Sep 7, 2010

Year 4.Issue 599 | حديث مع صوفيا كوبولا| تقييم النصف الأول من المهرجان | قتل جوهري لسكوليموفسكي | العاطفة لماتزاكوراتي| بعد التشريح لبابلو لاران


VENICE daily 10





تقييم النصف الأول: أفلام جيدة ثم... الكونغ فو من حيث لا نريد٠٠٠
Detective Dee and the Phantom Flame
نصف أيام المهرجان الإيطالي الكبير ولّت في سرعة. والتقييم السائد إيجابي، لكن ذلك السلبي محسوب في الوقت ذاته ويُثير قلق البعض. "هل صحيح أن أفلام المهرجان سيئة؟" تسأل مديرة الفندق الذي أسأل
فيه: "الصحافيون الإيطاليون يقولون أنها سنة سيئة وهذا من شأنه أن يعود بالضرر على نواحي العمل" وتكمل: "يقولون أنه أسوأ من العام السابق"٠
أتدخّل قبل أن تلتقط صحيفة وتقرأ مقالاً بكامله: "لو كان هذا صحيحاً لأصبح المهرجان في الحضيض. كل عام هناك من يقول أن السنة الماضية كانت أفضل. ولو كان هذا صحيحاً لأصبح المهرجان تحت مستوى البحر". تضحك وتطمئن، لكن السؤال يبقى٠
هناك هجوم إيطالي على المهرجان لكن من باب النيل من مديره  ماركو مولر الذي أكمل ست سنوات من الخدمة ويدخل، مفترضاً، ست سنوات أخرى حسب العقد الموقّع معه. لا أحد قبله دام أكثر من أربع سنوات. هذا لافت لدى البعض ويرغب في أن يرى شخصية جديدة (ولا بأس إن كانت إيطالية وليس سويسرية) تقوم بالمهمّة٠
وهناك هجوم كلاسيكي على المهرجان من قِبل أولئك الذين يرتبطون بالمصالح السياسية: أهل اليمين ينتقدون ما يقوم به أهل اليسار وأهل اليسار ينتقدون ما يقوم به أهل اليمين وإذا كنت كاتباً في صحيفة تقع في أحد هذين الخندقين فإنك قد ترغب في إظهار تحالفك مع الجانب الذي يدفع لك راتب آخر الشهر. طبعاً يدخل هذا الكلام في دائرة من المعايير المزدوجة: لو كان الحكم على الدورة او المهرجان صحيحاً، وبصرف النظر عما هو ذلك الحكم، لم لا توجد مطبوعة إيطالية الا ولها وجود هنا عبر مراسلين معظمهم شبه متطوّعين سمعنا أحدهم يسأل بالإنكليزية زميلاً: "هل لا يزال فيسكونتي يخرج أفلاماً؟". على الأقل زميله كان يعلم أن فيسكونتي مات من أيام دورة 1976
والجهل ربما يُزيد من  انطلاق الأحكام التي من شأنها إشاعة جو من النقد المفتقر للمعرفة، وهو أخطر أنواع النقد. يخبرني ناقد إنكليزي مخضرم أن مهرجان لوكارنو قبل أعوام قليلة عرض أفلاماً لبضعة مخرجين راحلين من باب الذكرى والإستعادة، فتقدم خمسة عشر "ناقداً" من اولئك الذين يشكّلون مستقبل النقد في الغد القريب بطلبات لمقابلة كل من هؤلاء المخرجين الراحلين٠
وزميل سمع إنكليزيين يتساءلان عمّن يكون ييرزي سكوليمفسكي اللذان جلسا لمشاهدة فيلمه الجديد »قتل جوهري»٠
لكن بالعودة الى الوقائع، لم تحظ دورة قريبة سابقة بما حظت به هذه الدورة من قوّة انطلاق. صحيح أن هذا الناقد وبضع آخرون لم يجدوا في فيلم الإفتتاح »بجعة سوداء» لدارن أرونوفسكي ما يبحثون عنه من حسنات إضافية ترتقي به الى حيث أراد، لكن الحال أنه استقبل جيّداً من قِبل معظم النقاد المحترفين وأمد الأسبوع الأول بأمل ما لبث أن حققته الأفلام التي توالت٠
مدير المهرجان: ماركو مولر

المسابقة التي تبقى محور الإهتمام لم تشهد سوى فيلم واحد أجمع العديدون على هوانه هو »انفصال ميك«، الذي أعجب هذا الناقد الى حد، والفيلم الفرنسي »القلّة السعيدة»، ما يعني بالمقابل أن معظم ما ورد الى الآن من «ميرال» الى «الغابة النروجية» ومن «أرواح صامتة» الى »في مكان ما» أنجز قبولاً شاسعاً  تعبر عنه التقديرات المنشورة في اليومية الإيطالية »فينسنيوز«٠
أحد دلائل ذلك أن المتواجدين لم ينتظروا الأيام القليلة المقبلة للبدء بطرح توقّعاتهم حول من سيفوز بالأسد الذهبي وسواه، بل انطلقوا في ذلك مبكرين. الفيلم الروسي «أرواح صامتة» لألكسي فيدورشنكو يقف على قمّة التوقّعات ويستحق ذلك إن لم يكن لشيء (وهناك الكثير من الحسنات فيه) فلرقّة تعامله مع الموضوع ولتصوير ينساب هادئاً كنهر الدون (بالإستعارة من فيلم روسي قديم)٠
يتبع ذلك في التقديرات -ومن دون ترتيب- الفيلم الفرنسي »بوتيش» لفرنسوا أوزون، والفيلم الفرنسي/ الإيطالي/ الهندي/ الإسرائيلي المشترك »ميرال«  لجوليان شنابل (الذي هوجم من قبل نقاد يهود وإسرائيليين)  وحتى الفيلم الإيطالي الكوميدي »عاطفة» الذي أنجز لدى هذا الناقد وضعاً متوسّطاً جمع حوله مؤيدين اعتبروه أفضل فيلم شاهدوه الى الآن ويرشّحونه الى جائزة٠
وإذا ما كان الفيلم الأميركي «انفصال ميك» شهد غالبية سلبية من الآراء فإن اللافت أن النقاد  الغربيين المخضرمين كانوا أكثر رأفة به من الجدد الذين فاتهم بعض مراميه. المخرجة كيلي راينهارت التي رفضت أن يبث التلفزيون الندوة الصحافية التي تبعت عرض الفيلم واستجاب المهرجان لطلبها، أضافت بعداً غاب عن هذا الناقد مفاده شخصية ميك في الفيلم تماثل جورج و. بوش وأن القافلة هي اميركا التي قادها بوش الى اللامكان حينما شن الحرب على العراق- حسب كلامها المنشور يوم أمس الأحد. هذا ربما قصدها ومن المرجّح امكانية تفسير الفيلم على هذا النحو، لكن ما يتبرّع به المخرج من شروحات عادة ما يكون تعبيراً عن تقاعس الفيلم نفسه في إظهاره٠

أمر مهم واحد نجد أن مدير المهرجان ارتكبه بحق هذه الدورة أكثر مما فعل بحق الدورات السابقة: الإكثار من أفلام الكونغ فو تحت غطاء الأسماء الصينية الكبيرة التي تغلّفها. أفلام تعمد الى استلهام أساطير تاريخية وتصيغها مشاهد بصرية مبهرة وفكرية ضحلة. قبل أيام «مملكة القتلة» لجون وو وسو تشاو بِن، و«أسطورة القبضة: عودة تشن زن» لأندرو لاو، وبالأمس «التحري دي ولغز شعلة الشبح» لتسوي هارك   وربما هناك أخرى تنتظر مواقيت افتتاحها٠



أفلام اليوم
أفغانستان وتشيلي والخلفيات المغيّبة

Essential Killing  | Jeszy Skolimowski ***
قتل جوهري | بولندا، نروج، ايرلندا، المجر | المسابقة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحد أكثر الأفلام ترقّباً من البداية كان هذا الفيلم ولعدة أسباب من بينها ارتباطه بسينما مخرج بولندي كان ترك بلاده الى بريطانيا واشترك مع جيل الستينات والسبعينات في تأسيس موجة جديدة من السينما البريطانية واستحواذه على مقام رفيع بين أترابه. من بينها أيضاً أن الفيلم يطرح موضوعاً يتعامل فيه والموضوع الأفغاني، او هكذا كان سائداً لحين انطلق الفيلم يوم أول أمس (الأحد)٠
ما يتّضح على الشاشة أنه فيلم ينتمي الى نظرة المخرج المتشائمة حول وضع الإنسان الفرد (أي إنسان فرد) أكثر بكثير مما هو فيلم يتناول، من قريب او بعيد، الموضوع الأفغاني. نعم ينطلق من أفغانستان ليصب في بلد أوروبي شرقي (يكاد المرء أن يجزم أنه روسي تبعاً لبعض الكلمات المنطوقة في ربع الساعة الأخيرة) وصحيح أن بطله مجاهد أفغاني الا أن هذا الموقع يتغيّر والهوية الفردية تصبح أقل أهمية مما كانت عليه في النصف الأول من الفيلم٠
مطلع الفيلم مشاهد جويّة جميلة وموحية للمقاتل الأفغاني محمد (الأميركي ڤنسنت غالو) وهو يركض هارباً من المروحية التي ترصده ومن ثلاث جنود أميركيين منطلقين في أثره للقبض عليه. يختبيء في مغارة وحين يتقدّم الجنود صوبه يطلق عليهم قذيفة "آر بي جي" تبيدهم. يغادر المغارة قبل أن يطبق عليه الجنود لكنه يقع مغشياً عليه تحت وابل من نيران المروحية ويُقاد للتحقيق وفي أذنية دوي القذائف التي انفجرت بالقرب منه٠
هذا هو الجزء الأفغاني بأسره ومحمد الآن في عربة شحن تقلّه ومسجونين آخرين فوق أراضي دولة أوروبية تملك معاهدة مع الولايات المتحدة لاستقبال سجنائها. خنزيران على قارعة الطريق أمام القافلة الماضية ليلاً  يتسببان بانقلاب الشاحنة حيث يجد محمد نفسه طليقاً رغم قيوده فينطلق هارباً من جديد وفي أثره القوات المسلّحة تبغيه حيّاً او ميّتاً. في أول فرصة مناسبة ينقض على جنديين ويحرر نفسه من القيود وينطلق في سيارتهما ثم يتركها ومن هنا تبدأ رحلة فوق الثلوج الشتائية وعلى ضوء شمس شاحبة وليل داهم. إنها رحلة منهكة لرجل بلا طعام او ماء وفي بيئة قاسية وفي أعقابه مطاردون عنيدون. لكن محمد سينجح مرّة أخرى في تجنّبهم وينطلق بعيداً عنهم حيث لن نر هذه القوّة بعد الآن. هذا كلّه في النصف الأول من الفيلم ما يعزز تركيبة ذكية مفادها تحويل محمد من مقاتل أفغاني يمكن اعتباره سجيناً سياسياً آت من لدن حرب ضروس، الى مجرد إنسان جائع وهائم وضائع في أرض لا يشترك ومن يعيش فوقها بشيء. هنا ما ينفصل الفيلم عما هو أفغاني ليتحوّل الى رصد لوضع إنساني حول شخص يتحوّل الى ذئب وتلوّث بذلته البيضاء (سرقها عن جثّة أحد الجنود الذين كانوا يتعقّبونه) دماء ضحيّة بريئة (قاطع أشجار تعارك وإياه وتغلّب عليه طعناً قبل أن يهرب من جديد)٠
بذلك فإن من كان يأمل بفيلم يطرح الحرب الأفغانية او يحوي بعض السياسة المتداولة حولها، سيصيبه إحباط كون سكوليموفسكي يمتنع عن توجيه فيلمه صوب هذا الإتجاه مفضّلاً تنفيذ عمل هو تشويقي النوع بالدرجة الأولى مع بحث في مصير إنسان عار من الخصائص التي تجعله اجتماعياً آمناً ومأموناً. بذلك هو استكمال لبطله الأخير  في «أربع ليال مع آنا» (2008) الذي دار حول عامل بولندي تجرّده الظروف القاهرة من شروط انسانيّته. لو أن بطل ذلك الفيلم هرب من البوليس لتحوّل الى بطل هذا الفيلم في محنته هذه وحتى المشاهد الأخيرة التي ينزف فيها دماً فوق حصانه الأبيض. اللقطة الأخيرة للحصان وهو يمضي بعيداً من دون راكب. لابد أن ذلك الأفغاني سقط خارج الكادر ومات في أرض تبعد عشرات ألوف الأميال عن وطنه٠

La Passione | Carlo Mazzacurati **
العاطفة | ايطاليا | المسابقة
     ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان هناك حين شهدت فيه الكوميديا الإيطالية نجاحاً كبيراً بسبب من تعاملها مع أوضاع إجتماعية استخدمتها لتلذع وتنتقد وتسخر. الأيام المذكورة لم تعد متداولة وفيلم كارلو ماتزاكوراتي دليل على ذلك، رغم أنه يتعامل وبعض المسائل الإجتماعية والعاطفية- وإن بسخرية أقل وتوجّهات إجتماعية محدودة٠
يبدأ جيّداً.  جياني دوبوا (سيلفيو أولاندو) مخرج إيطالي لم يحقق فيلماً منذ خمس سنوات ووكيل أعماله يتّصل به لحضّه على التماسك العودة الى العمل  من جديد. يطلب منه أن يكتب شيئاً للنجمة الجديدة فلامينيا (كرستينا كابوتوندي) وكلاهما يتبادلان هاتفياً بضعة أفكار لا تثير إعجاب وكيله. هناك موعد بينهما للقاء عاصف، لكن مكالمة من القرية التوسكانية التي وُلد جياني فيها تقود هذا الى مغادرة روما والتوجّه بسيّارته الى منزله المهمل. المشكلة كما يفسّرها له أحد مسؤولي البلدة أن أنابيب المياه التي تعود الى أيام ماسوليني، كما يقول له، انفجرت وأغرقت الكنيسة التي بالقرب منه. المخرج يلبّي دعوة لمقابلة رئيس البلدية في اليوم ذاته متوقّعاً حلاً او ربما غرامة، لكن رئيس البلدية (وهي إمرأة) تطلب منه أن يخرج مسرحية «العشاء الأخير» لحساب القرية. أمر لا يثير اهتمام المخرج ويحاول تبرير ذلك بأنه سينمائي وليس مسرحي لكن تبريراته لا تنجح ويجد نفسه مضطر للبقاء في القرية والإلتزام بما طُلب منه٠
هذا هو الجزء الجيّد من الفيلم ويستمر حتى ثلث ساعته الأولى، بعد ذلك كل تلك الثنايا والمفارقات التي يتم عادة كتابتها كنتائج للوضع الأول، من شخصيات لا تلبّي جيوفاني خلال بحثه عن ممثلين وفنيين، الى أخرى تثير اهتمامه الفضولي  الى المزيد من تلك المفارقات التي تريد أن توصل بطلها الى خاتمة من نوع أن مهمّته لم تكن كارثة كما توقّع سابقاً وأن التجربة منحته زاداً من حيث لم يكن يعلم فهو يستوحي من شخصية فتاة بولندية على علاقة عاطفية متهاوية ووضع اجتماعي غير ثابت، ملامح قصّته للممثلة التي تنتظر عودته٠
في طيّات ذلك، هناك تعليقات صامتة بخصوص الغرباء عن الأرض: هناك فتاة بولندية، وسائحان سويديّان وأفريقي وباستثناء البولندية فإن الجميع يقع تحت ضوء غير محبّذ ويكاد يكون عنصرياً. لكن هذا الشأن يمر باهتاً وسريعاً. لجانب تمثيل جيّد من أولاندو، لا يوجد ما يدعم العمل على صعيد المعالجة. العاطفة الجيّاشة التي يذكرها العنوان ليست موجودة في ذات مخرج الفيلم والحاجة الى ما هو أكثر من سرد أفكار سرعان ما يتعاظم مع كل مشهد  ويؤدي في النهاية على عمل من السهل نسيانه تماماً٠

Post Mortem  | Pablo Larrain ****
بعد التشريح | تشيلي-المكسيك- ألمانيا | المسابقة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يواكب فيلم بابلو لاران الأحداث المأسوية التي تعرضت اليها تشيلي تبعاً للإنقلاب العسكري سنة 1973 عبر طريق غير مطروق. عوض الحديث عن الجانب السياسي او التعرّض لليوميات الأمنية التي صاحبت الإنقلاب الذي أطاح بسلفادور أللندي، او حتى التوسّع في جلب المواقف، يحصر اهتمامه الأول فى حكاية موظّف في مشرحة أسمه ماريو (ألفريدو كاسترو) ولو أنه لا يستبعد الأحداث السياسية ولا الأمنية من التواجد في خلفية الحدث وعلى جانبيه أحياناً٠
ماريو رجل يعيش وحيداً في بيت في شارع سكني في العاصمة التشيلية. يؤم وظيفة لا يمكن أن يشعر صوبها بشغف ويعود الى منزله فيأكل وحده ويمتّع نفسه بنفسه وينام. ذات مرّة يقصد المسرح الإستعراضي لمشاهدة المرأة التي يحب النظر اليها دون سواها وأسمها نانسي (أنطونيا زيغراس). إنها تعيش في مواجهة منزله -كما يتّضح لنا فيما بعد- لكنه الآن يتابعها ويصفّق لها وهي بين فتيات استعراض ورقص عديدات. حين يترك مقعده ويتسلل الى خلف الكواليس يشهد قيام مدير المسرح بطردها من العمل (بتهمة أنها ليست مثيرة الشكل). ماريو يأخذها معه في سيّارته الحمراء الصغيرة ويبدو أنه يحقق حلماً راوده منذ زمن بعيد بالتعرّف عليها الى أن يجدا نفسيهما وسط مظاهرة يشترك فيها صديق لها أسمه فيكتور  يأخذها من السيّارة ويترك ماريو وحده. لكن ماريو ونانسي يلتقيان في منزل الأول ويعتقد ماريو أنه على الطريق الصحيح  لحياة عاطفية وبل يسعى لدى مدير المسرح لإعادتها وذاك يوافق بشرط أن يعطيه سيّارته في المقابل. لكن الأحداث تتسارع غصباً عنه: نانسي تعيش في منزل والدها الشيوعي الذي يعقد اجتماعاته مع رفاقه وبينهم فكتور. يوم الإنقلاب العسكري يفيق ماريو على صوت الدبابات وهي تنقض على منزل والد نانسي وتدمّره. لكنه يكتشف أن نانسي اختبأت في حجرة مخفية وعليه الآن أن يؤمن لها الطعام في الوقت الذي يمارس فيها وظيفته وقد ازداد عدد الجثث اليومية التي عليه كتابة التقارير عنها نقلاً عن الطبيب المشرف على المشرحة. المخرج يستخدم هذه المشاهد للتعليق من دون تعليق مباشر. إنه يوحي بحجم الكارثة البشرية والإجتماعية من دون أن ينطلق لتصوير مشاهد قتل وتعذيب او مداهمات. حتى مشهد تدمير بيت والد نانسي نسمعه (ويسمعه بطل الفيلم) من دون أن نراه. لكن الأثر لا يقل قوّة او وقعاً وهو مدهم على بعض الشخصيات في المشرحة من بينها شخصية الطبيبة المساعدة التي يهولها ما يحدث٠
هذا على عكس ماريو المتماسك. سياسة الفيلم حيال ماريو هي أن لا شيء مما يدور علي السطح الإجتماعي او الأمني او السياسي يعنيه كثيراً. كل ما يعنيه هو نانسي. المخرج بحنكة محسوبة، يوازي ذلك الإنفصال الشعوري لبطله بانفصال عاطفي من لدنه لما يقع. يعمد الى كاميرا ملاحِظة ويترك فاصلاً بينه وبين ما يسرده من دون أن تسود البرودة المسافة بينه وبين الفيلم  وما يتم عرضه على الشاشة٠  
لقطات المخرج أساسية (صوّر الفيلم بكاميرا 16 مم ثم حوّله الى 35 مم): البداية كاميرا تحت الدبابة تواكبها في تقدّمها تمهيداً لما سيقع. باقي المشاهد تحيلنا الى استخدام المخرج لقطات تتوسّط الكادر تماماً. الوجه، او موضوع الصورة أياً كان، دائماً على مسافة واحدة من كل الأطراف مع الكادر ولقطاته مثيرة التكوين وتستفيد من الفضاء المحيط صغيراً كان أم كبيراً. والنتيجة المتماشية مع طريقة سرد الحكاية بأسرها، هو أن المشاهد سريعاً ما يبدأ البحث في الجوانب عن إشارات وملامح تشي بالمكان او بالأحداث التي لا يراها٠

حديث
صوفيا كوبولا
مخرجة فيلم «في مكان ما» تتحدّث عن فيلمها
وعن والدها الذي لا يتدخّل في عملها٠٠

بعد عرض فيلمها الجديد «في مكان ما» يتبدّى أن المخرجة التي كانت حققت كل أفلامها على نحو مستقل بإستثناء فيلمها السابق «ماري أنطوانيت» تعود الى حيث تنجح في منوالها. ترجع الى عالم صغير التأليف والجهد وأكثر تركيزاً على شخصية سريعة التداول بين الناس لا تستمد أحداثها من تواريخ وأزمنة او حقائق او حتى أساطير. مثل بطليها في »مفقود في الترجمة» فإن بطل »في مكان ما» عن شخص يعيش وضعاً ليكتشف أنه ليس الوضع الذي يريده او يُثيره. الحديث التالي يؤكد بعض هذه الخواطر

مرّة أخرى تنجحين في كسر التوقّعات خلال
متابعة الفيلم. القصّة كان يمكن لها أن تحتوي
على كليشيهات عدّة... لكنك تتجنّبين ذلك٠
ليس وارداً أن أعمد الى كتابة او إخراج أحداث ذات نمط مستهلك. نعم كان يمكن لي مثلاً أن أصوّر بطل الفيلم سعيداً بحياته على نحو أوضح بكثير مما فعلت، او أن أبدأ بنقيض متكامل مع ما انتهيت اليه، لكني تجنّبت ذلك٠

هذا بالتحديد ما أتحدّث عنه: النقيض الكامل٠
في بداية الفيلم هناك شخص حائر وغير سعيد
وفي نهايته هو أيضاً شخص حائر وغير سعيد
وإن كان الآن يعرف السبب٠
طبعاً. السبب هو أنه  لمس ما هو مفقود في حياته وهو العيش في كنف عائلي. الأيام التي يقضيها مع إبنته تعيده الى حقيقة أن كل ما هو حوله ما عاد يثيره على الإطلاق. لا النجومية ولا العمل ولا نوعية الحياة الرغيدة التي يؤمنها نجاح الممثل عادة

هل أنت ضد هوليوود كما يقترح الفيلم؟
أنا لا علاقة لي بهوليوود. لا أصنع أفلامي تبعاً لما تقترحه عليّ مؤسساتها الإنتاجية٠

فعلت ذلك في «ماري أنطوانيت» ولو أن
التمويل فرنسي في الغالب. هو فيلمك الوحيد
الذي لا يحوي صفات الفيلم المستقل٠
كما قلت. الفيلم الوحيد. كان تجربة سعدت بها لكنها دلّتني على أنه من الأفضل أن أحافظ على وضعي الذي أنجزته الى الآن منذ تحقيق فيلمي الأول »انتحار العذارى«. لذلك أنا مستقلّة ولا أتعامل مع هوليوود الا من خلال أوهن أنواع العلاقة، أي وجود شركة توزيع تشترك في التمويل وتقوم بتوزيع الفيلم٠

ما كانت كلفة هذا الفيلم إذاً وهل وجدت
من السهولة تأمينها؟
الكلفة كانت ثمانية ملايين دولار وتوجّهت الى شركة فوكاس فيتشرز التي تعاملت معها سابقاً وإلى شركة يابانية تعاملت معها أيضاً. الميزانية ضعف ميزانية «مفقود في الترجمة» الذي صوّرته في طوكيو، لكني ابتسمت لشركة فوكاس وقلت لها: الفيلم تقع أحداثه في هوليوود (تضحك)٠

هل هناك ما هو خاص او شخصي بجانب
كون الفيلم يحمل نظرتك الذاتية الى هوليوود؟
هل هو مثلاً استنتاج لمعايشة مع والدك فرنسيس
فورد كوبولا ولمراقبتك لما عايشه من أجواء؟
القصّة المروية لا شخصيات حقيقية فيها، لكن الشخصية التي يؤديها ستيفن دورف، والتي هي ليست حقيقية بدورها، مستوحاة من أي نوعية حياة لأي نجم. بمعنى آخر هي واقعية. لقد عايشت تجارب والدي حين كنت صغيرة لكني لم أخرج منها بقصّة. هذه القصّة كتبت خصيصاً للسينما٠

هل تطلعين والدك على المشاريع التي تريدين
تنفيذها وتأخذين رأيه فيها؟
أطلع والدي بالطبع على ما أقوم به واستمع لرأيه في أكثر من مناسبة، لكنه عملي الخاص رغم ذلك. لا أطلب منه الجواب او الحل لكني أنصرف الى تنفيذ ما أرتأيه فالفيلم هو خاص بي ويحمل وجهة نظري٠

تعيشين في باريس مع زوجك. أليس كذلك؟
نعم وأنا سعيدة بالمكان. باريس مدينة تجمع ثقافات كثيرة وهذا ما أتوخّاه في حياتي، لكني أزور الولايات المتحدة كلما كان ذلك ضرورياً

كيف اخترت الممثل ستيفن دورف للدور؟
كنت أريد ممثلاً خبر الحياة في هوليوود من دون أن يكون نجماً هوليوودياً بالضرورة. وستيفن كان هو ذلك الشخص تحديداً، فهو ممثل معروف وفي الوقت نفسه ليس نجماً كما توم كروز او توم هانكس مثلاً. الدور لا يتطلب محاكاة لأي منهما، بل لممثل في مطلع شهرته وهذا ما يعكسه ستيفن جيّداً٠

هل تكتبين أفكاراً كثيرة ثم تختارين
واحدة منها في الوقت المعيّن أو أنك
تمضين وراء فكرة واحدة فقط؟
لدي بضعة أفكار في الدرج، لكني من النوع الذي إذا ما اختار موضوعاً انطلق لتحقيقه من دون تردد٠



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular