Sep 29, 2010

Year 4. Issue 605 | جورج كلوني يتحدّث عن »الأميركي« لمحمد رُضا | السينما الفاشية: التجربة الإيطالية | صلاح سرميني يكتب عن ابراهيم العريس

هذا العدد
ترددت في نشر هذه المقالة للزميل صلاح سرميني لعدة أسباب
أوّلها أن الحوار المُشار إليه نُشر منذ مدّة (نحو شهر وأسبوع) وكنت أتمنّى لو أن الزميل بعث به الى من أجراه وهو الزميل هوفيك حبشيان، خصوصاً وأن هوفيك رحّب بنشر الردود
ثانياً: لأنه مقال طويل جدّاً
ثالثاً: لأن للأخ صلاح موقعه الخاص ويستطيع أن ينشره هناك أيضاً
لكن أعتقد أن ما جعلني أصرف كل هذه الأسباب وأقرر نشره هو أن لا شيء مما يقوله صلاح سرميني هنا لم يستوجب القول
..................................................................
قبل مهرجان فنيسيا ببضعة أيام أخذت وقتاً وشاهدت ثلاثة أفلام من تلك التي تم إطلاقها في الفترة الموسولينية من الحكم الإيطالي قبل الحرب العالمية الثانية. النتيجة مقالة عن تلك الفترة مع ملاحظات مستقاة من تلك الأفلام وأنجز الآن مقالاً مماثلاً عن التجربة النازية في السينما الفاشية يكون بمثابة جزء ثان
..................................................................
ثم قبل 24 ساعة من سفري الى مهرجان فنيسيا قابلت الممثل والمخرج جورج كلوني هنا في لوس أنجيليس وأجريت معه حديثاً انتقي منه نحو ثلثيه


السينما الفاشية- الجزء الأول: التجربة الموسولينية٠

في العام 1914 انطلقت شرارة الحرب العالمية الأولى وحين انتهت بعد أربع سنوات كانت أتت على أكثر من تسع ملايين ضحية من عسكريين و(غالباً) مدنيين. القوى المتحاربة كانت قوى كبرى على طول الخط: ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وتركيا وروسيا. وكل واحدة من هذه القوى كانت لديها مستعمراتها ولو أن الحرب لم تمتد اليها بل بقيت محصورة في اوروبا. ألمانيا غزت بلجيكا وفرنسا والنمسا والمجر غزتا صربيا وروسيا هاجمت ألمانيا وحارب ضد النمساويين والمجريين ثم انسحبت من الحرب جريحة مع قيام الثورة الشيوعية سنة 1917 وفي العام التالي اعترفت ألمانيا بهزيمتها٠
كتب التاريخ حول هذه الحرب (وما سبق ليس ملخص لملخص) كثيرة والأفلام التي دارت حولها او ذكرتها او قدّمت حكاية تفتح نوافذ صغيرة او كبيرة عليها كثيرة. «البارجة بودفكين» لسيرغي أيزنشتين (1925) يتحدّث عن عودة السفن الحربية المهزومة من الحرب وكيف شاركت في صنع الثورة الشيوعية. »كل شيء هاديء على الجبهة الغربية» للويس مايلستون (1930) يتحدّث عن الحرب من وجهة نظر الألمان الذين نحرتهم القيادة شباباً على جبهة القتال (الرواية للألماني إريك ماريا ريمارك). »ممرات المجد« لستانلي كوبريك (1957) عن الجانب الفرنسي من الحرب وجرائم القادة التي يدفع ثمنها الصغار٠
لكن ماذا عن »م« لفريتز لانغ (1931) وقبله بتسع سنوات »كابينة دكتور كاليغاري« لروبرت ڤاين؟ هل يمكن أن يكونا عن هتلر المقبل؟
قبل أن نذهب في هذا الإتجاه او عكسه، لابد من قراءة التاريخ وتاريخ السينما معه لأن العلاقة بينهما أكثر رباطاً مما قد نعتقد في الوهلة الأولى. إنه كما لو أن الحدث الواحد في الحياة يقع لكي تستفيد منه السينما، في بعض الأحيان، او يقع بعد وروده في الأفلام كما ليؤكد أسبقيّتها عليه٠

كما معروف، الثورة الشيوعية وقعت في ذيول الحرب العالمية الأولى ما يؤكد الصلة بين النكسة العسكرية وردّ الفعل ضدّها (على نحو غير بعيد من نكسة 1948 وقيام الثورة المصرية مع اختلاف القضايا). لكن ذيول تلك الحرب لم ينتج عنها انهيار نظام القيصر السلطوي وظهور نظام الدولة السُلطوية فقط، بل نشأت تبعاً لنهايات الحرب تيارات أخرى لا تقل عن الشيوعية خطراً على الديمقراطية والإنسان. واحد من هذه التيارات كانت فاشية في إيطاليا ونازية في ألمانيا. وفي حين أن الشيوعية حكمت لكي تنحي جانباً الهويّات الدينية والقومية والذاتية ولكي تدمج كل الجمهوريات التي ظللتها تحت عباءة واحدة، قامت النازية والفاشية وفي صلب توجّهاتها تعزيز الهوية القومية ورفع الشأن الذاتي وكلاهما استخدم الدين
كسلاح إضافي، خصوصاً الفاشية الإيطالية
وسنلاحظ لاحقاً كيف أن المد الفاشي وصل الى الولايات المتحدة التي وقفت من كل تلك النظم موقف المعادي. فالخوف من المد الشيوعي ولّد تيار من المجابهة نحّى جانباً العمل بالمباديء الديمقراطية وفرض سلطة تعاملت مع الوضع الجديد بممارسات فاشية بدورها جسّدتها محاكمات اصحاب الميول اليسارية الذين ضمن لهم الدستور حرية اعتناق ما أرادوا ليجدوا أن السُلطة لها ترجمة أخرى لتلك الحقوق تستطيع معها أن تقلبها كيفما تشاء٠
مال بينيتو موسوليني، الوافد من طبقة فقيرة، الى الإشتراكية أوّلاً، لكنه تخلّى عن هذه الميول مع دخول ايطاليا الحرب العالمية الأولى التي حارب فيها فعلياً. بعد نهاية الحرب بعام واحد أسس »الحزب الفاشي« وتبوأ رئاسة الوزراء سنة 1922 واعداً الإيطاليين بوحدة الصف، لكنه عمل في ثلاث سنوات الى إقصاء كل ما هو فعل ديمقراطي وكل مناويء مختلف الميول ليعلن نفسه دكتاتوراً وهي الفترة التي بدأت فيها طموحاته تمتد الى أفريقيا فاحتل ليبيا وإثيوبيا على غرار الإمبراطوريات الأوروبية الأخرى التي كانت بسطت نفوذها فوق معظم ما يؤلف اليوم دول القارة الأفريقية. كذلك أيّد الجنرال فرانكو حين نشبت الحرب الأهلية الأسبانية كون الجنرال دكتاتوراً حمل على المعارضين وخاض حرباً ضد القوى التي تمرّدت على الحكم وأرادت تغييره
الآن، لابد من ملاحظة أن الحزب الفاشي جنّد حاجة الإيطاليين لنظام يخلّصهم من النكسة. وهو اعتمد على فلول الجنود العائدين من الحرب وضمّهم الى وحدات مسلّحة تابعة للحزب (ما يذكّر بحزب الكتائب اللبناني الذي نشأ على أفكار سياسية غير بعيدة تؤمن بالعرق الواحد وبلغة السلاح وسيلة للوصول الى غايات سلطوية). في العام 1933 أصبح موسوليني هو إيطاليا والعكس صحيح وتعاونه بات وثيقاً مع أدولف هتلر الذي كان خاض، موازياً، تجربة ليست بعيدة عن تلك التي خطّها موسوليني. فالقائد الألماني بدوره انطلق من قناعات مماثلة حول ضرورة النهوض بالبلاد من بعد اندحارها ومنح الألمان عزّة نفس بعد الهزيمة وهويّة آريّة منفردة وإعادة بناء الدولة على أساس الحزب الواحد والقوّة العليا فيه٠
الملاحظة الثانية هي أن السينما كانت حاضرة في برنامج كل من هذين الزعيمين السياسي. كذلك كانت حاضرة في بال ستالين ولينين بنتائج ودعوات مختلفة، كما حضرت في كل الثورات على اختلاف مناهجها، وأذكر هنا أن فيلم أندريه ڤايدا «رجل من حديد« (1981) كان عاملاً رئيسياً في توحيد صفوف الحركة العمّالية البولندية التي طالبت بإدخال تصليحات جوهرية على أساليب العمل وكسر حدّة القبضة الحكومية عليها٠
من نافل القول ذكر تأثير السينما في تجييش الرأي العام كونها صوت الشارع طوال الوقت (من قبل أن يحمل تشارلي تشابلن العلم الأحمر بالخطأ في «أزمنة عصرية« سنة 1936). لكن بالنسبة لموسوليني وهتلر كان الإعتماد عليها جوهريا الى حد دفعهما لاعتبارها تستحق العناية الأولى. في الحقيقة أمسك موسوليني بها وأشرف عليها شخصياً، بينما عيّن لها هتلر جوزف غوبلز ليديرها. الغاية هنا وهناك كانت تحويلها الى سلاح بروباغاندا وهي غاية تحققت على خير وجه وطوال سنوات الصعود من العدم الى القوة الضخمة. او من »زيرو« الى »هيرو«٠
بالنسبة لموسوليني، لم تكن خطواته آتية من فراغ. كان اهتمامه بالسينما، ولو السينما التي تناسبه فقط، طموحاً. ليس فقط أن بعض الإنتاجات الكبيرة تمّت في تاريخه، بل وضع حجر الأساس لبناء ستديوهات شينيشيتا (مدينة السينما) التي لا زالت تعمل الى اليوم سنة 1935 وقبل ثلاث سنوات من ذلك التاريخ أعطى الضوء الأخضر لتأسيس أول مهرجان سينمائي في العالم وهو مهرجان فنيسيا (البندقية)

أدّت كثافة الجهود التي أطلقها الحزب الفاشي لإنجاح إعادة توجيه البلاد صوب نظام سياسي جديد الى مد غزير من الإجراءات السينمائية على اعتبار أنها خير مُعين لنشر الثقافة الفاشية والدعاية إليها. موسوليني وحزبه تمتّع، سنة 1922، بسُلطة الموافقة على إنتاج نحو عشر بالمئة من الأفلام المنتجة في ايطاليا سنة ثم خمس وعشرين بالمئة في السنوات القليلة اللاحقة. وفي تلك الفترة أوصى بوضع اليد على مؤسسة سينمائية خاصّة أسمها
L'Unione Cinematografia Educativa او LUCE
وهي كانت، كما يوحي عنوانها مؤسسة ثقافية ، وتحويلها الى قطاع حكومي لإنتاج وتوزيع الأفلام. في العام 1935، العام الذي بدأ فيه بتشييد مدينة السينما، وافق الدكتاتور على إنشاء مؤسسة لتدريب
Centro Sperimentale di Cinematografia وإنشاء تقنيين وفنيين إيطاليين أسمها
بمراقبة ما لا زال متوفّراً اليوم، على اسطوانات، من أفلام تلك الفترة فإن البدايات توحي بأنها كانت متواضعة للغاية٠
ثم هناك ما تكشفه مقالة وضعتها فيكي وغ- بروسر عن أرشيفات معهد الفيلم البريطاني سنة 1974
من أن أفلام الفترة تلاقت في أنها حملت سماتاً وأساليب واقعية. بما أني لم أشاهدها كلّها، وما شاهدته منها مثل فيلم »الشمس« قد يقترح ذلك لكنه لا يكفي للتعميم، فإني لا أستطيع تأييد هذا المنحى ولو أنه محتمل جدّاً. ما يُثير بدوره كل ذلك الحديث الذي دفعنا إليه نقاد الجيل السابق الذين تحدّثوا عن ولادة السينما الواقعية مباشرة بعد اندحار موسوليني
فيلم »الشمس« (1929) مثير للإهتمام كونه إنتماء واضح للسينما الواقعية. أخرجه أليساندرو بلاسيتي مستفيداً من مساحة التعبير حينها ليهاجم قيام الحكومة بوضع اليد على أراضي المزارعين حينها. لا أملك من المعلومات أكثر مما أتاحه الفيلم نفسه، لكن المخرج التزم، ربما بحثاً عن قوى عدل اجتماعي، بالخطاب الفاشي لموسوليني كما في فيلمه «1860» سنة 1933 و«الحارس القديم« او
الذي تناول قيام الحزب الفاشي ومسيرته السياسة من العام 1922 La Vecchia Guardia

المخرجون الإيطاليون الذين لم يرغبوا في الإشتراك في الحملة الفاشية إما توقّفوا عن العمل او لجأوا الى الأفلام التجارية الخالصة للإبتعاد عن السياسة ومنهم مخرج بإسم ماريو كاميريني ، لكنه بدوره لم يستطع الإبتعاد طويلاً إذ تقدّم منه الجهاز الحزبي بطلب تحقيق فيلم بعنوان «النداء العظيم« سنة 1936
حول الحملة الإيطالية على أفريقيا ومعركة أبيسينيا التي انتهت بسيطرة ايطاليا على أثيوبيا٠
الباحثة وغ-بروسر تقول في مقالتها المنشورة في مجلة »موڤيز» آنذاك ما يلقي الضوء على مأزق المخرجين الرافضين للتعامل مع الوضع السائد: "كوميديات كاميريني الخفيفة كانت استلهاماً لمخرجين أقل شهرة الذين لجأوا الى ما يُعرف بأفلام "التليفونات البيضاء" (نسبة لنوع من الأفلام العاطفية التي تدور حول فتيات ونساء يلجأن الى الهواتف البيضاء للبوح بحبّهن) ٠
سنرى حين نعود الى هذا الموضوع في العدد المقبل، تجربة مغايرة ومماثلة في الوقت ذاته تزامنت وتجربة السينما الإيطالية وهذا في إطار قوّة فاشية أخرى هي الهتلرية٠








حديث حول فيلم مع | جورج كلوني
تعودت الإنسحاب من الشخصية حال انتهاء اللقطة والعودة اليها مع اللقطة القادمة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جورج كلوني من بين أكثر نجوم هوليوود موهبة ومن بين أصدقهم في تواضعه. يحاول أن لا يُثير الزوابع ومهتم جدّاً بحرفته مخرجاً وممثلاً. هذه هي مقابلة »الشرق الأوسط« الثانية معه، ففي أيلول/ سبتمبر من العام الماضي قابلناه بمناسبة خروج فيلمه الساخر من حرب العراق «الرجال المحدّقون بالماعز» (الذي لم ينل أي قسط يُذكر من النجاح). اما اليوم فالمناسبة هي فيلمه البوليسي- التشويقي »الأميركي« الذي حط أوّلاً في شباك تذاكر الأسبوع ما قبل السابق والذي يتسلل للعروض السينمائية في أكثر من عاصمة عربية هذا الأسبوع٠

هل يسعدك وصول فيلم من تمثيلك الى المركز الأول؟ -
طبعاً. لكنني لست متأكداً ما إذا كان تقديراً أم مجرد إعجاب الجمهور بالفيلم. ربما الأفضل اعتبار أن الإقبال مزدوج في هذه الناحية٠

كيف مرّ »الأميركي« بمراحله من حيث تكوين هذه الشخصية؟ -
أولاً، لم أمثّل شخصية ساكنة كهذه الشخصية من قبل. جلست والمخرج أنطون كوربن، الذي بالمناسبة أعتقد أن أنجز عملاً رائعاً، وتباحثنا كيفية معالجة هذه الشخصية لأنها جوّانية. الإنفعالات تبقى داخل النفس. التجربة كانت غالباً حول هذه الشخصية الساكنة٠

هل هذا الفيلم هو نفسه الذي كنت تفكّر بتحقيقه قبل سنوات تحت إسم آخر؟ -
صحيح. قبل عدّة سنوات جرّبنا الإقدام عليه، لكننا لم ننجح في ايجاد المعالجة الصحيحة. حينها كان عنوانه «جنتلمان خاص جداً«. لكن المشروع لم يغب عن بالي وأخيراً قررت أن اللمسة الأوروبية في التنفيذ مناسبة لمثل هذا الفيلم وبالتالي من الأفضل التوجّه الى مخرج أوروبي٠

هذا الفيلم مأخوذ عن رواية وكنت لاحظت خلال حديثنا السابق أن معظم أفلامك الأخيرة مستمدّة -
من وقائع حقيقية بما فيها »الرجال المحدّقون بالماعز». ما هي الرواية التي تقرأها الآن؟
To Kill A Mockingbird وصلتني نسخة موقّعة من رواية
بدأت قراءته٠

هل تفكّر في تحويل الرواية الى فيلم جديد وهي كانت تحوّلت الى فيلم من قبل؟ -
لا أدري. لكني أعلم بظروف كتابة الرواية ووقعها قبل خمسين سنة على الأميركيين من حيث أنها رصدت التفرقة العنصرية التي كانت سائدة آنذاك. كنت قرأتها قبل سنوات عديدة وأريد قراءتها لذاتها الان من دون التفكير في صنعها٠

الدور الذي تؤديه في «الأميركي« يضعك في طيّات شخصية وحيدة معظم الوقت. ومن خلال -
معرفتي بك أكاد أجزم بأنك وضعت بعض ملامح حياتك الشخصية في هذا الدور. هل توافق؟
لا. دعني أقول لك، حين كنت أمثّل في (المسلسل التلفزيوني) «غرفة الطواريء» كنا نقوم بمشاهد فظيعة كون البرنامج يدور عن حالات الإصابات والمواقف الحرجة والخطرة التي يقودها فريق من الجرّاحين. ربما هذا عوّدني أن أنسحب من الشخصية بسهولة حال انتهاء اللقطة والعودة اليها مع اللقطة التالية. هناك ممثلون رائعون يبقون داخل الشخصية طوال الوقت وآخرون لا يقلّون مقدرة يستطيعون الدخول إليها والإنسحاب منها بسهولة، وليس هناك من فريق او طريقة أفضل من الآخر٠

هذا لابد أنه يترك تأثيراً كبيراً خلال العمل٠ -
صحيح. خلال التصوير ينشد فريق العمل اعتبار أننا جميعاً، نجوماً وعمّالاً في شتّى الميادين، عائلة واحدة وهذا مريح جدّاً وأحياناً ما يكون جوهرياً. أعتقد أنه قراري الخاص في أن لا أكون رجلاً صعباً خلال التصوير (يقصد عبر الإنطواء ووضع المسافات بينه وبين سواه) لأن هذا يساعد الجميع على التمتّع بالفترة التي يشترك فيها في صنع الفيلم٠

بمناسبة الحديث عن شخصيّتك، هل لديك "سياسة" حيال المعجبين؟ -
نعم. أحاول أن أطعنهم بالأقلام التي يعطونها لي لكي أوقع الأوتوغرافات (يضحك)٠

قد يرفع أحدهم قضيّة عليك٠ -
لذلك لا أفعل ذلك بل أوقّع وأحاول أن ألبّي أكبر قدر من الطلبات قبل أن اختفي٠ والدي كما تعلم كان شخصية تلفزيونية وتعلّمت من حياتي معه مسألتين: الأولى: كيف على الشخص المعروف أن يتصرّف حيال معجيبه والثانية كيف تتصرّف أنت حيال نجم او شخصية معروفة. أذكر أنني في حضرة الممثل رايموند بَر (لعب بطولة حلقات «بيري مايسون« و»آيرونسايد«) فوجئت أنه يبدو أكبر وأكثر شباباً على الشاشة. لذلك أضع نفسي في موقف المعجب وأمنحه حب الفضول٠

قبل عام كانت يدك مضمّدة؟ كيف حالها الآن؟ -
أشكرك على السؤال. إنها ممتازة٠

قلت لي حينها مازحاً أن براد بت كسرها، وعلى ذكره هل ستلتقي معه في جزء رابع في -
Ocean's 14
الفيلم يتم تجهيزه وأعتقد أننا جميعاً عائدون للعب أدوارنا ولو أن اختيار الوقت المناسب للتصوير هو المعضلة. تعلم أنه يعتمد على كثرة الشخصيات وعليها جميعاً أن تتمتع بوقت لا تنشغل فيه بأفلام أخرى٠

هل تعتقد أن هناك قصّة لم يروها بعد هذا المسلسل؟ -
أفهم ما تقصد. لم يعجبك الجزء الثالث؟

لا-
كان يميل الى استعراض نجومه لكني اعتقدت أنه أفضل من الجزء الثاني. أعتقد أن الجزء الثاني كان سقطتنا. لا أريد أن أكشف شيئاً عن هذا الفيلم لأنه لا يزال هناك وقت قبل البدء بتصويره، لكن لدينا سيناريو جيّد ونعم فيه قصّة جديدة٠



"إبراهيم العريس" ينسفُ تاريخ الثقافة السينمائية العربية
صلاح سرميني

دزيغا فرتوف
في حوارٍ أجراه هوفيك حبشيان مع الناقد، المُؤرخ، الباحث، والكاهن السينمائيّ الأسطورة إبراهيم العريس يكشفُ فيه علناً عن نفسيةٍ عدائية ضدّ كلّ شيئٍ تقريباً
تترنحُ تصريحاته، وتنسفُ صورته أكثر من رغبته العدوانية بنسف صورة الآخرين، وتجعلنا نتهكم منه أكثر من محاولته التهكم من هذا، أو ذاك، وكنا نتمنّى بأن تُحرره الكتابة عن الفنّ كما "حرر الإنسان"، لا الكلمات/القبضات المرفوعة التي يستنكرُها في ثنايا الحوار.
بتعجرفٍ، يعتقدُ بأنّ كتابه "الصورة المُلتبسة : السينما في لبنان، مبدعوها، وأفلامها "ينسفُ أساطير" ولكنّ أقواله تنسفُ، بالآن ذاته، أسطورته التي يتوّهمها بمفرده، هذا الذي يعتبرُ الهويات قاتلة، وجميعها من صُنع الفاشية، بينما كلماته ليست بعيدة تماماً عنها، وقريبة جداً من الأفكار الطائفية المُعششة في ذهنه، وبعد أن خمدت الحرب في لبنان، ما تزال المعارك مُقيمة في رأسه، ولن يكون أحد أبطالها
يؤكدُ "إبراهيم العريس" بأنه "مثل لينين الذي يعتبر بأن الحقيقة لا وقت لها"، وبدورنا، سوف نتذكرُ يوماً هذه المقولة عندما يردمُ أحدهم (أو أكثر) أساطير الورق التي يكتبُ فيها، وخاصةً تلك الزاوية اليومية "ألف وجهٍ لألف عام" المُرّكبة من جُملٍ صحافية يكادُ بعضها يصطدمُ بالبعض الآخر، تتشابكُ، وتتناحرُ محاولة إخفاء كتابة مُغلفة بالنقل، والترجمة، تلك الزاوية التي لم أقرأها يوماً، وعندما فعلتُ، اكتشفتُ مغارةً تحتوي على كنوزٍ من المعلومات جمعها "شخصٌ واحدٌ" فقط، وترك "الأربعين" يرتزقون بفتات القصّ، واللصق.
يطيحُ "إبراهيم العريس" بعض الأسماء التي حفرت في الوجدان السينمائيّ اللبنانيّ، ولا يتوانى عن الاستهتار بتاريخٍ كاملٍ من الثقافة السينمائية العربية، هذه الأحكام المقصودة، والنابعة من التقوقع على الذات، وتعليق جهله بالآخرين على شماعاتهم، لن تفوز برضاهم، خاصة أولئك الذين يطالهم بقلمه "المُرتخيّ"، ولكنها، لحُسن حظنا، نبهتنا إلى ضرورة دراسة كتاباته من منظورٍ أقلّ تسرّعاً في القراءة، وأكثر تفحصاً، ولؤماً (سيّده في الحياة، والعمل كما يُشير "هوفيك حبشيان" في حواره)، ووضعه في مكانه الحقيقيّ، وإعادة الاعتبار لمن يعتقد بأنهم أبعد عنه بسنواتٍ ضوئية.
هو على الأرجح، يُعاني من عقدة نقصٍ رافقته منذ مولده عام 1946، السنة التي أنجز فيها والده "علي العريس" فيلمه الثاني "كوكب أميرة الصحراء" الذي قاده إلى الإفلاس، وكان يُمازحه دائماً قائلاً بأنه "نذير شؤم" بالنسبة له، تأصلت تلك المزحة الثقيلة في أعماقه، وجعلته غاضباً، حانقاً، يكرهُ، وينفرُ من الجميع، السينمائيين الثورجيين، والنقاد الأوصياء على المُجتمع الذين يُصدرون فتاوى.
يحتاجُ إلى علاجٍ نفسيّ مُعمّقٍ كان عليه التفكير به منذ صباه، لأنه، كما قال له "فرويد" يوماً، يتطلبُ جلساتٍ كثيرة من "الفضفضة" للتخلص من مشاعره، وأفكاره السوداوية، والأسباب التي تجعله يُوزع نعت "التفاهة" يميناً، وشمالاً حتى على محاولات التأسيس للسينما في لبنان.
انفصامٌ حادٌ في شخصية الكاتب، والإنسان، من التقى به يوماً، وتعرّف على طبيعته، وسلوكياته أصيب بصدمةٍ لم تمنعني من قراءة كتاباته مُتناسياً مواقف سخيفة صدرت عنه إثر محاولاتي بالتقرّب منه، ومدّ يدي له انطلاقاً من المهنة (التي كنتُ أعتقد بأنها تجمعنا)، وفي كلّ مرة، لا يرفض اليد الممدودة إليه، ولكن، يعضّها (مجازياً)، وأتصوّر بأنه يتمنى بترها (عملياً).
في كتابه، وهذا من حقه، يريد إعادة الاعتبار لوالده "علي العريس" الذي لم يذكره المُؤرخ السينمائي الفرنسي "جورج سادول" في قاموسه، مع أنه يؤكدُ محدودية القيمة الفنية لأعماله المُنحصرة بجانبها التاريخيّ فقط باعتباره أول لبنانيّ أنجز فيلماً، ويؤكدُ بأنه لا يعتبر الكتاب انتقاماً لوالده، بينما تحوم كلّ أجوبة الحوار حول تلك الفكرة الثأرية، وعلى الرغم من الريادة التي يتمتعُ بها والده (والمُفترض قراءة أعماله وُفق الفترة الزمنية التي أُنجزت فيها)، لا يتورّعُ عن الاعتراف بأنه أعاد الاعتبار إلى آخرين، ومنهم "محمد سلمان"، و"سمير الغصيني"، ووضعَ مسافة شاسعة بينه، وبين أفلامهم (ولا نفهم لماذا لم يستخدم نفس المسافة، أو أقلّ منها، مع أفلام والده ؟)، واعتبارهم أشخاصاً بذلوا جهوداً كبيرة، وكان في بالهم مشروعاً لم يتحقق على الشاشة (ولا نعرف أيضاً لماذا لم يُطبّق هذه المعايير على أفلام والده؟).
الأخطر في الحوار، إشارته إلى السينمائييّن المسيحييّن في الخمسينيّات، والتأكيد على نياتهم السينمائية، القومية، والوطنية، ونفيّها عن والده "علي العريس"، و"محمد سلمان"، وأكثر من ذلك، لم يكن المسلمون، من وجهة نظره، يؤمنون بلبنان كوطن، بل كجزء من أمة عربية إسلامية مُبهمة، ...في مقابل هؤلاء، هناك طرفٌ آخرٌ يؤمن بالأمة اللبنانية، فأنجزوا أفلاماً ذات هوية لبنانية خالصة.
تصريحاتٌ مُغرقة في التعميم، تجعل القارئ يعتقدُ بأنّ المسلمين يفتقدون الموهبة، ولا يمتلكون نياتٍ سينمائية، قومية، أو وطنية كحال المسيحييّن.
كما لا يبتعدُ الحديث عن سينمائييّن مسلمين، وآخرين مسيحييّن كثيراً عن تحريضٍ طائفيّ تمّ التعبير عنه بكلماتٍ يتعففُ عن قولها أكثر زعماء الأحزاب اللبنانية تطرّفاً.
عقليةٌ مُنغلقة تفرّقُ بين السينمائييّن من وجهة نظر دينية بحتة، يبدو بأنها مُعششة في دماغه فقط أكثر من الوسط السينمائيّ الذي يكتبُ عنه، والمتفرج الذي لا يخطر على باله أبداً التساؤل عن المُعتقدات الدينية لأيّ مخرج لبنانيّ، عربيّ، أو أجنبيّ.
يقول: " قبل "مارون بغدادي"، وأبناء جيله، لم يُنجَز أيّ فيلم له قيمة سينمائية حقيقية، ويتساءل، لماذا لا تُنجز إلاّ أشياء تافهة في لبنان ؟
ـ هل يتحتمُ على الناقد السينمائيّ نعت البدايات الأولى لأيّ سينما عربية، أو عالمية بالتفاهة، وهل من مهماته المُقدسة أن يرفع من شأن هذا، ويقللّ من شأن آخر على هواه، إلاّ إذا كان ربُّ السينما نفسها ؟
يتباهى "إبراهيم العريس" بوقوفه الدائم مع الأقليات في العالم العربي، ويؤمنُ بأنّ الإبداع العربي قائم على المجموعات الصغيرة، المسيحيين، اليهود، الأرمن، المثليين، الأجانب المُقيمين في هذا المكان، الإبداع ـ كما يقول ـ لا يُنجزه "أولاد الأمة"، هؤلاء يكتفون بالتقليد، لا يُبدعون، كونهم ليس عندهم إحساس بالنقص في المجتمع يجعلهم يعوضون بالكتابة، أو بالفنون، السينما العربية أسستها الأقليات.
وفي إجابةٍ لاحقة، يؤكدُ "في النهاية نحن مبدعون"، إذاً، وهو المُسلم على حدّ علمي، واحدٌ من تلك الأقليات التي تُعاني إحساساً بالنقص، ويمكن أيضاً التعميم اعتباطياً، والإدّعاء بأنّ اليهود يُبدعون انطلاقاً من إحساسهم بالنقص، مع أنّ الميثولوجيا الدينية الخاصّة بهم تعتبرهم "شعب الله المُختار".
هذا الذي يتبجحُ بالوقوف مع المثلييّن، تعبيراً عن انفتاحه الذهنيّ، لم نقرأ له كلمة واحدة عن المثلية الجنسية في السينما العربية، والعالمية، ولكننا، نتمنى بأن لا يستمرّ، ويكتب لاحقاً عن سينما لبنانية إسلامية، مسيحية، أرمنية، سريانية، مارونية، سنية، شيعية،....
أما عن الغزارة في الكتابة التي يستفسرَ عنها "هوفيك حبشيان"، فهي مُتأتية من الترجمات السريعة لحشوّ زاوية يومية، وفيها سوف يعثرُ القارئ اليقظ على أخطاء مُعيبة ليست من مقام "عبقريّ في كلّ شيئ".
وعلى سبيل المثال(والقائمة طويلة) :
العارف جيداً للمخرج "روبيرت فلاهرتي" لا ينسب له فيلماً عن الإسكيمو احترقت أشرطته ساعة تصويرها (بمعنى، لا يوجد الفيلم أصلاً) (3)، ولا يكتب آراء مُتناقضة بين فقرةٍ، وأخرى حول نفس الفيلم(4).
والمُثقف السينمائيّ لا يتجرأ الإشارة إلى فيلم "رجل الكاميرا" لـ "دزيغا فيرتوف" بأنه استثنائيّ(5)، وينسى فيلماً آخر "برلين، سيمفونية مدينة كبيرة" أنجزه الألماني "والتر روتمان" في نفس الفترة تقريباً، ويتقاطع كثيراً مع "رجل الكاميرا"(6).
رُبما تنطلي الترجمة المُتزحلقة على قارئٍ عاديّ، ولكن، لن يهضمها مُحترفٌ ما زال يمتلك الشغف، والطاقة لمُشاهدة الأفلام ليلاً، ونهاراً (أكثر من "إبراهيم العريس" نفسه)، بدون أن يتحوّل يوماً إلى حنفية كتابةٍ تكشفُ كلّ كلمة، جملة، وفقرة فيها عن ترجمةٍ لا تحترم القارئ، ونفترضُ بأن يكون شيخ النقد "العالم بكلّ شيئ"، بالنسبة لصبيانه، نموذجاً يُحتذى في الكتابة النزيهة الخالية من شوائب النقل، ويتوّجب عليه عدم الخجل من الإشارة إلى المُؤلف، والمصدر في كلّ مرةٍ يستعين بنصّ، حتى وإن توجهت إلى زاويةٍ يومية، والكفّ عن مراجعة كتب، وأفلام لم يقرأ أكثر من مُلخصاتها، والإيحاء بأنها من وحيّ خياله، ومعلوماته الموسوعية، رحمةً بالنقاد الجهلاء أمثالنا الذين لم يطالعوا 20 كتاباً في علم الجمال، و30 في علم القبح.
في الحوار المنشور، الله وحده يعلم، و"هوفيك حبشيان" كم من مرةٍ تكرر شفهياً حرف النفيّ "لا"، يتبعه فعل المُضارع "أؤمن"، حيث لا يُؤمن "إبراهيم العريس" بأدب الشعوب، ولا يُؤمن بفنونها، ولا يُؤمن بما يُسمى الرسالة في السينما، ولا يُؤمن بالنضال، ولا يُؤمن بأنّ السينما تُغيّر العالم، ولا يُؤمن بالنقد الأكاديميّ، ولا..... (هذه المرّة) ينصاعُ إلى المُسلّمات، إذ لا توجد حقائق ثابتة في أيّ مجالٍ كان، ومع ذلك، تنطلقُ كلّ مواقفه تجاه الآخرين من مُسلماتٍ، وحقائق ثابتة صنعها في خياله عنهم، ولم يبذل أيّ جهدٍ لمعرفتهم، وحتى يتباهى في السرّ، والعلن بانغلاقه على نفسه، واكتفائه بمجموعةٍ من الأصدقاء.
لا نريد من سيدنا "إبراهيم" أن يكون صديقنا، ولكن، نطلب منه بأن يرحمنا على الأقلّ، ولا يصنع منا أعداء، "هذه هي عظمة انعدام المُسلمات"، وقبل أن يتحدث عن أحدنا، نرجوه بأن يتنازل، ويقرأ له مقالاً واحداً، أو اثنيّن، حتى وإن كان يكرهه كره العمى.
أتوقعُ تصنّعه عدم الاكتراث لو كتب أحدهم يوماً بأنّ مُحاوره الشاب "هوفيك حبشيان"(من الأقلية الأرمينيّة في لبنان) يكتبُ أفضل منه ؟، أو يصف أحدهم كتاباته بالتفاهة، هكذا بدون تفسير، شرح، أو تحليل،..؟
لن يكون سعيداً أبداً، وسوف تنتفخ أوداجه، ويزداد تجهمه، وتتسارع ضربات قلبه، وينفجرُ من الغضب.
هو يعرف بأنّ "فرويد" استعان بالكلمة لتحرير الإنسان من عذاباته النفسية، ويدركُ أيضاً ما يعنيه "البوح" في التحليل النفسيّ.
كلماته التي سمعها المُحاور، وكتبها، تُؤكد بأنّ "إبراهيم العريس" لا يقرأ لأحد، فكيف عرف، ويعرف بأنّ النقاد النصابين يُسدون نصائح، ويعتبرون أنفسهم أوصياء على الآخرين ؟
وفي إجابةٍ أخرى، يؤكدُ بأنه ليس مُعلماً تنويرياً، هو يكتب كي يعبّر عن نفسه فقط، هل يكتب "إبراهيم العريس" لنفسه أم لقارئٍ مُفترض يقرأ بهدف الاستزادة المعرفية، والفكرية ؟.
بديهيّ بأنّ الابن يتعلمُ من والديّه، وإخوته، وأصدقائه، ..ويشكلُ البشر فيما بينهم سلسلةً تعليميةً لا متناهية.
يُضيف "العريس" : لاحظ بأنني أقول "السينما في لبنان"، وليس "السينما اللبنانية"، ليس هناك ما يُسمّى سينما فرنسية، أو سينما أميركية، هناك مبدعون، ليس ثمة ما يُدعى قومية، ووطنية، فهذان من اختراع الفاشية،..
إذاً نحن، المُتشبثون بقوميتنا شعوبٌ فاشية، وهويتنا فاشية، قاتلة للآخر، وتبثّ الكراهية…
عندما يقول الفرنسيّ "ببراءةٍ" بأنه فرنسيّ، فهو فاشيّ، وعندما يتذكرُ "البريتاني" منطقته، ولغته، فهو فاشيّ، وعندما يؤكدُ مُحاوره بأنه أرمنيّ، فهو فاشيّ بدوره، وإذا توالت الأمثلة، سوف يتحوّل البشر جميعهم إلى فاشييّن ....(ماعداه).
من حقّ "إبراهيم العريس" أن يكون بلا هوية، ولا قومية، ولا نضال، ولا رسالة، ولكن، ليس من حقه أبداً أن يشتم الآخرين إذا لم يتوافقوا معه في التفكير.
وفي الوقت الذي يتباهى بأنه أعاد الاعتبار إلى "محمد سلمان"، و"سمير الغصيني"، وغيرهما،.. يصفُ "مصطفى العقاد" بأنه ليس مخرجاً، لا علاقة له بالسينما، ولم يفعل إلا العمل في السينما، ولم يكن حتى منتجاً ناجحاً.
بقليلٍ من الأدب، واللياقة، كان عليه القول بأنّه مخرجٌ سيئ، أفلامه رديئة لا تُعجبه، ولكن، أن ينزع عنه صفة المخرج، والمُنتج، فهي من علامات الساعة، ساعة "إبراهيم العريس" التي توقفت عند آخر مقالٍ كتبه "نور الدين صايل" بالعربية (وهو لم يكتب بالعربية أصلاً)، وفي هذه المُناسبة، أنصحُ "العريس" بأن يُنجز قاموساً يحددُ فيه من هو المخرج، ومن هو المُدعيّ الذي لا علاقة له بالإخراج، وبدوري، سوف أنجزُ يوماً قاموساً عن نقاد السينما أقولُ فيه بالحرف الواحد :
"إبراهيم العريس" ليس ناقداً سينمائياً، كان يكتبُ في الصحافة عن السينما، وهو ليس كاتباً، كان يعرف أوليّات الكتابة فقط.
يهمّ "إبراهيم العريس" خلق تناحرٍ بين الابن، والديكتاتور الصغير في البيت المُتمثل بالأبّ، وبين الأبّ، وربّ عمله، ثمّ، ثمّ، وثمّ،..ولا أفهم لماذا يمنحُ الأبّ هذا النعت، وهو أبٌّ بدوره، هل يشعر بأنه ديكتاتور فعلاً، أم يستخدم صورةً نمطيةً لا تتوافق مع أفكارٍ أتحفنا بها في أجوبته عن المُسلمات، والثوابت، ولماذا يفترضُ تناحراً بين الأبّ، وربّ العمل، وبين هذا، وذاك، هل يريدها حرباً أهلية شاملة ؟.
يؤكدُ "العريس" لمُحاوره بأنه لا يقرأ لنقادٍ عرب، مُبرراً "عندما يصبح لدينا نقاد عرب، سيبدأ بمطالعة ما يكتبون"، والطريف بأنه يقرأ فقط لبعض أصدقائه مثل "نور الدين الصايل" (يُوضحُ المُحاور في لفتةٍ ذكية، وخبيثة، بأنه توقف عن الكتابة منذ سنوات)، وأضيف، بأنه توقف عن الكتابة بالفرنسية منذ الثمانينيّات تقريباً بعد أن تسلم مناصب إدارية مُتعاقبة.
مشكلة "العريس" بأن "النقد السينمائي دخل بزنس السينما، والبعض باتوا موظفين لدى المهرجانات، ما أن يتأسَّس مهرجان في الخليج، حتى تسارع إدارته إلى توظيف نقاد، تحوّل النقد ترويجاً، لذا، لا يقرأ! قل لي أين يكتب الناقد، أقول لك ماذا يكتب".
ما علاقة عمل الناقد في مهرجانٍ ما بكتاباته، وإذا تعففّ عن أداء هذه "المهمّة الدنيئة"، فمن يعمل فيها، أليس الناقد السينمائيّ أحقّ من غيره في تنظيم، وبرمجة المهرجانات، كيف يكون حالها لو أشرف عليها، وأدارها بائعو المازوت، وماذا يفعل "نور الدين صايل" في المغرب، و"محمد الأحمد" في سوريا، و"علي أبو شادي"، و"يوسف شريف رزق الله" في مصر،... أليسوا نقاداً، هل تنحصر وظيفة الناقد بمُشاهدة فيلم، والكتابة عنه فقط، أم المُساهمة بأيّ وسيلةٍ في تطوير، وتنشيط الثقافة السينمائية، وإذا كان "إبراهيم العريس" محظوظاًُ، ويعمل منذ 40 عاماً موظفاً في صحيفة يومية، فماذا يفعل النقاد الآخرون، هل يتوّجب عليهم الوقوف على الأرصفة بسراويل قصيرة كي يكسبوا لقمة عيشهم، هل الناقد الذي يعمل لمهرجانٍ ما يتخلى عن عمله النقديّ، ويتفرغ للكتابة عن هذا المهرجان، وهل الترويج الاحترافيّ الصادق، والنزيه لمهرجانٍ ما، أياً كان، عيباً ؟ ألا تفعل المهرجانات الكبرى نفس الشيئ، ويصبُ هذا الأمر في مصلحة السينما نفسها، وهل تأسّست المهرجانات من أجل أقلام النقاد فقط، أم بهدف الترويج للمدينة، والبلد، والتنشيط السياحيّ، والاقتصاديّ، والثقافيّ، وتسليط الأضواء على السينما المحلية.
إذا كانت هذه فكرة "العريس" عن المهرجانات الخليجية، لماذا لم يرفض الدعوة التي وجهها له مهرجان أبو ظبي في دورته الثانية لإدارة ندواتها، هل وافقَ للتعبير، والترويح عن نفسه، أم رغبةً باحتضان دراهم الخليجييّن التي قبضها فوراً بعد أن افتعل مشكلةً يعرفها كلّ من تابع تلك الدورة.
يختلقُ "إبراهيم العريس" مشكلة مع النقاد في بلداننا "لأنهم يركزون فقط على السينما، ولا يعرفون ماذا يوجد في الفنون الأخرى، ويجهلون ما يدور في العالم، إذا كانت السينما جامعة الفنون، فالنقد جامع الكتابات، لا تستطيع أن تكتب نقداً إذا لم تقرأ "فرويد"، وعلى الأقل 20 كتاباً في علم الجمال، لا تستطيع أن تكتب نقداً إذا لم تكن قد شاهدت بضعة آلاف فيلم".
الله وحده يعرف ماذا يفعلُ كلّ واحدٍ من النقاد في حياتهم اليومية، يقرأ، أو لا يقرأ، يشاهد أفلاماً، أو لا يشاهد، وحول هذه النقطة بالتحديد، نُذكره بإجابةٍ سابقة بأنه لا يقرأ لأحد، وفي هذه الحالة، يحقُ لنا التأكيد على جهله بما يحدث حوله، إلا إذا كان يعتبر نفسه الثقافة السينمائية العربية نفسها.
وهنا، أجدها فرصةً للردّ على "إبراهيم العريس" بنفس المنطق الجارح الذي استخدمه في أجوبته، وأقول، إذا لم يشاهد ألف فيلم تسجيليّ، وقصير خلال فترة 3 شهور تقريباً، بالإضافة إلى فيلم واحد يومياً يُعرض في الصالات التجارية الأوروبية، فهو يستحقُ التهكم أكثر بكثيرٍ من الأشخاص الذين يفترضُ بأنهم لم يشاهدوا بضعة آلاف فيلم.
"كنا نلتقي بعض هؤلاء في كانّ، وعند خروجنا من فيلم نرمي أمامهم مع نور الدين الصايل معلومات خاطئة، كالقول مثلاً أن هناك في الفيلم نزعة بريختية، فنرى المعلومة منشورة في صحيفتهم في الصباح التالي".
لقد تحوّلت "روحه المرحة" إلى لعبةٍ صبيانية ليست من مقامه، وصلت إلى حدّ التهكم على زملاء مهنة من المُؤكد بأنهم لا ينفقون مُدخراتهم للسفر إلى مهرجان كان بانتظار كلمةٍ يتفوّه بها الكاهن الأعظم.
ومن هذا الصحفيّ، أو الناقد الغبيّ الذي يتجرأ على الاقتراب من القلعة التي بناها "إبراهيم العريس" حول نفسه، وأصدقائه المُقرّبين الذين هجروا النقد(وحتى المُشاهدة رُبما)، ويسمحُ لنفسه سماع رأيه في فيلم ما، وعلى حدّ معرفتي (وأنا لستُ المعنيّ بهذه التهمة، لأنني لا أتابع مهرجان كان باستمرار) كلّ الذين يتابعون هذا المهرجان لا يحتاجون لرأيه، صحيحٌ بأننا لسنا عباقرة مثله، ولكننا نتابع كتابات هؤلاء، ولا نشعر أبداً بأنها مُستقاة من طرفةٍ لا أخلاقية، ولا إنسانية، وبما أنه لا يقرأ لأحد، كيف عرف بأن هذا الصحفيّ المُفترض كتب تلك المعلومة الخاطئة في صحيفته، إلا إذا كان يُوظف جواسيس ينقلون له تقارير سينمائية عما يكتب هذا، أو ذاك.
لا يهتمّ "إبراهيم العريس" بسرقات الطفيلييّن، والطارئين، فرُبما ـ كما يقول ـ أفضل مما لو كتبوا، ورُبما يقدمون جملتيّن مفيدتين، أما إذا كتبوا، ففي انتظارك الكوارث.
كيف يتوقع هذه الاحتمال القياميّ إذا لم يقرأ لأيّ واحدٍ منهم (ماعدا الأربعة المُصطفين الذين نحترمهم أشدّ الاحترام احترافياً، وشخصياً).
وانطلاقاً من معرفتي بكتابات "إبراهيم العريس"، أؤكدُ هنا بأنه لا يعرف عن السينما التجريبيّة، ولم يشاهد في حياته أكثر من فيلم، ونصفٍ بالصدفة، وعندما يقول عن كتيّبين(7)، أخطأتُ يوماً بتقديمهما له، بأنهما تافهان، ولم يقرأهما بعد، فإنّ هذا الوصف التحقيريّ ينطبقُ عليه تماماً، لأنه لو تصفحهما على الأقلّ، لعرف بأنّ معظم المادة المنشورة فيهما مترجمة عن نصوصٍ لأهمّ العاملين في المشهد السينمائيّ التجريبيّ الفرنسيّ، و"إبراهيم العريس"، في هذا الجانب بالذات، لا يستطيع الصمود أمام أيّ واحدٍ منهم أكثر من خمس دقائق.
وفي دفاعٍ مُسبق عن "زاويته اليومية"، يُؤكد لمُحاوره بأنّ "السرقات الأدبية في العالم اليوم موضوع جامعيّ ضخم جداً يسمّونه "مُثاقفة" في اللغة العربية"، ..
ما رأيّ "إبراهيم العريس" لو سرق أحدهم مقالاته كاملة، ونشرها في أماكن كثيرة، هل يعتبر هذا الفعل الجامعيّ "مثاقفة" أم "عُهراً ثقافياً" ؟.
كان عليه الهبوط من صومعته لبعض الساعات كي يتعرّف على القليل من التخريب الذي يحدث في الثقافة السينمائية العربية، وهو بجهلٍ، أو درايةٍ، يُساهم في تشريعه، ويمنحُ الضوء الأخضر للسارقين للاختباء خلف مفهوم "المُثاقفة" الذي يبتعدُ آلاف السنوات الضوئية عن السرقة، والقصّ، واللصق.
وبعد كلّ تلك الأجوبة، لن أستغرب منه اتهام الآخرين بأنهم لا يشاهدوا فيلماً، أو لا يقرأوا كتاباً إلا إذا كان يعيش مع الجميع في آنٍ واحد، أو تهيم روحه السينمائية في كلّ مكان، ولكنني أعرف، على الأقل، واحداً من هؤلاء "الجهلة" يشاهد في سنةٍ ما يشاهده "إبراهيم العريس" في عشر سنوات.
صحيحٌ بأننا لا نكتب عن أرنست فايكرت، فولفغانغ غوته، بيارو ديلا فرانشسكا، جون آردن، بيتهوفن، سارة برنار، مالرو، سارتر، وفرويد،.. لأننا اخترنا الكتابة عن السينما فقط (وهذا لا يمنعنا من قراءة ما نريد من الكتب)، وهو يعرف بأنّ نقاد السينما في الغرب (الذين ينهلُ منهم كثيراً) يتوجهون في كتاباتهم إلى أبعد من هذا التخصص، فتجد واحداً منهم يهتمُ بسينما الخيال العلميّ، وآخرٌ بسينما بلد معين، أو قارة، وثالثٌ بالسينما التجريبية، ..
ولكن، على الرغم من جهلنا، ندركُ بأنّ القدرة البشرية لا تستطيع قراءة كتاباً في اليوم الواحد يتكوّن من 300 صفحة بلغةٍ عربية، أو أجنبية، وفي اليوم التالي كتاباً من 250 صفحة، وفي اليوم الثالث كتاباً من 400 صفحة، بالإضافة لمُشاهدة الأفلام، وسماع الموسيقى، وزيارة المتاحف،..
نحنُ، بالتأكيد، لا ندّعي امتلاكنا لهذه القدرات الخارقة، لأننا لا نحررُ "زاويةً يومية" في صحيفة كبرى، ولا نضطر للنبش، والبحث في كتاباتٍ أخرى لفبركة مادة في اليوم، أو أكثر.
قبل أن يتقاعد "إبراهيم العريس" من "الحياة"، أقترحُ عليه، بأن يجد الوقت الكافي لمُراجعة أفكاره المُلتبسة عن كلّ شيئ، خاصةً هذه الكراهية المجانية التي يتفننُ في صنعها، وترويجها، فقط، كي يُواجه ربه مبتهجاً، ولا يتحوّل وجهه إلى أرضٍ أصابها زلزالٌ مدمرّ، لقد طعنَ في السنّ قليلاً، ولكنه طعنَ معظم الذين منحوه تقديرهم، واحترامهم بكلماتٍ أكثر حدةً من السكاكين، تستندُ على جهلٍ مُتعمّد، وتجهيلٍ لما يحدث في الثقافة السينمائية العربية.
في يومٍ أغبر، داخل إحدى عربات القطار العائد من "كان" إلى "باريس"، فُوجئتُ بأنّ مقعدي يُجاور مقعده، وكانت المرة الوحيدة التي ارتضى مُرغماً التحدث معي لبعض الدقائق.
ومن المُؤسف بأنني لا أمتلك أيّ دليل، أو تسجيل صوتيّ من تلك المُحادثة التاريخية التي ذكر لي خلالها بأنه "يعيش في الماضي"، بينما يؤكدُ في الحوار بأنه "ابن الحاضر".
هو حرٌ يعيش في الزمن الذي يرتاحُ فيه، ولكن، كان من المُعيب حقاً أن يتحدث باستهجانٍ عن زملاء يسمحُ لهم بالكتابة في الصفحة السينمائية الأسبوعية التي يُشرف عليها:
ـ أدعُ فلان يكتب لأنه حمار، وأنشرُ للآخر لأنه لا يفهم في السينما، أما فلانة، فلأنني أريد تشجيعها، أجدها "خامةً طيبة".
يختتمُ "هوفيك حبشيان" حواره بفقرةٍ تبريرية يقولها مُحدّثه :
ـ من يعرف "إبراهيم العريس" عن قربٍ يعلمُ من هو، ومن لا يعرفه يقول عنه "هذا متعجرفٌ، ومغرور".
وبدوري، أقول بأنه يستحقُ أوصافاً أكثر إيلاماً، وأتساءل علناً:
ـ هل تبقى في داخله بعض الإنسانية ؟.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular