 608) أدلف الى ما الذي كان يحدث في
الفترة ذاتها (الثلاثينات والأربعينات) في
هوليوود  وكيف  وجدت ستديوهات السينما هناك
نفسها بين تيارين٠


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
معظم اليسار السينمائي في هوليوود الثلاثينات وما بعد كانوا من المهاجرين الأوروبيين الذين نزحوا  غالباً  من روسيا الشيوعية او من ألمانيا النازية الى نيويورك وهوليوود. نيويورك لأنهم كانوا مسرحيين وأحبوا مواصلة العمل في هذا الميدان ولو أن بعضهم قرر الرحيل الى هوليوود لاحقاً، او كانوا سينمائيين توجّهوا الى هوليوود منذ البداية٠ 
بعض هؤلاء المسرحيين كانوا كتّاباً وفي أيامها (ولليوم إنما على نحو أقل) كانت هوليوود على استقطاب دائم لكل موهبة تحقق نجاحاً في نيويورك، تمثيلا  او إخراجاً او كتابة. وأحد أفضل الكتّاب المسرحيين وأنجحهم آنذاك كان كليفورد أودتس وجون هوارد لوسون ولستر كول وألبرت مالتز وجون وكسلي. بعض هؤلاء ألّفوا جماعة مسرحية بإسم «مسرح العمال العاملين« او
Workers Labor Theater هؤلاء ألّفوا تجمّعا سمّوه "مسرح العمّال العاملين"٠
ونتيجة نجاح أعمالهم وجدوا أنفسهم مطلوبين من ستديو رئيسي في هوليوود هو ستديو "وورنر". وبعضنا لابد يعلم أن الإختلاف الخاص لستديو وورنر عن سواه في تلك الفترة كان تبنّيها لمشاريع أفلام أكثر ليبرالية في مفاهيمها وطروحاتها من تلك التي عند سواها. كل أفلام العصابات التي اشتهرت بها آنذاك، مع همفري بوغارت وجيمس كاغني وجورج رافت وسواهم، كانت على يسار الإعتدال من حيث تحبيذها لاتهام المجتمع بمسؤوليّته حيال انتشار الجريمة وعدم تصوير الوضع على أساس أبطال (هم رجال القانون والمجتمع الأخلاقي) وأشرار (الخارجون عن القانون)٠
هؤلاء الكتّاب النازحون مع مجموعة أخرى كانت متواجدة قبلهم في هوليوود وجدوا أنه من الضروري تأليف نقابة تدافع عن حقوقهم وحريّات تعبيرهم فألّفوا ما يمكن تعريبه الى "نقابة كتّاب السينما"٠
Screen Writers Guild
Screen playwrights  وذلك في منتصف الثلاثينات. حينها كانت هناك جمعية أخرى بإسم
وكانت على علاقة وثيقة باستديوهات هوليوود (ويُقال أيضاً أن الاستديوهات كانت تهيمن عليها) ما أشعل نار حرب بين الجمعيّتين الجديدة والقديمة.  ولم يقتصر الأمر على النقاد، بل انتشر مثيل له بين نقابات وجمعيات ممثلين ومخرجين. اليد القويّة لاتحادات العمّال أمسكت بخيوط اللعبة وكانت في الشأن الأعظم لها يسارية التوجّه (وفي بعض الكتب شيوعية التوجّه) والصراع من أوّله تبلور سياسياً بين مجموعة محافظة ومجموعة ليبرالية. بين اليمين وبين اليسار. أحد هذه التجمّعات النقابية كانت واضحة في مناهضتها للنازية والتصدّي لما وجدته امتداداً للسياسة النازية في اليمين الهوليوودي٠
في الأربعينات عندما اشتد ساعد القوى اليسارية تدخّل الكونغرس وألف التحقيقات التي عُرفت
بإسم »لجنة التحقيق في النشاطات غير الأميركية« التي بكونها لم تكن سوى حل فاشي لمواجهة سياسة خارجة عن النظام العام٠
خلال المحاكمات التي جرت بدءاً من العام 1947 كان المتّهمون من الكتّاب السينمائيين يُسألون سؤالين محددين: "هل أنت الان او كنت يوم ما عضواً في الحزب الشيوعي"؟ و"هل أنت اليوم او كنت سابقاً عضواً في »نقابة كتاب السينما"؟

طبقات
المسألة كانت طبيعياً صراع طبقات. معظم النازحون الجدد، وفريق كبير من السينمائيين العاملين في هوليوود آنذاك،  كانوا يعملون لقاء آجور قليلة، وسياسياً كانوا ينظرون الى هوليوود كمكان سيطر عليه المحافظون منذ بدايته. لم تكن لدى اليمين مشكلة مع الفاشية لا في المانيا ولا في إيطاليا ولا في أسبانيا إلى أن اشتعلت جبهات الحرب وليس من مطلع اندلاع الحرب، بل حين دخلت اميركا الحرب في مطلع الأربعينات٠
 كثير من ستديوهات هوليوود الكبيرة (وكانت سبعة  آنذاك هي: ديزني، وورنر، كولمبيا، باراماونت، مترو غولدوين ماير، يونيفرسال، فوكس) والعديد من تلك المتوسّطة (ريبابلك، آر كي أو الخ...) كانت مملوكة من قبل مهنيين مختلفي الخلفيات. لكن عدداً كبيراً منهم  كانوا يهوداً نزحوا من نيويورك الى هوليوود حالما تبدّى أن كاليفورنيا هي الأصلح لأن تكون عاصمة السينما الأميركية. جلّ هؤلاء كانوا أبناء نازحين قدموا من روسيا وباقي أوروبا الى الولايات المتحدة في نهايات القرن التاسع عشر. وجميعهم كانوا من أبناء عائلات فقيرة او متوسّطة في أفضل الحالات. حين كوّنوا ستديوهاتهم وحققت لهم انتاجاتهم ملايين الدولارات من الأرباح، لم تعد فكرة النزوح من المستوى الإجتماعي الجديد الى الوراء  واردة ولو عبر تأييد السينمائيين النقابيين. على العكس، كانت لدى أرباب هوليوود  كل الأسباب للدفاع عما حققوه من نجاح وثروة٠

قبل شيفرة هايز
 بالنسبة لوورنر التي أسسها جاك وسام وورنر، فإن أفلامها في الأساس لم تكن ببذخ أفلام الشركات الكبيرة الأخرى، ولسبب ما يبدو ذلك منطقياً  حين الإشارة الى نوعية أفلام الاستديو الليبرالية في العشرينات ومطلع الثلاثينات.  الشركات الأخرى أسستها عائلات مثل لاو وثولبرغ وماير وغولدوين وفرومان ولاسكي وزوكر. أحياناً كانت هذه الشركات صغيرة الحجم لكن حين انضمام بعضها لبعض نتج عنها توحيد جهود أدّت لتمركز هوليوود بين هؤلاء الأساطين. فوكس وديزني كانتا من تأليف مسيحيين. لكن الجميع اشترك في المواجهة ضد احتمال تقوية شوكة اليسار 

شيفرة هايز
لم يكن الخوف من شوكة اليسار هو الوحيد الحادث. أي مراجع لتاريخ السينما الأميركية يعلم أن قوى المحافظين كانت بدورها قوّية. كانت هناك جمعيات دينية (كما حال الدول العربية اليوم) التي تتدخّل لتطالب بالمنع او لتحتج ضد فيلم لا يرضي ما تراه شيفراتها الأخلاقية. الليبرالية كانت سبيلاً للتخلّي عن الوقار والأخلاق الحميدة والتقاليد المتوارثة (وبمراجعة سيادة الليبرالية اليوم يمكن أن نجد لتلك الجمعيات بعض العذر- لكن ليس عندنا لأسباب لا مجال لشرحها الآن)٠
أحد أقوى الجمعيات كانت بإسم  »الفيلق الوطني« او
The National Legion  أحد أقوى الجمعيات كانت بإسم »الفيلق الوطني« او
التي كانت تابعة للكنيسة الكاثوليكية والتي كانت تمنح الأفلام درجات لتحديد صلاحيتها من وجهة نظرها. أيضاً كانت هناك جمعية بإسم »فرسان كولمبوس« وأخر» بإسم »فتيات الثورة الأميركية« و»»الفيلق الأميركي«٠
سنة 1934 بوشر اعتماد ما سُمِّي بـ «شيفرة هايز« وهي أخذت تراقب الأفلام المنتجة وتتدخل فيما تراه تبعاً لما تعتبره صحيحاً.  كانت رقابة طوعية وأصبحت رسمية مدعومة من قبل الحكومة والمؤسسات الخاصّة التي تشاطرها الموقف حيال هوليوود الفالتة. كل الأفلام بات عليها أن تحصل على ما سُمّي
بـ "ختم الموافقة"  مع ضريبة قدرها 25 ألف دولار (كانت عالية آنذاك) إذا ما تجرأ الاستديو وعرض فيلماً من دون موافقتها٠
الرقابة الأميركية كانت داعياً لصمود اليمين في مواجهة اليسار، كما نرى، لكن المسألة كانت تتعلّق أيضاً بالرقابات خارج الولايات المتحدة. مثلاً في اليابان كانت الشيفرات الرقابية تمنع تبادل القبلة على الفم. في بريطانيا كانت الرقابة تمعن النظر في تلك الأفلام الأميركية التي تدور حول واحد من مستعمرات الإمبراطورية القديمة (وأميركا كانت مستعمرة بريطانية)  وتتدخل لتمنع أي فيلم لا يعجبها. صحف تلك الفترة تناقلت خبر منع فيلم
The Bitter Tea of General Yen  " الفترة تناقلت خبر منع  "الشاي المر للجنرال ين
الذي أخرجه فرانك كابرا سنة 1932  ونص على قصّة حب بين أميركية (باربرا ستانويك) وجنرال صيني (توشيا موري)٠ 

يتبع


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular