Sep 8, 2010

Year 4. Issue 600 | لعبد اللطيف كشيش Black Venus

VENICE daily 11






Black Venus  ***
فينوس أسود | عبد اللطيف كشيش |فرنسا | المسابقة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هناك ما هو منهك في العديد من أفلام هذه السنة: المشاهد الطويلة التي تعايش جوّاً معيّناً وتحصر نفسه فيه بقدر ما تحاصرنا به. فيلم الأمس «الخندق» هو مثال على هذا النوع من الأفلام حيث اللقطة هي المشهد، وفيلم المخرج عبد اللطيف كشيش (او كشاش كما يؤكد أحد الزملاء)  هو فيلم آخر. هنا المشهد ليس من لقطة واحدة ولو أنه صوٌر على هذا النحو، بل يمر بقطع متواصل في غرفة المونتاج بحيث تنتقل الكاميرا في حركتين متوازيتين: عبر حملها باليد والإنعطاف والإستدارة والتقدّم والتأخر، ثم عبر قطع الحركة الواحدة الى لقطات عدّة. هذا بحد ذاته ليس أمراً جيّداً او مذموماً، ونجاحه يعتمد على ما الذي يتم تصويره ما يستحق معه هذا الأسلوب٠
عبد اللطيف كشيش مخرج حصد جوائز عدّة من فيلمه الأخير «كُسكُس بالسمك»: فيلم دار حول حياة مهاجر جزائري من الجيل الأول سيفتتح مطعماً يقدّم هذا الطبق خصيّصاً فوق مركب راس في ميناء مرسيليا حيث يعيش وعائلته المترامية ومن بينها مطلّقته وعشيقته. لكنه على آخر قدمين له في هذه الحياة من دون أن يدري. تسوده مسحة حزن من مطلع الفيلم لها دوافعها ومبرراتها ويؤسس أسلوب المخرج له صرحاً من الحضور الإنساني والواقعي المهم كيفما نظرت إليه٠
في فيلم كشيش الحالي »فينوس أسود« تناول لشخصية حقيقية يستعيدها المخرج من صفحات الأمس الواقعية فهو يذهب الى التاريخ ليقدّم إمرأة من قبيلة خوي القاطنة في الجنوب الأفريقي. في  مطلع القرن التاسع عشر تم إرسالها الى بريطانيا وفرنسا لكي تقوم بجولة تستعرض فيها زنوجيّتها عارية للأوروبيين الذين لم يكن معظمهم الكاسح قد شاهد وجهاً أفريقياً أسود فما البال بوجه أنثى وجسدها أيضاً؟
يبدأ الفيلم بمشهد مؤسس لكل ما يود الفيلم طرحه من موقف: بروفوسور يوضّح لزملاء وطلاّب نظريته في العنصر البشري الأفريقي المختلف في أوجه كثيرة عن ذاك الأوروبي. أمام البروفسور تمثالاً يظهر إمرأة بأرداف بارزة وثقيلة وملامح زنجية مألوفة. على لوح لجانبه صور للأعضاء الجنسية لدى المرأة الأفريقية وأخرى للمرأة الأوروبية لكي يبين الفرق ثم رسومات لهياكل متعددة وجرّة زجاجية تحمل أعضاءاً تم استئصالها من  إمرأة زنجية لتؤكد ما يذهب اليه من حديث
هذا قبل أن نعود الى الوراء ونبقى في سلسلة أحداث ستؤدي الى كيف انتزع البروفوسور تلك الأعضاء ليثبت بها مقوّلته العنصرية المحمّلة بالفكرة القائمة على التميّز العرقي الأوروبي عن الزنجي المنحدر من جذور حيوانية- حسب إشارته٠
صاحبة التمثال هي  إمرأة، تحمل إسم ساراك وتكنّى أحياناً بإسم سارا،  تم شحنها من جنوب أفريقيا الى لندن العام 1810 حيث يتم عرضها على خشبة مسرح صغير للعموم من نساء ورجال وأطفال جاؤوا "يتفرّجون" على ذلك المخلوق الأنثوي، "المتوحش"  كما يقول مقدّم البرنامج  وهو يمسك بالسوط ويضرب الأرض كما يفعل اولئك الذين يوجّهون النمور في السيرك. وهو سيرك بشري ذاك الذي يتم تقديمه ومهين يفرض علينا المخرج متابعته حتى نهايته (ويعود اليه في مقتطفات فيما بعد). بطلة الفيلم في نهاية الأمر هي الضحية وليس المشاهد طبعاً. إنها تُعامل كحيوان وتؤدي "نمرة استعراضية" مهينة لها وليس هناك من يمنحها حق التعامل كإنسانة. تعيش في رتابة تدمن خلالها على شرب الخمر لكي تنسى وتتحرّك بصعوبة لتؤدي ما يطلب منها من دور لتسلية جمهور لا يكن لها سوى نظرته للغريب والمستهجن. لكن كشيش لا يلوم الجمهور بقدر ما يلوم اصحاب »البزنس« المتاجرون بها. وسوف نراها تنتقل من عهدة ذلك الرجل الأول  الذي يدافع عن نفسه في محكمة بالتأكيد على أن ساراك ليست عبدة او رقيقة بل شريكة في عمله، الى عهدة رجل آخر أكثر توحّشاً ينزع عنها آخر ما تبقّى من حقوقها كإنسانة. هذا قبل أن تلجأ، وقد أصبحت في باريس، الى دخول بزنس آخر هو العهر في منزل "مدام" فرنسية يضم نساءاً من اماكن عديدة، ثم الى المهنة ذاتها تلتقط زبائنها من على الشارع الى أن تموت في دارتها الصغيرة. هنا ننتقل مجدّداً الى البروفسور الذي يحصل على الجثّة ليكمل أبحاثه التي لم يستطع إكمالها حين طلب من ساراك خلع كامل ملابسها فرفضت حين كانت لا يزال متاحاً لها قدراً من الكرامة
عبد اللطيف كشيش
إنها قصّة حزينة مأخوذة من الواقع لا ترفع سوطها عن ظهور الإنسان الأبيض ومع كل ضربة تظهر القدر الكبير من الحس والفعل العنصريين اللذين سادا معاملته لحقب تاريخية مختلفة. هذا كله جيد ومثير للإهتمام ويصنع فيلماً لا يمكن التغاضي عما يوعزه من قوّة تأثير وحدّة نقد. لكن هذا كله لا يعني أن الفيلم جيّد كعمل سينمائي
المشكلة ذات بضعة رؤوس أوّلها أن هذا الكم من النقد للمفهوم العنصري للإنسان الأبيض ظهر في الدقائق العشر الأولى من الفيلم، تلك التي أمضيناها في صحبة البروفسور وتلامذته. ثم تأكدت في الإثني عشر دقيقة الأخرى التي تابعنا فيها التقديم اللا إنساني الأول على المسرح. بعد ذلك، سيعاود المخرج تكرار المفادات جميعاً مرّة بعد مرّة من دون وجود مادّة قصصية فعلية. ما يتغيّر هو المكان: بعد المسرح الوضيع هناك البيوت الإرستقراطية البريطانية والفرنسية وبعد ذلك بيوت الدعارة وفي مكان ما مشهد المحكمة، وهو الوحيد المختلف عن طينة المشاهد الأخرى باستثناء أنه في النهاية يمنح مباركته للمعاملة التي تتعرّض إليها تلك الزنجية  بحجّة تصديقها ادعاءات «سيّدها«. أما أن هناك أحداثاً تشكّل اتجاهات مختلفة، او أن هناك قصّة كاملة تُروى فإن عبد اللطيف كشيش لا يوفّر ولا هو بوارد إضافة مفارقات توسّع من إطار ما يقع الا في حدود ضئيلة جدّاً
عبد اللطيف يضن على مشاهده أيضاً بحرية الإنتقال من مشهد لآخر بعد استيفاء المشهد الأول كل ما يريد قوله. هذا يحدث عادة قبل إنتهاء ذلك المشهد. إنه يعمد الى الإستطراد فيه. طبعاً يشغل المشهد بأسره بأسباب وعناصر سرد لتفاصيل كثيرة، لكن حتّى هذه تتكرر وكان يمكن لها أن ترد في غضون دقائق أقل لما يبدو تطويلاً لأجل التطويل ٠
على عكس فيلمه السابق، سيحمل هذا الفيلم لجانب الضجّة التي سيثير، وجهات نظر أقل إعجاباً بوجهة المخرج الفنيّة. لكنه اختيار خاص ينتمي الى أسلوب من الصواب الدفاع عنه لمن لا يرى المسألة من ذات الزاوية المشار إليها هنا ٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular