Sep 1, 2010

Year 4. Issue 594 | فنيسيا : الإفتتاح


VENICE daily 5
 
إفتتاح كونغ فو قبل الإفتتاح الرسمي  الراقص  
السينما الإيطالية المحتفى بها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فنيسيا- محمد رُضـــا


ليس هناك من هو أكثر سعادة من الإيطاليين في الدورة الجديدة من مهرجان فنيسيا السينمائي الدولي. صحيح أن الإفتتاح مُنح لفيلم أميركي، الا أن القاسم المشترك لجميع التظاهرات التي يتألّف منها المهرجان، داخل وخارج مسابقته الرئيسية، هو وجود مكثّف للسينمائيين الإيطاليين بينهم الكثير من الأحياء والقليل من الأموات أيضاً٠
في العام الماضي ارتفعت الترقّبات كثيراً حينما تم اختيار فيلم جوزيسبي تورناتوري »ريح« لكي يفتتح الدورة. بالنسبة للسينما الإيطالية، كان هذا الإختيار مهمّاً لأكثر من سبب: إنه فيلم لواحد من السينمائيين الجيدين والجادين، وفيلم بلغت كلفته 30 مليون دولار (أنتجه التونسي طارق بن عمّار)، وفيلم يحكي تاريخ المخرج وتاريخ ايطاليا السياسي، او ما تيسّر منه في نحو ساعتين ونصف. لكن النتيجة لم تكن حسبما تمناه الكثيرون: الفيلم جاء مضجّاً ومشغولاً بتكثيف غير مستحب والمونتاج فيه سريع يعمل عكس الموضوع وما يقترحه من قراءة ممعنة، وليس معه
هذه السنة، يقول الإيطاليون، لا نريد فيلم افتتاح لكن نريد مهرجاناً يهتم بالإنتاج ويشجعه. ومديره الفني ماركو مولر موافق ولهذه الغاية جمع 41 فيلماً في تظاهراته الرئيسية الأربعة بزيادة 22 فيلم عن ما شهدته الدورة الماضية من أفلام٠
بين هذه الأفلام أربعة في المسابقة الرسمية  هي »الغنم الأسود« وهو فيلم أول لمخرج جديد أسمه أسكانيو سيلستيني، و»وحدة الأرقام الأولى« لسافييرو كوستانزو و»كنا نصدّق« لماريو مارتوني، و»الشغف« لكارلو ماتزاكوراتي. هذا الأخير فيلم كوميدي يدور حول مخرج سينمائي لا يجد عملاً والفرصة الوحيدة التي تطالعه هي إخراج مسرحية. ماتزاكوراتي كان ربح سنة 1994 أسداً فضيّاً هنا عن فيلمه »الثور«٠
أما فيلم ماريو مارتوني »كنا نصدّق« فهو وصف بأنه ملحمة عن مجموعة مثاليين من مواطني مقاطعة إيطالية أرادو فصل مقاطعتهم عن بقية ايطاليا٠ أما »وحدة الأرقام الأولى« و»الغنم الأسود« فوصفا بأنهما عملان دراميان يتعاطيان ومواضيع اجتماعية وعاطفية معاشة٠
اختيار المهرجان لفيلم افتتاح أميركي هذه السنة وتفضيله ذلك على اختيار فيلم إيطالي قد يكون مبعثه أن الفيلم الأميركي، وعنوانه »البجعة السوداء« ميلودراما مشبعة بالموسيقا والرقص والمشاعر العاطفية من حب وبغض وخوف وحسد. او قد يكون لصداقة وثيقة تربط مدير المهرجان مولر بالمخرج الأميركي دارن أرونوفسكي على الرغم من أن الصداقات لا تؤثر عادة في الإختيارات او لتفضيل المخرج تكوين علاقة مهنية مع هذا المهرجان عنوة عن أي مهرجان آخر. فلسبب ما قام المهرجان بعرض فيلميه السابقين أيضاً. في العام 2006 حين عرض أرونوفسكي فيلمه »الينبوع« الذي لم يثمر عن أي نجاح، ثم في العام 2009
حين قدّم فيلمه التالي «المصارع» الذي نال الجائزة الأولى وهذا العام مع فيلمه الجديد الذي يتحدّث عن راقصتي باليه (نتالي بورتمن وميلا كونيس) تتنافسان على لعب دور واحد مزدوج. هذا الدور يتضمن وجهاً طيّب ووجه آخر شرير٠
وفي حين أن هناك ما يدعو للتفكير بأن أرونوفسكي قد لا يخرج بجائزة أولى هذا العام (وإن تقول تقارير بأن نتالي بورتمن تقدّم أفضل أدوارها الى اليوم هنا ما سيجعلها مرشّحة أولى على صعيد الممثلات) هناك حفنة من الأفلام الأميركية المتسابقة التي ستتنافس على الأسد الذهبي مع نهاية المهرجان: »في مكان ما« لصوفيا كوبولا و»وعود مكتوبة بالماء« لفنسنت غالو »الطريق الى لا مكان« لمونتي هيلمان، »انفصال ميك« لكيلي ريشارد و»ميرال« لجوليان شنابل٠
مما هو منتشر اعتقاده الى الآن، ومن قبل مشاهدة أي من هذه الأفلام، هو أن لجوليان شنابل الحظ الأوفر ليس لأسلوبه السينمائي فقط بل لوجود فيلمين ضعيفي الناصية هما »وعود مكتوبة بالماء« و»الطريق الى لا مكان«. كل من المخرج فنسنت غالو والمخرج مونتي هيلمان متشابهان في تحبيذهما أفلام طريق طويلة الأمد و(حكماً على ما شوهد من أعمالهما السابقة) خاويين حين يصل الأمر الى الحبكة

إفتتاح ما قبل الإفتتاح
ومع أن فيلم الإفتتاح هو الذي يطلق أعمال المهرجان، الا أن بعض الأفلام المشتركة في تظاهرات موازية تم إطلاقها قبل أربع وعشرين ساعة من بدء المهرجان نفسه. أحد هذه الأفلام هو »أسطورة القبضة: عودة تشن دجن« القادم من الصين وهونغ كونغ من إخراج أندرو لاو وبطولة دوني ين وشو كي وأنطوني وونغ٠
القول أنه مضج ومدو لا يعكس كل الحقيقة. هذا الفيلم إذا لم يكن شيئاً آخر فهو فيلم أصوات هادرة، من صوت فتح باب الى صوت رعد في السماء الى صوت إنفجار قذيفة. كل شيء مكبّر ومجسّم وفوقه موسيقا هي في الأصل جميلة لكي يستمع المرء لها في راحة بيته، لكنها مدوية  وخارجة من منوال الحكاية تماماً كما لو أنها مسحوبة من مجموع مؤثرات موسيقية في أفلام هوليوودية حديثة٠
موضوع »أسطورة القبضة« مثير. والفيلم هو جيد في نوعه، لكنه في الوقت ذاته، ليس فيلماً جيّداً. المعنى المقصود هنا هو أنه ينتمي الى نوع الكونغ فو والأكشن وألوان الفنون المبتدعة من القتال الشرقي، لكنه إذا ما رمى المرء نظرة فاحصة عليه خارج نطاق النوع، سيجده ليس أقل استهلاكاً وتجارية من اي فيلم هوليوودي أيضاً وأقربها-زمنياً- إلينا هو فيلم سلفستر ستالون »المستهلكون». طبعاً الفيلم الصيني فيه جهد أكبر وأندرو لاو يبتعد - على الأقل- عن لقطات كلوز أب منفرة وردت في فيلم ستالوني، لكن هذا الإختلاف ليس كافياً. كذلك ليس كافياً أن الفيلم يتعامل مع ديكورات موحية وينتقل بين المواقع مفتتحاً مشاهده في أوروبا قبل الإنتقال الى مدينة شنغهاي٠
ما يرويه الفيلم هو حكاية مقاتل صيني برهن عن جدارته حين واجه العدو الألماني خلال الحرب العالمية الثانية. يخبرنا الفيلم في مطلعه أن الصين أوفدت 150 ألف جندي صيني الى الجبهة الأوروبية لكي تثبت تضامنها مع الحلفاء. في ربع ساعة يوجز الفيلم تلك الحرب ووقعها ويصوّر لنا بطله وهو يواجه الرصاص بجسده فيحيد عن وجهة الموت ويقفز في الهواء ويمشي فوق الجدران ويطير فوق المسافات ثم يصعد الطوابق ويقتل الجنود الألمان حيث اختبأوا في محاولة جسورة منه للدفاع عن أرواح الجنود الصينيين الذين يرددون أنهم لا يريدون الموت فوق أرض غريبة٠
بالعودة الى الصين، يكتشف هذا البطل المغوار (دوني ين) أنه أمام عدو أكثر شراسة وهو العدو الياباني الذي احتل أجزاءاً من الصين ويرسل رجاله لقتل المقاومة كلما سمع بأن هناك محاولة للدفاع عن الصين. كما له عيوناً وجواسيس بينهم مغنية يابانية تجيد الصينية وتغني بها وتتقرّب عبرها الى بعض الصينيين الذين يقودون المقاومة. هل سيرضى البطل بالإحتلال؟ لا. سيكون الوحيد القادر على فعل شيء مثل مواجهة أكثر من 100 محارب ياباني وفك رقابهم وكسر أذرعهم وجذع أنوفهم او-رحمة منه- قتلهم على الفور وصولاً الى المعركة الأخيرة مع الشرير الياباني الأول. ككل المعارك من هذا النوع لا تعلم فقط أنها ستصل، بل تعلم لمن ستكون الغلبة وكيف. وهذه الكيف تتضمّن أن يكيل الياباني كل أنواع التنكيل بالصيني الذي يكاد أن يخسر القتال لولا أنه سيتذكّر ما فعل اليابانيون بالصينيين من قتل وتدمير ومن مات من أهله وأصدقائه. طيّب لمَ لم يتذكّر ذلك في مطلع المعركة عوض أن ينهكه عدوّه ضرباً؟
ككثير سواه، هذا الفيلم ينتمي الى جهد انتاجي وبصري أكثر مما هو جهد إخراجي. وفي زمن باتت فيه المهرجانات الدولية الأولى لا تستطيع أن تكتفي باختياراتها من الأفلام ذات المكانة الفنية، فإن مثل هذه الأفلام الإثارية بات لها مكاناً محفوظاً ومقبولاً. والغالب أننا سنرى أمثاله متوزّعة طوال أيام المهرجان الحافل المنطلق بهمّة الشباب رغم كونه أعتق مهرجانات السينما على الأرض٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular