Sep 9, 2010

Year 4. Issue 601| Balada Triste de Trompeta | The Town |لهيب تورنتو | ظلال |


VENICE daily 12
مهرجان فنيسيا يشعر بلهيب تورنتو
الفيلم الإيطالي المتسابق «العاطفة» أحد الأفلام المتوجهة الى تورنتو  مباشرة من فنيسيا





ضعف مهرجان تورنتو هي قوّته في الوقت نفسه٠
ذلك الضعف هو أنه ليس مهرجاناً شبيهاً بالمهرجانات الثلاث الكبيرة وهي برلين وكان وفنيسيا ولا بما يأتي بعدها، بل هو مهرجان قائم على عروض ولا شيء سوى العروض بلا مسابقة وبلا جوائز وبالتالي بلا توقّعات تشغل بال أحد. هناك قسمان فيه: أفلام برميير يعرضها قبل سواه حول العالم، وأفلام سبق لها أن عرضت في مهرجانات او مناسبات سابقة. وهذان القسمان ليسا مبرمجين على أساس التمييز بينهما، بل يختلط برنامجه، وأتحدّث هنا بخبرة الأعوام التي قضيتها في ضيافته طوال التسعينات وعدة سنوات من هذا العقد، مع عروض احتفالية بالنسبة لتلك الأفلام التي لم يسبق عرضها من قبل مخصصة للمدعوين ويؤمها السينمائيون المشتركون في صنعها٠
هذا ليس للقول أن برمجته مفتوحة بلا تظاهرات تنضوي تحت عناوين محددة (السينما الكندية،  جنون منتصف الليل، مخرجون سادة، من فيلم الى فيلم الخ...) لكن تعبيراً عن الشكل العام الذي يرتديه مهرجان تورنتو بنجاح في كل سنة٠
هذا ليس ضعفاً الا من حيث أن الناقد او الهاوي الذي يشاهد أفلام المهرجانات الكبيرة الأخرى لا يكترث بعد ذلك للذهاب ومشاهدة أفلام تورنتو لمتابعة ما لم يعرض في تلك المهرجانات. لا يجد حافزاً قويّاً لذلك خصوصاً وأن العديد من الأفلام البرميير في تورنتو تختاره كمحطة انطلاق لعروضها التجارية الواردة خلال الأشهر القليلة المقبلة٠
على ذلك، فإن كل هذه الجوانب المتعلّقة بتورنتو تمنحه قوّة مهيمنة لا خلاف عليها. فمن الزاوية ذاتها، يمكن أوّلاً القول بأن من فاته واحد من هذه المهرجانات الرئيسية او ما يليها (لوكارنو، كارلوفي فاري، موسكو، سان سابستيان الخ٠٠٠) يستطيع أن يجدها معروضة في تورنتو. وذات يوم كان المهرجان يرفع راية أنه مهرجان المهرجانات، لكن ذلك حين كان لا يزال يجمع معظم برمجته من أفلام المهرجانات الأخرى، اما تورنتو الجديد من مطلع التسعينات والى اليوم، فهو قائم بذاته وأكثر من أربعين برميير في كل سنة تؤكد ذلك٠
الى هذا، فإنه يقع في مطلع الموسم الخريفي وهو موسم الجوائز والمناسبات والعروض التالية لموسم الصيف من أفلام كوارثية وخيالية وذات قيمة جماهيرية محضة. الموزّعون يؤمّونه أكثر مما يؤمّون أي مهرجان آخر بإستثناء كان وبرلين والأسواق السينمائية في جنوب شرق آسيا. هم هناك بدءاً من اليوم وجزيرة الليدو أخذت تشهد انحسار عدد حاضريها نظراً لأن العديد من المنتجين والموزّعين حزم أمتعته وركب الطائرات بإتجاه القارة الأميركية٠
قوّة تورنتو الأساسية تتبدّى، لجانب ما سبق، في ناحيتين: الأولى أن الجميع يتحدّث عنه في فنيسيا من زوايا مختلفة، أكثرها انتشاراً ظاهرة الأفلام التي تنطلق هنا لتسافر الى الشاشة الكندية حيث يتم عرضها هناك بفارق أيام قليلة، وذلك من فيلم الإفتتاح »بجعة سوداء« الى  ما تلاه مثل «في مكان ما» و»البلدة« و»الطريق الى لا مكان» و«الفينوس الأسود« و»ميرال« و«العاطفة»  و»ثلاثة عشر محارباً« وكلها من تلك التي عرضت في المسابقة وهناك حفنة أخرى من الأفلام المتنافسة على الأسد الذهبي هنا والعديد من الأفلام المعروضة في مسابقات ثانوية او أقسام مساندة. الحديث عن تورنتو في حاضرة مهرجان آخر هو واحد من قواسم مشتركة محدودة يدور النقاش فيها بين النقاد والسينمائيين ما يثبت أن تورنتو حاضرة في فنيسيا خصوصاً وأن المهرجان الكندي ينطلق في التاسع من الشهر الحالي، يومين قبل نهاية فنيسيا٠
الناحية الثانية، هي أن العديد من الأفلام التي تشهد عروضها الأولى في تورنتو أفلام لافتة لم يختر أصحابها التوجّه بها الى أي مهرجان آخر بما فيها مهرجان مونتريال الذي انتهى قبل أيام قليلة  بمنح الفيلم البلجيكي »اكسجين« لهانس فان نوفل جائزته الأولى  والذي ترأس لجنة تحكيمه المخرج الدنماركي بيلي أوغست.   مونتريال من ناحيته يواجه ازدحام الأيام المتعارضة مع فنيسيا وقربه من المهرجان الكندي الآخر تورنتو، كذلك من أنه لم يستطع، خلال السنوات العشر الأخيرة على الأقل، الإرتفاع أكثر عما هو عليه من مستوى بين مهرجانات العالم. مهرجان محترم، فيه أفلام جيّدة، لكن الهالة من حوله تكاد تكون مفقودة بسبب من منافسة المهرجانات الأخرى وقوّتها٠
من تلك الأفلام التي لن يرها حالياً الا اولئك الذين سيقصدون تورنتو فيلم »عضة أدلر« للكندي فراس موماني، وُصف بأنه غرائبي من نوع جديد. هناك الفيلم البريطاني »أفريقيا متحدة« لدبس غاردنر-باترسون  الذي يسرد جانباً آخر من جوانب كارثة الحرب السابقة في رواندا. »بعد الهزّة« للصيني فنغ زياوغانغ مأخوذ عن رواية وضعها الصيني- الكندي زانغ لينغ تتعامل والتاريخ الصيني، في حين  أن الفيلم القادم من جنوب أفريقيا، وعنوانه »بانغ بانغ كلوب« لستيفن سيلفر هو تاريخ انتقال البلاد من النظام العنصري السابق الى ذلك الذي تتنعم به جنوب أفريقيا الى اليوم٠
ويتحدّثون إيجاباً عن فيلم »بلوك سي« التركي لزكي دميركوبوز  و»برايتون روك« البريطاني لروان جوفي. الأول بسبب تناوله محنة اجتماعية لسكّان مبنى سيتم تهجيرهم منه والثاني لكونه اقتباس عن رواية لغراهام غرين نشرت سنة 1938  حول حياة الجريمة في لندن ذلك الحين٠
أفلام اليوم

Balada Triste de Trompeta **** | إنشودة الترمبيت الحزينة
إخراج:  أليكس دي لا إغليزيا
أسبانيا |المسابقة


لهذا الفيلم مقدّمة من نحو عشر دقائق تقع أحداثها في مدريد سنة 1937 وهي من الحيوية والقدرة على شحن المواقف بالبصريات المشغولة جيّداً وبإيقاع هادر ومناسب ما تتمنّى معه لو أن كل الفيلم هكذا. لكن بعد المقدّمة ينتقل الفيلم الى العام 1973 وتخف تلك الحيوية ليمر الفيلم بمرحلة من تأسيس الحكاية التي سنراها. من حسن الحظ أن المخرج لا يترك المرحلة تستولي على الفيلم  ويستعيد النشاط الذهني والبصري لينقض على حكايته ليخلق منها عملاً هو في كثير من نواحيه غير مسبوق٠
التمهيد يقع في واحدة من سنوات الحرب الأهلية الأسبانية بين القوّات الحكومية التابعة للجنرال فرانكو وبين المناهضين له. هناك سيركاً جوّالاً وإثنين من المهرجين يعتليان المسرح لتقديم نمرتهما أمام جمهور
ضاحك (شبيه بمشهد فيلم عبد اللطيف كشيش في الدقائق الخمسة عشر الأولى من فيلمه »فينوس أسود« الذي استعرضناه في عدد يوم أمس). لكن فجأة هناك أصوات قذائف واطلاق نار وطائرات تزجر في الأجواء، ثم تدخل قوّات الثائرين على حكم الجنرال فرانكو التي تبحث عن مزيد من الرجال تضمّهم الى رجالها المتساقطين بكثرة بفعل غزارة نيران الطرف المناويء. وما تلبث أن تقع معركة كبيرة بين الثائرين، وقد انضم إليهم المهرّجان، وبين القوات الحكومية تنتصر فيها الأخيرة  وتنفذ أحكام إعدام فورية بعدد منهم. أحد المقبوضين عليهم هو أحد هذين المهرّجين وهو أب  لولد أسمه باياسو  بنظّارة طبيّة وهو يطلب من إبنه الإنتقام.  هذا الإنتقام لا يأتي متأخراً ونتيجته أنه يفقأ عين أحد القادة العسكريين ويهرب٠
هنا ننتقل الى ست وثلاثين  سنة لاحقة والولد صار رجلاً استغنى (بطريقة غامضة) عن نظارته الطبيّة وأصبح بديناً ولا يزال يعمل مهرّجاً (سانتياغو سيغورا) ها هو ينضم الى سيرك جوّال يديره مهرّج آخر أسمه سيرجيو (أنطونيو دي لا توري) ويضم فتاة جميلة أسمها نتاليا (كارولينا بانغ). أول ما تقع عينا باياسو على نتاليا يخفق قلبه بالحب. لكن أحد المساعدين يحذّره من أنها في عهدة سيرجيو وسيرجيو ليس في وارد السماح لأحد بالإقتراب منها. وهو يحذّر باياسو: "أذهب الى النهاية من أجلها"٠
لكن ماذا تفعل بالحب إذا سطا؟ في »إنشودة الترمبيت الحزينة« تعرّض نفسك لبطش سيرجيو الذي ينفعل ساديّاً كلّما شرب او غضب او شعر بأن نتاليا قد تفلت من بين يديه. في أحد الأيام لا يتوانى باياسو عن الغضب بدوره فيضرب سيرجيو بعنف ويشوّه وجهه. هذا قبل أن يتلقى من الضرب ما يدخله المستشفى بدوره٠
عند هذه المرحلة تتصاعد الأحداث مجدّداً كاشفة عن قصّة صراع بين مهرّجين (واحد طيّب القلب والآخر شرير ما يذكّرنا بدور نتالي بورتمن في «البجعة السوداء« التي عليها أن تؤدي شخصيتين بيضاء وسوداء)  واقعين في حب إمرأة واحدة. المثير أن باياسو ليس بطلاً صنديداً ومقاتلاً محترفاً ولا حتى بالرجل الشجاع، لكن حبّه يمدّه بما يلزم من حين هروبه من المستشفى الذي أودع فيه وحتى النهاية التي تقع على ارتفاع عشرات مئات الأمتار عن سطح الأرض والتي تشهد المواجهة النهائية بين المهرّجين. قبل ذلك هناك  دخول مقنع للضابط ذي العين الواحدة الذي لا يزال يبحث عن باياسو ويلتقطه في إحدى الغابات بينما كانت الخنازير الوحشية تستعد لتناوله على الغذاء. ينقذه ليحوّله الى كلب صيد  هذا قبل أن يزداد جنوح باياسو وينقض على الضابط ومعاونه ويقتلهما، ثم يشوّه وجهه بنفسه ليصبح المقابل الند للمهرج الشرير الذي كان باياسو تسبب في تشويه وجهه حين ضربه بلا رأفة بالترومبيت التي في عنوان الفيلم (وبعض موسيقاه)٠
الملخص لن يفِ بالسبب الذي من أجله هذا الفيلم يستحق الإعجاب. إنه فيلم حول موضوع ينزف حديثاً عن الحب الممنوع في زمن الدكتاتورية . الأبعاد الرمزية متوفّرة بكل اتساعها من دون أن تعرقل مسيرة الفيلم صوب وضع خاص نجد فيه الكوميديا والرومانسية والتشويق (وبعض نماذج سينما الرعب) في صياغة مثيرة للإعجاب. الفتاة، كما لا يخفى على المشاهد، هي أسبانيا. المهرّج الطيّب (ذلك الحزين) هو المعارضة لفرانكو والمهرّج السعيد هو اليمين الأسباني و... هاهي أسبانيا الأمس على صحن متخم بالمشاهد  المعالجة في تكوينات تجريبية وسوريالية ورمزية متوالية٠
لكن هناك ضحايا لأسلوب المخرج دي لا إغليازا المشبع بما يشغل العين في مقدّمتها السخرية المقصودة ذاتها، فهذه تقع على مسافة بعيدة مما يدور على الرغم من أن المخرج يريدها قريبة ويرغب في تحويلها الى عنصر رئيسي. كذلك فإن بعض العنف المتفجّر يحد من وصول حالة فنيّة أرقى فيما لو عمد المخرج للتخفيف ولو أن ذلك كان سيحدث عدم توازن في عناصر الفانتازيا الداكنة التي يعمد إليها بنجاح٠
  ***  ظلال
إخراج: ماريان خوري، مصطفى الحسناوي
مصر | خارج المسابقة

من دون تعليق صوتي ومن دون الحاجة الى تفعيل ما هو ماثل أمام الشاشة، يقوم المخرجان المصرية ماريان خوري والمغربي مصطفى الحسناوي بتحقيق فيلم  وثائقي يملؤه الحزن والكثير من الشجن حول موضوع قد لا يغرب عن البال قريباً، فتبقى صور حالاته المطروحة علينا ماثلة ومؤثرة- كما يجب أن تكون٠
يدخل الفيلم مصحّة العبّاسية للأمراض النفسية او ما نصطلح على تعريفه بـ "مستشفى المجانين". لا تتوقّع أن يسجّل الفيلم حالات من الفوضى والغضب والخطر، وهو أيضاً ليس ضوضائي الصوت ولا فيه ناياً يعزف لحنا حزيناً ولا أصابع أتهام موزّعة في كل الإتجاهات او دفاعاً عن المجانين كشخصيات هامشية أسقطها المجتمع من حسابه. هذا كلّه لا يهم الطرح الثابت الذي يؤمه المخرجان بغاية نجدها في التعريف بالحالات الماثلة وبحكاياتها الغريبة. بالشخصيات التي تؤلّف مجتمعاً مختليا بنفسه. فيه شخصيات تُحب وشخصيات تُكره وثالثة رمادية وباهتة لا يشعر بوجودها أحد بمن في ذلك المرضي الآخرون٠
القصص المختارة مثيرة للإهتمام بسبب تنوّع مصادرها، مثل تلك الفتاة التي لا تعتقد أنها تشكو من شيء سوى قسوة المجتمع خارج المستشفي (تصفه بالسجن) فتقول: "هم هناك المجانين وإحنا لأ"، وهي نفسها التي لا تذكر من ليلة دخلتها الا الطريقة الخالية تماماً من الحب التي عاملها بها زوجها. بينما يتّضح أن مريضة أخرى أكبر منها سنّاً تكذب حين تصف أن زواجها كان رومانسياً. ومثل ذلك الرجل الذي يتحدّث مع نفسه متصوّراً أنه رسول منزل حيناً وحليفاً للشيطان الذي في داخله حيناً آخر. او مثل ذلك الذي قرر الطبيب أن لا داعياً لبقائه في المستشفى فيبدأ بالإتصال بأقاربه ليخبرهم ما يريد منهم إحضاره يوم  خروجه٠
لكن البداية وحدها مدهمة: رجل في العشرينات الأخيرة من عمره بسروال داخلي مقيّد اليدين بصحبة أبيه الذي يشرح للطبيب، ثم للكاميرا، أفعال إبنه التي باتت تستوجب وضعه في المستشفى ومنها ركضه في الشارع عرياناً تماماً، وتعرّضه لشقيقته بالضرب المبرح وأحياناً بتحسسها في مواضع  أنوثتها، والأب يبكي لمصابه وللمشاهد أن يتخيّل أن أباً يدخل إبنه مصحّة نفسية فإذا بالفعل الماثل كحل لا خيار فيه يتبدّى أيضاً كمأساة ضمن مأساة٠
والركض عارياً نسمعه في حكاية مريض آخر، لكن ما يتكرر أكثر من مرّة هو الغناء والأناشيد. معروف عن المصريين حبّهم للغناء والتراتيل والأناشيد على اختلافها، والمجانين منهم، او على الأقل ذوي الشخصيات التي فقدت صوابها، لا يختلفون في ذلك أجادوا او لم يجدوا٠
The Town  *** | البلدة
إخراج: بن أفلك
الولايات المتحدة | خارج المسابقة

هناك سبب لماذا السينما الأميركية وليس أي سينما أخرى حول العالم، هي الأكثر إنتشاراً وهذا السبب نجده في فيلم بن أفلك الثاني له كمخرج »البلدة«: إنه بكلمتين: طريقة السرد. السينما الأميركية في غالب ما تنتجه تأخذ في صدارة اهتمامها أن تحكي القصّة بأسلوب يناسب نوعيتها. إذا كانت بوليسية فهي ستتحلّى بما يُثير اعجاب وتشويق محبّي النوع، وإذا كانت حربية سوف لن ترضى -الا لُماماً- أن تتحدّث عن حرب لا نرى وقائعها، كما الفيلم العاطفي سيحشد العناصر الرومانسية والمتطلّبات المختلفة لجعل المشاهد الراغب فيها يعيش لحظاتها في دعة شديدة. هذا لا ريب يؤدي الى استنزاف النوع في كل مرّة يرتفع معدل المستخدم من العناصر المناسبة، فإذا بالفيلم، إيا كان نوعه، يخرج عن نطاق الواقع المفترض الى الخيال الجانح والميلودراما والتطرّف في استخدام عناصر الجذب الجماهيرية٠
هذا الفيلم كان يستطيع الإنزلاق الى هذا الوضع لولا أن الممثل- المخرج أفلك حافظ على قيمة النواحي الشخصية مقدّماً نماذج تلتقي وإياها في مطبّاتها وأفعالها وحسناتها وسيئاتها معاً. إنه فيلم أكشن بوليسي مشوّق بلا ريب، لكنه ليس فارغاً وتقليدياً او نمطياً٠
Gone Baby Gone  فيلم بن أفلك الأول مخرجاً كان دراما بوليسية تحمل الحاجة لفك ألغاز
على عكس هذا الفيلم الذي لا ألغاز فيه بل وضع جنائي واضح وتقسيم جلي للشخصيات: من هي. ما موقعها.  وكيف تتصرّف تبعاً لتلك المواقع٠
  المقدّمة تذكر أنه مأخوذ عن رواية بعنوان »أمير اللصوص« لتشاك هوغَن (فيلمه السابق مأخوذ أيضاً عن رواية إنما لدنيس لاهان)  تقع أحداثها في مدينة تشارلزتاون، ولاية ماساشوستيس، المدينة التي خرّجت، كما يذكر الفيلم في عناوينه، أكبر حفنة من المجرمين. والمخرج يقحمنا مباشرة في عملية سرقة مصرف يقوم بها أربعة أشخاص هم ماكراي (أفلك) وجيمس (جيريمي رَنر) وصديقان آخران. الأربعة ينجحون في دخول مصرف قبل فتح أبوابه وسرقة كمية كبيرة من المال. إحدى الموظّفات، وأسمها  كلير ( ربيكا هول)، تختطف من قبل العصابة كرهينة ثم تُترك على شاطيء البحر. لكن جيمس يخشى أنها قادرة على التعرّف عليهم (رغم أقنعتهم) ويقترح قتلها، لكن ماكراي يعارض ذلك ويعد بأن يحل الإشكال بطريقة أخرى. طريقته هي أن يتعرّف عليها ليعرف ما تعرفه عن العصابة وما ذكرته للبوليس الفدرالي ممثلاً بالتحري أدام (جون هام). هنا تذكر أنها لم تخبر البوليس عن وشم شاهدته على رقبة أحد الأعضاء (جيمس). هنا يدخل الفيلم في مرحلة علاقات: ماكراي وكلير (التي لا تعرف هويّته) ماضيان صوب علاقة غرامية صادقة. ماكراي هو من يقف حائلاً ضد قيام جيمس بقتلها وهو وجيمس شقيقين من غير نسب، ذلك أن والدة ماكراي التي لن نراها، هجرت العائلة وهو صغير بينما والده  (كريس كوبر في دور صغير) دخل السجن وهو لا يزال دون العاشرة. عائلة جيمس هي التي تبنّت هذا الولد والولدان ماكراي وجيمس ترعرعا كما لو كانا شقيقين ودخلا الجريمة معاً٠
في الناحية الأخرى هناك التحري أدام، ليس أن لديه قصّة يرويها، لكنه شخصية تتوقّع منها أن تكون عنيدة تؤدي دورها كما لو كانت تعلم أن هناك كاميرا ترقبها. لكنه صادق في أنه يريد نتيجة. وحين تقوم العصابة بسرقة ثانية (تليها مطاردة مشوّقة) ينجح في القبض على أفراد العصابة (التي تعمل واجهة لشخص آخر)  لكنها لا تستطيع إبقائها في الحجز لعدم وجود أدلّة. الآن: التحري وفريقه ماضون في الرصد. ماكراي يريد الإنسحاب من العصابة ولا يستطيع. كلير تكتشف حقيقة ماكراي ثم هناك نصف ساعة من التبعات اللاحقة٠
أهم ما يميّز هذا الفيلم حسن تنفيذه ليس فقط على صعيد المفردات التقنية بل على صعيد الموازنة بين الأكشن والدراسة الشخصية. تصوير روبرت إلسويت  (واحد من أفضل مديري التصوير في هوليوود) محدد وملم ويمنح المكان جوهره وبعده كما يضمن تنفيذ رغبة المخرج في تقديم فيلم بوليسي كلاسيكي فيه قدر من شخصيات كازان على شيء من منحى كلينت ايستوود في تموضع شخصياته والكثير من التأني قبل الإنتقال من فصل أكشن الى آخر٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular