Oct 27, 2010

Issue 610| السينما المصرية والرئيس | السينما الروسية تعود الى الأصول؟ | معارك السينما الصينية | ملوك الشوارع: أفلام الغانغستر في الثلاثينات

سؤال للقاريء وخمسة أسطوانات سي دي جائزة في مطلع العام المقبل
عندما  كنت صغيراً اعتقدت أن الأفلام جاءت من الهواء- كلينت ايستوود٠
لم أكن أعرف شيئاً عن السينما. اعتقدت أن الممثلين ببساطة كانوا هناك على الشاشة- مارتن سكورسيزي٠
ماذا بالنسبة إليك؟ ماذا كانت ردّة فعلك الأولى حين شاهدت أفلامك الأولى؟ هل تساءلت عن السر وراء تلك الصور؟ وفي أي مرحلة من حياتك أدركت أن الفيلم هو نتيجة خيال يتم صنعه؟ 
يمكن الكتابة إلى "ظلال وأشباح".  المرسلون الذين تُنشر  ردودهم يدخلون قرعة آخر السنة وجائزتها خمسة اسطوانات سي دي لخمسة أفلام حديثة٠



تقارير
السينما المصرية: هل هي نهاية عصر؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد خير - القاهرة
 
 ربما لم يتابع السيناريست يوسف معاطي أخبار الهجمة الرقابية على الإعلام المصري، وإلا لما تقدّم بسيناريو «هما حبوا بعض» الذي رفضته الرقابة حتى بعد تغيير اسمه وموضوعه مراراً. الفيلم المرفوض تقدم به صاحبه للرقابة عندما كان يرأسها علي أبو شادي. كان اسم الفيلم آنذاك «ابن الرئيس» ويدور حول حب ابن رئيس دولة غير محددة لابنة زعيم المعارضة (في إطار كوميدي). لم تشفع الكوميديا ولا تجهيل الدولة للفيلم. رفضته رقابة أبو شادي، ثم رفضته رقابة سيّد خطّاب الذي تولى منصب الرقيب سنة 2009. وجاء رفض الفيلم ضمن عشرة أعمال أخرى رُفضت في نيسان (أبريل) 2010 فكان الحل أمام صانعي الفيلم المرشيح لبطولته محمد عادل إمام  أن يتنازلوا عن شخصية الرئيس. هكذا أصبح  ابن رئيس الدولة ابناً لرئيس الوزراء، وظلت الدولة غير محددة، لكن بلا نتيجة. إذ جاء الرفض الرقابي الأخير قبل أيام ولا شك في أن متعللاً بسبب آخر أكثر عمومية. الفيلم يحوي «دعاية سياسية لا تتناسب مع الوضع السياسي القائم». سوء الحظ لحق بيوسف معاطي، وهو رفيق «الزعيم» عادل إمام في أفلامه الأخيرة. ربما لأنه لم يجرب معالجة شخصية الرئيس ــــ أو ابنه ــــ سينمائياً سوى في العامين الأخيرين، أي بعد سنوات من إفلات كتّاب أقل نفوذاً بأفلام «رئاسية» خلال سنوات الحراك السياسي المصري الذي يخنَق الآن٠
 مَن يتذكر الضجة التي أثارها ظهور رئيس الجمهورية (بظهره فقط) في «جواز بقرار جمهوري» (خالد يوسف سنة 2001 )،  يصعب عليه تصور أن شخصية الرئيس ستتجسد واقعياً على يد الكوميديان هاني رمزي في «ظاظا رئيس جمهورية». الفيلم الأخير كان ذروة الكوميديا السياسية الخفيفة. وكانت مفاجأة السيناريست طارق عبد الجليل أن المواطن سعيد ظاظا يخوض الإنتخابات ويفوز على الرئيس العجوز متولي الحناوي (كمال الشناوي). يصبح ظاظاً رئيساً ويسعى الى الحصول على الأسلحة واستقلال القرار السياسي، فتقرر جهات أجنبية اغتياله أمام شعبه٠
لكن المخرج ايهاب لمعي تقدم خطوة إضافية في فيلمه «الدكتاتور« (2009) حيث الدولة الخيالية »بامبوزيا« يحكمها
»الديكتاتور  الرئيس المستبد شنن الجيوشي (حسن حسني)، وللرئيس ولدان لاهيان هما حكيم وعزيز (يؤدي الدورين خالد سرحان). النجلان فاسدان، يزور أحدهما الدولة المجاورة «مصر» في وقت تندلع فيه الثورة في بامبوزيا ويُخلع الديكتاتور. لكنّه سرعان ما يعود، ليستأنف استبداده. وقد رأى النقاد في الشريط تجربة جريئة عابها فقرها الفني٠
 عكس هذه المحاولات لانتزاع مساحة سياسية معارضة «كوميدية دوماً»، فيوسف معاطي نفسه، خاض تجربة اقتباس شخصية الرئيس، لكنها الأكثر تجميلا لشخصيته. في «طبّاخ الرئيس« (سعيد حامد، 2009) يُختار
متولي (طلعت زكريا ) ليصبح طبّاخ الرئيس (خالد زكي).  يتحول متولي إلى صوت الناس الذي لا يصل إلى الرئيس (طبعاً لأن معاوني الرئيس الأشرار يحجبون عنه الحقيقة). لكن بعد أن يستمع الرئيس إلى طباخه الجديد، يقرّر النزول إلى الشارع والتعرف إلى مشكلات الناس. لم يواجه العمل طبعاً أي مصاعب رقابية. بل إن الرئيس المصري الحقيقي أعجب به. وعندما تماثل طلعت زكريا من وعكة ألمت به أخيراً، استقبله مبارك في لقاء طويل. وأعلن زكريا بعدها أن الرئيس وافق على فيلمه الجد

  • نُشر هذا الموضوع سابقاً في صحيفة "لأخبار" (لبنان)٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اتجاهات السينما الروسية الجديدة قد تعود بها من حيث أتت
محمد رُضا
من فيلم 1612

حين أنجز عميد المخرجين الروسي الحالي اندريه ميخالكوف فيلمه الجديد »حرقتهم الشمس- 2« في مطلع هذا العام وعرضه على الشاشات الروسية قبل التوجّه به الى مهرجان كان الفرنسي، تعالت صرخات التحذير من قِبل قسم كبير من مثقّفي روسيا ونقّادها على أساس أن ميخالكوف أنجز فيلماً يداعب حكم المؤسسات الرسمية  وسنوات العهد الشيوعي ويدعو الى الوقفة الوطنية على غرار الدعوات التي كانت تُطرح أيام الدولة السوفييتية٠
الفيلم الذي يتناول الحرب العالمية الثانية ودور المواطنين والعسكريين معاً في الذود عن البلاد هوجم أيضاً كونه تكلّف كثيراً ولم يحمل لغة سينمائية عصرية أصبحت لدى بعض النقاد والمثقّفين الروس دلالة على الإنتماء للدولة الحديثة٠
لكن الفيلم جيّد الإخراج وعميق الدلالات بصرف النظر عن لغته الكلاسيكية (الى حد) وعلى الرغم من أنه يعكس حبّاً لروسيا حين كانت دولة تحت قيادة حزب واحد. المرء -بصرف النظر عن موقعه السياسي- عليه أن ينظر الى الإنجاز الفني من دون إنحياز ويمنحه القيمة التي يستحق. الكلام نفسه ينطبق على أفلام أخرى تختلف مع فيلم ميخالكوف في الرأي متوجّهة الى نقد الفترة الشيوعية من دون تردد ولو أن ما ترسمه في واقع الحياة الحالية يبقى داكنا. الأمر نفسه نلحظه في فيلم جيّد آخر عنوانه "1612" تم تحقيقه في أواخر العام الماضي وعرضته الشاشات الروسية بنجاح ملحوظ. إنه فيلم حربي آخر، كما حال فيلم ميخالكوف، لكنه يدور في زمن أبعد (القرن السابع عشر) وفيه ذات النَفَس الملحمي والوطني لروسيا قويّة ومتّحدة٠

أحد هذه الأفلام هو »أرواح صامتة« لأليكسي فيدورشنكو حول صديقين في رحلة يحملان فيها رفات زوجة أحدهما الى حيث يودان نثرها فوق صفحة الماء تبعاً للتقاليد. الحكاية تدور في الزمن الحالي وهي بالنسبة لبطليها لا تقل أهمية عن رحلة الفضائيين الروس الخمسة الى القمر في فيلم المخرج السابق »أول بشر على القمر«. يقوم فيدورشنكو برسم ملامح جميلة وشعرية للمحيط الطبيعي حتى من قبل بدء الرحلة وذلك بفضل مدير تصويره ولو أن ملامح من التصنّع تحيط بتلك الملامح.
الفيلم من ناحية أخرى قصيدة حنين حزينة لحياة تنضوي مع اقتراح بأن الحال اليوم، مع سياسة منح الأقليات العرقية (شخصيات الفيلم تنتمي الى بقايا شعب فنلندي الأصل كان نزح الى روسيا قبل مئات السنين) حريّاتها ليس أفضل بكثير مما كان عليه سابقاً٠
في «متعتي« لسيرغي لوزنتزا نجد علاقة بالتاريخ والحاضر أكثر حضوراً. إنه عن رحلة طريق يقوم به سائق شاحنة عليه تسليم حمولته. بعد قليل من انطلاقه يوقفه مركز شرطة يشغله شرطيين فاسدين. يهرب منهما ويلتقط بضع شخصيات على الطريق بعضها يشخّص حضور الحياة السياسية للإتحاد السوفياتي  في حين يعكس بعضها الآخر الوضع الحالي بعد انهيار ذلك الإتحاد ونظامه.
لوزنتزا ينفذ من خلال عالمين متناقضين فينقل في نفس المستوى من التعبير سلبيات "النظام" الدكتاتوري و"فوضى" الوضع الحالي. في النهاية ورغم ما يحمله من نقد للأمس  فإن نقده للحاضر لا يقل قسوة ليخرج المرء بعد نهايته وهو يدرك أنه كان بحضرة فيلم يطرح اسئلة تحمل أجوبتها معها حيث لا يمكن لروسي صادق أن يفضل وضعاً على آخر ضمن تلك المعطيات٠
ونرى أصداءاً لهذا الفيلم في »ظهيرة حقيقية« لمخرج أسمه نصير سعيدوف. نحن هنا في قرية على الحدود ما بين طاكجستان وأوزباكستان نتابع علاقة عمل بين روسي ومعاونته. العلاقة تتعقّد ليس بسبب اختلاف الدين والثرات فقط، بل حينما يدرك الجانبين أنهما يتعاملان الآن كقوميّتين منفصلتين كانتا ذات مرّة تحت سقط دولة واحدة٠
والمجابهة بين الماضي والحاضر متمثّلاً بشخصيّتين تملكان الفيلم بأسره للتعبير كل عن موقفه نجده في فيلم أليكساي بوبوغربسكي »كيف انهيت هذا الصيف«. الجميل هنا هو أن هذا التعبير يتم غالباً بلا حوار٠ في »ظهيرة حقيقية« حرفة البطلين هي دراسة الطقس الجوّي. هنا في »كيف أنهيت هذا الصيف« هو أيضاً رصد المناخ، إنما في منطقة قطبية بعيدة. الشخصان اللذان يعيشان في ذلك المنزل المعزول واللذان ينتظران المؤونة بالبحر او الجو في زيارات متباعدة يعبّران عن جيلين لكل وجهة نظره في الحياة، وسريعاً ما ينشغلان في صراع إرادة بين ما يمثّله أحدهما من ماض والثاني (الأصغر سنّاً) من حاضر٠
في حين كانت الأفلام السوفياتية في عهدها تتوخّى الوضوح تبعاً لرغبات النظام فإن الأفلام الحديثة تعمد الى الرمزيات والميتافيزيقيات ولو أن لكل أسلوب مزاياه الفنية البديعة على حدة٠
  • نُشر هذا الموضوع في جريدة «الخليج« الإماراتية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السينما الصينية تعكس معارك على الشاشة وبين مخرجيها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا
Detective Dee and the Phantom Flame
 
تمر السينما الصينية حالياً بثلاث حلقات من الإنتاجات السينمائية٠
هناك الأفلام التجارية العادية المتداولة، من كوميديات ودراميات وميلودراميات. والأفلام التجارية الكبيرة والمكلفة والمنتمية الى نوع سينما الأكشن والفانتازيا، ثم الأفلام الفنية التي عادة ما يتلقّفها جمهور محدود داخل وخارج الصين٠
وفي حين أن هذه الأفلام الفنية طالما وجدت في المهرجانات الدولية نافذتها للإطلال على السوق العالمي، فإن المستحدث منذ سنوات قيام هذه المهرجانات باستضافة الأفلام الفانتازية الكبيرة الى جانب تلك الفنيّة. مبررها في ذلك هو أن الجمهور يحب مشاهدة هذه الأفلام المختلفة عن السائد والمبحرة في تاريخ الصراع العسكري بين لوردات الصين القديمة او بين أسيادها وبعض المنبوذين والمتمرّدين عليهم. لكن هناك سبباً آخر لا يقل أهمية عن الأول، وهو أن المهرجانات تختار من بين هذه الأفلام تلك التي صنعها مخرجون معروفون أمثال زانغ ييمو وتشن كايغي وتسوي هارك وجون وو. الأخير أميركي من أصول صينية ترك هوليوود وعاد الى الصين حيث حرية العمل واستقلالية القرار أفضل منهما في السينما الأميركية.
لكن المسألة المثارة ما ينتج عنه مثل هذا الإهتمام من تضارب بين رسالة المهرجان الفنية والثقافية وبين رغبته في عرض ما يجذب الجمهور العريض تماماً كما لو كان مؤسسة تجارية في الأساس. وكنا شاهدنا في مهرجان برلين هذا العام الفيلم الجديد لزانغ ييمو «إمرأة مسدس ومطعم نودل« الذي دار حول صاحب فندق في منطقة جبلية بعيدة يستأجر خدمات قاتل محترف لقتل زوجته، لكن المسألة ليست بمثل هذه البساطة والقاتل سوف يستدير على عقبيه ليقتل صاحب الفندق في الوقت الذي تتعقّد فيه الأمور حين تدرك الزوجة الحقيقة٠
هذه القصّة، على الرغم من طبيعتها الدرامية غارقة في مشاهد العنف والقتال. وكعادة أفلام زانغ ييمو فإنه يزيّن هذه المشاهد بالديكور الفاقع والألوان المبهرة واختيار أماكن تصوير تجعل الفيلم يبدو أشبه بلوحات تمر الحكاية عبرها وفي تصنّع ملحوظ٠
من ناحيته أقدم مهرجان فنيسيا هذا العام على حشد ثلاثة أفلام من هذا النوع في عروضه الرسمية من بينها «أسطورة القبضة: عودة تشن زن« الذي اختار زمناً قريباً نسبياً من ذلك الذي تضع فيه معظم الأفلام الصينية حكاياتها فيه وهو نهايات القرن التاسع عشر وما قبل. الفيلم الذي أخرجه واين-كيونغ لاو يقع في زمن الإحتلال الياباني لتشنغهاي. وفي حين أن هناك أفلاماً يابانية وصينية انتقدت تلك الفترة وقسوة الإحتلال على نحو رصين، الا أن »أسطورة القبضة« يخلط الواقع بالخيال على نحو مفرط مقدّماً بطلاً صينياً مقداداً من القوّة والبأس لدرجة أن المشاهد يتساءل لو كان ذلك حقيقة لما لم يقم هذا البطل الفريد بتحرير الصين بأسرها وهو الذي يستطيع فعل أشياء سوبرمانية فذّة؟
ومن الأفلام الجديدة في هذا المضمار »التحري دي ولغز الشعلة الغامض« للمخرج هارك تسوي الذي يحتل المركز الأول في عروضه الصينية حالياً.  إنه يذهب الى زمن أبعد من سواه. الى العام 689 قبل الميلاد خلال فترة الإمبراطورة  وو زتيان التي يُقال أنها الإمبراطور- المرأة الوحيدة في تاريخ الصين بأكمله. هناك معبد بوذي شامخ مُصاب بلعنة غامضة وعلى التحري- المقاتل دي معرفة سر تلك النار الغامضة التي تنشب بلا تمهيد في المتّصلين بأمر هذا المعبد فتحوّلهم الى رماد. يعمد المخرج الى الديكور الخارج عن المنطق والطبيعة وقدرة البنّائين حينها لصنع مثل هذا المعبد الأقرب لناطحة سحاب، والمزوّد بعشرات المعابر الداخلية والجسور والتماثيل الضخمة. كحال افلام تشن كايغي وزانغ ييمو، فإن التركيز على الديكور كما على المبارزات وفنون القتال الشرقية المختلفة. لكن المبارزة الحقيقية تبدو قائمة بالموازاة بين هؤلاء المخرجين أنفسهم إذ يحاول كل بزّ الآخر في حرفته٠
فيلم آخر في هذا الإتجاه هو «مملكة المغتالين« للمخرجين تشاو بن سو وجون وو. فيه تقوم ميشيل يوه، التي هي بدورها من الممثلين الصينيين الذين عملوا في هوليوود والعائدين اليوم الى الوطن الأم كشأن المخرج وو، بإداء شخصية مقاتلة على درجة كبيرة من المهارة مطلوب منها إعادة رفات ناسك بوذي الى معبده لكن هناك من يحاول قتلها قبل الوصول الى هدفها. هنا ينتصر لها مقاتل ثان ما يجعلهما قوّة لا يمكن لعشرات المقاتلين المعادين النيل منها٠

تحقيق

ملوك الشوارع | قصّة السينما مع عصابات الطرق | محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Crime in the Streets  جون كازافيتيز في


فيلم بالأبيض والأسود (1956) أخرجه دونالد سيغل من بطولة جيمس Crime in the Streets
ويتمور، جون كازافيتيز،  سال مينيو، مارك رايدل. كل من رايدل وكازافيتيز أصبحا مخرجين لاحقاً، لكن هذا ليس بيت القصيد. الفيلم يرد في مجموعة أطلقتها  محطة  "تيرنر كلاسيك موڤيز" بالتعاون مع شركة وورنر تحت عنوان "فيلم نوار" (المجموعة رقم خمسة في سلسلة) إحتفاءاً بهذا النوع من السينما،  لكن الحقيقة أن الفيلم ليس فيلم نوار ووجوده ضمنها لم يكن ضرورياً على الإطلاق. إنه ليس من طينة
Portland Expose, They Were So Young, The Hitchhiker, The Strange Love of Martha Ivers, The Scar, All Through The Night
او سواها (ثمانية أفلام في هذه المجموعة). تقنياً جيّد كالعديد من أفلام سيغل (الذي أخرج لاحقاً  فيلم كلينت ايستوود »ديرتي هاري«) لكنه دراما عن عصابة في حي في مدينة نيويورك يقودها جون كازافيتيز الذي يود من بعض أعضائها مشاركته قتل شرطي كان بصق في وجهه
أفضل منه فيلما فرنسيس فورد كوبولا »اللا منتمون« و»رامبل فيش«، ومن ناحية إجمالية فيلم «وست سايد ستوري« لروبرت وايز (1961) وكل هذه الأفلام تحمل في طيّاتها رسالات أخلاقية ولو أن فيلم سيغل يضعها مكثّفة ومباشرة أكثر مما يلزم
تحقيق فيلم عن حياة عصابة هي التي تقود الحكاية من الأول الى الآخر أمر شائك خصوصاً في الأيام السالفة حين كان هوليوود لا زالت متمسّكة بمفاد أخلاقي من نوع "الجريمة لا تُفيد". كاتب السيناريو يجد نفسه مطالباً، إذا ما دار الفيلم حول عصابة ورئيسها، أن يؤكد على بعض الأمور الأساسية لتحديد أنه ليس مع الأشرار، لكن بعضهم ربما لم يكن شريراً في الأصل. هنا، في »جريمة في الشوارع« سال مينيو هو الشاب الصغير المندرج في العصابة من دون أن تكون لديه نوازع شريرة على عكس جون كازافيتيز في الدور. والثاني يدفع ثمن شرّه بينما يبقى الأول حيّاً وربما انطلق (بعد أحداث الفيلم) ليصبح رئيساً في شركة شاحنات او صاحب متجر ناجح او أي شيء من هذا القبيل٠
قبله  بتسعة عشر سنة قام المخرج وليام وايلر  بتحقيق فيلم عصاباتي من بطولة همفري بوغارت وجوول
Dead End  ماكراي وسيلفيا سيدني بعنوان:  نهاية حتمية
وفيه لعب بوغارت شخصية مجرم في طريقه الى الموت بعد صدور الحكم بإعدامه، وكيف أن عصابة من مراهقين يعتبرونه بطلاً يُحتذى به ما يجعله يحاول الحفاظ على صورته لامعة في أذهانهم حتى النهاية. لكنه في طريقه الى حجرة الإعدام يهتز ويرتجف خوفاً ويصرخ طالباً الحياة راجياً عدم تنفيذ الحكم به. لم يكن يمثّل لكي يُقنع الفتية بأنه ليس البطل الذي اعتقدوا أنه إياه، لكن العصابة أدركت الحقيقة على أي حال لينتهي الفيلم بمفاده الأخلاقي المبثوث: الجريمة لا تُفيد وطريقها مسدود
بالخروج من الحكايات الخيالية (والمسرحية والروائية ليليان هلمان هي التي كتبت »نهاية حتمية«) الى الحكايات المقتبسة عن شخصيات ووقائع حقيقية نجد أن مسألة الحفاظ على الخطاب الأخلاقي يصبح عملاً أصعب. لقد تحدّثت أكثر من مرّة عن فيلم آرثر بن الرائع «بوني وكلايد» لكني لم أتطرّق الى حقيقة أن واحداً من أهم حسناته هي كيفية تفاديه سبر الرسالة الأخلاقية من دون أن يحقق فيلماً ينتصر فيه للجريمة. كل ما قام به المخرج هو أنه عاين هاتين الشخصيّتين كثنائي على علاقة حب وبالطبع تدخّل في الوقائع التاريخية ليعزز الناحية الإنسانية التي تربط بين الشخصية التي يؤديها وورن بايتي وتلك التي تؤديها فاي داناواي
 الأفلام الأخرى التي تحدّثت عن شخصيات واقعية في تاريخ العصابات الأميركية تباينت وبعضها استطاع الإبتعاد عن تخليد العصابة من خلال رئيسها، في حين عمدت أفلام أخرى، أهمّها في هذا الشأن «دلنجر« لجون ميليوس (1973) الى وصم الجريمة من دون تردد. اتخاذ موقف حاسم من العصابة (أي عصابة) كان الفاصل بين هوية الفيلم السياسية. »بوني وكلايد« فيلم يساري (من حيث ليبراليّته كما من حيث إظهار تعاطف بطله مع الفقراء واصحاب المزارع المنكوبة في سنوات اليأس) بينما في »دلنجر« يميني من حيث منح بطله رجل العصابات دلنجر (وورن أوتس) صورة شريرة واحدة وإظهار رئيس جهاز الأف بي آي المعيّن لمطاردته، وأسمه ملفن بورفيز (قام به بن جونسون)  كبطل عنيد يؤدي وظيفته ببراعة وعناد
Little Caesar إداوارد ج. روبنسون

هوليوود في الثلاثينات أنتجت أكثر من خمسين فيلم غانغستر أشهرها ثلاثة هي
Little Caesar | Mervyn LeRoy (1930)
The Public Enemy |  William A. Wellman (1931)
Scarface | Howard Hawks (1932)
هذه الأفلام الثلاثة وضعت سكّة حديد مشت غالبية الأفلام الأخرى عليها:  هناك شخصية تفرض عليها ظروف قاهرة تحوّلها الى الإنضمام الى عصابة قويّة على طريقة "جعلوني مجرماً"، حيث تلعب تلك الظروف القاسية . وهذا يتبدّى جيّداً في فيلم لاحق أخرجه راوول وولش سنة 1939 بعنوان
The Roaring Twenties
حيث يعود جيمس كاغني من الحرب العالمية الأولى معدما وبلا مستقبل ما يحتّم عليه التحوّل الى الجهة الوحيدة التي تستطيع أن تؤمن له عملاً خلال سنوات القحط الإقتصادي حينها٠
وهناك التطوّر الذي يُصيب تلك الشخصية، في الأفلام الثلاثة المذكورة أعلاه وما بعد، الذي يجعل منه خلال الأحداث رئيسا لتلك العصابة. يرتقي من مجرّد شخص عادي فيها الى رئيس العصابة ذاتها تبعاً لحادثة او لمؤامرة، يتوقّف ذلك على قصّة الفيلم. المخرج المعاصر ريدلي سكوت استخدم هذه التيمة حين أخرج قبل عامين في «أميركان غانغستر»  حين نرى دنزل واشنطن يتحوّل من سائق زعيم العصابة الى زعيمها في مطلع الفيلم٠
المرحلة الثالثة من تلك السكّة التي رصفتها تلك الأفلام هي النهاية:  مقتل قيصر الصغير (إدوارد ج. روبنسون) في زقاق من الحي الذي عاث فيه فساداً في »ليتل سيزَر». مقتل جيمس كاغني المريع في طابق علوي من مصنع على أيدي البوليس في »عدو المجتمع
The Public Enemy طابق علوي من مصنع على أيدي البوليس في «عدو الشعب« او
ثم مقتل بول ميوني الشرس في المواجهة بينه وبين رجال البوليس في »الوجه ذو العلامة« او
Scarface
إنها نهايات عنيفة عليها أن تجسّد عمق الشخصيات وما آلت إليه وعنف حياتها كما عنف المجتمع. هناك دائماً الخوف من الفقر والدعة والبحث عن الأمن في أحضان أيقونة (بطل »قيصر الصغير« يتفوّه بعبارة صلاة حين موته وبطل »عدو الشعب« يصرخ منادياً أمّه "أمي انظري. أنا ملك العالم")٠
هذه الأفلام نجت من شيفرة هايز (تكلّمت عنها في العدد الماضي) لكن معظم الأفلام اللاحقة كان عليها أن تمتثل لتلك الجهة الرقابية، ولو أن هذا لم يمنع من خروج أفلام مرتفعة الصوت. المسألة كانت أن الجمهور، هايز او لا هايز، أحب أفلام العصابات. إنها تمثّل الصراع الكلاسيكي بين الخير والشر، وتجسّد بطولات قويّة مليئة بالدراما وليست كوميكية (من كوميكس) كما الحال مع سينما اليوم. لم يكن سهلاً أن تنتقل من شخص سليم الي شرير، وكان مثيراً ما سيقع لك بعد ذلك٠
على هذا كان لابد لهوليوود أن تجد حلاً "أخلاقيا" مقبولاً من دون أن تضطر للتوقّف عن تحقيق افلام العصابات. الحل الذي تمثّل هو نقل البطولة من رجل العصابة او زعيمها الى الفرد الذي يجابهها، وهو عادة ما يتمثّل  برجل القانون
G-Men أحد أبرز هذه الموجة المتطوّرة من أفلام العصابات هو رجل الحكومة
للمخرج الجيد وليام كايلي وحققه سنة 1935. جيمس كاغني الذي روّع الناس في »عدو الشعب« ينتقل الى صف القانون حين يتظاهر بأنه مجرم هارب ليدخل العصابة.  وقد لحق به إدوارد ج. روبنسون حيث
 يلتحق بعصابة نيويوركية بينما هو متعاون مع البوليس وذلك في فيلم آخر  لكايلي عنوانه
Bullets or Ballots   

يتحدّث الباحث بيتر هاودن عن أن عصابات منظّمة كانت تفرض "الأتاوات" على ستديوهات هوليوود، بل أن رئيس إحدى هذه العصابات، اليهودي بغزي سيغل (الذي كان محور فيلم »بغزي« سنة  1991 وأخرجه  باري ليفنسون على نحو من يريد تخليده) مد وصابته الى الممثلين ووكالات التمثيل فكان يفرض الخوّة عليهم وذلك حتى منتصف الأربعينات٠
مهما يكن فإن وجود الرواج السينمائي لهذه الأفلام حينها ارتبط برواج الإهتمام الشعبي سواء أكانت الشخصية حقيقية او مشوبة بالحقيقة (كما هي العادة غالباً). أخبار العصابات والجرائم التي كانت حديث الناس وسبب بيع ملايين النسخ من الصحف اليومية كان لابد أن تنتقل الى الشاشة الكبيرة. العامل الإقتصادي كان موجوداً والنجوم الذين وجدوا أنهم يستطيعون تحقيق نجاح مبكر إذا ما لعبوا هذه الأدوار كانوا أيضاً موجودين. وإذ نلاحظ، نجد أن أبطال الأفلام المذكورة أعلاه لم ينجحوا في أفلام من أنواع أخرى قدر نجاحهم في هذه الأفلام وذلك في الفترة المذكورة. للإيضاح لابد من الإشارة الى أن الأنواع الأكثر شعبية  آنذاك في صالات السينما كانت: الوسترن، الكوميديا، البوليسي والحربي والموسيقي. الوسترن كان في المقدّمة ووراءه عن قرب الفيلم البوليسي (بما فيه افلام العصابات). لكن لا إدوارد ج. روبنسون ولا جيمس كاغني ولا همفري بوغارت لمع في نوع الوسترن. كلهم كان عليهم تأدية دور شرير في عصابة لكي يبرز علناً٠
سنجد أيضاً أن السير الشخصية بأسمائها الحقيقية لم تبدأ الا في الخمسينات. كما أوضحت، أفلام العصابات في الثلاثينات اعتمدت على قصص خيالية  ولو كانت مشوبة بوقائع، لكن شخصيات الجريمة الحقيقية كان عليها الإنتظار الى الخمسينات قبل أن تبدأ الظهور على الشاشة٠
    بعد عام واحد على قيام  دون سيغل بإخراج »جريمة في الشوارع» حقق فيلماً بدأ دورة جديدة من أفلام العصابات، هي دورة الأفلام التي لا تخفي شخصياتها الحقيقية بل تقدّمها. الفيلم هو
و»بايبي فايس نلسون» إسم رجل عصابات تميّز بعنفه المصحوب بنوبات Baby Face Nelson
نفسية. شخصية مركّبة قام بها  ميكي رورك (ثم ظهرت ثانوية في فيلم جون ميليوس »دلنجر«). صوّر سيغل فيلمه الرخيص في سبعة عشر يوماً وتابع فيها حكاية الشخصية المذكورة بناءاً على أحداث غالبها حقيقي (ولا أقول واقعي). فالرجل كان رفض تنفيذ مهمّة قتل زعيم نقابي، فتم قتل الزعيم على أي حال ولصق التهمة به وإدخاله السجن زوراً. حين خرج قرر الإنتقام ممن أودعوه وما لبث ذلك أن تطوّر الى تأليف عصابة أثارت الهلع بين العصابات الأخرى. وينتهي فيلم سيغل بسقوطه على أيدي المباحث الفدرالية٠
Machine Gun Kelly:  تشارلز برونسون

في العام التالي أخرج روجر كورمن »ماشين غن  كيلي« عن عصاباتي آخر. لكنه ابتعد عن النواحي الإجتماعية وتيمة "جعلوني مجرماً" وقدّم بطله  (كما أدّاه تشارلز برونسون) من دون روادع من أي نوع. لملء الخانة الفارغة ابتدع له (او ربما كان من خصاله) الخوف من الموت بقدر ما كان يتعامل به طوال الوقت. في أحد المشاهد نراه يتسبب في إفشال عملية سطو مسلّح حينما شاهد كفناً. الطريقة التي أخرج بها كورمن الفيلم لا تود التتوقّف عند معالجات حادّة او تبريرات من أي نوع وذلك علي غرار: هذا ما حدث وبهذه الطريقة٠
طبعاً أفلام العصابات مستمرّة الى اليوم وهي بدأت من العقد الأول للقرن العشرين حين كانت الأفلام لا تزال قصيرة وصامتة. لكن الواقع الذي قلّما تبديه السينما مباشرة اليوم هو أن نظام الحياة  السياسي والإقتصادي هو ما يخلق العصابات. فعصابة جيسي جيمس في عهد الوسترن، هي أيضاً عصابة طرق، ولو أن الطرق آنذاك اختلفت. في العمق، هناك حلم الثراء. كيف تحقق هذا الحلم هو الذي يختلف من حالم  الى آخر٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular