Aug 6, 2010

السينما العربية كما لو لم تكن | فيلم "الملاكم" لجيم شريدان بقلم: ليث عبد الكريم الربيعي | حوار مع نيكيتا ميخالكوف: هوڤيك حبشيان | السينما الممنوعة: من ملفّآت الفترة السوڤييتية

Year 4 | Issue 527 | 13/7/2010


سينمائيات
3-D
 بينما يعمل  جيمس كاميرون على إنجاز رواية بعنوان فيلمه الأخير »أڤاتار«  ويستعد أيضاً لإنجاز جزأين متلاحقين من الفيلم الذي سيتحوّل الى مسلسل ربما بمعدّل فيلم كل سنة (غرار »سيد الخواتم« الذي تم تصوير حلقاته معاً)  بدءاً من العام 2012، يفتر اهتمام المشاهدين بسينما الأبعاد الثلاثة كما تُشير إحصائيات نشرها موقع »لوس أنجيليس تايمز«٠
منذ خروج هذا الفيلم في أواخر العام الماضي وسيل من الأفلام ذات الأبعاد الثلاثة غزت الأفلام المجسّدة الشاشة ملاحظة الإقبال على الإبتكار التقني وايرادات »أڤاتار« الضخمة. حسب إحصاءات نشرت حينها ونقلتها الى هنا فإن نحو ثلثي البلايين التي أنجزها الفيلم  للآن (بليونان و734 مليون دولار حول العالم منها 749 مليوناً في الولايات المتحدة وحدها) تم تسجيلها من عروض الأبعاد الثلاثة٠
ما لم تضعه ستديوهات هوليوود في حسبانها  حين أطلقت
Clash of the Titans و The Last Bender
في شتاء ثم ربيع هذا العام، أن »أڤاتار« صُنع ليكون بالأبعاد الثلاثة وبذخه في إتقان عالمه وتصميماته ومناظره دخل في الحسبان المسبق لما يمكن أن تخلقه من تأثير عبر هذا الوسيط، أما هذين الفيلمين أعلاه  ومعمها أفلام أخرى مثل
 Shrek Forever After و Despicable Me
فإنها أشبه بمن ارتدى الفستان الذي لم يتم إعداده لها في الأساس فبدت في حالات كثيرة مترهّلة ومرهِقة للمتابعة. وفي حين أنجز  »أڤاتار« نحو 65 بالمئة من إيراده الأميركي عبر صالات عرضته بنسخة مجسّمة، هبط الوضع الى الإقبال تباعاً مع كل فيلم "ثلاثي" تم عرضه لاحقاً حتى وصل حالياً مع الفيلم الكرتوني
الى 45 بالمئة٠ Despicable Me
في هذا الصدد يُلاحظ الصحافي السينمائي باتريك غولدستين في »لوس أنجيليس تايمز« أن الوضع سيزداد سوءاً حين يتم عرض أفلام لا تستحق مشاهدتها بالأبعاد الثلاثة مثل
Mars Needs Moms  او  Fright Night
وأضيف عليها Saw IV الذي انتهى تصويره قبل أيام. فيلم رعب دموي لم يكف أنه مسبب تقيؤ بالبعدين، يريدون الآن إلقاء هذا القيء في أحضان المشاهدين.

الوداع الطويل
باتريشا أونيل Patricia O'Neal

ممثلان ماتا في يومين متواليين. الممثلة الأميركية باتريشا أونيل (1926- 2010)  لم تكن مشهورة لكنها كانت من أكثر الممثلات صدقاً  في مهنتها التي امتدت ستين سنة (1949-2009) أنجزت فيها ما يزيد عن خمسين إداء في السينما ونحو عشرة أفلام تلفزيونية٠ سنة 1964 نالت الأوسكار عن دورها في
 [مارتن رِت] .
بدأت حياتها الفنية على المسرح وانتقلت الى السينما حين وقّعت معها وورنر عقداً للظهور في دور رئيسي  أمام رونالد ريغَن في دراما بعنوان John Loves Mary
حظت بتقدير واسع عن ذلك الدور لكن فيلمها اللاحق The Fountain Head [كينغ ڤيدور] تعثّر وكاد يطيح بها وهي لا زالت في مطلع الطريق. لكن باتريشا ثابرت وتخطّت أفلاماً أخرى غير مهمّة الى أن طلبها إيليا كازان لبطولة فيلمه »وجه في الزحام« A Face in the Crowd وجاء هذا الفيلم وسط عملها الذي لم تتوقّف عنه على خشبة المسرح ما جعلها دائماً مطروحة كممثلة جيّدة في دراميات كبيرة.  تحت إدارة بلايك إدواردز في "فطور عند تيفاني« (1961) وللمخرج أوتو برمنجر مثّلت أمام جون واين في
In Harm's Way سنة 1965 وعملياً لم تنقطع عن الظهور منذ ظهورها أول مرّة حتى العام الماضي حين لعبت دوراً صغيراً في الفيلم المستقل Flying By

برونو كريمَر Bruno Cremer

أونيل ماتت بالسرطان كذلك الممثل الفرنسي برونو كريمر (1929-2010) واحد من تلك الوجوه التي تقول طنّاً من دون أن تتكلم كثيراً.
أحب التمثيل من صغره وانضم الى فرقة باريس المسرحية لاعباً، بالفرنسية، مسرحيات لأوسكار وايلد ووليام شكسبير. في السينما من سنة 1952 وأنجز للآن أكثر من ثمانين فيلم بقليل.
في فيلم رينيه كليمَن  عن سيناريو لفرنسيس فورد كوبولا في  Is Paris Burning
في نسخة لوكينو ڤيسكونتي لرواية ألبير كيمو »الغريب« (لاعباً شخصية الراهب) وفي فيلم المخرج الفرنسي غير المقدّر حق تقديره إيف بواسيه في الفيلم التشويقي »الإغتيال«   The Assassination
سنة 1972 . والنوع التشويقي والبوليسي شكّل غالبية في أعماله في الستينات والسبعينات كما حال العديد من الوجوه الفرنسية وذلك امتد حتى الأعوام القليلة الماضية حين لعب دور المفتّش جول ماغريه في سلسلة تلفزيونية بالإسم نفسه.  آخر فيلم مثّله هو »فوق الضباب« او كما سُمّى في عروضه الفرنسية قبل سبعة أعوام La- haut




2
The Business of Film
 السينمائيون البريطانيون يتّحدون 
ضد قرار وزارة الثقافة البريطانية 
شطب السينما الجيّدة




وصل المحافظون الى الحكم في بريطانيا من هنا، وبعد شهر، او أقل،  ضربوا السينما
البريطانية من هناك. القرار الذي صدر بالنظر الى احتمال إغلاق "مجلس الفيلم البريطاني"  لا يعني صرف نحو خمس وسبقين موظّفاً فقط، بل صرف النظر عن إمكانية أن نرى أفلاماً جديدة ذات قيمة لمايك لي ("عام آخر") او لكَڤن مكدونالد ("آخر ملوك سكتلندا")، روبرت وايد ("كيف تخسر أصدقاء وتبعد عنك الناس")،  جوليان جارولد ("إعادة زيارد برايدشد")، دومونيك مورفي ("برق أبيض") والعديد من المخرجين الذين تعاملوا مع هذا المجلس منذ قيامه سنة 2000 والى اليوم. بما أن المخرجين البريطانيين الجادّين يتّكلون على هذا المجلس كتعويض عن لهاث جهات الإنتاج الخاصة صوب الأفلام التجارية المحضة، فإن القرار ضرب في الخاصرة سيؤدي الى انحسار ما سجّلته السينما البريطانية من نشاط في العقد الأول من هذا القرن، كما سيمنع أصحاب الأفلام القصيرة (وقد انتج منها المجلس أعداداً ملحوظة) من القدرة على تحويل أفكارهم الى مشاريع٠
إميلي بلَنت

وزير الثقافة البريطاني جيريمي هَنت قال أن إلغاء هذا المجلس سوف يؤدي الى علاقة أقل بيروقراطية  لا مع هذا المجلس فقط، بل مع الكيان الثقافي الكبير الذي مدّ السينمائيين طوال أكثر من خمسين سنة بالمعرفة والإطلاع وأسهم في إرساء الثقافة السينمائية ما أدّى لانتشار كل تلك التيارات الفنية في الستينات والسبعينات٠
وقد أضاف وزير الثقافة: "الكثير من هذه المؤسسات تم إنشاؤها قبل فترة زمنية طويلة، والزمن والمتطلّبات تتغيّر"٠
وقد أدان المجلس القرار (الذي لم ينتقل بعد الى حيّز التنفيذ) وقال أن المخرجين البريطانيين يحتاجون اليوم الى الدعم من أي وقت مضى: "تعويم المؤسسة الأكثر نجاحاً في بريطانيا هو قرار سيء، مفروض من دون أي تشاور  او تقييم.. الناس ستنظر وراءها لهذا الإعلان وتقول: "كان قراراً خاطئاً مدفوعاً بسياسة قصيرة النظر وذات منفعة سياسية"٠
الجدير بالذكر أن المجلس استثمر  إنتاجاً مباشراً او كمساهمة مع شركات إنتاجية أخرى ما يفوق المئة والستين مليون باوند إنكليزي (نحو  250 مليون دولار) وذلك خلال السنوات العشر الأخيرة. ليس أن الإستثمارات لم تكن مجدية، ففي العام الماضي وحده أنجزت الأفلام التي انتجها المجلس (ودائماً بميزانيات محدودة) أكثر من 63 مليون جينه (أي أكثر من 100 مليون دولار) . في المقابل فإن ما توفّره الحكومة البريطانية من خلال إغلاق المجلس لا يتعدّى ثلاثة ملايين جنيهاً في السنة٠
الممثلون البريطانيون لم يسكتوا على هذا الوضع وفي  الخامس من الشهر الجاري أوردت مجلة "ذ هوليوود ريبورتر" نبأ ذكرت فيه أن نحو خمسين ممثل وجّهوا رسالة طالبوا فيها الحكومة بالحفاظ على المجلس عوض إلغائه. من هؤلاء الممثلين: جيمس ماكفوي، إميلي بلَنت، تيموثي سبول، بيت بوستلوايت، بيل نيفي  وإيان هولم. هذا عدا عشرات المخرجين والمنتجين الذي اعتبروا حل المجلس كفيل بهدم "بريطانية السينما"٠
3
السينما العربية او السينما  التي كما لو لم تكن

الرجل الذي باع العالم

في أواخر العام الماضي شاهد المدعوون الى مهرجان دبي السينمائي الدولي فيلماً مغربياً مبهراً حمل في كتاب المهرجان صورة رائعة التشكيل لرجلين يركضان على شاطيء البحر واحداً تلو الآخر. وفي منتصف المسافة بينهما تقريباً باب لا تعرف إذا ما كان موصداً أم مفتوحاً كونه منتصباً في عراء المكان  كما لو كان أول ما تم بناءه من منزل لم يُقم . الفيلم حمل أيضاً عنواناً لافتا: "الرجل الذي باع العالم"٠
الفيلم بحد نفسه لا يقل روعة وإيحاءاً.  أخرجه شقيقين شابين هما عماد وسهيل نوري، وقام ببطولته ممثلين شابّين أيضاً  هما سعيد باي وفهد بنشامي، هو واحد من المرّات القليلة التي تتعامل فيها السينما العربية مع الأدب العالمي، فهو مأخوذ عن رواية "القلب الضعيف" لفيودور دستويفسكي المنشورة سنة 1848 المكتوبة بنص مسرحي الى حد بعيد يفرضه حقيقة أن الأحداث، في معظمها تقع داخل الحجرة التي يعيشها بطليها وتوالي الحوارات من دون فواصل تُذكر. دستويفسكي، في محاولته المبكرة لدخول العمق النفسي لشخصياته يخصص أيضاً أجزاءاً من الرواية للوصف الشامل للمكان وللحدث واضعاً بطليه (أركادي وڤاسيا) في أجواء تُماثل الموضوع دكانة. إنها رواية صعبة تبدو، وقد قَرَأها هذا الناقد أول مرّة بعد مشاهدته الفيلم،  تمهيداً لما خطّه فيما بعد حين وضع رواياته الأشهر مثل "المقامر" و"الأبله" و"الجريمة والعقاب"٠
ما الذي دفع ولدا المخرج المعروف نوري حكيم للذهاب الى هذه الرواية التي لم تنقلها السينما من قبل، اللهم إذا ما اختفى في طيّات التاريخ اقتباس روسي سابق في حقبة التاريخ الحافل للمرحلة الشيوعية الماضية، أمر غير معروف، لكن سهيل وعماد تمتّعا بالجرأة المطلوبة لتشييد فيلم مختلف تماماً عن كل عمل خرجت به السينما العربية منذ عقود، يحمي الأصل ويبلور تعريباً منفصلاً عنه في الوقت ذاته: صديقان يعيشان في شقّة واحدة  وأحدهما (يعرج) يعيش قصّة حب مع فتاة تمثّل له العالم. صديقه يريد مساعدته على تجاوز حالة إحباط ناتجة عن تعامل الأول أيضاً مع عمله المتعب. علاقتهما مثيرة للتأمّل لكنها ليست بأي حال مُثلية. على ذلك تبدو، في زمننا، كما في الزمن المستقبلي غير المحدد الذي تقع فيه الأحداث،   شاذّة من حيث التزام كل منهما بسعادة الآخر وحبّه له في عالم مقتضب ومتجهّم٠
المدينة التي لا تحمل إسماً والتي تمزّقها حرب ما، تبدو كما لو كانت تقع عند أطراف الدنيا. والفترة الزمنية المستقبلية المجهولة أيضاً، خالية من المستحدثات العصرية. شيء في المستقبل يشبه الماضي (مطلع القرن العشرين او ربما الفترة التي وضع فيها ديستويفسكي روايته) لعله تطابق دائري تام. الصديق العاشق (لا يحمل إسماً بل رمزاً هو "إكس") يحب فتاة فرنسية تعمل راقصة  (الفرنسية أودري مارناي)  وقد نال موافقة الوزارة التي يعمل موظّفاً في أحد أقسامها على الزواج منها (بذلك، وتبعاً لقراءة الفيلم للمستقبل الزواج مناط بموافقة المسؤولين). لكن  هذه السعادة المعبّر عنها بنشاط وحيوية في مطلع الفيلم سريعاً ما تنحدر صوب حالات يأس متزايدة الى أن تتحوّل حياة إكس الى جحيم من الأفكار السوداوية. المبعث في الرواية، هو حالة نفسية من عدم الثقة بأن صاحب الحالة يستحق أن يكون سعيداً في وسط عالم بائد. هذا يبقى واضحاً هنا مع ما يناسب الإقتباس من تغييرات. بطلنا هنا لا يصدّق احتمالات أن تكون هناك سعادة حقيقية، وأنها، أي السعادة، من نصيبه. هذا ما يترك لصديقه المهمّة الصعبة لمحاولة يائسة لإنقاذه من حالة التردّي التي تصل الى الجنون
سينما وسينمات
في زمن عربي آخر غير هذا الحالي،  كان يمكن لهذا الفيلم أن يكون واحداً من عدّة أفلام تطلقها سينما نسمّيها، عن قناعة او عن حب في الإيجاز، بالعربية  عوض أن يبدو مثل العمل اليتيم الذي لا يظهر الا كبريق عابر كما لو كانت تمطر في مكان آخر غير مكاننا. والسينما تمطر فعلاً في مكان آخر غير مكاننا. إبحث عن وجود فاعل في الوجدانين الثقافي والإجتماعي للسينما العربية تجد نفسك تتابع شاشة رمادية كالشاشة التي انتهى إليها فيلم ايليا سليمان "سجل إختفاء" قبل أربعة عشر سنة حين صوّر والديه وقد ناما أمام جهاز التلفزيون أقفلت قناته٠
ليس أنه لا توجد هناك أفلام من مخرجين آخرين ينشدون المختلف والذاتي والبديل والمتفنن، بل لا يوجد هناك ما هو أهم: البيئة التي تحمي هذه الأفلام من عوامل التفتت غير الطبيعي والتشرذم ثم الإنطواء والموت كل في مكانه. صحيح أن الفيلم الذي يخرجه ايليا سليمان او رضا الباهي مرشّح لأن يبقى فترة أطول في الذاكرة ويتمتع بقدر أوسع من الإنتشار على وسائط الإعلام حالياً، الا أن الجفاف لابد أن يحيق به بعد حين ليس بالبعيد والفترات التي تمر بها مهنة المخرج المختلف او الجيّد، سواء أكان مختلفاً أو لم يكن، متباعدة. ها هم مجموعة شباب الثمانينات في السينما المصرية (بشير الديك، محمد خان، داوود عبد السيد، خيري بشارة) لا يعملون الا مرّة كل عدد من السنوات، والجيل الأسبق لهم في مصر (سعيد مرزوق، علي عبد الخالق، صبحي شفيق) أما لا يعملون مطلقاً او متقاعدون رسمياً٠
في لبنان، كل نجاح فردي يحققه سينمائي حالي ما (نادين لبكي، فيليب عرقتنجي، جوسلين صعب) يبدو مقتطعاً من بين أنياب وحش الإهمال واللامبالاة الذي يوحّد مصير السينما في أكثر من بلد عربي، ومتباعداً بدوره ومحكوم عليه أن يبقى رهينة الظروف وسبل التمويل المحدودة والحذرة٠
إيليا سليمان
في رقعة أرض شاسعة ذات تضاريس اجتماعية وثقافية وتراثية غنية جداً تضم فوقها نحو 300 مليون نسمة تتحدّث- أساساً- لغة واحدة، ولو بلهجات مختلفة، وتنقسم الى أكثر من عشرين دولة، لا وجود  لسينما فاعلة واحدة، وأحياناً لا سينمات بالمطلق.  هي مثل مشهد سوريالي من فيلم للوي بونويل لكلاب تنهش في ثياب تحتية، او لصراصير تخرج من صندوق ميّت، او مثل
Le Charme Discret de la Bourgeoisie مشهد الختام في رائعته "السحر الخفي للبرجوازية
حيث أبطاله يسيرون في طريق لا تؤدي الي شيء،  تعيش السينما العربية وضعاً بالغ الصعوبة والتعقيد. تحف به أزمات مختلفة باتت تتعايش معاً وتقف للسينما بالمرصاد منذ مرحلة التفكير قبل الكتابة وحتى مرحلة ما بعد العرض٠
ويزيد الوضع ضباباً حقيقة أن البعض يحب أن يطيح بكل المآزق التي تمر او تحيط بها، ليبحث إذا ما كان هناك شيء أسمه سينما عربية، او هل هي سينمات عربية او لا. في الصميم، وبغية تجاوز هذه العقدة المستحدثة، التسمية تجوز حتى ولو كانت مجازية من باب الإختصار فما البال لو كانت تنضوي على ما يكفي من حقائق. المجاز فيها أنها موجودة بحكم انتماء لا علاقة له بالسياسة وفشل المشروع الوحدوي او الثقافي او القومي العام. وأنه كما نوجز حديثنا عن السينمات في تشيلي والبرازيل وغواتيمالا والأرجنتين بالقول "سينما أميركا اللاتينية"، ونفعل الشيء عينه حين نريد أن نكتفي بوصف السينمات المُنتجة في عموم أوروبا، يجوز تماماً استخدام المصطلح من هذه الناحية على الأقل. في هذا الصدد فإن "السينما العربية" هي مجمل الإنتاجات التي تطلقها السينمات العربية من المغرب وحتى الإمارات او عُمان٠
في المعالجة الأعمق، فإن ما يجمع بين المغربي والقطري (وسواهما عبر القارتين الأفريقية والأسيوية)  من روابط نتجت عن دين مشترك وأخلاقيات مكتسبة وفي الأساس لغة واحدة، هو أقوى من عناصر التفرقة وأسباب التباعد. كذلك فإن المفهوم العام الوحيد للأفلام الناطقة باللهجات المحلية التي تنتجها دول عديدة مثل مصر ولبنان وسوريا والمملكة العربية السعودية والإمارات والجزائر وتونس والمغرب وسواها، وهو المفهوم الراسخ في يقين الإنسان العربي (بصرف النظر عن بعض مثقّفيه) هو أنها جميعاً سينما عربية ما يحيل المتذمّرين من هذه التسمية الى ممارسي وجهات نظر سياسية وليست سينمائية  تخلط الطحين باللبن لتخرج بتسمية جديدة غير راسخة٠

The Boxer  الملاكم
رؤية جيم شيريدان والبحث عن الهوية الأيرلندية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيلم | ليث عبد الكريم الربيعي
المخرج جيم  شريدان وممثله دانيال داي لويس
أعاد فيلم "الملاكم" (1997) قضية الصراع الطائفي الأيرلندي بين البروتستانت والكاثوليك الى الأضواء من خلال قصّة الملاكم داني فلين الذي يخرج من السجن بعد 14 عاماً محاولاً رأب الصدع بين شقي المجتمع الأيرلندي. من هنا فإن المخرج الكبير جيم شريدان، يعود ليقدّم عملاً يُعد مكمّلاً  لتلك الرؤية التي ابتدأها بفيلم »قدمي اليسري« (1989) وأكّدها بفيلم "بإسم الأب" سنة 1983. وهذه الرؤية الآن تأخذ على عاتقها توضيح أبعاد الصراع الطائفي الأيرلندي على الرغم من أن الفيلم منت في هوليوود، ويشكل نفسه على وفق الأسلوب الهوليوودي٠
و «الملاكم» هنا ليس مجرد فيلم يحاكي شخصية أو حدث بحد ذاته، انه فيلم وطن أخذت منه الصراعات السياسية والنعرات الطائفية الدموية مأخذا، حاول سينمائيوه تجسيدها ليرو للعالم حقيقة الشعب الايرلندي٠
وتناول الفيلم من خلال هذا المنظور وعبر صياغات رمزية تطفو مرات على السطح وتبدو غامضة قاتمة مرات عدة، إلا إنها تتشكل في ذهن ووعي المشاهد نتيجة دموية الصراع وديمومته، من هنا فان الفيلم يحدد له بداية  قبل 14 عاما وينتهي من دون التركيز على تاريخ معين. ولعل ما يصلح أن يكون مدخلا جيدا لفهم الفيلم والاستمتاع به، أن نعتبره إعادة قراءة بطريقة معينة لجانب هام من واقع الصراع الايرلندي، وان هذه القراءة لا تعتمد الواقعية بل تتباين من شخص إلى آخر وتبعا للمواقف والتوجهات الشخصية. فالفيلم هنا لا يلتزم بأحداث التاريخ في سرده، ولا يسعى إلى توخي الدقة التاريخية لا في رسم شخصياته ولا في طريقة صياغة أحداثه، فهنالك مواقف كثيرة تمت صياغتها لأجل إغناء المضمون الفيلمي، وتدعيما لبناء الفيلم وتحقيقا لرؤيته، ولغرض تجاوز حرفية الحدث التاريخي وطرح رؤية جديدة لقضية الصراع السياسي والديني، وإثارة التساؤلات حول مشروعية هذا الصراع من جاب الشعب أو من جانب الدولة داخل وخارج بلفاست
ولا شك، إن فيلم شيريدان هذا جاء متأثرا، وبحكم الصلة الوثيقة بين شيريدان وايرلندا، ومن نواح عدة، بالأحداث السياسية المستمرة هناك، والتي وضعت الشعب بأكمله تقريبا، في مواجهة السلطة من جهة والطائفة الثانية من جهة أخرى. وهي مواجهة حقيقية، مهما اختلفت وتباينت الاجتهادات بعد ذلك حول تفسير أسبابها ونتائجها٠
ومن الناحية الدرامية، فان الرؤية التي يقدمها شيريدان في فيلم «الملاكم» وهي، كما قلنا، تعد استكمالا لفيلميه السابقين على الرغم من اختلاف طبيعة الصياغة السينمائية،  تبقى نظرة أحادية الجانب تمثل شخص هذا الخرج وموقفه من طبيعة الصراع الايرلندي، تختلف تبعا لاختلاف الظروف الموضوعية المبنية عليها٠
تدور أحداث الفيلم في مدينة بلفاست من دون تحديد الزمن، واغلب الظن إنها تدور في التسعينات، والفيلم بأكمله عبارة عن تكثيف لوعي وذاكرة شخصية واحدة هي شخصية بطل الفيلم داني فلين (دانيال داي لويس)  وهو ملاكم غادر السجن مؤخرا بعد أن قضى فترة 14 عاما، وأفرج عنه نتيجة حسن سلوكه. الآن هو يهيم على وجهه، فقيرا معدما، ويقضي ليلته الأولى خارج السجن بعيدا عن مدينته
يبدو داني وللوهلة الأولى، انه يدين المجتمع ويكن له الحقد، ربما لأنه سجن بلا سبب أو لأنه فقد الملاكمة صديقته الدائمة. لذا فانه يقرر العودة إلى المدينة، والى النادي الرياضي، هناك يلتقي بمدربه ومربيه أيك وير  الذي يخبره إن النادي أصبح نزلا لعوائل الأسرى. لذلك ينطلق داني في محاولة لإعادة الأمور إلى وضعها الطبيعي، فيعيد الحياة إلى النادي الرياضي، الذي يطلق عليه اسم »نادي الملائكة المقدسة« الذي تؤمه الطائفتين معا، وفي هذه الأثناء يعلن عن اتفاق بين الأحزاب والدولة الهدف منه خمد التناحر، ويلتقي مجددا بماغي (إميلي واتسون) حبيبته القديمة وابنة احد أعمدة مدينة بلفاست (جو هاميل) والتي أجبرت على الزواج من اعز أصدقاء داني الذي يقتل قبل أن يولد ليام٠
في هذه الأثناء يظهر هاري احد الكاثوليكيين، والذي يكن لـداني الضغينة وهو الذي أودى بـداني إلى السجن من دون سبب. وهاري هذا يعمل مع الشرطة ويخبرهم بكل صغيرة وكبيرة ويثيره إعلان الاتفاق بين الأحزاب، فيحاول وبشتى الوسائل التأثير على عدم عقد الاتفاق

يخوض داني مباراته الأولى ضد ملاكم كاثوليكي في النادي الرياضي، ويفوز عليه، وفي خضم الاحتفال بفوز داني تحاول جماعة مدفوعة من قبل هاري إطلاق لنار على داني لكنه ينجو بأعجوبة٠
هذا الأمر يثير جو والد ماغي خاصة وان علاقتها بـداني بدأت تتوطد من جديد، على اعتبار إن حياة داني مهددة بالخطر وقد يحيق بإبنته مكروها  وتأبي ماغي الا الوقوف الى جانب داني بعد أنتظرته طوال هذه السنين. يحقق داني فوزه الثاني وتخرج الجماهير المجتمعة في قاعة الملاكمة من (بروتستانت وكاثوليك) محتفلة بفوز داني، ويعلن قائد الشرطة الايرلندية في التلفزيون إن الصراع الطائفي قد انتهى. هذا الإعلان يثير حفيظة الجيش الايرلندي فيودون بحياة قائد الشرطة، فتنقلب الجماهير على أعقابها وتعود الأمور إلى سابق عهدها، ونتيجة لإحساسه بان داني سيأخذ أمه منه، يقوم ليام بحرق النادي. وهكذا تشتعل الأزمة بين الطائفتين من جديد، ويدخل الجيش الايرلندي لفض الاشتباك. ونتيجة لهذه الأزمة تطلب ماغي من داني الرحيل حفاظا على حياته، ويستجيب داني لطلب ماغي ويقرر الرحيل إلى لندن، هناك يخوض مباراة مع ملاكم نيجيري ويتابع أهالي المدينة هذا النزال عبر التلفزيون، ويطيح داني بخصمه عدة مرات، إلا انه وفي لحظة ما من النزال يدرك حقيقة وجوده في لندن فيترك النزال ويعود إلى بلفاست، ولدى وصوله يجد داني مدربه ومربيه أيك مقتولا اثر اشتباك مع هاري وجماعته. وبعد تأبين جنازة أيك يقرر داني طلب يد ماغي من والدها. وفي طريق العودة يتعرض داني للضرب من قبل هاري وتتدخل الشرطة لفض الأمر، ويأخذ داني معتقلا. هناك وفي احد الإنفاق يأمر هاري بإعدام داني، إلا إن احد جماعته والمدفوع أصلا من الشرطة يطلق الرصاص على هاري ويعفي عن داني٠
وهكذا ينتهي الفيلم غامضا، ويدع المخرج للمشاهد تصور الحل، تاركا إياه أمام عشرات التساؤلات٠
هذا الفيلم يعكس حقيقة الصراع، الذي نجح المخرج جيم شيريدان كثيرا في تصويره محافظا على أجواء الفترة التي تدور فيها الأحداث من جميع الجوانب. وهو يستخدم أسلوب التتابع كطريق لبناء الحدث الفيلمي، متناميا من لحظة الصفر نحو القمة، وهكذا فإننا نجد أنفسنا مساقين لمتابعة أحداث درامية بسيطة - على الطريقة الهوليودية- تتصاعد وتيرتها كلما تقدمنا إلى الأمام. وهكذا فان شيريدان يستخدم أسلوبا واقعيا في تصويره لموضوعات أفلامه كما يفعل في فيلمه هذا- مع الاعتماد على عشرات الرموز أو الشخصيات ذات المستويات المتعددة. وهو يستخدم هنا بناء تقليديا معتمداً على وحدة الزمان والمكان والحدث، إلا إن ما يثير حقا في طبيعة تكوين الفيلم هو مرحلة الذروة والنهاية غير المتوقعة. إذ يعتبر الثلث الأول من الفيلم تمهيدا للحدث، إلا انه جاء سطحيا وتقليديا يتنامى مع تطور طبيعة الصراع والدخول على مراحل الفيلم الأخرى٠
ويعتمد أسلوب الإخراج عند شيريدان على الوصف الدقيق للمكان، لخلق علاقة وثيقة بالكاميرا بين الشخصيات والمكان، إذ اخذ النادي الرياضي- حلبة الملاكمة بالأخص- الجزء الأكبر من الإشارات الرمزية التي تقدم على إنها (الوطن) وكان لاستخدام الموسيقى المتنوعة التي تناسب الأجواء وتعلق على الحدث دون أن تشرحه أثرا بارزا في أغناء مضمون الفيلم. ورغم البناء القصصي للفيلم إلا انه اعتمد الاقتضاب في الحوار مبتعدا بذلك عن الثرثرة، سواء الكلامية أو البصرية، فالحوار مقتصد، غير وصفي، وكتب لأجل إضفاء ملامح محددة على الشخصيات.. أما شريط الصورة، فيعتمد على استخدام لقطات قريبة تركز على ملامح الشخصيات وردود أفعالها، ويصل البناء في بعض المشاهد إلى التسجيلية التي ترصد في لقطات صامتة عشرات التفاصيل في المشهد. ونلاحظ إن شيريدان استخدم البساطة حتى في تكوين اللقطة دون إتعاب المشاهد في التركيز على أطراف الإطار أو عمقه، رغم إن لمثل هذه الاستخدامات معان أخرى تضفي على الفيلم سمات جمالية، إلا إن المخرج يعمد إلى تجاوزها حفاظا على أهمية الصراع وطبيعته٠

ليث عبد الكريم الربيعي
رئيس تحرير مجلة السينمائية
 العراق- بغداد
 +9647811281800هـ:
 /http://visions-film.blogspot.com
http://www.facebook.com/pages/lmjl-lsynmy/108378759190603

   5
 بعد الهجوم على فيلمه واتهامه بالستالينية
السؤال الذي يشغل بال نيكيتا ميخالكوف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقابلة | هوڤيك حبشيان

مجلة "ظلال وأشباح" توجّه تحية خاصّة الى الزميل هوڤيك حبشيان على هذه المقابلة التي ننشرها هنا (بعد نشرها في "النهار" حيث
يكتب الزميل). وهي ليست تحية مجاملة، بل ثمرة ثقافته من ناحية والحديث الرائع للشخصية التي التقى بها - م ر


نيكيتا ميخالكوف واحد من قلائل في كوكب الفنّ السابع يستطيعون إثارة جدل بيزنطي حول أفكارهم في السينما والسياسة، وفي العلاقة الصعبة التي تربط الواحدة بالأخرى. كل جديد له، مهما يكن حجم مساهمته في الإضاءة على أسرار الوجود، سواء أكان هجاء أم رثاء أم انشودة لبلده الحبيب روسيا، يثير ردود الأفعال العنيفة، الناجمة، في كثير من الأحيان، عن كره البعض لشخصيته "الحادة" و"المتسلطة" و"اللئيمة" و"لذاته المتضخمة". اليوم، بعد 40 سنة من السينما و14 فيلماً روائياً طويلاً، كثر، خصوصاً الأوروبيين، لم يعودوا يفرّقون بين المخرج الروسي، صاحب الروائع من مثل "لحن غير مكتمل على بيانو ميكانيكي" (1976) و"العيون السود" (1987)، و"أورغا" (1991)، والرجل الذي وجد لنفسه حضناً دافئاً في السنوات الأخيرة، هو حضن الكرملين، وله فيه صديق حميم اسمه فلاديمير بوتين، يعتبره ميخالكوف "منقذ كرامة الشعب الروسي" التي داستها تجربة الشيوعية المؤلمة. هؤلاء الذين يجمعون بين الفنان والرجل في صورة واحدة محددة الأطراف، ربما هم على حقّ، لأن لا حدود فاصلة بينهما، كما أكدت لنا أفلامه الأخيرة المرتدة عن مبادئ المخرج الاولى، وزادته تأكيداً تجربة محاورته في المدينة التشيكية كارلوفي فاري، حيث جرى الإحتفاء به٠
لكن اذا عدنا سنوات الى الوراء، لرأينا ان هذا التملق للسلطة عند آل ميخالكوف ليس وليد اليوم. فالسينمائي الكبير، الذي يبلغ اليوم الخامسة والستين من العمر، ابن عائلة من المثقفين بلغوا اعلى المناصب في زمن الاتحاد السوفياتي، واستطاعوا التأقلم مع حقبات عدة مرت بها روسيا بدءاً من الستالينية الى اليلتسينية مروراً بالخروتشيفية. بالاضافة الى انه حفيد التشكيلي بيوتر كونتشالوفسكي، وإبن الشاعر سيرغي ميخالكوف، الذي وضع كلمات النشيد الوطني السوفياتي، وهو كان شاعر ما عُرف سابقاً بـ"النومونكلاتورا"، أي نخبة المثقفين في الحزب الشيوعي، وحائز بركة ستالين، حدّ أن كل الأطفال الذين ولدوا في تلك المرحلة حفظوا قصائده عن ظهر قلب. أما شقيقه البكر، فهو المخرج اندره كونتشالوفسكي، الذي عاصر كبار الشاشة السوفياتية وشارك في كتابة سيناريوات لتاركوفسكي، ثم ذهب الى الولايات المتحدة حيث أنجز أفلاماً قطعت مع تاريخه، قبل أن ينطلق في العقدين الأخيرين الى امتهان مهنة جديدة: نعي السينما! ميخالكوف، الأكثر جرأة واستفزازاً وحضوراً في المشهد السينمائي الروسي من كل معاصريه، لم يذهب بعد الى حدّ نعي السينما، لكن كثراً نعوه ونعوا السينمائي الكبير الذي كانه في مقالاتهم النقدية، غداة صدور فيلمه الجديد، "حرقتهم الشمس 2: النزوح"، وهو تتمة لملحمة أسرية على خلفية تاريخية كان باشر جزءها الأول عام 1994، ونال عنه "أوسكار" أفضل فيلم أجنبي وجائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان كانّ. هذا الجزء الجديد الذي عُرض في مسابقة الدورة الأخيرة من مهرجان كانّ، أثار زوبعة في أوساط المثقفين والنقاد لدى عرضه في موسكو في مناسبة الذكرى الـ65 لنهاية الحرب العالمية الثانية. وسارع نحو مئة من اعضاء اتحاد السينمائيين الروس، في مقدمهم ألكسي غيرمان وألكسندر سوخوروف، الى سحب عضويتهم من الاتحاد، بعدما وقّعوا عريضة تحت عنوان "لا نحبه"، مستائين "من السلوك التوتاليتاري" الذي يمارسه ميخالكوف عليهم، ومنددين بأجواء الوطنية الزائفة التي يفرضها وجود ميخالكوف على رأس الاتحاد. لكن اعتراضهم الأكبر كان على استغلال ميخالكوف منصبه لاستخدام 80 في المئة من الأموال العامة المخصصة لدعم السينما الروسية لإنجاز مشاريع خاصة له وللناس الذين ينتمون الى دائرته المغلقة. من هذه المشاريع "حرقتهم الشمس 2" الذي بلغت موازنته 50 مليون دولار، وبات الفيلم الأكثر تكلفة في تاريخ السينما الروسية بعد "الحرب والسلم" لسيرغي بوندارتشوك (1967)٠

طبعاً، أصداء هذه "الفضيحة" وصلت الى كانّ. لكن، في حين كانت الصحف الروسية تبتهج بسبب لامبالاة الجمهور الروسي حيال الفيلم، كان ميخالكوف يلجأ الى حيله الكلامية المعهودة، فراح يعلن في تصريحاته الصحافية أنه لا يبالي بالعدد بقدر ما يبالي بنوعية المشاهدين! ولم يسعف الموقف اتهام بعضهم له بأنه يمدح ستالين (يبدأ الفيلم بمشهد يغطس فيه ميخالكوف رأس ستالين في قالب حلوى) على رغم تأكيد المخرج المتكرر أنه ليس مع الطاغية الروسي ولا ضدّه. اليوم، وبعدما هدأ قليلاً هذا النقاش حول ثنائية الفنّ والسياسة عند ميخالكوف، تُفرض علينا قراءة متأنية لـ"حرقتهم الشمس"، الذي، على رغم انه ليس أفضل ما أنجزه مخرجه، الا انه يشير الى موهبة فنان يأتي دائماً بقراءات خاصة ومزعجة للتاريخ، غير مبالٍ برأي الآخرين، ورافضاً الاذعان الى الابتزاز في ما يختص العلاقات بين أوروبا وروسيا. باختصار، ميخالكوف سينمائي يأتيك دائماً من حيث لا ننتظره.
في "حرقتهم الشمس 2"، نلتقي مجدداً الجنرال كوتوف (ميخالكوف)، بعد خمسة اعوام على تركنا اياه في الجزء الاول. وقتذاك كانت أوضاع روسيا المشقلبة فصلته عن ابنته ناديا الغالية على قلبه. على مدار أكثر من ساعتين ونصف الساعة (عُرض الفيلم في مونتاجات مختلفة تتغيّر فيها المدة)، ينتقل ميخالكوف بين واقع ومتخيل، بين سماء وأرض، بين مأساة ودعابة سوداء، من شخصية الجنرال الباسل الى الابنة التي لا تريد نسيان والدها، فالامّ المحطمة المنبوذة. كلٌّ من الثلاثة يعتقد أن الآخر مات. مأساة عائلة مشتتة في بلد غارق في الدم والنار، حيث البطل السابق للثورة البولشفية يصبح مجبراً بعد تخوين نظام ستالين له على ان يتحول جندياً عادياً يجد نفسه على الجبهة ضد القوات النازية٠
كما كان متوقعاً، هناك مشاهد استعراضية بديعة في انتظار المُشاهد، يريد منها ميخالكوف أن تكون رداً على "انقاذ الجندي راين" لستيفن سبيلبرغ، وهو يبدو مرتاحاً الى حدّ بعيد في بث الادرينالين في النفوس، مع العلم أن الحبكة مفتعلة جداً ولا تخدم الا رؤية سينمائي ينجرّ سريعاً الى اسلوبه التفخيمي، طامحاً الى اعادة احياء الفيلم الروسي الاستعراضي الضخم، المتضمن حركات ترافيلينغ معقدة، الذي كان رائجاً في مرحلة سابقة. مشكلة الفيلم أيضاً ان ميخالكوف يطرح نفسه فيه قاصّاً ومهرّجاً وفيلسوفاً (طلب من المشاهدين في كارلوفي فاري أن يقرأوه قراءة ميتافيزيقية)، حاصراً الحكاية برمتها في اطار قصة الحبّ بين أب وابنته والايمان الذي يجمعهما، في حين أن الآخرين يطالبونه بفيلم سياسي يتخذ فيه موقفاً واضحاً من روسيا الأزمنة الغابرة٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 أعتبر ان النقد السينمائي الروسي لم يعد "
له وجود. لا شيء اليوم في روسيا اسمه
نقد سينمائي. يمكنك حتى دفن هذا النقد
في حفرة"٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السؤال الذي يشغل اليوم ميخالكوف هو الله و"أين يكون خلال الحروب؟"، أكثر من انشغاله باختيار أحجام كادراته. وهو لا يخفي البتة انه ينطلق من معتقدات أرثوذكسية. الايمان، هو الكلمة التي تتكرر على لسانه، والحديث معه يأخذ منعطف الجيوسياسة في أقل من دقيقة. في مقابلتنا معه، كان الرجل صارماً في أجوبته، ايمائياً وخطابياً بارعاً لا يتوانى عن تمثيل المشهد الذي يتكلم عليه أو الضرب بقبضته على الطاولة لإفهام ما يتوخى قوله. أكثر ما لفتني فيه، انه غير مؤمن بأهمية الإستماع الى رأي الآخر كونه "يعرف ماذا يريد"! وفي حين أن التقليد الروسي العريق قام على السؤال وتكرار السؤال، يأتي هو بأجوبة خالصة تكاد تكون نهائية، متسلحاً بفكر يقيني محافظ، حول الدين والوطنية. متمرد في اماكن وخاضع في أماكن أخرى، وفي استعداد دائم لخوض كل المعارك الممكنة، في آن واحد٠

 أثار فيلمك الجديد ردود فعل عنيفة في
روسيا وشُنّت عليك حملة مسعورة مصدرها
جمعية السينمائيين التي تترأسها، وأيضاً
من نقاد كثر. هل تعتقد ان الغضب هذا
يطاول الشخص المقرّب من الكرملين،
الذي تمثله، أكثر مما يطاول فنّك؟
 بالتأكيد، ولهذا السبب تحديداً أعتبر ان النقد السينمائي الروسي لم يعد له وجود. لا شيء اليوم في روسيا اسمه نقد سينمائي. يمكنك حتى دفن هذا النقد في حفرة يجب أن يكون عمقها خمسة أمتار على الأقل، ووضع نصب تذكارية على قبور النقاد. النقد لم يعد منشغلاً بالعمل الذي أنجزه السينمائي بل بشؤونه الحياتية، ذاهباً احياناً الى انتقاد عائلة المخرج ووالديه، مثلاً. النقد الروسي اليوم هو نقد رأي. يقولون: "هذا هو رأيي في الموضوع". شيء سخيف لا معنى له. النقاد يتكلمون لكن لا يقولون اي شيء. مع هذا، أعتبر هذا النقد معياراً لي. بمعنى انني، اذا نلت "منهم" الانتقادات اللازعة، فهذا يعني أنني في الاتجاه الصحّ. أما اذا كنتُ مادة للاطراءات والمدائح، فهذا يعني أنني أخطأت وينبغي لي تالياً التفكير في اعتزال السينما.

 أمس، خلال حفل تقديم الفيلم، تكلمت
عن الله. قلت: "أسأل دائماً أين يكون
الله خلال الحروب؟". اذا اضفنا كلامك
هذا الى العدد الكبير من الرموز الدينية
التي يحفل بها الفيلم، وصلنا الى واقع
جديد أريدك أن تشرحه لي: هل صحيح
أن روسيا تتجه الى التدين؟
 سأشرح لك: في القرن العشرين، لا أحد تعرض الى الاذلال مثلما تعرضت الكنيسة: دُمّرت دور العبادة الارثوذكسية وأُحرق رجال دين وهم أحياء. اليوم أسأل لماذا حصل هذا كله؟ لأي سبب لم تكن الثورة البولشفية مهتمة الا بحرق الكنائس وتهميش الديانة التي ننتمي اليها. الجواب يكمن في أن هذا الايمان الارثوذكسي كان يحتضن الأمة الروسية بأكملها. منذ لحظة تدمير هذا الايمان، المتجذر في الكائن الروسي، بات كل شيء ممكناً. بات ممكناً قتل طفل باسم تلك الثورة. لست من دعاة الجمعيات السرية أو المغلقة. لا أحاول أن أجد تفسيراً لأسئلتي الكبرى في هذه الوقائع الأليمة التي مرّت بها روسيا العظمى. لكني أؤمن بأن مسألة روسيا مسألة "مختلفة" تماماً، لكونها لا تشبه أي مسألة أخرى؛ الناس في روسيا لا يحبون القوانين ولا يذعنون لها. هكذا كان الروس على مرّ تاريخهم. القوانين الحاكمة في روسيا هي المبادئ الأخلاقية التي تأسس عليها الايمان. في الكنيسة الكلّ متساوٍ: الأمبرطور والطالب الجامعي. بالنسبة اليَّ، المساواة غير ممكنة. في المقابل، الحقوق المتساوية ممكنة. المساواة غير ممكنة انطلاقاً من فكرة ان الناس طبائعهم مختلفة: شخص يدرس ويعمل ويدير شؤون حياته، وآخر يلهو ولا يجدي نفعاً. اعلانهما متساويين يعني تحويلهما عدوين. روسيا هي البلد التي حولت التطور ثورة
(Russia turned evolution into revolution).
 وأدى هذا الى النتائج التي نعرفها جميعاً. اليوم، لا أرى حلاً آخر لروسيا الا في اعادة بناء ما تهدم من مبادئ أخلاقية. في بلد كفرنسا، القانون هو بمثابة الله. في روسيا، الله هو القانون. هذه هبتنا الوطنية (...). نحن فقدنا أشياء كثيرة في روسيا على مرّ السنين، وأنا أحاول أن أجد أجوبة لأسئلتي في هذه الأشياء المفقودة، في بلد ذي تركيبة معقدة، القوانين فيه بعدد سكانه. لكن، هناك أسئلة لا يمكنك ايجاد جواب منطقي لها. لماذا يُقتل فلان أثناء الحرب ويُنقذ آخر. هل لأن للأمر علاقة بأن الواحد خيّر والثاني شرير؟


 لكن، هل ثمة إمكان اليوم في روسيا
لطرح الماضي على هذا النحو، لا سيما
أن ثمة مخرجين آخرين مثل سوخوروف
ولونغين، وأخيراً الاوكراني سيرغي
لوزنيتسا، يأتون برؤية مختلفة تماماً لرؤيتك؟
 لا شأن لي بما يفعلونه. الوسط الغاطس في الغلامور في روسيا استباء مني لأنني أتكلم على أشياء لا يريدون تذكرها. هذا شيء خطر لأنه يجعلنا نفقد مناعتنا الانسانية. كان مهماً جداً بالنسبة اليَّ، أن ألمس ردّ فعل الجمهور الروسي حيال فيلمي. النقد السلبي لم ينل من عزيمتي. أحبّ أن أعرف في أي حال يكون الناس بعد مشاهدة هذا الفيلم. ذات يوم رأيت فتاة في السابعة عشرة كانت شاهدت الفيلم، ولدى خروجها ذهبت لشراء البوظة. أدخلت يدها الى محفظتها وأخرجت منها المال وراحت تأكل الايس كريم. كنت اتساءل: هل تكون قادرة على أكل تلك البوظة بعد ما شاهدته؟ هذا تفصيل، ربما يقول الكثير عن أحوال الروس اليوم، وهو تفصيل يبدو صغيراً وتافهاً في غمرة انشغالاتنا بقضايا كبرى. لدينا مواد للسينما كثيرة في روسيا. خذ مثلاً معاناة رجل يحمل أمعاءه في حقيبة ويمشي 4 كيلومترات، وكل ما يحلم به أثناء عبوره أرضاً قاحلة هو أن يكون في مقدوره الحصول على حبة ليمون ليأكلها. أما حلمه الأكبر فهو أن يأخذ أمعاءه الى المنزل. اذا نظرنا الى الحياة من هذه الزاوية، أصبح استبدال سيارة "بنتلي" زهرية بواحدة أخرى حمراء اللون أمراً جد ثانوي. لكن، اليوم، وللأسف، مجتمعنا الروسي، ولا سيما ما يسمّى النخبة، غير مهتم بسوى شراء سيارات "بنتلي". لذا، تراهم غير مهتمين بما اريهم. أما أنا فمصرّ على ان يشاهدوه. الآن، لو كرر التاريخ نفسه، وحصل ما حصل في حزيران 1941، لا أعرف كم يوماً نصمد قبل أن نستسلم. ربما ابدو قاسياً في حكمي على بلدي، لكن هناك سبب جوهري لذلك، هو حبي له. هذا البلد أعرفه طولاً وعرضاً، وليس على طريقة بعض القادة الروس الذين يعتقدون انهم يعرفونه فقط لأنهم يذهبون من موسكو الى سان بطرسبرغ.
 تتكلم على الروح الروسية التي جسدها بوشكين خير تجسيد، لكنك تعزلها عن المستجدات التي طرأت منذ سقوط الستار الحديد، وتختصرها في صراع مع العالم، لا سيما مع أوروبا التي لا تعترف بقيمها، مع أن نحواً 20 في المئة من روسيا يقع في الجانب الأوروبي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 لو كرر التاريخ نفسه، وحصل ما حصل
في حزيران / يونيو1941، لا أعرف
كم يوماً نصمد قبل أن نستسلم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اعادة تشييد البنية الايمانية والروحية لروسيا تتطلب الكثير من الوقت. الالحاد، الذي انتصرت له الشيوعية، أخذ بالشعب الروسي الى العدم. من أجل أن نصل الى هدفنا، يجب أن نلمس مجدداً تلك الروح الروسية. المجازفة هي جزء من هذا المشروع. التغيير ليس شأنا صغيراً. انه مشروع وهمي لمغازلة الشعوب. عندما يُنتخب رئيس جديد للولايات المتحدة، كل ما يتغير هو صورة زوجة الرئيس على مكتبه. علماً ان هناك فروقاً شاسعة بين الولايات المتحدة وروسيا. أميركا بلد ينهض على الفكر التجاري. بلد يسلّع كل شيء. أما روسيا فأمة يصعب تحديدها وتوحيدها. لهذا، لها نظمها الخاصة، وكل تغيير في هذه النظم، يعود عليها بالويلات والحروب، لأن السلام فيها يأتي من هذا الاستقرار. من الفلسفة الى الادب مروراً بالموسيقى، وكل ما صنع مجد هذه الأمة، متأتٍّ من هذين الامتداد والعمق التاريخيين، ولولاهما لا اعتقد انه كان سيأتي خلاقون كرخمانينوف وتشيخوف٠
ما يغضبني اليوم هو هذا التركيز المجاني على ما يسمونه "السلطة الروسية الأوتوكراتية ذات النزعة الى الديكتاتورية". فالآخرون لا يفهمون ان غياب السلطة الصارمة في بلادنا يعني العودة الى الدم. السلطة المستسهلة لا تنفع عندنا. نحن نتكلم على بلد هو ايضاً قارة بأكملها، حيث لا وجود للمسؤولية الفردية بل الجماعية فقط. هذا شيء فظيع بالنسبة الى الغرب، أليس كذلك؟ الناس الذين ألتقيهم خارج روسيا يسألونني دائماً "هل من ديموقراطية في روسيا أم لا؟". هذا سؤال لا معنى له. الديموقراطية ليست سترة ينزعها الآخر وتلبسها أنت. حتى لو كانت سترة، فعليك في الاقل اختيار السترة التي تناسب مقاسك. لا يستطيع اي بلد ان يلبس تلك السترة التي يسمّونها ديموقراطية
العالم أجمع مهموم بسؤال واحد: كيف نعيش؟ أما الروس فيؤرقهم الآتي: لماذا نعيش؟ انطلاقاً من هذا، كيف تريد الا يكون هناك طلاق ايديولوجي كامل بيننا وبين الغرب. في الحقيقة، بعد تفكير، نحن لم نعد في حاجة الى هذا الغرب الذي يحتقرنا. الأوروبيون شعوب معظمها من العجزة، يجلسون بمؤخراتهم السمينة على مقاعد قديمة ويريدوننا أن نستمع الى نصائحهم الباهتة ويعتقدون انه يمكنهم استعادة هيبتهم وفرضها على الآخرين. يريدون أن يقرروا نيابة عن الشعب الروسي ما يناسبنا وما لا يناسبنا. لديهم مطبخ رائع طبعاً. لكن، لدينا اكتفاء ذاتي في كل شيء تقريباً. أوروبا عبارة عن متحف، فلتبقَ كذلك... مركز الثقل اليوم في أمكنة أخرى. في الصين مثلاً، وربما غداً في افريقيا. هؤلاء على الأقل لا يريدون فرض قيمهم علينا. الغرب يريدنا أن نتحول بلداً آخر، أي واحداً من تلك البلدان التي لا شأن لنا فيها. هذا عبث وغباء! الأوروبيون يكلموننا على الديموقراطية، وقد فاتهم أن الديموقراطية يسهل تطبيقها عندما يكون بلدك كله على التوقيت الزمني نفسه. أما نحن، فعندما تدق ساعة الغداء في موسكو، يجلس سكان كامتشاتكا [شبه جزيرة بركانية في الشرق الاقصى لروسيا] الى مائدة العشاء. روسيا ليست بلداً فحسب، انها أمة!
أما أولئك الذين ينتقدون انعدام حرية التعبير في روسيا، فأقول لهم: طالعوا ما يُكتَب كل يوم في الصحافة الروسية، وخصوصاً ما يُكتب عني. هل أحد منع الآخر من كتابة ما يشاء؟ في مقابل ذلك، كل حرية لا تساهم في بناء ثقافة للبلد فهي لا تعني شيئاً٠

 لماذا تعتقد ان ستالين لا يزال يملك شعبية
قوية في روسيا علماً انك لا تعرف موقفك
الصريح منه. هنا أيضاً نجد أنفسنا أمام
تفاوت فظيع بين نظرتك الى الأشياء ونظرة
زملائك والجمهور الى التاريخ الروسي٠٠٠
 من السذاجة اختصار التجربة الروسية بالمعسكرات والقتل والرعب. من اللؤم أن تُعكس صورة أمة بأكملها في هذه الأشياء. ترى، ماذا يجد الشعب الروسي في ستالين؟ أعتقد انه يرى فيه الشخصية المواظبة والنظامية، والاحترام. لكن ما لا يفهمونه، أن ستالين حصل على هذا الاحترام من خلال الرعب. الشعب الروسي اليوم لا يهتم الا بالنتائج ولا يريد أن يعرف كيف تُصنع النتائج. سأروي لك واقعة حصلت خلال التصوير؛ شيء فاجأني كثيراً: الممثل الذي يلعب دور ستالين في الفيلم كان يجري عملية التبرج ويتحضر للتصوير. وكانت على مقربة من مكان التصوير مجموعة من الناس أعمارهم ما بين الـ25 والـ55 عاماً. كانوا يحتسون الخمر ويدخنون السيكارة ويتحدثون عن كرة القدم. كانوا نحو 40 شخصاً. عندما خرج ستالين الممثل من غرفة التبرج، بالزي الذي كان يلبسه دائماً، سارع الجميع الى الوقوف احتراماً له! هؤلاء الناس لا خوف عندهم من ستالين، معظمهم في العشرينات من أعمارهم. أشكر حظي انني كنت واقفاً في تلك اللحظة. رأيت هذا الذي حصل بأم عينيّ. شيء ما جعلهم يقفون. لا أعرف ما هو هذا الشيء. انه جزء من الطباع الوطنية. يصعب عليَّ ربط هذا الوقوف بحبّ ستالين أو بالرعب الذي كان يثيره عند الناس. هؤلاء ناس معاصرون ولدوا على الأقل بعد عقدين من وفاة ستالين. لكن السؤال أعمق من هذا. الناس في روسيا اليوم في حاجة الى سلطة احترام جديدة تفرض النظام وتؤمن الاستقرار. التحدي الأكبر أمام الحكومة هو تأمين هذا كله من دون اللجوء الى أساليب ستالين٠

 الفيلم مفتوح. هناك جزء ثالث على الطريق
كما تشير الى ذلك في نهاية الفيلم. هل ستأخذ
في الاعتبار الانتقادات؟
 اطلاقاً، لأنني أعلم تحديداً ما أريد. الردود السلبية أثبتت أنني على حقّ. أتجاهل النقد تماماً للأسباب التي ذكرتها لك. اذا اعجبت بسترة فلن أغيّرها لمجرد ان أحدهم قال لي إنها لا تعجبه. لي خطتي، وأنا جدّ متحمس لأرى كيف سيتعامل النقاد مع الجزء الثالث. نصيحتي لهم كانت: أحفظوا بعضاً من هرائكم للجزء الثالث. المؤرخون السوفيات لم يكتبوا التاريخ كما يجب ان يُكتب، فأظهروا مثلاً ان الجنود الألمان كانوا أغبياء ومجموعة من الحثالة. الحقيقة أن "الفرماخت" كان جيشاً عظيماً. طبعاً، بعد هذا الكلام، أتوقع أن يتهمني الصحافيون بأنني فاشي، لكن هذا لن يمنعني من أن أكرر وأقول انه كان جيشاً جباراً. ثمة دول لم تقاوم أكثر من خمسة أيام. كل شيء في هذا الجيش كان لافتاً حتى لباس جنوده الذي صممه هوغو بوس. بعض المؤرخين يطرحون نظرية أن خمسين في المئة من عظمة هذا الجيش يأتي من اللباس (...)٠

 إحدى التيمات الأساسية التي عملت عليها
طويلاً هي الحبّ. يتجلى هذا في المشهد
الأخير حيث تتجسد قدرة الإنسان على
الحبّ، لكن قدرته على التدمير تبقى الأقوى
دائماً. ما تعليقك؟
 جندي في التاسعة عشرة جاء من إحدى القرى الروسية، ساذج ويفتقر الى الشجاعة، على شفير الموت. شأنه شأن الشاب الذي حمل امعاءه، لا يطمح في لحظاته الأخيرة الا الى رؤية نهدَي الشابة التي أمامه. طبعاً، لا أعرف لماذا. اذ لم أر قطّ ما كان يريد رؤيته. هذا المشهد يتخطى المفهوم الروسي للخراب والحبّ: انها استعارة٠

دائماً تعمل على الاستعارة مع اليقين ب
أهمية التفاصيل التي تخرجك أحياناً
من السياق العام
 من دونهما لا وجود لي كفنان. ليس في وسعي ان ارى الأمور الا على هذا النحو. أما بالنسبة الى سؤال كيف أجدها، فأعتقد أن لا كتاب أستطيع أن أستلهم منه هذه التفاصيل. إما تأتي وإما لا تأتي. اتساءل دائماً أين هي الحدود بين الأشياء. من سخرية القدر أن وفاة شخص هي تراجيديا، أما وفاة الملايين فعبارة عن احصاءات. هذه وجهة نظر ترعبني. في ستالينغراد لم يكن يوجد الخشب. كان العسكر يبنون الخنادق بالجثث المثلجة جراء بلوغ درجات الحرارة 40 تحت الصفر. اين الحدود؟ هذا ما أردت أن أعرفه دائماً. أين ينتهي الإنسان الذي خلقه الله، وأين يبدأ ذلك الآخر الذي يريد حمايتك من النار. الحروب تُزيل الإنسانية التي في داخلنا٠

 تقول ان التكنولوجيا اليوم تقود العالم وهذا شيء خطير
 بفضل الحضور الطاغي للانترنت، أشياء عظيمة صارت  تبدو تافهة. عالمنا اليوم أشبه بالسلطة. اشبه بما قاله وودي آلن ذات يوم: "اخذت درساً سريعاً في القراءة واستطعت ان اطالع "الحرب والسلم" بعشرين دقيقة: انه كتاب عن روسيا". (ضحك). بفضل هذه التكنولوجيا المخيفة، ترى طياراً في السلاح الجوي، أميركياً أو ألمانياً، يحتسي القهوة الساخنة، يكبس بضعة أزرار على الكومبيوتر الذي أمامه، يطلق بعض القذائف بدم بارد، ثم يعود الى احتساء القهوة وكأن شيئاً لم يكن. هذا الطيار لا يعرف حتى ماذا يوجد في الأماكن التي يقصفها. التجربة الانسانية دائماً معقدة لأنها تتضمن وجهتي نظر حول واقعة واحدة يتضارب الرأي في شأنها. فهناك الجندي الطيار الذي يقصف الناس، ويريد فيلماً له من هذا المنظار، وهناك، في المقابل، الناس الذين يقاومون ويموتون، وهؤلاء أيضاً يحقّ لهم أن يكونوا في فيلم. اذاً، نحن أمام فيلمين مختلفين. لكن، فقط مَن هم في الأسفل يعرفون معنى الحرب. لا شعب في مقدوره فهم ما تعني الحرب اذا لم يحارب عدواً غريباً على أرضه٠ الأمر أشبه بأن ينام غريب في سريرك. في حالة مثل هذه، أنت لا تحارب جيشاً فحسب، بل السماء والأطفال والمواشي. هذه حرب تختلف تماماً عن حرب الأميركيين في أفغانستان أو العراق. في خمسينات القرن الماضي وستيناته، كان السوفيات يملكون سلوكاً لامبالياً في حياتهم. كانت الزبدة غير موجودة. لم يكن عندي منزل. آخرون كانوا يُطرَدون من عملهم. هذا كله لم نكن ننظر اليه كحالة مأسوية. كنا نقول: "هذا أفضل من الحرب". الجيل الذي انتمي اليه كانت حياته مقسومة بين ما قبل الحرب وما بعدها. الجميع، سواء أكانوا في السلطة أم خارجها، كانت لهم نقطة مشتركة واحدة هي الحرب. هذا شيء كان يوحّد أمتنا. ولو لم تنشب الحرب لكانت سقطت الستالينية قبل تاريخ سقوطها٠

 هل عثرت على المال الذي انت في حاجه اليه
من أجل تصوير الجزء الثالث من الفيلم؟
 تمضي النصف الأول من حياتك لتجني المال الذي يتيح لك صناعة اسمك. لذا في النصف الثاني من حياتك، على هذا الاسم الذي صنعته أن يجلب لك المال٠

6

أفلام الرفوف والتحف المنسية

السينما الروسية رغم هيمنة الرقابة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حلقات | محمد رُضا


تمثّل اللائحة التالية أكثر من 40 فيلم من الأفلام التي انتجت ما بين 1957 و1986، أي من بعد الفترة الستالينية الى ما قبل إنهيار النظام الشيوعي. العديد منها تعرّض للتأخير او المنع فوضعت على الرفوف الرقابية لفترات متباينة قبل السماح بعرض بعضها سنوات بعد إنتاجها. بعض هذه الأفلام جمعت غبار السنوات الطويلة. بعضها الآخر تسلل الى الغرب حيث شوهد في تظاهرات  أقامتها مؤسسة "ناشنال فيلم ثيتر" في لندن او في المهرجانات الغربية، وقليل منها على شاشة  السينما اوالتلفزيون. إنما جميعاً، وفي نهاية المطاف، تجسد رغبة عدد كبير من المخرجين التعبير عن نقد للحقب المختلفة التي عاشوها وللمفاهيم المتوارثة التي لم يشأن هؤلاء المخرجون الأخذ بها كما هي٠

  Levat Zhuravlt (1957)  ****   البجع يحلّق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Mikhail Kalatozov    ميخائيل كالاتوزوف
عندما عرض هذا الفيلم في مهرجان "كان" سنة 1975 لاقى من الإعجاب ما دفع به لنيل الجائزة الكبرى. لكن الفيلم سُحب من العروض بالتدريج واختفى ببطء كما لو أنه لم يكن. وهذا الوضع استمر حتى أعيد الفيلم الى الحياة مرّة أخرى بعد عدة سنوات على إنجازه. طرح الفيلم موضوع آلام الحرب عبر قصّة عاطفية بطلتها إمرأة تعتقد أول الأمر أن حبيبها مات فتوافق على الزواج من أخيه، لكنها تعود فتمتنع عن ذلك حينما ترتقع آمالها، وقد انتهت الحرب، بعودة من تحب. الفيلم خروج عن المنهج الستاليني في تقدير الحرب والتضحيات العظيمة وفداء الوطن، علماً بأن المخرج سبق له وأن حقق أفلاما أعجبت ستالين وصحبه. الفيلم علي درجة كبيرة من الجمال البصري ومشكلته مع الرقابة أن الأخيرة لم تجد فيه الدواعي الوطنية التي كانت تبحث عنها في تلك السنوات التي طغت فيها الأعمال الدعائية. بعد  أعوام قليلة حقق كالاتوزوف فيلمه الأعجوبة «أنا كوبا» الذي يرفض طغيان الموضوع السياسي على الجماليات  ويعاملهما ككيان واحد

  Ballada O Soldate (1959)  ****  إنشودة جندي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Grigory Chuckrai  غريغوري شوخراي
في نهاية الفيلم نسمع التعليق التالي: "كان بإمكان هذا الجندي الشاب أن يصبح أباً طيّباً ومواطناً رائعاً. كان يمكن له أن يصبح عاملاً، مهندساً او أستاذاً. كان بإمكانه أن يزرع القمح وتجميل الأرض بالحدائق. لكن كان لديه ما يكفي من الوقت فقط ليصبح جندياً".  وفي مفكّرة سجّل فيها المخرج شوخراي ذكرياته حين كان جندياً يدافع عن ستالينغراد: "يجب أن نخبر ما حدث هنا". غريغوري شواخراي، الذي وُلد في أوكرانيا (سنة 1921) وترعرع في موسكو  (ومات سنة 2001 عن ثمانين سنة) توجّه الى الحرب العالمية الثانية  وعايشها عملياً. لاحقاً ما سجل نبضاتها في أكثر من فيلم  بينها «الواحد والأربعون» الذي نال جائزة من مهرجان كان سنة  1965. هذا لم يشفع لشوخراي حين قامت رقابة الدولة السوفييتية بمنع الفيلم لعدة سنوات. المرجّح أن رسالته الإنسانية تركت، كما في فيلم كالاتوزوف "البجع يحلّق" طعماً مريراً فهو عن جندي يترك الجبهة وكل أمل أن يلتقي والدته قبل أن يعود الى الجبهة من جديد. الرحلة تكشف عن متاعب البشر الذي يلتقي بهم والحس المعمّق لا يحتوي على بطولة نافذة.   يبدأ بأم تقف عند ابية تنظر الى طريقين بعيدين ممتدان تحتها تتوقّع عودة إبنها من الجبهة بعد سنتين من الغياب. سننتقل الي إبنها ونعايشه في الجبهة. من حيث لا يعلم كيف، فجّر دبّابتين ألمانيّتين فاعتبر بطلاً حرب ومنح إذناً لستّة أيام لزيارة والدته. الزيارة التي تتلهّف معه لأن تتم لكن الطريق طويل والنماذج التي يلتقي بها ستكشف الوجه الآخر من الحرب. ستكشف حياة أخرى تمثّل بطولات إنسانية لا علاقة لها بالقتال على الجبهة٠

Dame e Sobachuio  (1960)  ***   السيدة وكلبها الصغير
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Iosif Heifits  يوسف هايفيتز
ليس معروفاً السبب الذي من أجله استقبل فيلم يوسف هايفيتز بتحفّظ جعل عروضه التجارية موجزة. إنه الفيلم الأول من ثلاثة أخرجها هايفيتز عن أعمال تشيخوف. المهمّة ليست صهلة بسبب أسلوب الكاتب السردي الباحث في الداخل. توصل المخرج الى عمل مناسب يتماشى وكتابة تشيخوف. نيكيتا ميخالكوف لاحقاً ما أنجز ترجمة سينمائية أخرى أفضل، لكن يُحسب لهايفيتز ثقته بممثله المفضل ألكساي باتالوف الذي طوّع شخصية غوروف كما وردت في الرواية تطويعاً مبهراً٠

Ivan Detstvo  (1962) ****  طفولة إيڤان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Andrei Tarkovsky  أندريه تاركوفسكي
كان هذا أول  فيلم يخرجه تاركوفسكي وهو، إذا ما صح إيجازه، حكاية صبي يعمل خلف خطوط العدو خلال الحرب العالمية الثانية ومحاولته العودة إليها منضماً لصفوف المقاتلين على الرغم من معاضة قادته. الفيلم مقتبس عن رواية لفلاديمير يوغومولوف التي تتناول موضوع البطولة وحب التضحية على النحو التقليدي المتوقع، لكن تاركوفسكي يتدخل للحد من تلك الصفات مركّزا أكثر على ما تخلقه الحرب في ذات الصبي. صحيح أن الصبي ما زال يريد العودة الى الميدان، لكنه تحت يدي هذا المخرج صار موضوعاً للنقاش. إيفان يحن  لأمه وأسرته وكلما نام حلم بذكريات الماض ورغد العيش الذي لم تهيؤه له الظروف وإصراره على القتال لا يُعد مستمداً من الفداء للوطن بقدر ما هو هروب مما لم يعد بالإمكان تحقيقه على الضفة الأخرى من الحياة. هذا الفيلم الشعري والعاطفي السوداوي فيه البذرات الأولى مما تألّفت منه سينما تاركوفسكي لاحقا. بالمقارنة مع بطل  إليم كليموف في الفيلم اللاحق "تعال وشاهد" (1985) فإن بطل تاركوفسكي ينجز أكثر من مراجعة للحرب وتأثيراتها عليه، كما أن الفيلم بأسره يذهب لما هو أبعد بكثير من مجرد محاكاة الواقع، وذلك بمعالجة أكثر إمعاناً في التعبير فنيّاً. ووجه الفيلم بمعارضة شديدة أدت الى منعه منذ سنة إنتاجه وحتى النصف الثاني من الستينات٠

Pokhozh Deniya Zubnogo  (1965) ***مغامرات طبيب أسنان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Elim Klimov  إليم كليموف

إليم كليموف (المذكور أعلاه) تعرّض بنفسه الى معارضة الرقيب حين أخرج فيلمه الثاني حول طبيب أسنان لديه مهارة خاصّة في خلع الأضراس من دون ألم ما يجعله محط إعجاب أبناء بلدته الصغيرة ومقصدهم. لكن نجاحه هذا يوغل صدور الأطباء الآخرين ويكشف عن حقديم وغيرتهم فيتّفقون عليه وينجحون في تأليب رجال الحزب عليه، ليجد نفسه وقد عُيّن مدرساً. حينها كان كليموف متواضع القدرات لكن رسالة الفيلم الشجاعة في انتقادها لممارسة الحزبيين غير العادلة لم تمر أمام عيون الرقباء بسلام ما دفع  بالفيلم الى سلسلة مشاكل انهت حياته في العروض السينمائية سريعاً٠

في العدد المقبل رائعة سيرغي بارادجانوف  والمخرج
الذي صرخ في مهرجان عام: "تم الإفراج عن الأفلام
الممنوعة كلها ما عدا فيلمي"٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular