Oct 1, 2010

N. 606 | سينما آرثر بن | ملف خاص: كارلوس | أيام مهرجان بيروت السينمائية


رحيل | آرثر بن
   آرثر بن:  لا صورة للسينما الأميركية من دونه!٠
محمد رُضــا

استطيع، كسواي، تأليف قائمة بالمخرجين الذين أنجزوا أفلاماً رائعة في الستينات والسبعينات ثم تواروا، وهم لا زالوا أحياءاً، عن العمل حينما تأكّدوا أن هوليوود التي أحبّوها سابقاً والتي عملوا فيها لاحقاً، لم تعد كما وعدت. انقلبت على نفسها وأصبحت ممسوكة بقبضات شركات لا علاقة لها بالسينما وكل ما تكنّه لها هو الجردة السنوية التي عليها أن تكون رابحة. هذا الهم، هم الربح، ليس عيباً ولم يبتدعه المنتجون والمشرفون الجدد فهوليوود كانت تجارية الشأن والتوجّه دائماً، لكن من الثمانينات وصاعداً أصبح هذا التوجّة مرتبط أكثر من أي وقت مضى بالطريقة الميكانيكية الخالية من الموهبة و(في أحيان كثيرة) من الذوق أيضاً التي يتم بموجبها صنع الأفلام. الأفلام باتت أكثر من أي وقت مضى منتجات وليس إنتاجات. ترفيه معلّب لا طموح فيه ولا فن بل عناصر محسوبة (وغالباً برهنت على فشلها أكثر من مرّة) تلتقي لتذر بعض التأثير في العيون وينتهي مفعولها وهي لا زالت معروضة٠
آرثر بن كان انطلق بقوّة في الستينات ثم دخل الثمانينات منهكاً. كان أدرك حين أنجز آخر ثلاثة أفلام من أن ما أتاح له ولغيره من المخرجين التحكّم في العمل السينمائي وما منحه وغيره من سُلطة جعلت السينما في عصمة المخرج وليس المنتج او الموظف، قد توقّف. كان محظوظاً أنه لحق السينما حين تفاعلت وتجددت وتوزّعت بين ايدي بضعة مخرجين لامعين في تلك الفترة مثل مارتن رت، سيدني بولاك، جيري تشاتزبيرغ،  سيدني لومِت، ألان ج. باكولا، فرنسيس كوبولا، سام بكنباه، مارتن سكورسيزي من بين عديدين٠
في تحديد من هو آرثر بن نجد أنفسنا أمام أكثر من تعريف
إنه من جيل المخرجين الذين جاؤوا من التلفزيون الى السينما مع نهاية الخمسينات ومطلع الستينات. من هؤلاء: دون مدفورد، بز كوليك، سدني لومِت، سام بكنباه،  روبرت ألتمن، وليام غراهام، جيري جامسون، بول وندكوس، تد بوست، جاك غولد، أنطوني هارفي، لامونت جونسون، رالف نلسون، جيري باريس،  دان كورتيس بيتر كولنسون، رتشارد ت. هفرون وغيرهم٠
إنه -لجانب سام بكنباه وروبرت ألتمن- أفضل ممن شق طريقه في العمل السينمائي٠
هو، أيضاً، ينتمي الى مجموعة المخرجين الذين غيّروا في قوانين الرقابة الذاتية. العنف، كما عند بكبناه ورالف نلسون، كان مباحاً لكن ليس لذاته بل لإيصال رسالة حول الإنسان والمجتمع٠
ثم هو أحد القلّة من مخرجي الفترة التي تركت تأثيرها على السينما الأميركية والجيل المباشر بعده. ربما يمكن تصوّر السينما الأميركية من دون معظم من وردت أسماءهم والعديد ممن مروّا في سمائها، لكن تصوّرها من دون آرثر بن في تلك الفترة هو مثل تصوّرها من دون غريفيث او جون فورد او سيسيل ب. دميل ... الصورة لا تكتمل٠
آرثر بن: الحقبة التلفزيونية
المخرج بن يشرح موقفاً لوورن بيتي وجين هاكمن خلال تصوير "بوني وكلايد"٠
وُلد آرثر بن في السابع والعشرين من أيلول/ سبتمبر سنة 1922 وتوفي في الثامن والعشرين من الشهر نفسه هذا العام. والده كان ساعاتياً ووالدته كانت ممرضة. حين كان في السادسة من العمر انفصل والديه ووجد نفسه بمعية والدته وشقيقه الأكبر إرفينغ (الذي أصبح مصوّراً فوتوغرافياً).  دخل الجيش الأميركي وأنشأ هناك فرقة مسرحية للترفيه حتى إذا ما ترك الجيش أخذ يبحث عن وسيلة لمواصلة حبّه للفن فانضم الى فرقة مسرحية يديرها جوشوا لوغان (مخرج مسرحي حقق بضعة أفلام سينمائية أيضاً). كما أخذ يدرس التمثيل. كان أصبح في السادسة والعشرين حين انضم الى محطة أن بي سي الأميركية في مطلع الخمسينات. هناك عمل في الاستديو كمساعد مخرج ومساعد إنتاج ومدير الموقع (او كما يسمّونه
(Floor Manager
  بطريقة ربما كانت تلقائية لشخص طموح وجد آرثر بن نفسه وقد أصبح مخرجاً سنة 1953 عبر حلقات
The Gulf Playhouse من مسلسل درامي بعنوان
منها تنوّعت أعماله التلفزيونية صوب مسلسلات أخرى معظمها يحمل سمات درامية جادّة بث فيها المخرج ما تعلّمه وتدرّب عليه من تمثيل وإدارة ممثلين. في الخمسينات كانت درجت مسلسلات تقدم عليها شركات تجارية مثل »عجلات غوديير« و»برادات وستنكهاوس«  ومن المرجّح أن شغل بن على بعضها مدعاة للتقييم  بسبب جدّيته في التعامل مع المادّة ومع العناصر الفنية بأسرها.  وهذا العمل التلفزيوني
The Left Handed Gun  امتد حتى سنة 1958 عندما قرر إنجاز فيلمه الأول:  ذو المسدس الأيسر
الفيلم مأخوذ عن مسرحية كتبها غور فيدال وتم تصويرها للتلفزيون. أيضاً من بنات تلك الفترة ولسنوات لاحقة انتشار "المسارح التلفزيونية" وهي عبارة عن دراميات مُعالجة تصويرا وإخراجاً كما لو كانت مسرحيات منقولة بالكاميرا، بينما هي مصوّرة داخل الاستديوهات. مهما يكن فإن اختيار بن لهذا المشروع عملاً أولاً يحمل الكثير من الطموح٠

 أربع سنوات
في الغرب الأميركي كانت هناك شخصية حقيقية: شرير شاب أسمه "الحركي" بيلي ذ كد  (والحقيقي هنري مكارتي) اقتنع بنبذ العنف استجابة لمزارع انكليزي لكن حين قتل ذلك المزارع على يدي عصابة محمية من رجل القانون هب ضد الإثنين ومارس وعصابة ألّفها من أشرار آخرين أعمال سطو وتخريب وقتل الى أن قتله بات غاريت في واقعة مختلف على تفاصيلها. سام بكنباه يقدّم القصّة كاملة في فيلمه
Pat Garrett and Billy the Kid  الرائع
الذي أنجزه سنة 1973 وهذا بعد أن قامت هوليوود بتنفيذ عشرات الأفلام حول هذه الشخصية. بعضها مفبرك بأكلمه وبعضها يحاول أن يكون حقيقياً. قسم منها يقدّمه على أساس أنه شرير وقسم آخر يلمّع صورته. فيلم  »ذو المسدس الأيسر« لآرثر بن يختلف كلّية عن أي فيلم آخر عالج الشخصية. إذ ما ألهمه هو الجانب النفسي في تلك الشخصية كما رصدها غور فيدال. لا يهم، من زاوية غير نقدية بالضرورة، إذا ما كان الرصد صحيحاً او واقعياً، المهم هو محاولة قراءة شخصية متعَبة على نحو تاريخي. بول نيومان في البطولة ناظراً في كل إتجاه باستثناء أعين الممثلين الآخرين الا في بعض الأحيان. ربما كان لذلك مبررات  المقبولة، لكن الفيلم (بالأبيض والأسود) حط على الشاشات محدثاً إعجاباً ثقافياً وصدّا جماهيرياً. آرثر بن نفسه كانت لديه ملاحظات نقدية على فيلمه ذاك. في تحليل للناقد ديفيد تومسون إشارة الى احتمال ذلك إذ يذكر الناقد أن السبب في قيام "بن" بالإنتظار أربع سنوات قبل أن يحقق فيلمه الثاني علاقة بما لم يستطع إنجازه من مستوى فني في فيلمه السابق٠
سواء أكان هذا صحيحاً أم لا (وأنا أراه مقبولاً) فإن المخرج عاد الى السينما سنة 1962 بفيلمه الأفضل
The Miracle Worker   صانعة المعجزة
المأخوذ عن مسرحية تلفزيونية أخرجها بن سنة 1957. هذه المرّة ليس فقط أن النتيجة أفضل من السابق لأسباب تتعلّق بالشغل على الموضوع بعناية أكثر (واختيار المخرج لموضوع عالجه سابقاً على الشاشة الصغيرة) فقط، بل لأن المخرج وجد وسيلة لم يجدها سابقاً لكي يُثير الإهتمام بشخصياته.  أحد مشاكل  الفيلم السابق هو أن أداء نيومان كان لافتاً من دون أن يكون جذاباً والشخصية المقدّمة كانت شريرة بلا تمرير مبررات. جديدة من دون أن تكون جذّابة. لفيلمه الثاني كانت لديه شخصيّتين رئيسيّتين:  استاذة  متخصصة شابّة (آن بانكروفت) مطلوب منها تعليم فتاة عمياء (باتي دوك). كل منهما لديها شخصية قويّة وعنيدة لذا لا الاستاذة تستسلم للصعوبة التي تواجهها فتتنازل ولا الفتاة العمياء، وسط غضبها الداخلي الجامح، تستسلم للإصرار الذي تمارسه المعلّمة عليها. النتيجة نحو ساعتين الا قليلاً من دراما المواجهات، لا النفسية وحدها بل الجسدية والدرامية والإجتماعية٠
شاهدت الفيلم لأول مرّة في بيروت وخرجت منذهلاً وشاهدته بعد ذلك عدّة مرّات وفي كل مرّة أجد نفسي مذهولاً للأداء الرائع من قبل هاتين الممثلتين كما من الرصد الذي تمارسه الكاميرا لأجل أن تبقي كل شيء في وضع طبيعي وواقعي٠

آرثر والعنف
سنة 1964  باشر بن إخراج فيلم »القطار« من بطولة بيرت لانكاستر الذي كان نجماً محبوباً وكبيرا ذا سُلطة. لانكاستر لم يعجبه أسلوب بن في العمل ورأى أن طريقته في تفسير الشخصية وإدارتها للممثل  تناويء مفهومه الخاص وتتعارض مع نجوميّته  فأوعز بطلب تغييره مرشّحاً المخرج جون فرانكنهايمر للمهمّة وتمّت الإستجابة الى طلبه. وكان لانكاستر عمل تحت إدارة فرانكنهايمر في ثلاثة أفلام
The Young Savages, Birdman of Alcatraz,  Seven Days in May  سابقة هي

The Miracle Worker |  صانعة المعجزة
 وكان طبيعياً أن يطلبه فقد ارتاح معه . أما بن فقد أنطلق لينجز في السنة التالية «ميكي وَن« مع وورن بيتي في الدور الرئيسي حول رجل هارب من العصابة التي كان ينتمي اليها محاولاً شق طريق جديدة في عالم المسرح الإستعراضي تحت إسم ميكي، لكنه يعلم في قرار نفسه أن أمرَه لابد سينكشف ويبدأ بمحاولة استرجاع السبب الذي من أجله تريد العصابة القضاء عليه٠
كان هذا أوّل لقاء بينه وبين الممثل بيتي. الثاني كان بعد عامين فقط بعنوان »بوني وكلايد« الذي تناولناه مطوّلاً في العدد 65 من "فيلم ريدر" . بين الفيلمين يقبع فيلم آخر بعنوان »المطاردة« هو الفيلم الأول بينه وبين مارلون براندو من فيلمين أيضاً٠
 الى هذا الفيلم كان آرثر بن عمد الى تصوير العنف في إطار محدود في فيلمين وعلى نحو أوسع في فيلم ثالث. الفيلمان المحدودين هما »بيلي ذ كِد« و»ميكي وَن«، حيث العنف يحدث في عمق الذات وأحياناً على أطرافها. الفيلم الثالث هو »صانعة المعجزة« الذي ليس بالقصّة البوليسية ولا تدور حول أخيار وأشرار لكن رغم ذلك فيها من صراع الإرادة بين نفسين ثائرين ما يجسّد بعداً للعنف ليس متوفّراً في كثير من الأفلام بذلك المستوى الى اليوم.  في »صانعة المعجزة« ذلك المشهد الذي تطلب فيه المعلّمة من تلميذتها طوي منديل الطعام فترفض تلك فتعيد المعلّمة الطلب وتعيد تلك الرفض ويتطور الطلب والرفض الى اشتباك إرادة تعبّر عنها حركة اليد والمنديل. فجأة ذلك المنديل (والتجاذب حوله) حقل الحرب الدفينة في ذات كل منهما ضد الآخر. المخرج يصوّر المشهد  من دون دور آخر للكاميرا صوب تلك اللقطة التي تجمع بين الإثنين وكيف يتداولان أمر المنديل ثم يترك ارتفاع الحدّة يقع بين الشخصيّتين من دون تدخّل (قطع او تغيير زوايا الخ..) ما يساعد في تركيز العين على المندل والكشف عن صراع الإرادة ومن ثم العنف الجوّاني الهائل الذي في داخل كل من هاتين الشخصيّتين. هناك مشهد آخر تطلب فيه المعلّمة المصابة بعمى جزئي بدورها استخدام الفتاة للشوكة والسكّين  وهو ينجز قدراً وافياً أيضاً مما يرد في مشهد المنديل. كلاهما يؤلّفان فصلاً من الفيلم أرهقهما تمثيله ما اضطر الممثلتين، بعد التصوير لطلب استشارات من أطباء نفسيين للخروج من حالة الصدمة التي وجدت الممثلتان نفسيهما فيها٠
هنا يدرك المرء ما يستطيع الإخراج حشده من بساطة تكوين ليدلف بها الى عوامل نفسية عنيفة ومعقّدة. ليس أن المخرج بعد ذلك وبدءاً من »المطاردة« (1966)  بدوره مأخوذ عن مسرحية لهوتورن فوت نقلتها الى سيناريو ليليان هلمان، كلاهما كانا من أيقونات الحركة الثقافية في أميركا الستينات٠ في »المطاردة« لا عنفاً واحداً بل عنف كثير مرتبط بمكان واحد: البلدة الصغيرة التي يعيش فيها الشريف كولدر (براندو) وزوجته المحبّة روبي (أنجي ديكنسون). تأتي الأخبار بأن السجين  بوبر (روبرت ردفورد) هرب من السجن ومتّجه الى البلدة. أهل هذه البلدة ذات الغالبية البيضاء المرتاحة مادياً لديهم ما يخافونه من عودة بروبر، فالتهمة التي دخل السجن بسببها ملفّقة، وزوجته على علاقة مع رجل متزوّج، ما يدفع الى غليان دفين في ذوات عدد من الشخصيات التي تقود البلدة وتعتبر الشريف كولدر خارج اللعبة. تريد أن تضمّه لها لو يوافق، وإذا لم ينضم ستلقّنه درساً حين يندفع لحماية الميكانيكي الأسود الذي يريد هؤلاء ضربه لاستخراج معلومات حول مكان وجود بروبر وموعد وصوله لكي يكمنون له٠

براندو طلب أن يُضرب بجد
إذاً لدينا بلدة فاسدة ودائماً ما يكون اختيار البلدة هو رمز للبلد بأسره، لأن المدينة الكبيرة قد  تكون رمزاً كبيراً كمركز اقتصادي لكنها ذات شأن اجتماعي مؤلّف من أعراق وعناصر يكاد يتساوى فيها الأبيض مع سواه وتتألّف من غالبية من الطبقة الفقيرة والمتوسّطة، بينما البلدة هي أكثر صفاءاً في انتمائها الى وضعها الإقتصادي وأكثر "أميركيّة" من سواها. بذلك هي -هنا- رمزاً لأميركا. يشعر المشاهد وهو يرى الفيلم بأن المخرج يتحدّث لغة يعرفها. يريده أن يدين الخطايا التي يرتكبها هؤلاء ويفاخرون بها من علاقات خيانة الى سوء معاملة المرأة الى حفلات شرب (تقع الأحداث بين مساء يوم السبت وصباح الأحد) الى العنصرية وأسباب الضغينة الخ٠٠٠


الشلّة التي تكوّن زمرة تريد إرساء قانونها وممارسة فاشية رجالية تتألّف من بضع رجال فاسدين. حين يجد الشريف نفسه بين اختيار أن ينضم وأن يرفض الإنضمام يتلقّى من هؤلاء ضرباً مبرحاً  بعدما سمحوا لأنفسهم تجاوز القانون لتحكيم قانونهم التعسّفي والعنصري٠
الحكاية التي سمعتها بعد مشاهدتي لهذا الفيلم المبهر لأول مرّة هي أن براندو أوقف تصوير المشهد الذي يقوم به ثلاثة رجال بضربه ليطلب من المخرج الطلب من الممثلين ضربه فعلياً. براندو على ما كان عليه من  اندفاع لتجسيد الحقيقة كان يريد أن يُضرب ليتهاوى ستار الكذب بين الواقع المفترض والخيال على الشاشة وكان له ما أراد٠
هذا العنف كان مقدّمة لعنف آخر وذي دلالات اجتماعية أيضاً تمثّلت بفيلم »بوني وكلايد«، حكاية من الواقع حول شخصيّتين مجرمتين قامتا بسرقة المصارف مع شلّة مشاركة. كل من كان في تلك الشلّة مات باستثناء شاب متردد أعاده والده تحت ستاره لقاء أن يخبر البوليس بمكان وجود بوني (فاي داناواي) وكلايد (وورن بيتي)٠
الطريقة التي يموت بها من يموت في هذا الفيلم هي إشباع الجسد بالرصاص وتلويث الثياب بالدم. ليس دائماً دماً متفجّراً كما في حال »الزمرة المتوحّشة« لسام بكنباه، بل بمجرّد أن تتلوّث الثياب باللون الأحمر في بعض الأحيان. مشهد النهاية حين يقع العاشقان في كمين الأف بي آي خالد في تجسيد العنف. القتل المتعمّد الذي يقوم به رجال القانون من دون رغبة القبض عليهما حيين، ومن دون تحذير. كان آرثر بن قد  رصف عنف المجتمع الذي لا يقل شأناً عن عنف الخروج عن القانون، بل ربما يتجاوزه: المصارف التي تستغل الظرف الإقتصادي اليائس، والأحداث تقع في العشرينات، لكي تستولي على بيوت المزارعين المعدمين الذين لا يستطيعون سداد الأقساط والوضع الإقتصادي برمّته يبقيان من أبرز الدلائل على ذلك العنف لجانب الوسيلة التي يمارس فيها القانون دوره٠
ذلك المشهد (أشرت اليه في نقدي للفيلم سابقاً) الذي نرى فيه كلايد وبوني يتقدّمان من مزارع أبيض ملأ سيّارته بما استطاعت حمله من أمتعة خير تعبير
I rob banks  كلايد للمزارع: أسرق مصارف
ينظر اليه المزارع من دون تأثير واضح، فيسأله كلايد إذا ما كان يريد الإنتقام من المصرف الذي وضع يده على منزله ويعطيه مسدّسه لكي يقوم بذلك. يصوّب المزارع الكبير سنّا المسدّس صوب نافذة البيت الزجاجية ويطلق النار. ثم ينادي عامله الأسود ويطلب منه أن يحذو حذوه. طبعاً العامل الأسود تردد. المزارع
Go ahead ....
يفعل العامل مدركاً المغزى كما يدركه المشاهد في هذا التجسيد لرفض الوضع الإقتصادي والرغبة الضعيفة في تحدّيه٠

سأترك باقي الأفلام لاستعراضها نقدياً في عدد قادم من "فيلم ريدر"، لكن ما هو أساسي هنا هو أن آرثر بن  انتهج مبدأ العنف ليذود فيه عن أفكار تقع على يسار الخط السياسي في زمن ليبرالي (تختلف قيمة وهوية الليبرالية من مجتمع الى آخر. محمودة هنا وغير محمودة في مكان ثان) منفتح. وعلي الرغم أنه واصل العمل حتى سنة 1989 (وفي التلفزيون حتى قبل سنوات قليلة من وفاته منتجاً ومخرجاً) الا أنه انتمى الى الفترة الذهبية من عمر السينما الأميركية. تلك التي كان من الممكن فيها للمخرج تحقيق ما يريد وبموافقة هوليوود في الوقت ذاته٠


نقد | هوڤيك حبشيان
"كارلوس" أو كيف يصبح المُشاهد حليفاً صامتاً لـ"البرسونا نون غراتا"؟
ثـــــورجــــي الإرهـــــــــــاب فــــي عـــــريــه الآدمــي!٠


لقطة أوليفييه أساياس السينمائية مفتوحة على العالم، شاسعة الرؤية ومصحوبة بالكبرياء. مؤمنة لكن ملحدة أيضاً. فيلمه هنا عن إيليتش راميريز سانتشيز الملقب بـ"كارلوس"، متمرد على آلية الانتاج وتقاليد الحرفة والصنعة. من هذا التمرد على الأطر السائدة يستقي مخرج "الأقدار العاطفية" سينما كبيرة تواكب عشرين سنة من الجيوسياسة، طارحاً تيمة غير محسومة بعد، ولم تنل حصتها من النقاش الجدي: كيف يصبح المُشاهد "الحليف الصامت" للشخصية غير المرغوب فيها، أي ما يعرف بـ"البرسونا نون غراتا"؟ في أي لحظة يتعاطف معها ومتى يسحب دعمه عنها؟ انها تأملات تتجاوز حدود الشخصية الجدلية التي يهتم الشريط بسيرتها، وتقفز بالمُشاهد الى هموم تبدأ مع الدعوة الى الفصل بين فيلم تلفزيوني وفيلم يموّله التلفزيون، لتنتهي عند مسألة اعادة احياء التفاصيل خدمة لـ"حقيقة روائية"٠
من سيرة كارلوس الارهابي (ادغار راميريز)، الذي استعمل الترهيب والخوف من أجل حفنة عناوين نضالية، يخرج المرء باستنتاجات تتخطى منطقي الصحّ والخطأ، الخير والشرّ، الادانة والسماح. لا يعمل أساياس وفق هذا النهج الاتهامي او التبريئي. سينماه أكبر من أن يبتلعها التسييس وأصغر من أن تحمل مؤامرة خسيسة. أساياس يصوّر سيرة كارلوس كتراجيديا اغريقية. كل العناصر التي تتيح له الانتقال من العمل التوثيقي الى الروائي، حاضرة هنا، في سيرة الثائر الفنزويلي، حدّ انه لا حاجة لاختراع أي جديد، اذ يكفي الغوص في أعماق تجربته الثرية: التمرد على الواقع؛ العيش، حيناً، على تخوم الخوف وفي الخفاء، وحيناً آخر عبر السقوط في التهميش والخيانة والسجن، وصولاً الى اليوم الذي سينقلب فيه الطموح على صاحبه. انه ضحية التحولات والتاريخ الذي يأكله لحماً ويرميه عظاماً، ما إن يسقط الستار الحديد ولا يعود العالم في حاجة الى وسيط بين المعسكرين. في فيلم توثيقي ومعلوماتي واخباري بامتياز، تطلب من أساياس وفريقه (ستيفان سميث ودان فرانك) بحثاً دقيقاً لإنعاش ذاكرة عقدين من الزمن، فتجد أن الشيء الوحيد الذي يدعو الى تخييل رومنطيقي هو كارلوس٠

المتهم كاريزما
في بؤرة أساياس الضحلة، لا نرى ثائراً أو ارهابياً، إنما تمثالاً اغريقياً، مصدراً للاغراء والنفور، لدى كل من السياسيين وفتيات يمارسن أقدم مهنة في العالم. كارلوس كما يصوره أساياس، نوع من جو داسان. محارب أنيق للرأسمالية، لا يهمل مظهره الخارجي ويتبع حمية عند الحاجة خشية أن يصبح سحره على المحكّ. يبدأ حياته مناضلاً في جيش اليسار المتطرف و"ينهيها" وهو يعلّم تي جاي لورنس في مدرسة سودانية. بين المرحلتين، يجسد بورتريهاً لجيل كامل من المناضلين كانوا في البداية يعيشون "لـ" مبادئهم ثم صاروا يعيشون "من خلال" مبادئهم. من هذين المنطقين في توظيف المبدأ، يولد فيلم أساياس البديع.
بمشهد واحد يتحول كارلوس قاتلاً. وبآخر يتحول مرتزقاً في خدمة الأنظمة الشمولية والمخابرات. ولا يلزم أكثر من لقطة بانورامية، كي نذهب الى بودابست بعد أن نكون في بيروت. بهذه السرعة تمشي الأمور في الفيلم. بالوتيرة عينها تتوالى الحوادث والتواريخ متجاوزةً أحياناً القدرة على استيعاب هذا الكمّ من المعلومات. من غير المستغرب أن يتضمن المشهد الذي ينتقل فيه كارلوس من مناضل الى ارهابي، حالة خيانة ممن كان يثق بهم كارلوس (ميشال مكربل/ فادي أبي سمرا)، لأن الفيلم يعج بهؤلاء. لكن ليس هؤلاء الذين يخيفون كارلوس. لا يتأتى تسارع خفقان قلبه في ختام هذا المشهد الاساسي جراء خوف من آخر ما. اذ ليس ثمة ما يخيف كارلوس، بحسب نظرة أساياس، أكثر من أن يعجز عن ممارسة الإغراء على الآخرين. هذا الخوف يؤكده لجوءه الى عمليات التجميل لكي يبقى شاباً. المتهم خلف القضبان هنا، في هذا الفيلم، هي الكاريزما المقترنة بالنجومية التي تعود بالويلات على صاحبها، وليس الرجل الذي خلفها. أساياس ذكي كفاية ليتعامل مع الأفكار قبل التعامل مع الأشخاص٠
يتخد نصّ "كارلوس" من مطارات العواصم الأوروبية ومحطات القطار جزءاً من ديكور برّاق، للتهريب والدسّ والمؤامرة. في زمن كانت الطرق سالكة وآمنة أمام الارهاب المتنقل في حقيبة من نقطة ساخنة الى أخرى، وأكثرها سخونة: الشرق الأوسط. نحن في سبعينات القرن الماضي وثمانيناته. الروك والشعر الطويل وأجواء الفسق وإرث تشي غيفارا النضالي تأييداً للشعوب المظلومة. التدخين لم يكن ممنوعاً بعد في الأماكن العامة، والسياسة تناقش في لهيب الأفكار المتسللة من أواخر الستينات للحرب الباردة. فلسطين واليسار والمارد الروسي والجيش الأحمر الياباني: سَلطة سوداء من القضايا المتشابكة والمتداخلة. ما دامت كأس الويسكي والماركسية تجتمعان تحت سقف واحد، فلتعش الثورة! العالم غابة وسيساهم كارلوس في جعله غابة مفتوحة بلا حدود. انها سنوات الجمر، لكن هذا الجمر لا يحرق فقط حيث يقع!...٠
هذا متن ضروري لفهم ما يجري، لكن الفيلم سيحرص على طرده ليقتفي أثر كارلوس في نصّ سينمائي هو أولاً وأخيراً سيرته وسيرة عالم من خلاله. عبر عيني إيليتش نتابع خصوصية حقبة بأكملها. هاتان العينان هما اللتان ستقوداننا. فقبضة كارلوس الحديد لا تقلل من سحر ابتسامته. ذكاء أساياس انه سيصور العين والمخرز بالعطف نفسه. الفيلم هو قصة هذه الابتسامة أيضاً، على ما يؤكد المخرج. في حين كثرٌ من الأفلام تتبنى وجهة نظر الساسة أو الشرطة في قصّ سيرة ارهابي أو قاتل بالتسلسل، يعتمد نصّ أساياس على مقتطفات الصحف والشهادات لإعطاء الارهابي حقّ الكلمة، في مبادرة لتوسيع بقعة الخطاب حول الارهاب ودمقرطته. الرواية الرسمية مقابل رواية شخص لا يعتبره أساياس في أي لحظة من اللحظات مسخاً جارحاً، فيحاول قدر المستطاع اقتحام المناطق الغامضة في سيرته والاضاءة على أمكنته الأخرى بحسّ تفاعلي بالغ الدقة٠

آخر العنقود
كارلوس ليس ضحية في فيلم أساياس. واذا كان لا بد أن يكون ضحية لمنظومة ما، فهو ليس ضحية سينما انما ضحية شعار. مهما يكن، فالنصّ لا يراهن على كاريزماتيته ليكون. لعل المشهد الذي يخرج فيه عن طوره، أمام الشرطيين المجريين، يدخلنا في المنطقة الرمادية من شخصيته، أي في مخّ شخصية ملّت انتظار المجد. هذا المجد هو الكلمة التي تخرج من فمه في بداية الفيلم، في ما يمكن اعتباره زلة لسان تفضح ما سيبحث عنه طوال حياته٠
في درب العنف سيجد كارلوس كلاً من خلاصه وهلاكه. طوال عشرين سنة، سيكون له ما يلزمه من وقت، لكي ينتقل من رجل فكر الى فكرة رجل، معارضاً حيناً ومتجاوباً أحياناً ومستلقياً في معظم الأحيان على الرياح التي ستهبّ من الجوانب كافة وعلى الأمواج المتلاطمة في وجه ايديولوجيات اليسار. طوال الساعات الخمس التي تستغرقها رحلته مع المشاهد، سيكون لنا متسع من الوقت لكي نراقب شكوكه المزمنة وتنازلاته ووقوعه الى القعر. لا يصوّره أساياس كبطل يخرج من جبّ الأرض ليلتهم السماء، وإنما يريه في عريه الآدمي من دون ورقة تين. يرافقه في حميميته وهو يتباهى برجولته وينظر الى قضيبه غير المنتصب في مرآة. اللافت هنا ميل أساياس الى ربط الفحولة بالنضال. فكارلوس يأخذ في هذا الفيلم صوتاً وصورة، لكن له أيضاً حضور جسماني يصعب حصره في اطار نمطية "البلاي بوي". انه نقيض جيمس بوند ونقيض هوليوود التي ما كان من الممكن أن تنجز فيلماً مماثلاً، لضيق نظر أعمالها، وفق ما يقوله المخرج في حديثنا معه. في هذا السياق، من اللافت أن كارلوس لن يخسر "قضيته" الا عندما تصاب رجولته في الصميم (يصاب بمرض في الخصيتين في السودان)٠
بهذا الفيلم يغدو أساياس أمير الواقعية الحديث. يشقلب كثيراً من المعطيات كنا نسلّم بها. لكنها ليس واقعية على نسق بول غرينغراس: هزّ الكاميرا والحصول على ارتجاجات وتوتر عال، لا يهمانه. هذا المخرج الذي يُعتبر آخر العنقود في سلسلة السينمائيين الذين ولدوا بين صفحات "دفاتر السينما"، يهوى الروك، وسينماه مشبعة بها. هذه الروك تخاطب عنده غي دوبور وتستلهم من الباحث الفرنسي نظريته عن عالم الاستعراض. أساياس ينتشل كارلوس من الصحافة الصفراء التي رافقت مسيرته الى رحابة شاشة بالسينما سكوب. يسأل كيف يمكن اعادة الانسانية الى ثائر تعاملت معه الاعلام باعتباره ايقونة في عملية خطف رهائن الأوبيك في فيينا. في هذه الزاوية تحديداً ينبغي البحث عن الفيلم...٠
من دون أي لجوء الى الزيف (لا صورة منقحة، ولا مؤثرات بصرية، ولا مبالغات في اخراج مشاهد الأكشن)، وعبر تعاطٍ مع الشخصيات يقف دائماً على حدود الكاريكاتور، تتعقب كاميرا المخرج من مدينة الى أخرى، في شيء أشبه بالزابينغ، لقطات تقتصد في الاستعراضية، حاصرةً الحدث في حده الادنى، شأنها شأن التمثيل الممحو خلف عفوية يصنعها الممثلون بأنفسهم، ملتقطة اللحظة بين اختزالين مونتاجيين بديعين. مقابل المشاهد المتوترة والحيوية، هناك لقطات طويلة غير مقطعة تمنح الزمن حقه في الإنوجاد. يعرف أساياس جيداً كيف يلعب لعبته بين مدّ وجزر، ويقدّم عملاً تأليفياً خالصاً. خلافاً لـ"ميرال" لجوليان شنايبل، لدى أساياس قدرة على الاقناع - على ما في مهمة الاقناع من صعوبة - حتى عندما يستخدم صوراً ليس هو صاحبها، أي صور الأرشيف. لكن هنا أيضاً يمنح تلك الصور حياة جديدة، وفرصة أخرى لأن تكون، داعماً بها الجزء المتخيل من روايته، بذكاء وحنكة بالغين. ما يهمّ أساياس هو الانتقال المباشر بين ما هو متناهٍ في الصغر وما هو متناهٍ في الكبر، والعكس، مستوحياً بنية فيلمه من تجربة كارلوس نفسه: مسبّع كارات لن يجد في ختام جولته الأممية سقفاً يؤويه!٠
يزداد الفيلم عذوبة كلما اقترب من نهايته. الألوان تنضج وتصبح أكثر شهامة، والاضاءة التي اعتدناها متغيرة ومتجانسة طوال مدة الفيلم وفق روحية كل حقبة، تأخذ هنا شكلها النهائي، الأقرب الى ما نعرفه ونلمسه في راهننا. في غضون ذلك، يكون كارلوس قد تحول حطام سفينة. انحطاطه هو أيضاً انحطاط عصر (وخيبة مخرج كان مراهقاً في أيار 68) يسلّمه الى جنود الرأسمالية مقابل حفنة من الدولارات. تسليم وتسلّم، هذا هو منطق العصر الخائن الذي عرف كيف يُخرج الثورة عن طورها٠

حوار  حول فيلم | هوڤيك حبشيان
أوليڤييه أساياس : لسنا أمام مسخ بل شخصية

اقترن اسم أساياس (1955) بمهرجان كانّ حيث عرض أفلامه؛ وبالممثلة الصينية ماغي تشونغ التي صارت زوجته؛ وبأندره تيشينيه الذي شاركه في كتابة سيناريوات عدة. تخرج من مدرسة "دفاتر السينما"، قبل ان يذهب الى سينما يتعذر تصنيفها. حتى عندما مرّ خلف الكاميرا ظلّ يكتب بكاميراه، ويتبنى الخيال العام لإعادة انتاجه. متعدد الوجه والاهتمام (فنّ تشكيلي، نقد، كتابة، موسيقى روك) وخبير في انغمار برغمان وشؤون السينما الآسيوية، التي كان من الأوائل في التعريف بها في اوروبا. فيلمه رقم 13، "كارلوس"، في نسخته الطويله (331 دقيقة) عُرض في ختام "أيام بيروت السينمائية"، ويجول حالياً في عدد كبير من المهرجانات في انحاء العالم. كان لـ"النهار"، مساء الأحد الماضي، اتصال هاتفي مع أساياس استغرق لنحو 45 دقيقة، تحدث خلالها، وبشغف لافت، عن عمل لا يعتبره "سياسياً" بقدر ما يعتبره "عن السياسة"٠

 ما الآلية التي اعتمدتها لعملية التوثيق وجمع المعلومات؟
 ستيفن سميث المتخصص في الصحافة الاستقصائية كان مطلعاً على ظروف توقيف كارلوس في السودان. فهو جاء بالمعلومات من مصادره الخاصة مستنداً الى عناصر مستقاة من سير ومراجع. قدّم اليَّ هذا كله كمادة أولية، مادة لا شكّ في صدقيتها، وانطلاقاً من هذا ألّفتُ السيناريو منتقياً العناصر التي كانت تهمّني. عندما تجمعت عندي فصول كنت اراها جديرة بأن تُنقل الى الشاشة، طلبتُ منه أن يعمّق البحث في اطار تلك الفصول. من جانبي، طالعتُ معظم ما نُشر عن كارلوس من سير، وهي ليست كثيرة على كل حال: هناك سيرة رديئة بالفرنسية، وأخرى لدافيد يالوب سيئة لأنها تتضمن معلومات تقريبية، وهناك سيرة ثالثة لصحافي انكليزي، وهي أفضل ما تمكنا من الحصول عليه، وأكثر تلك السير جدية. لكن حتى في هذه الرواية، هناك أشياء غير واضحة ومغالطات، لا سيما انه منذ تاريخ صدور تلك السيرة، ثمة الكثير من المعلومات الخفية وجدت طريقها الى العلن، عبر سير مقرّبين من كارلوس. كنت أمضي وقتي في المقارنة بين رواية وأخرى، ودائماً أجد اختلافات في ما يتعلق بالتفاصيل المسرودة. علماً ان هناك بديهيات كانت محلولة لأن قصاصات الصحف التي تعود الى تلك الفترة كانت تؤكد مدى صحتها. كلما كنت أواجه شيئاً يفوق قدرتي على الفهم، كنت أعود الى ستيفن وأطلب منه شرحاً اضافياً. بعض التفاصيل كانت تتطلب منه شهراً أو اثنين من البحث للتأكد من صحتها. على كل حال، أنا لست مؤرخاً ولا صحافياً...
 كل ما كنت تفعله اذاً، مقارنة المعلومات في ما بينها والتعامل معها كقاضي تحقيق...
 بالضبط. كان المبدأ أن نكون جديين الى أبعد حدّ ممكن

 هل التقيت مقرّبين من كارلوس بهدف أخذ شهاداتهم، مثلاً؟
 أولاً، لا يوجد مقرّبون كثر من كارلوس ممن هم مستعدون لقول شهادتهم. استعنّا بالسيرة الذاتية لهانس  يواكيم كلاين، وهو اطلعنا كثيراً عن شخصية كارلوس في تلك الحقبة، كذلك أخبرنا عن آلية تنظيم عملية فيينا. هانس يعيش في باريس وكان مستشارنا في بعض المشاهد. أما شخص مثل ليديا، صديقة كارلوس حين كان يعيش في لندن، وهي كتبت نصوص ذكريات عن تلك المرحلة من حياتها، فرفضت أن تتكلم معنا. لم نذكرها في الفيلم لأسباب قانونية. التقيت أيضاً أنيس نقاش، لنحو ساعة من الزمن، في ظروف طريفة بعض الشيء، اذ لم يقل شيئاً كان يمكن توظيفه في الفيلم. طرحتُ عليه بضعة أسئلة، اذ كانت عندي نقاط تاريخية اريد توضيحها، لكن أجوبته كانت ملفلفة. كان لطيفاً لكنه لم يعطنا أي معلومات مفيدة.
 كارلوس ليس شخصية هوليوودية في فيلمك. بمعنى ان لا مراهنة على سحره في عملية الايقاع بالمُشاهد. انه اسطورة تعرّيها شيئاً فشيئاً. على رغم ذلك، فشخصيته تمارس اغراء على المشاهد لا يمكن نكرانها. هل كانت لك نية في طرح تساؤلات جدية حول علاقة المتلقي بهذا النوع من الشخصيات التي كثيراً ما تُطرح بسطحية وعجلة؟
 استندت الى محورين: الاول يتمثل في واقع أن كارلوس كان (وربما لا يزال الى اليوم) شخصية كاريزماتية، وفق جميع الشهادات التي اطلعت عليها. هذا جزء من هويته وتكوينه، وهو كان يعرف كيف يوظفها. الثاني يتجسد في عمل الممثل ادغار راميريز الذي سكن كارلوس طوال عام، وكان لديه تالياً رغبة في جعله انسانياً، وهذا ابسط تقدير، وأيضاً التحيز لصالحه. لسنا أمام مسخ بل شخصية نريد ان نحكي مصيرها. ولم يكن هذا هدف راميريز فقط بل هدفي أنا أيضاً. كان ولا يزال يبدو لي أن الدقة في متابعة نشاط كارلوس طوال عقدين، تتيح للمشاهد ان يكوّن فكرته الخاصة عن كارلوس، وصولاً الى أن يؤسس علاقته الخاصة به. اما أنا فقد بقيت على مسافة من هذا كله٠

في زمن يشهد تصعيداً غير مسبوق للارهاب، كيف
اتخذت قرار أن تمنح إرهابياً، نافذة على الكلام، خصوصاً ان
الحوادث برمتها من وجهة نظره، وليست من وجهة نظر
شرطي أو صحافي؟
 هذا ما فرضته على المنتجين الذين كانوا يبدون حذرين في البداية. كانوا يخافون التورط في فيلم عن الارهاب من وجهة نظر ارهابي! هناك قرار اليوم يتمثل في اعتبار الارهاب نوعاً من شيطنة تعزل فاعله عن الانسانية. ما كان يهمني هو شخصية كارلوس، الذي لا يقتصر دوره على الارهاب فقط، بل يندرج نشاطه في اطار النضال السياسي. تورّط كارلوس في التفاصيل التاريخية لحقبته، حدّ انه خير من جسّد تلك الحقبة. معه، كان عندي شعور بأنني أعيد عبور حقبة كاملة، وأدركت ان قدره هو قدر جيل برمته. لذا، كنت منتبهاً الى ان نظرته على الحوادث أهم من نظرة غيره عليها. لم أكن أريد مقاربة كلاسيكية على نسق "شرطي يطارد كارلوس" لعدم الرغبة في تقديم خطاب اضافي عن الصراع الأزلي بين الخير والشر. ما كان يهمني هو النظر في قضية بات عمرها اليوم 25 أو 30 سنة، وهذا ما يتيح لنا قراءة متحررة من الكليشيهات وطرح الأسئلة الهادئة حول ماهية القضية وكيف يمكن أن تلازم هذه القضية جيلاً كاملاً هو جيلنا٠

 سمعت أيضاً أنك اكتشفت مسار كارلوس وأنت تحضر
الفيلم. هذا يذكّرني بتقنية بعض مخرجي الأفلام الوثائقية٠
 لم أقارب الفيلم يوماً مع فكرة دقيقة عما سيكون عليه. تركته ينمو وحده، لذا أخذ هذا الشكل غير المألوف. عندما بدأت العمل، لم أكن أكثر من مجرد شخص يقرأ الصحف في الحقبة التي كان فيها كارولس ناشطاً. كانت معلوماتي تقريبية. ما كنت اسعى اليه في الفيلم هو معرفة الى اي مدى تستطيع حقبة كاملة أن تجد تجسيداً لها في عيني رجل، وهي حقبتي أنا. اذاً يمكن القول إنني جزء من هذه الحكاية، لكني تعاملت معها بقدر من الحميمية لم أكن أتوقع أنني قادر عليها في البداية.
 في نهاية الأمر، هذا بورتريه لعقدين من الزمن...٠
 انه بالأحرى بورتريه لليسار الغربي، بمعنى انه في مرحلة من المراحل كان دارجاً القول ان لا بديل من النشاط الارهابي، لا سيما في ثلاثة بلدان هي فرنسا وألمانيا وايطاليا. ولكن سرعان ما تم الإدراك ان هذا كله يأخذنا الى مجهول، وجرى الانتباه أن العالم يتغير وأن الكتلة السوفياتية تنهار، شأنها شأن جدار برلين. مع بداية تحول التاريخ، بدأ هامش كارلوس يزداد ضيقاً، الى أن صار "لا شيء"، مرمياً في مجاهل افريقيا ومعزولاً عن سياسات زمنه٠

 مشهد العري القصير هو الفرق الأساسي بين فيلمك
وما كان يُمكن أن يُنجز عن كارلوس في هوليوود...٠
  لا أعتقد أن هوليوود في امكانها أن تنجز فيلماً مماثلاً عن هذه الحقبة وعن قضية الارهاب مع هذه الحرية. لا أستطيع تصور ذلك٠

 في النهاية، أسأل نفسي ما اذا كانت قصة كارلوس
تراجيديا اغريقية..٠٠
 بالنسبة اليَّ، هناك في تجربته شيء مثير للشفقة. خصوصاً عندما نرى كيف يبتلع التاريخ "أبطاله". كارلوس وجد نفسه في عمر مبكر في براثن التاريخ والخطاب السياسي المرتبط بتلك المرحلة. في النهاية ينقضّ عليه هذا التاريخ نهشاً وسخرية. في هذه النقطة تحديداً، أرى ما يتجاوز كارلوس وشخصه. ارى أن جيل اليسار في السبعينات التزم قيم المثالية قبل أن تتخذ هذه المثالية منطقاً جديداً هو البراغماتية، سواء في ارساء أسس المعركة أو التفكير في الاستراتيجيا. ثم، مع تبدل الأحوال، صار لدينا الشكل النهائي للبراغماتية، قبل أن تصبح البراغماتية نفسها ضحية القسوة التي استعان بها العالم للتحول. اليوم، باتت الاقتناعات السياسية تبدو بائسة وغير مجدية لأننا نعيش في مجتمع مكلوم يتأكله العنف. كارلوس ليس في آخر الفيلم الا خاسراً جراء تحول اهتمام العالم من مكان الى آخر٠

 هل ينبع تشابك اللغات والأمكنة من رغبتك في احترام
خصوصية الآخر وصورته أم هو من مستلزمات الصدقية؟
 كان يهمني الآخر بالطبع. عندما نتعامل مع الشرق الاوسط، فإن الفخّ يكمن في أن تتداخل الأشياء بطريقة عشوائية كما الحال في بعض الأفلام الأميركية الرديئة وغير الرديئة أيضاً.
 ادارة مهرجان كانّ امتنعت عن ادراج الفيلم في المسابقة الرسمية واكتفت بعرضه خارجها. ماذا حصل؟
 المدير الفني للمهرجان تييري فريمو اختاره للمسابقة. لكن مجلس ادارة المهرجان لم يصوّت لصالح هذا القرار. مجلس الادارة هذا مكوّن من مندوبي التنظيمات النقابية التابعة للسينما الفرنسية. اعتبر هؤلاء ان مساهمة محطة تلفزيونية بالنسبة الكبرى من انتاج هذا الفيلم، لا تخوله أخذ مكان فيلم آخر في المسابقة، انتج بظروف تقليدية. ترتيبات نقابية وبيروقراطية جعلت فريمو يجد للفيلم مكاناً آخر للعرض. لا اخفي عليك أنني حزنت، لأنني أعتقد انه كان في امكاننا نيل جائزة ما، لا سيما لأدغار راميريز. لكن لا همّ، هذ كله لم يعد مهماً٠

ما رأيك في الذين اعترضوا على رؤيتك لكارلوس
من دون أن يشاهدوا الفيلم؟ علماً ان هؤلاء قلة
قليلة... [توضيح من المحرر: كانوا ثلاثة أمام صالة "صوفيل ولدى
عرضه لم يشاهدوا من الفيلم الاّ جزءاً بسيطاً]٠
 وصلتني اصداء، نُقلت اليَّ من هذا وذاك، لذا لا أستطيع أن اتخذ موقفاً فعلياً. اتمنى الاّ أُزجّ في نقاش سياسي خارج عما يقوله الفيلم، لسبب بسيط أن هذا النقاش ليس نقاشي ولا نقاش الفيلم. نقلنا بدقة قصة كارلوس من وجهة نظر روائية. سمحنا لأنفسنا بالتصرف بمادة توثيقية بهدف التحليق فيها الى شيء أكثر عالمية. لم اطمح يوماً الى انجاز فيلم وثائقي عن كارلوس: هناك ممثلون وديكورات وحوارات متخيلة. وسأكون أول المصفقين حين ارى ان أحدهم صنع فيلماً تفوّق فيه على فيلمنا من حيث التزام الدقة. لا نملك، بعد، كل المعطيات لإنجاز شيء أكثر دقة، في انتظار أن تخرج الى العلن معطيات جديدة تتيح ذلك. كلما أخذنا الفيلم الى حقل ألغام سياسي، ضيّقنا من آفاقه. لست مؤرخاً ولا صحافياً ولا سياسياً، لذا لا اعتبر ان لي مكاناً وسط هذا السجال٠

 هناك تهمة جاهزة اعتدنا عليها في لبنان. فما إن
يخطر على بال احدهم ان رؤية الآخر للشيء لا تتماش
ى مع رؤيته هو عنه، حتى يقول ان ثمة أيادي صهيونية
خلف المشروع، ما رأيك؟

 لا أعرف من هم الصهاينة في هذه الحكاية! لست أنا على كل حال.موقفي واضح لا لبس فيه، لكني أؤكده على سبيل التوضيح: اتمنى ألاّ أكون أدرجت في الفيلم ما يجعل الناس يعتقدون انني مناهض للعرب أو ما شابه ذلك. أي سوء نية من جانب بعضهم، يجب أن يتبدد بعد هذه المقابلة. لا أعرف حتى كيف أردّ على تهمة مماثلة (...)٠
 سمعت ان هناك اعتراضاً على صورة عاصم الجندي. أولاً الشخصية مجسدة على نحو ايجابي جداً بممثل أحبه كثيراً هو كارلوس شاهين. أجده رائعاً وانسانياً. في ما يتعلق بسلوك ابنته، أصبت بصدمة: ألّفتُ نصاً انطلاقاً من مقالات الصحافة، واعتقد، على حدّ علمي، أن أي قضية لم تُرفَع بتهمة التشهير أو تشويه السمعة، ضدّ الذين نشروا هذه المقالات. بيد أن المنتج تلقّى في احدى مراحل التصوير، اتصالاً من محامي ابنة الجندي بحجة اننا نسيء الى ذكرى والدها، فجرى اتفاق، على رغم رفضي لذلك الاتفاق، يقضي بتخفيف حدة الأسباب المتسلسلة التي أدت الى محاولة اغتيال الجندي، وهذا كله بهدف إسعاد السيدة الجندي. غيّرنا بحسب التعهد المبرم بيننا، ولم يأتنا أي اعتراض خلال عرض الفيلم في كانّ، اذ لم يكن هناك ما يسمح بالاعتراض. كل ما صوّرناه في الفيلم في شأن الجندي مكتوب أسود على أبيض، كما ترويه ماغدالينا كوب، وهي شاهدة من الدرجة الأولى. أما محاولة الاغتيال فحرصنا على الا تبين انها جاءت على يد أتباع كارلوس. لا اعرف ما هو الشيء غير الدقيق في الفيلم. فالمحاولة حصلت وكارلوس أقرّ بها. هذا نقاش هستيري مرتبط بشخصية دارينا الجندي. وهذه قضية لا شأن لي فيها. أنا لا مع ولا ضد، ولا اعرف لماذا اتعمد الاساءة الى رجل احترمه على كل حال. كان ليسعدني جداً أن أحضر الى بيروت للاحتفاء بإطلاق هذا الفيلم الذي انجزته مع لبنانيين، بعضهم باتوا اصدقاء لي، لكن جدالاً احمق حال دون ذلك٠


مهرجان | نديم جرجورة
سلهب يدخل دهاليز الذات والدرّاجي يتذكّر جمهورية الخوف في «أيام بيروت السينمائية»  ويهود ندى عبد الصمد وشيوعيو ماهر أبي سمرا كسرتهم الحرب الطائفية فانقرضوا
المر والرمّان لنجوى نجار

انتهت الدورة السادسة لـ«أيام بيروت السينمائية» في السادس والعشرين من ايلول/ سبتمبر، بعرض الفيلم الإشكالي «كارلوس، الإرهابي الذي أخاف العالم» لأوليفييه أساياس. هذا هو العنوان الأصلي، الذي اختُصر إلى «كارلوس» في النسخة التلفزيونية (330 دقيقة في ثلاثة أجزاء)، في حين أن «ثمن ابن آوى» عنوان النسخة السينمائية (160 دقيقة). اختارت إدارة الـ«أيام» النسخة التلفزيونية لعرضها، لكن الموزّع سليم رميا ارتأى عرض النسخة السينمائية. «مؤسّسة الحرية» دعت إلى احتجاج للاعتراض على ما رأته «إساءة إلى المناضل الفنزويلي ورفاقه»، ولإعلان رفضها «استمرار اعتقاله في السجون الفرنسية»، الخامسة والنصف بعد ظهر السبت، أي قبل نصف ساعة فقط من موعد عرض الفيلم المذكور٠
أما يوم الأحد المقبل، فسيكون يوماً فلسطينياً بامتياز، إذ تُعرض خلاله خمسة أفلام أُنتجت حديثاً: «إلى أبي» (وثائقي طويل، 54 د.) لعبد السلام شحادة ، «مملكة النساء» (وثائقي طويل، 54 د.) لدانا أبو رحمة، «المرّ والرمان» (روائي طويل، 95 د.) لنجوى النجار، «إلى بطن الحوت» (روائي قصير، 25 د.) لحازم بيطار، يليه مباشرة «عيد ميلاد ليلى» (روائي طويل، 70 د.) لرشيد مشهراوي٠

تنويعات
قبل حفلة الختام، يُمكن للمهتمّين مشاهدة تنويعات سينمائية لافتة للانتباه. هناك، في البرمجة، أفلام صادمة بحيويتها في المعالجة، أو في سرد الحكاية وصناعة الصورة. هناك أفلام آسرة، بجمالياتها الدرامية المشغولة بحرفية واضحة المعالم. في المقابل، هناك أفلام وازنت بين الشكل والمضمون، مع أن المضمون بدا أقرب إلى فعل سياحي مغلّف بطابع إنساني وبشكل سينمائي محترف. أفلام ظلّت دون المستوى، من دون أن تفقد حقّها الطبيعي في أن تُعرض في صالة سينمائية بيروتية، باتت أساسية في عرض أفلام مختلفة عن السائد التجاري غالباً، وفي ارتباطها العضوي بمهرجانات سينمائية محلية، منفتحة على العالمين العربي والغربي. من هذه الأفلام المتنوّعة والمتناقضة شكلاً ومضموناً، هناك «الجبل» (روائي طويل، 85 د.) للّبناني غسّان سلهب، «ابن بابل» (روائي طويل، 90 د.) للعراقي محمد الدرّاجي، «يهود لبنان، الولاء لمن؟» (وثائقي قصير، 45 د.) لندى عبد الصمد  و«شيوعيين كنّا» (وثائقي طويل، 84 د.) لماهر أبي سمرا (السابعة والنصف مساء غد الجمعة أيضاً)٠

عيد ميلاد ليلي | رشيد مشهراوي

التشابه واضح في المسار السينمائي لغسان سلهب في أفلامه كلّها، على مستوى المعالجة الدرامية والإيقاع المعتَمَد في سرد الحكاية، أو بالأحرى في خلق مناخ فني وإنساني، أو حالة فردية. على الرغم من هذا، اختلف فيلمه الأخير «الجبل» عن أفلامه الروائية الطويلة الثلاثة السابقة: «أشباح بيروت» (1998) و«أرض مجهولة» (2002) و«أطلال» (2006). في الأفلام الثلاثة، غاصت الشخصيات في عالم المدينة (بيروت تحديداً)، جاعلة إياها شريكة فعلية في صناعة الحبكة. أما «الجبل» (2010)، فعنوانه دلالة على المكان الذي شهد أحداث الحبكة، من دون أن يدخل الجبل في النسيج الدرامي للحكاية، على غرار ما فعلته بيروت في الأفلام السابقة. أو بالأحرى للحالة الإنسانية التي التقطها سلهب من خلال شخصية المطرب (فادي أبي سمرا) المنزوي في عالمه الضيّق، وسط انهياراته وخيباته واشتغالاته الروحية والجسدية. بالإضافة إلى هذا، فإن الاختلاف بين الفيلم الأخير لسلهب وأفلامه الثلاثة السابقة كامنٌ، أيضاً، في اعتماد «الجبل» الأسود والأبيض كلونين عكسا المناخ الدراماتيكي الذي ظلّل الحالة تلك، التي عانى المطرب مآزقها وارتباكاتها. ومع أن لـ«الجبل» حكاية صغيرة، إلاّ أن السياق العام تحرّر من السرد التقليدي، كعادة المخرج في صناعة أفلامه الطويلة والقصيرة والفيديوية، وذهب إلى ما هو أبعد من السرد وقصصه. فالمطرب، الذي ادّعى سفراً لم يُحقّقه لرغبته في الانزواء في غرفة فندق في الجبل، أوجد عالمه الخاص داخل الغرفة، وتاه في دهاليزه الذاتية وتعقيداته الفردية وخيباته الشخصية وخرابه العام٠
الارتكاز على الإيقاع الهادئ في سرد الحبكة/ الحالة الإنسانية وتفاصيلها المختلفة، سمة الفيلم الروائي الطويل الثاني للعراقي محمد الدرّاجي «ابن بابل» أيضاً. الجنون العراقي حاضرٌ في فيلمه السابق «أحلام» (2003). هنا أيضاً، لكن من وجهة نظر كردية. الجدّة (شهزاد حسين) الباحثة وحفيدها (ياسر طليب) عن ابنها المفقود منذ سنين طويلة، تختبر أبشع اللحظات، وتعاني أقسى التحدّيات. اختبر حفيدها آثار تلك اللحظات والتحدّيات. رافقها. حاول عيش مراهقته الأولى. الرحلة مثقلة بالذكريات والالتباسات. الرحلة، الممتدّة من شمال العراق إلى جنوبه مروراً بالعاصمة بغداد، أشبه برحلة ذاتية داخلية، احتاجت الجدّة وحفيدها إليها بشدّة، بحثاً عن خلاص ما من سطوة الذاكرة وأعوام الدم والعنف في «جمهورية الخوف» هذه. بمعنى آخر، خاض الدراجي تجربة الموت في اشتغاله على المجازر الدموية التي نفّذها صدام حسين بحقّ الأكراد، مستعيناً (الدراجي) بإيقاع هادئ لتغليف الغليان الذاتي والجماعي بدلاً من انفلاشه على مدى الحبكة، درءاً لخطر الوقوع في فخّ البكائيات والخطابية. الألوان المستخدمة ساهمت في جعل الفيلم أمتن، تماماً كالحبكة التي صنعها السيناريو (شارك الدراجي في الكتابة، إلى جانب جينيفر نورّيدج وميتال غازي)، وكالأداء الذي قدّمه طاليب وحسين ببراعة إبداعية جميلة٠

الوثائقي
أما الفيلمان الوثائقيان فمتشابهان بكونهما ينبشان من الذاكرة الجماعية اللبنانية مسألتين منقرضتين: يهود لبنان و.. الشيوعيون. الانقراض سمة أساسية بالنسبة إلى اليهود اللبنانيين. الانقراض سمة سياسية وثقافية واجتماعية خاصّة بالشيوعيين أولاً، وباليساريين جميعهم ثانياً. هاجر اليهود. تركوا البلد الذي وُلدوا فيه أو جاءوا إليه. ذهبوا بصمت، تماماً كما عاشوا فيه بصمت. انعزلوا في أمكنة خاصّة بهم (وادي أبو جميل في بيروت، حارة اليهود في صيدا)، لكنهم لعبوا دوراً أساسياً في النسيج الاجتماعي والحركة الاقتصادية. للشيوعيين دورٌ أساسي أيضاً في صناعة البلد. لكنه دور قديم لم يعد له وجود في الراهن. لم يعد له أي تأثير يُذكر. كسرتهم الحرب الطائفية. دحرتهم الطوائف، فبات بعضهم تابعاً لهذه الطائفة، وانخرط بعضهم الآخر في أطر طائفية لها خطط سياسية واقتصادية كانت «العدوّ» الأول لهم سابقاً. انقضّت عليهم السياسات الرأسمالية واليمينية، المدعومة من الأنظمة الطائفية الضيّقة، المتفاهمة فيما بينها على تقاسم البلد، مجتمعاً وسياسة وإعلاماً وثقافة وتربية واقتصاداً. الانقراض خرابٌ للبلد، لأن فقدان البلد لليهود دليلٌ على عزلة البلد وناسه إزاء من اشتغل في إعلاء شأن البلد، بتفاهم واضح مع أبنائه. فقدان البلد للشيوعيين دليلٌ على قوّة الانكماش الطائفي وبراعة الفكر اليميني الرأسمالي، المدعوم من الطوائف والمال والعسكر، في اختزال البلد وناسه بالمنتمين إليه٠

اشتغلت ندى عبد الصمد على الموضوع اليهودي سابقاً (لها كتاب عنهم أصدرته العام الفائت عن «دار النهار للنشر»). لاحقتهم. بحثت عن قصصهم. طاردت بعضهم المقيم في إسرائيل عبر مكتب المحطّة التلفزيونية البريطانية «بي. بي. سي.»، مُنتجة الفيلم. أرادت أن تفهم حضورهم السابق وغيابهم الراهن. الفيلم الوثائقي التلفزيوني انعكاس لواقع انتهى. تماماً كـ«شيوعيين كنا». ما فعله ماهر أبي سمرا، بلقائه الزميلين حسين أيوب وإبراهيم الأمين، وبشّار عبد الصمد والمخرج نفسه، بالإضافة إلى أبو محسن وعبد سرحان (مسؤولان سابقان عن هذه المجموعة الشيوعية)، أدّى إلى إعادة نبش الذاكرة القديمة لشيوعيين باتوا اليوم منتشرين في اتجاهات سياسية مناقضة لتاريخهم الشخصي، أو منفتحة على العزلة والتغرّب


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular