Sep 21, 2010

YEAR 4. ISSUE: 604 | الإخراج وفلسفة الفيلم | فيلم نوار | سينما المرأة | عبد اللطيف كشيش


COVER STORY

لقطة من فيلم «الجثة القاتلة» واحد من خمسة أفلام فرنسية تم إطلاقها مؤخرا على أسطوانات تحت إسم 
Fantomas: The Complete Saga
ما بين 1913 و1914 قام المخرجا الفرنسي لويد فويلاد بتحقيق هذه الأفلام المقتبسة  عن  شخصية ابتكرها  بيير سوفستر ومارسيل ألان في 32 رواية طويلة . بطلها شرير عملاق يرتدي قناعاً أسود قابضاً على مصير باريس بلا رحمة. شخصية فانتوماس السينمائية تختلف تماماً عن تلك الأدبية من حيث أن المخرج ألغى الخلفيات الشخصية ونسج صراعاً قائماً بين الخير والشر على نحو محدد. رينيه نافاري لعب دور فانتوماس والبعض آنذاك صدّق أنه شرير كما الصورة٠

الإخراج وفلسفة الفيلم | 3
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أي فيلم؟
ذات مرّة حين كان هم الإخراج عندي لا يزال فتيّاً وملحّاً سألت الأستاذ يوسف شاهين عن نصيحة فقال لي: "أخرج شيئاً ذاتياً يهمّك. حاجة أنتا عارفها وعاوز تعبّر عنها"٠
إذا وضعنا هذا التفضيل على موضع البحث تبدّت إلينا معالم طريق تختلف عن بضعة خيارات أخرى. هناك مثلاً خيار أن تقدم على فيلم نوع (بوليسي، عاطفي، كوميدي، تراجيدي الخ...)، وهناك خيار أن تختار عملاً مأخوذاً عن سيرة حياة بصرف النظر عن حياة من تلك التي تريد نقلها الى الشاشة. في مختلف الحالات، هناك شروطاً لابد من الإقدام على توفيرها حين اختيار  أي فيلم أقوم بإخراجه وكيف يختلف فيلم أول مرّة عن الأفلام اللاحقة٠

ما هو الموضوع الذاتي؟
هناك شاب في السادسة والعشرين من العمر،  لم يدرس السينما في أي معهد لكنه شاهد من الأفلام وقرأ من الكتب ولديه من الثقة ما يجعله واثقاً من أنه يستطيع تحقيق فيلم روائي طويل. لنقل أن أسمه رياض وأن التمويل أمر محلول ولو أن هذا الإفتراض أمر قليل الإحتمال لكني أريد أن أتجنّب البحث هنا عن كيف سيؤم رياض موضوع التمويل إذا لم يكن يملكه او يعرف من يملكه ومستعد لتمويله
رياض لديه خيار أن يعمد الى فيلم ذاتي الصبغة، اي يستمد من شخصه وذكرياته وهويّته  ورؤيته الملامح الفنية الفيلم، كما التي ستتيح له وجهة نظر قريبة من وجهة نظره هو إن لم تكن هي ذاتها.  لنقل أن رياض عايش بعض المشاكل الواردة في الموضوع التالي:  شاب في الثامنة عشر من عمره توفت والدته قبل سنوات وعلاقته مع أبيه واهية. يندمج في ايقاع شبابي لاهث فيقيم علاقات جنسية لا رابطاً عاطفياً جوهرياً فيها ويؤم الحفلات ويهمل المباديء  التي ساقها إليه والده وآمن بها الى حين خرج الى الدنيا راغباً في الإستقلال عن تلك التعاليم. ذات يوم يدخل عراكاً مع منافسيه علي قلب فتاة ولا يهم إذا ما فاز او خسر (لكل توابع من الأحداث على الكاتب- المخرج ان يحلّها)، هذا يحدث في الوقت نفسه الذي  تموت زوجة أبيه. على رياض هنا أن يمر بفترة  من التساؤل إذا ما كان هذا يهمّه كثيراً او لا. سيواسي والده لكنه لن يشعر بخسارة عاطفية ذاتية لأن الراحلة ليست والدته، لكنه سيستمد من حب والده لزوجته ولفقدانه الجديد كما السابق مادّة تأمّل في حياة أبيه وشخصيته وفي علاقته الخاصّة به ومن ثم معني فقدان الحبيب الخ٠٠٠
 اختلافات
القصّة ذاتها تصلح لأن تكون فيلم نوع. لكن الشروط ستختلف. في الفيلم الذاتي، يجد المخرج لزاماً عليه تفضيل الحالة الشخصية وما تفرزه وما تتعامل به من معاني وأبعاد على الحدث واحداً تلو الآخر. المخرج هنا قد يجد من وقت الكتابة طريقة لأن يُلغي من الفيلم أي مشاهد تُظهر او حتى توضح الحياة اللاهية التي كان الشاب، بطل الفيلم، يخوضها. ربما يختار أن نراه جالساً على شاطيء البحر يتعامل مع فتاة واحدة عوض عدّة فتيات. ربما يجد وسيلة لأن يعكس كل الحياة اللاهية في مشاهد مبتسرة او حتى لقطات متناثرة (سغائر، كؤوس، حمالة نهود، أحلام، موسيقا، تنهدات جنسية الخ...). في الفيلم الذي سينتمي الى النوع (وهنا النوع الأنسب هو الدراما العاطفية) فإن المخرج سيقدم على استئصال ما هو خاص به تماماً وما هو غارق في تجسيد الذات عبر البطل، والإقدام على الحكاية مع استعراض لمراحل حدثية بحيث تصبح الركيزة الأولى لمتابعة الفيلم هي تناوب الحدث  وانتقال المشاهد من حدث يتبع آخر٠
لاحظ أن في كلي الإختيارين تستطيع استخدام أدوات سرد مختلفة. ربما يبدأ الفيلم بالشاب وهو يجلس وحيداً في غرفة او ربما يبدأ الفيلم بمشهد دفن زوجة الأب. او بالأب والإبن وهما يتواجهان او بالإبن يقود سيارته سريعاً في قلب الليل. أي مشهد من هذه المشاهد لن يعني إذا ما كان الفيلم ذاتياً او لا. المعالجة بكاملها واختيار طريقة السرد هي التي ستفعل ذلك٠
ليس هناك تفضيل قائم في هذا التلخيص. الفيلم الذاتي ليس أفضل من الفيلم- النوع لمجرد أنه ذاتي، ولا الآخر أفضل او أسوأ من الأول لمجرد أنه ينتمي الى النوع. كل من النوعين يمر عبر سلسلة شروط، كثير منها متشابه، حتى تصبح النتيجة مقبولة. كذلك هو وهم في أن أحد النوعين يقول عن الإنسان والحياة أكثر من سواه. الفارق الأساسي هو أن فيلم النوع قد يُلبّي حاجة جمهور أعرض  من الفيلم الذاتي، لكن الجماهيرية بدورها ليست أفضل او أسوأ. هي خيار يمكن أن يتّجه الى أي نتيجة من النتائج المترامية..  لكن المخرج الذاتي لديه فرصة تهميش المتوقّعات التي تقوم عليها الحبكة إذا ما اختار الإبتعاد عن الفيلم النوع. اختيار أكثر تحرراً لكيفيات التعبير والإيصال. إذا ما أراد فجأة جعل رياض يركض بلا غاية لفترة طويلة كما لو كان يبحث عن جدار يرتطم به، لاستطاع. في الفيلم المصنوع لجمهور أعرض على ذلك المشهد أن يكون مبرراً أكثر وأن يكون ذي فترة زمنية أقل٠
كما لو أن كل ما سبق لا يكفي لتعقيد العلاقة بين الطرفين، هناك احتمال أن يقص المخرج وضعاً تاريخياً من منظور شخصي. يوسف شاهين عمد الى ذلك في »المصير« كما في »المهاجر« كذلك  المجري ميكلوش يانشكو في »طرب مجري« و»العشاء الأخير على صهوة حصان عربي رمادي« (اخترت المخرجين لتقارب مفرداتهما اللغوية). في الحقيقة، يوسف شاهين عمد الي ذلك في غير هذين المثلين مازجاً ما يحكيه في فترة تاريخية محددة بمشاعره الخاصّة نحوها ونحو معطياتها فإذا بفيلم »المصير« (مثلاً) الذي يدور في العصر الأندلسي يتحدّث عن طروحات تمر بها الحياة المعاصرة مثل انفتاح الإسلام على الآخرين او وضع الثقافة وحرية التعبير في كلا الزمنين٠
ثم تزداد المسألة تعقيداً إذا ما تعاملنا مع مفردات الصورة وتكوين الكادر واللقطة وكيف يمكن للقطة الواحدة ان تنتمي الى هذا النوع او ذاك. هذا ما سأحاول تفسيره في المرّة المقبلة٠


ملاحظات أولى حول "الفيلم نوار"٠


مقدّمة ذاتية
.......................................
الفيلم نوار هو البلوز بالنسبة للموسيقا. حين تشاهد رجلاً في ضوء شاحب يجلس على حافة سريره او إمرأة تقود سيّارة في قلب الليل وحيدة الا من هواجسها، او رجل يقف تحت مصباح واحد في طريق مظلم فإن ما لديك هو تأليف فني وسينمائي من الدرجة الأولى يتعامل وصياغة تعبير مجسّم لحالة كل ما يظهر في الصورة: الشخص، الغرفة، السرير، المرأة، السيارة، الطريق، الشارع، الفضاء المظلم الخ٠٠٠

لا أدري لماذا تسحرني تلك المشاهد التي تعيش فيها الحياة بأبسط أنفاسها. تلك التي تكثّف الحالة الإنسانية الى وتر وكلمة وصوت ولقطة وضوء. المشهد الوارد في "فيلم نوار" لا مثيل له في أي فيلم آخر، وهو الفرق بين الحزن والسعادة. الحزن لا يعني النحيب والندب ولطم الخدود والبكاء ... كل تلك المظاهر زلات نفسية نحو حضيض عاطفي ليس أبعد وأصدق تعبيراً من رجل يبتعد عن المكان وحيداً. يشمله الظلام او يشمله ضوء النهار الرمادي. آخر يشعل سيغارة ويرمي نظرة وداع على مشهد مألوف او ثالث يتعامل بحدّة مع وضع شائك. الفيلم نوار هو »اللوك« الذي يقصد المخرج منحه للفرد، للمجموعة، للعالم٠
الفيلم نوار هي المشاعر المسكونة بالهم التي تجد في المطر والأضواء الشاحبة والسعي المقرون بالشك والريبة والعزيمة والحيرة أبجديات تتعامل معها وتصاحبها٠
دائماً كنت أتساءل عن كيف يشعر الإنسان السعيد كما يتساءل البعض منا عن كيف يمكن ملاح الفضاء أن يشعر وهو يحط على القمر. طبعاً أضحك كثيراً وأسعد بمقابلة أصدقائي، لكن اللحظات الغامرة هي تلك التي أنظر فيها الى نوافذ مغلقة لاتساءل ما وراءها. الى أفق بعيد لكي استشف المستقبل او الى المطر لأتساءل ما إذا كانت كل نقطة مطر تمر بتجربة منفصلة من حين ما تترك السحابة حتى ارتطامها بالأرض. هل الحياة هي فعلاً كما نراها. هل نحن جزء منها او نحن جزء من وهمها. ومن هذه الأفكار وسواها، مصحوبة او غير مصحوبة بأغنية من نينا سايمون او جون لي هوكر او فردي كينغ، تراني  أجد أن القيمة الأكبر في الحياة هو الإختلاف عن السائد. ومع أني لا أريد مقارنة نفسي بالآخرين، الا أن معظم المبدعين أناس وحيدون غير سعداء بالمعنى المتعارف عليه. لكي تخرج فيلماً جيّداً، نوار او غير نوار، عليك أن تكون إنساناً مختلفاً. عدم الرضى عن الحالي والسائد هو أحد ميزاته الأهم٠
.........................................
أكثر من تصنيف
الفيلم نوار هو نوع أميركي هوليوودي من السينما مشتق من السينما البوليسية تم إطلاقه من بداية الأربعينات. بما أن الحرب العالمية الثانية كانت مشتعلة في أوروبا، لم يتسن للفرنسيين (وباقي الأوروبيين) مشاهدة أفلام هذه الموجة الا من منتصف الأربعينات وصاعداً. والأسطورة تقول أن النقاد الفرنسيين لم يدروا ماذا يطلقون على هذا النوع الجديد فسمّوه »الأسود« او »الداكن«. على عكس ما قيل سابقاً، فإن الكلمة استخدمت من قبل لكن في وسيط مختلف. في الثلاثينات سمّى الفرنسيون روايات رايموند تشاندلر وجيمس م. كاين وداشل هاميت ومن لف لفّهم من الروائيين الموسوسين بالتحري الخاص والأجواء المعتمة  نفسياً وطقسياً للعالم الذي يعيش فيه بـ »سيري نوار«
Serie Noire والأجواء المعتمة نفسيا وطقسيا للعالم الذي يعيش فيه بـ "السلسلة السوداء« او
  بالنسبة لبذور الفيلم نوار في هوليوود، فإن بعض التشكيل الفني يمكن استشفافه من السينما التعبيرية الألمانية. في الحقيقة أصول الفيلم نوار موجودة في أكثر من حالة او وضع، فهي في الأدب من ناحية، وفي تلك التجارب الفنية التعبيرية المشار إليها، وكذلك في الجو الحائر الواقع بين تجارب اجتماعية وسياسية من الحرب العالمية الأولى والعودة الى اميركا بشعور من البطولة الوقّادة، دخولاً الى الإنهيار الإقتصادي وصنع هزيمة الحلم الأميركي لأول مرّة، ثم الصعود الإقتصادي من جديد مصحوباً بآمال تداخلها الشكوك حول ماهية المجابهة الفردية مع القوّة الصناعية والإقتصادية التي بدأت تتبلور، ثم دخول حرب كونية جديدة. الفيلم الوطني هو الفيلم السعيد في كل الظروف: البذل يؤدي الى نجاح والتضحية الى النصر والخطوات الثابتة توصل صاحبها الى ما يبتغيه.  الا في الفيلم نوار. إنه النظرة الأكثر واقعية للجانب الآخر مما هو مزخرف ومضي. الأنواع الأخرى كانت تدور، في غالبها، عن الحلم الأميركي. الفيلم- نوار عن الكابوس الأميركي٠

.........................................
العلاقة الألمانية
بعد الحرب العالمية الثانية تحرّكت هوليوود صوب الفيلم الملوّن والفيلم الإستعراضي والكوميديات العاطفية. الوسترن بقي له وضعه الخاص. الأفلام الحربية، في معظمها، كان مع الحرب او على الأقل مع الجندي الأميركي فيها. ارتباط الفيلم نوار بالحرب العالمية الثانية هو نوع من التوأمة. في مطلع الأربعينات كان هناك ذلك التعليق الإجتماعي التقى او تأثر بها او لا
هناك شبه إجماع على أن الفيلم النوار الأول هو »غريب في الطابق الثالث«   
Stranger on the Third Floor
لبوريس إنغستر (1940) وبطولة بيتر لوري في دور مجرم هارب من وجه العدالة بينما يقبع صحافي  بريء  (جون ماغواير) في قبضة البوليس متّهماً. هذا البريء هو الوحيد الذي يستطيع التعرّف على المجرم ما يفرض على صديقته (مرغريت تاليشت) القيام بملاحقة المجرم بنفسها بغية كشفه مع مطاردة في النهاية تقع في الشوارع بين رجال القانون والفتاة من ناحية والمجرم الهارب خلالها تصطدم عربة زبالة بالشرير فيقع أرضاً مصاباً. وقبل أن يلفظ أنفاسه يعترف بجرمه٠
كان هذا الفيلم الأول من المخرج غير المعروف انغستر الذي وُلد في روسيا سنة 1903 ودخل السينما كاتباً ثم استمر فيها منتجاً باستثناء ثلاثة أفلام أنجزها مخرجاً عن سيناريو لكاتب جيّد أسمه فرانك بارتوس. لكن الفيلم، وهو متوفّر بحدود، يستند الى ملامح تعبيرية ألمانية  أكيدة. بيتر لوري نفسه كان بطل فيلم فريتز لانغ «م» الذي أخرجه فريتز لانغ سنة 1931 في ألمانيا وفيه تركيبة من المواقف الشبيهة فلوري قاتل أطفال والنصف الثاني من الفيلم يقضيه مُطارداً٠


سينما المرأة تنتعش إخراجاً وتمثيلا

بخروج صوفيا كوبولا بجائزة السعفة الذهبية من مهرجان فنيسيا في الأسبوع الماضي عن فيلمها »مكان ما« وبصرف النظر عن نوعية فيلمها واستحقاقه او عدم استحقاقه، تنجز المخرجة نصراً يوازي النصر الذي أنجزته قبلها المخرجة كاثرين بيغلو عن فيلمها «خزنة الألم« حين فازت بأوسكار أفضل فيلم في مطلع هذا العام، ولو أن فيلمها مرّ مرور الكرام حين عرض قبل ذلك في المهرجان نفسه٠
الى ذلك، فإن فوز كوبولا وبيغلو يُلاحظ من زاوية مهمّة أخرى: هناك عدد متزايد من المخرجات اللواتي بتن قادرات على انتزاع الجوائز او- على الأقل- إنجاز أفلام تجذب إليها إعجاباً طاغياً. ليس أن الأفلام التي أخرجتها النساء سابقاً لم تشكّل أي أهمية، لكن سنوات مرّت على آخر مرّة بدا فيها أن هناك ظاهرة من المخرجات الجديرات تحققن أفلامهن في فترة متقاربة ما يشكّل ذلك من حضور واضح ومهم٠
في مهرجان فنيسيا نفسه هذا العام دار الحديث حول فيلم وسترن مختلف شكلاً ومضموناً بعنوان »انقطاع ميك« للمخرجة كيلي رايهارت. وكان ختام الدورة من مسك إذ قدّمت المخرجة جولي تايمور فيلماً لافتاً بعنوان »العاصفة« مأخوذاً عن مسرحية وليام شكسبير٠
ومهرجان فنيسيا هذا العام كان حط مبارزة كبيرة بين الممثلات أيضاً. فقبل أن تفوز أريان لَبد بجائزة أفضل ممثلة عن الفيلم اليوناني »أتنبرغ«، سطعت الممثلة الأفريقية  ياهيما توريس عبر فيلم عبد اللطيف كشيش »فينوس سوداء« على الرغم من أنها لم تظهر على الشاشة من قبل (خلفيّتها الفنية مسارح باريس) وقبلها تحدّث المحتشدون من اليوم الأول عن نتالي بورتمن كمرشّحة رئيسية لجائزة أفضل ممثلة، وحتى كاثرين دينوف، التي شبعت جوائز وتقديرات، وجدت نفسها تتطلّع الى احتمال أن تفوز هي بالجائزة المذكورة٠
كل هذا يساهم في تشكيل سنة ثرية من الإنجازات النسائية في السينما.  ففي الأشهر الإثني عشر الماضية تابعنا أعمال عدد متزايد من المخرجات ومعظمهن جديدات في المضمار. هناك لون شرفيك التي قدّمت الفيلم البريطاني »تعليم« والأرجنتينية لوكرسيا مارتل المسؤولة عن فيلم »إمرأة بلا رأس«، والروسية التي تعمل في الولايات المتحدة ليزا شولودنكو التي عرضت في مهرجان "كان"  فيلمها الثاني «الفتيان بخير«، ثم نيكول هولوفسنر صاحبة فيلم «الرجاء امنح« الذي عرضه مهرجان برلين٠
والأساليب التي تروي من خلالها المخرجات أفلامها تختلف كما تختلف أساليب كل مخرج رجل عن الآخر. على ذلك، هناك ساتراً تلتقي المخرجات تحته وهو محاولة تجاوز عراقيل صناعة يديرها الرجال وينصرف معظم من فيها من المنتجين لتحقيق أفلام جماهيرية عادة لا تثير رغبة المخرجات في تقديمها٠
على ذلك نلاحظ كيف أن كاثرين بيغلو صاحبة «خزنة الألم» تؤم تصوير سينما الأكشن كما يفعل الرجل وتتفوّق على عدد من المخرجين الذكور في هذا المجال. أما صوفيا كوبولا فتعمد الى المواضيع الناعمة عادة كما الحال في »مفقود في الترجمة« و»مكان ما». أما جولي  تايمور فهمّها تقديم موزاييك فني كبير وتنجح كثيراً في ذلك كما فعلت في »تايتوس« الذي انصرفت فيه الى واحد من أعمال شكسبير الأقل انتقالاً الى السينما من معظم ما كتبه، و»فريدا« وصولاً الى فيلمها الحالي »العاصفة«٠
والتمايز والإختلاف كان دوماً صفة لازمة بين العديد من المخرجات أيضاً. سينما الفرنسية أغنيس فاردا تختلف عن سينما كلير دنيس (وكلتاهما أنجزتا جديداً في العام الماضي)٠
كذلك القول بالنسبة للمخرجة النيوزلاندية جين كامبيون (وقد قدّمت في العام الماضي  «نجمة ساطعة» لكنها سابقاً ما حققت فيلماً أفضل منه هو «البيانو«٠
من أوروبا الشرقية لا تزال الراحلة لاريسا شوبتكو من بين أفضل من وقف من المخرجات وراء الكاميرا، والمخرجة البولندية أغنييسكا هولاند تليها في تصميم أعمال متميّزة، ومن الهند ميرا ناير وديبا مهتا  وغوردينر شادا والثلاث حققن افلاماً متوسّطة الى مقبولة لكن اللافت كيف أنهن خرجن من قلب صناعة الفيلم الهندي الى العالمي٠
والحقيقة أن القائمة تطول حتى ولو اكتفت بذكر من هن ناشطات اليوم في هذا المجال، فهناك لجانب من تم ذكرهن جودي فوستر وسوزان باير وكاثرين بريات وكاسي ليمونز وربيكا ميلر وجيليان أرمسترونغ وآن فونتين. لكن كما أن هناك لامعات وجادّات هناك المخرجات التجاريات اللواتي  يقدّمن الترفيه ويقدمونه على نحو رديء مثل نورا أفرون وبينيلوبي سفيريز وآمي هكرلينغ وبيتي توماس٠


اسئلة عاصفة تلاحق المخرج عبد اللطيف كشيش


 لن يمر فيلم عبد اللطيف كشيش مرور الكرام أمام المهرجانات التي ستقوم بعرضه من الآن وحتى نهاية هذا العام، فهو بقدر ما يطرح نقاط نقاش، بقدر ما يُثير أخرى ربما لم يقصد طرحها. وبقدر ما يوجّه بوصلته صوب نقد نوع من الممارسات العنصرية التي تتعرّض إليها بطلة الفيلم، بقدر ما سيثير حنق الذين سيرون في منواله موقفاً عنصرياً مضاداً٠
الفيلم هو »الفينوس السوداء« الذي يتناول شخصية حقيقية  لإمرأة، تحمل إسم ساراك وتكنّى أحياناً بإسم سارا،  تم شحنها من جنوب أفريقيا الى لندن العام 1810 حيث يتم عرضها على خشبة مسرح صغير للعموم من نساء ورجال وأطفال جاؤوا "يتفرّجون" على ذلك المخلوق الأنثوي، "المتوحش"  كما يقول مقدّم البرنامج  وهو يمسك بالسوط ويضرب الأرض كما يفعل اولئك الذين يوجّهون النمور في السيرك. وهو سيرك بشري ذاك الذي يتم تقديمه ومهين يفرض علينا المخرج متابعته حتى نهايته (ويعود اليه في مقتطفات فيما بعد). بطلة الفيلم في نهاية الأمر هي الضحية وليس المشاهد طبعاً. إنها تُعامل كحيوان وتؤدي "نمرة استعراضية" مهينة لها وليس هناك من يمنحها حق التعامل كإنسانة. تعيش في رتابة تدمن خلالها على شرب الخمر لكي تنسى وتتحرّك بصعوبة لتؤدي ما يطلب منها من دور لتسلية جمهور لا يكن لها سوى نظرته للغريب والمستهجن. لكن كشيش لا يلوم الجمهور بقدر ما يلوم اصحاب »البزنس« المتاجرون بها. وسوف نراها تنتقل من عهدة ذلك الرجل الأول  الذي يدافع عن نفسه في محكمة بالتأكيد على أن ساراك ليست عبدة او رقيقة بل شريكة في عمله، الى عهدة رجل آخر أكثر توحّشاً ينزع عنها آخر ما تبقّى من حقوقها كإنسانة. هذا قبل أن تلجأ، وقد أصبحت في باريس، الى دخول بزنس آخر هو العهر في منزل "مدام" فرنسية يضم نساءاً من اماكن عديدة، ثم الى المهنة ذاتها تلتقط زبائنها من على الشارع الى أن تموت في دارتها الصغيرة. هنا ننتقل مجدّداً الى البروفسور الذي يحصل على الجثّة ليكمل أبحاثه التي لم يستطع إكمالها حين طلب من ساراك خلع كامل ملابسها فرفضت حين كانت لا يزال متاحاً لها قدراً من الكرامة
إنها قصّة حزينة مأخوذة من الواقع لا ترفع سوطها عن ظهور الإنسان الأبيض ومع كل ضربة تظهر القدر الكبير من الحس والفعل العنصريين اللذين سادا معاملته لحقب تاريخية مختلفة. هذا كله جيد ومثير للإهتمام ويصنع فيلماً لا يمكن التغاضي عما يوعزه من قوّة تأثير وحدّة نقد. لكن هذا كله لا يعني أن الفيلم جيّد كعمل سينمائي٠
وكان  المخرج عبد اللطيف كشيش (وهو فرنسي من أصل جزائري)  حصد جوائز عدّة من فيلمه الأخير «كُسكُس بالسمك»: فيلم دار حول حياة مهاجر جزائري من الجيل الأول سيفتتح مطعماً يقدّم هذا الطبق خصيّصاً فوق مركب راس في ميناء مرسيليا حيث يعيش وعائلته المترامية ومن بينها مطلّقته وعشيقته. لكنه على آخر قدمين له في هذه الحياة من دون أن يدري. تسوده مسحة حزن من مطلع الفيلم لها دوافعها ومبرراتها ويؤسس أسلوب المخرج له صرحاً من الحضور الإنساني والواقعي المهم كيفما نظرت إليه. لكن هذا الإعجاب بالفيلم السابق غالباً لن يتكرر مع هذا الفيلم٠
أحد أهم المشاكل التي تعتريه أن هذا الكم من النقد للمفهوم العنصري للإنسان الأبيض ظهر في الدقائق العشر الأولى من الفيلم، تلك التي أمضيناها في صحبة البروفسور وتلامذته. ثم تأكدت في الإثني عشر دقيقة الأخرى التي تابعنا فيها التقديم اللا إنساني الأول على المسرح. بعد ذلك، سيعاود المخرج تكرار المفادات جميعاً مرّة بعد مرّة من دون وجود مادّة قصصية فعلية٠
لكن على صعيد آخر، فإن اتهام الأوروبيين بالعنصرية سيثير ضدّه التهمة ذاتها ولو من باب الدفاع عن النفس بالهجوم بالسلاح نفسه. الى هذا، فإن البعض أثار خلال عرض الفيلم في مهرجان فنيسيا مؤخراً أن الفيلم يعرّض بطلته الأفريقية الى ما تعرّضت اليه الشخصية التي تمثّلها ما يعني أنه أخفق في التعبير عن الموضوع بطرق فنية. إنه، بكلمات أخرى، مثل أن يعادي فيلم ما العنف بتصوير العنف المباشر ما يزعج المشاهد بسبب تجسيده عوض الإيحاء به٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular