Jul 31, 2010

عدد خاص عن : إنغمار برغمَن

Year 4 | Issue: 526
Cover Story
 13 Assassins

لقطة دعائية من فيلم  الساموراي "13 مغتال"  للياباني تاكاشي مَييك أحد الأفلام التي ستتنافس على أسد مهرجان فانيسيا السينمائي المقبل.  الذي سأنتقل إن شاء الله إليه حين ينطلق في الأول من أيلول/ سبتمبر. قبل ذلك متابعات إخبارية مختلفة٠

 محتويات العدد
  1. تمهيد: لماذا برغمَن؟
  2. تاريخ موجز: العزلة والحرب وشؤون أخرى٠
  3. ثلاثية الصمت: "ضوء شتوي"، "من منظر داكن"، "الصمت"٠
  4. أفلام إنغمار برغمَن مع  ليڤ أولمَن
  5. أليس في السينما السويدية سواه: نعم ولا٠
  6. تحليل: "برسونا" هو سينما برغمَن الأمثل٠
 1
تمهيد

 إنغمار برغمَن، الراحل عن 89 سنة حافلة في الثلاثين من العام 2007 هو نتيجة مجتمع متقدّم كان لابد له أن يوفّر مبدعين في  شتّى شؤون المعرفة والثقافة، بما في ذلك السينما طبعاً. هذا هو حال أي مجتمع تمنحه الظروف الفرصة لكي يُطلق شرارة الإبداع والخلق لدى موهوبيه- وهذا ما مرّت به السينما العربية في مصر وفي سواها في الستينات والسبعينات. صحيح أن برغمَن هو برغمَن وليس صلاح أبوسيف او كمال الشيخ او توفيق صالح، لكن هذا طبيعي، لأن برغمَن أيضاً ليس تاركوفسكي وليس بونويل او أنطونيوني الذي مات بعده بساعات قليلة والذي سنخصص العدد المقبل للحديث عنه أيضاً٠
إنغمار برغمَن نتيجة الظروف الداعية والمناسبة، ظروف ثقافية واجتماعية عمّت العالم بأسره ونتج عنها تيارات سينمائية جديدة من ساو باولو حتى القاهرة ودمشق ومن روما ولندن الى شيكاغو ونيويورك. حتى االسينما الروسية، في الحقبة الشيوعية، كانت أثرى بفنّانيها مما هي اليوم٠
في أعداد سابقة من هذه المدوّنة او من "فيلم ريدر" كتابات حوله مع نقد تحليلي طويل لفيلم "برسونا" (أعيد نشره هنا للمناسبة) و"ساراباند"، (العدد 21 من "فيلم ريدر")٠
هذا العدد الخاص يتناول فن المخرج السويدي من  وجهات مختلفة ومعالجة لبعض أفضل وأشهر أعماله، لكن السجال حوله سيستمر والقراء والسينمائيين مدعوّين كالعادة الى الإدلاء بآرائهم٠
بطاقة
مخرج وكاتب و(في مطلع عمله) ممثل٠ وُلد في 14/7/1918 وتوفّي
في 30/7/2007
 عدد الأفلام التى أخرجها  للسينما وتلك التي أخرجها للتلفزيون لكنها
عُرضت سينمائياً: 47. بإضافة  تلك التلفزيونية البحتة (تسجيلية او
روائية) فإن العدد يصل الى 63 فيلمها٠
تاريخ العمل الأول: 1946
تاريخ آخر فيلم : 2003
2

سيرة فنيّة

في الثلاثين من شهر تمّوز/ يوليو  سنة 2007 رحل المخرج السويدي الشهير إنغمار برغمن عن 89 سنة ولم يرحل الحديث عنه٠
الى جانب أن النقاد حول العالم، وجمهور المثقّفين وهواة السينما، شعروا بأن جزءاً من  الكنز السينمائي انضوى برحيله (ثم برحيل المخرج الإيطالي مايكلأنجلو أنطونيوني بعده بيوم واحد) تتابعت اصدارات أفلامه على اسطوانات الدي في دي وغزت المجلات والصحف موجات من المقالات التي تبحر في عالم صاغه المخرج السويدي  صغيرا، حميماً وذاتياً وبقدر ما فعل اتسع وأثّر وبدا كما لو كان نافذة يطل منها المرء، في أي مكان، على نفسه وعلى العالم٠
أزمة ثم أزمات
حسب مذكراته الشخصية المنشورة سنة 1988 تحت عنوان معبّر هو »المصباح السحري« وقع إنغمار برغمَن في حب الفن منذ أن دخل المسرح لأول مرّة حين كان في الخامسة من عمره. كتب: "من حينها، عشت عالماً خياليا من صنعي لازمني  ولم أحد عنه او أفكر في صدّه"٠
وُلد في 1918 في مدينة أوسالا، في السويد. والده كان راعي أبرشيه لوثرنية قبل أن يُصبح قسيساً للعائلة الملكية. الصبي برغمن نشأ في بيت محافظ ومتشدد فيما يتعلّق بالمناهج والتعاليم الدينية. هذا التشدد نتج عنه ابتعاد المخرج عن التعاليم الكلاسيكية للدين المسيحي ومروره بفترة زمنية طويلة من الاسئلة التي كانت تقلقه حول الوجود والحياة والموت انعكست على أفلامه مثيرة الكثير من النقاش والجدال حول ما تطرحه٠
واحد من تلك الاسئلة التي  تتابعت من فيلم الى آخر يكن في محاولة  عدم الإجابة على سؤال حول أين الصواب  وأين الخطأ في السلوك الإنساني بل طرحه بكل ثقله أمام الكاميرا لإظهار النزاعات الصغيرة- الكبيرة في دواخل شخصياته.  طرحت أفلام المخرج قضايا شائكة تتعلّق بدواخل النفس البشرية وما يدور فيها وبالسير على حافة ضيّقة بين الحياة والموت.  لجانب معالجتها قضايا وحدة الفرد في أعماقه هرباً من المواجهة او خوفاً من كشف مستور نجحت في إخفائه لحين  لكنها لم تنجح في نسيانه٠
تخرّج برغمَن من الجامعة في ستوكهولم سنة 1940 وبعد عام واحد عمل كمخرج مساعد في مسارح المدينة، ثم أخذ يعمل مستشاراً للسيناريوهات. في العام 1944 كتب  فيلما بعنوان »عذاب«، قام ألف
 سيوبيرغ، وكان أحد مشاهير السينما السويدية  الى الستينات، بإخراجه. بعد عامين كتب فيها عدّة سيناريوهات أخرى، أنتقل برغمَن  الى الإخراج بنفسه  في فيلم سمّاه "أزمة"  سرد فيه قصّة فتاة شابّة تعيش مع والدها استاذ الموسيقا بعدما هجرتها أمها وهي بعد طفلة. ظهور الأم فجأة يقلب هناءاً مؤقتا خصوصاً حين تنقلها من الريف الى المدينة٠
   ‬كان ذلك الفيلم تمهيداً لعدّة أفلام تحدّث فيها عن أزمات النفس البشرية كتابة أحياناً وإخراجاً وكتابة أحياناً أخرى، لكن لا شيء كان مميّزا  او دالاّ على أن هذا المخرج سينصبح يوماً ما من كبار مخرجي السينما حول العالم٠
فوق الجزيرة
في الخسمينات تبلورت المعالم الأولى لأسلوب برغمَن البصري والتنفيذي العام. كانت أفلامه آنذاك بدأت تثير الإهتمام من حيث خوضها نطاق الطروحات النفسية والإجتماعية على نحو متواصل. من بين هذه الأفلام   »الصيف مع مونيكا« و»ثلاثة قصص غريبة« و»نشارة الخشب والبهرجة«٠
ورغم أن بعض هذه الأفلام عُرض خارج السويد، الا أن برغمَن بقي عملة محلّية غير معروفة الى النصف الثاني من الخمسينات عندما أكمل ضبط شؤون وتافصيل عالمه وأطلق »الختم السابع« و»الفريز البري« وكلاهما في سنة 1957 
وما أن حلّت الستينات حتى كان إنغمار برغمَن سطا على إهتمام المجتمع السينمائي الدولي بأسره عبر سلسلة لا تٌنسى من الأفلام مثل »الصمت« و»برسونا« و»ساعة الذئب« و»عار« و»عاطفة آنا«٠
في تلك الأفلام طرح برغمن قضايا تشمل، في مجملها، مواجهات تقوم بها شخصياته على أكثر من صعيد٠
في »الصمت« حكاية شقيقتين تقومان برحلة بالقطار الى مدينة في بلد أبقاه المخرج مجهولاً لضمان شيوع الفكرة من دون أن تنتسب لمكان او لمجتمع معيّن. الشقيقتان (غونل لندبلوم وإنغريد ثولين) مختلفتان تماماً والرحلة تكشف عن نهاية العلاقة بينهما إذ ترحل أحدهما تاركة الثانية في المدينة المجهولة وحدها٠ الذي يرتسم في الخلفية أن البلد المعني يشهد حالة عسكرية ما كما لو كان مقبلاً على حرب. هذه الخلفية عنت بالنسبة للمخرج المقدار الكافي من رغبته في إظهار أنه الى جانب الأزمة الفردية التي يعالجها فإن هناك أزمة أكبر قريبة

فيما بعد، رأيناه يقترب أكثر مما تعنيه الحرب في فيلم سمّاه »عار« (1968) وفيه زوجان يعيشان فوق جزيرة يرعيان حقلاً صغيراً في النهار ويعزفان الموسيقا في الليل. الحرب على الأبواب لكنهما يعتقدان أنهما بمنأى عنها الى أن يجدا نفسيهما في وسطها. يلقى القبض عليهما ويساقان الى التحقيق من قبل أحد طرفي الحرب ثم -وبعد الإفراج عنهما- يلقي الطرف الآخر القبض عليهما ويساقان الى التحقيق. وفي كل مرّة  يرتكبان ذنباً سيبقى عالقاً في البال مدى الحياة وسيؤجج صراعاً داخلياً كبيراً بينهما٠
علاقات متشابكة
في مذكّراته كتب برغمَن أنه لم يكن راضياً كثيراً عن فيلمه »عار« لأنه شعر بأنه اقترب اكثر من اللازم من الحرب التي في خلفية الفيلم، وأنه يحب النصف الثاني من الفيلم، اي بعد توقف الحرب وسقوط الزوجين في صمت مطبق بعدما أدرك كل منهما الثمن الكبير الذي دفعه لكي يبقى على قيد الحياة٠
لكن ما لم يستطع المخرج إنجازه في »عار« عاد إليه في فيلمه اللاحق (وفي نفس العام) وهو »عاطفة آنا« حيث  أربع شخصيات فوق جزيرة (جزيرة فارو التي كان للمخرج فيها منزلاً) يعيشون حالات عاطفية متباينة. أحد هذه الشخصيات هو أندرياس (ماكس ڤون سيدو) الذي تركته زوجته وجارته التي تعرج آنا (إيف أولمان)  التي تدّعي أن زوجها تركها، ثم إليس (إرلاند جوزفسون) وزوجته إيفا (بيبي أندرسن). كلما تشابكت العلاقات كلّما تفتحت عن خلفيات ومفاجآت من بينها سبب عرج آنا والماضي الذي تحاول أن تخفيه حول زوجها٠
هنا الحرب الكبيرة المدمّرة داخل شخصياته٠ أبطاله في هذا الفيلم، مثل بركان لا تشعر بوجوده في مطلع الأمر لكنك بعد قليل تدرك أنه هناك وتتوقّع له أن ينفجر. وإنفجاره يترك شروخاً على الشخصيات. تلك  الجروح الداخلية تخرج الى العلن٠
برغمَن كان يستحوذ على الإهتمام كلّما حصر اهتمامه بالشخصيات المنفردة والبعيدة، كما هو الحال في فيلمه الرائع »برسونا« حيث الممثلة التي قررت، من دون سبب ظاهر، التزام الصمت وممرّضتها التي تتحدّث كثيراً. التضاد ليس بهدف الكوميديا، وهو سريعاً ما يكشف عن صدام نفسي وعاطفي حاسم تخرج منه كلا المرأتين  كما لو دخلتا فعلاً حرباً خاسرة ومؤلمة٠
في السبعينات استمرّت أفلامه تؤكد خامته الذكية وموهبته الفذّة في التعامل مع الذات البشرية كما في »صرخات وهمسات«، »وجهاً لوجه«، »سوناتا الخريف« وسواها
في الثمانينات خف زخمه السينمائي في مقابل إنشغاله المسرحي والتلفزيوني. لكن ذلك لم يمنعه من إنجاز »فاني وإلكسندرا«  (1982) الذي استقبل جيّداً وإن لم يكن فنيّاً بقوّة فيلمه السابق »صرخات وهمسات« الذي دارت أحداثه في فترة مطلع القرن العشرين.  في التسعينات خف الزخم أكثر  وانصرف برغمَن الى التلفزيون ثم الى العزلة التي طالما تحدّث عنها من خلال شخصياته٠

 3
ثلاثية الصمت
Winter Light/ Through A Glass Darkly/ The Silence

Winter Light
كل الأفلام التي أخرجها برغمَن من بعد العام 1982 تلفزيونية الإنتاج. بعضها تمتّع بالعرض التلفزيوني
After the Rehearsl كما حال: بعد التمارين
Saraband  وساراباند
وبعضها بقي ضمن نطاق الشاشة الصغيرة. لكن شروط العمل بين الوسطين  السينما والتلفزيون لم يتغيّر. لا شيء يمنع مطلقاً من معاملة  «بعد التمارين» و»ساراباند» كفيلمين سينمائيين. حجم الإنتاج ليس محوراً رئيسياً او عنصراً فاعلاً في هذا القرار كون برغمَن اعتاد إنجاز أفلامه بميزانيات محدودة (وإن خرج عن هذا النطاق بضع مرّات كما الحال في «صرخات وهمسات» و»فاني وألكسندر» الذي كان آخر أفلامه المنتجة للسينما٠
هذه الناحية تتجلّى أهميّتها بالنظر الى أن المخرج الذي يستطيع الوصول الى حالة إبداعية تصبح عنواناً وحيداً له وصفة منفردة لأعماله، سيستطيع فرضها على الوسيط التعبيري الذي يشتغل به وليس العكس. الحاصل عادة هو أن يقبل المخرج بشروط العمل التلفزيوني المختلفة، كميزانيات وإمكانيات فنية وجمهوراً ، عن تلك السينمائية وقد يمنح لنفسه العذر في ذلك. لكن برغمَن من القلائل الذين لم يتأثّر منوال أعمالهم بالعناصر المختلفة لهذين الوسطين. تنظر الى "ساراباند" (2003)  فإذا به سينمائي بقدر ما كان عليه فيلمه "مشاهد من زواج" (1973) مثلاً٠
أحد الأسباب الموجبة هو الإقتصاد في عناصر التعبير. حتى أفلام برغمَن "الكبيرة" مثل "فاني وألكسندر"، لم تكن كبيرة لأن ميزانياتها كانت أكبر بكثير من تلك التي أنجز فيها  "الصمت" و"برسونا" و"عار" في الستينات، بل لأن المادة التي بين يديه تطلّبت شؤوناً فنية وأماكن تصوير أعلى بقدر معين من المعتاد بالنسبة إليه. ما يفيد بأن عمله غير متأثر، كما عند بعض المخرجين الآخرين، بالميزانية وبالتالي بنوعية الجمهور الذي قد يقبل على فيلم له أكثر "ثراءاً" مظهرياً من اقباله على فيلم متقشّف له٠
على ذلك، لابد من ملاحظة أن أفلامه، من حيث المضمون ومن حيث ما قد يذهب اليه المخرج من اختيارات تعبيرية، تختلف عن بعضها البعض. مثلاً "الصمت" و"من خلال منظار داكن" و"ضوء شتوي"، هي ما يُسمّى بـ "دراميات غرف" او
Chamber Drama بـ "دراميات غرف" وهي ترجمة محددة بالعبارة الغربية
وتعني الأحداث التي تقع -غالباً إن لم يكن كلّياً- في غرف داخلية، بينما "برسونا" و"ساعة الذئب" و"العار" مثلاً هي أفلام تخرج من المكان الواحد. ومن يتابع الأفلام المذكورة كدراميات غرف سيجد ما ينفي أن المخرج حدد لنفسه أطراً ضيّقة يعمل بمقتضاها.  حسب وصف برغمَن في فيلم أخرجه عنه فيلغوت سيومان هذه الأفلام المحصورة مكاناً هي "أفلام تتعامل مع الإختزال" ويعني بذلك اختزال العالم الى غرفة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن بعض التصوير لن يحدث خارجها، والمشاغل الكونية الى أخرى نفسية وعاطفية بحدود العلاقات بين الشخصيات المحددة٠ ربما أكثر هذه الأفلام تعبيراً عن المقصود "ضوء شتوي"  (1962) الذي يدور حول راهب مؤمن يجد نفسه غير قادر على بث الأمل في ذات رجل لجأ اليه في محنة: العالم مهدد بالفناء النووي ورجل الدين لم يعد يعرف أين تكمن تعاليم الدين في أزمة كهذه: هل سيترك الله الصالحين يموتون على أيدي الأشرار؟ أين المعنى المتوخّى من الحياة؟ أين تذهب التعاليم والمباديء وماذا تفعل بنفسها حيال طغيان وضع يخرج عن كل قدرة بشرية لفهمه او لمواجهته؟  لكن الفيلم، كأفلام برغمَن الأخرى عبارة عن جوهرة داخل جوهرة. مثل صدفة تحوي لؤلؤة وصدفة أخرى تفتحها فتجد لؤلؤة أكبر فتتساءل كيف يمكن للصدفة الكبيرة أن تدخل وتختفي داخل تلك الصغيرة؟
الراهب (غونر بيورنستراند) لا يستطيع أن يجد حقيقة مقنعة. الرجل الذي لجأ إليه هو صيّاد بسيط بأسئلة معقّدة (ماكس ڤون سيدو- أكبر الممثلين الذين لا يزالون يظهرون على الشاشة سنّاً اليوم) وحين لا يجد الإجابات المقنعة يقرر أن يتحدّى المنطق الديني والمفهوم الإلهي وينتحر. ثم هناك المدرّسة مارتا (إنغريد تولين)  التي تعاود الراهب وتستمع له وتحاوره من باب محاولتها مساعدتها على الصعود من حفرة إيمان وجد نفسه فيها٠
هناك بضعة شخصيات أخرى، لكن الدراما الفعلية محصورة بين هؤلاء الثلاثة والمخرج ومدير تصويره سڤن نيكڤست يعملان على زيادة الشعور بذلك. الممثلون محصورون بلقطات ثابتة قلّما تتحرّك فيها الكاميرا. الإضاءة طبيعية واي نَفَس قد يؤدي الى تحسيس المشاهد أن ما يشاهده هو سينما منتف من الشكل ومضمونه. ما يشاهده هو تسجيل لشخصيات تتبادل أحاديث مهمّة أمام كاميرا هي العين والأذن معاً تمعن النظر والسمع وما تلبث أن تجد نفسك وقد أصبحت هي٠
   هذا ضروري جدّاً لأن ما سيتتابع أمام عينيك ليس الحدث والحركة بل الصمت. صمت الأشياء من دون أن تفقد صوتها بالضرورة، وصمت الإنسان من دون أن يتوقّف عن الكلام بالضرورة. وهذا الصمت بوحي من الحالة التي يقصد المخرج تفعيلها: هناك كارثة نووية قد تقضي على البشرية لكن الله (سبحانه) صامت، حسب المفهوم المسيحي على الأقل، عن فعل شيء. الصمت لاحقاً ينتقل الى مشاهد معيّنة متبادلة بين الفرقاء. كل في الفيلم لديه مشهد يصمت فيه. لم يعد هناك ما يُقال٠

الرجل العاجز
هذا الصمت الذي يمزّق الصوت نجده في فيلمه الأسبق "من خلال منظار داكن". شخصيات الفيلم الرئيسية الأربعة المعزولة في بيت يقع فوق جزيرة صخرية آوت إليه طلباً للعطلة هي من شخصيات برغمَن المعهودة: الأب العاجز والفتاة المصابة بالجنون (شيزوفرانيا) والإبن الذي لا يعرف وجهته، ثم زوج إبنته الذي يماثله، ولو لأسباب مختلفة، ضعفاً. ضعف الراشدين موجود في أفلام برغمَن على نحو عام. لكنه هنا مقرون بخلطة سايكولوجية تشمل ضعف العلاقة القائمة بين الفرقاء: الأب هو كاتب روائي يجد في معاناة إبنته (التي تسمع الجدران تتكلّم، كما يتراءى لها) مناسبة لاستخلاص موضوع روايته المقبلة. الإبن غارق في أفكاره الجنسية المضطربة (مع خطر الإنجراف الى علاقة آثمة مع شقيقته). اما الزوج فلا يجد سوى كلمات جوفاء ينثرها على مسمع زوجته (إبنة الروائي) في معاناتها الصعبة، علماً بأنه طبيب٠
هذا الفيلم تم تحقيق قبل عامين من "ضوء شتوي" وتستطيع إذا ما شاهدتهما واحداً تلو الآخر اختيار الشخصية المتكررة لحد التكامل بينهما: ذلك الطبيب العاجز عن فعل شيء يماثله ذلك الراهب العاجز عن فعل شيء٠

Through A Glass Darkly من خلال منظار داكن
 التكرر (وليس التكرار) نجده أيضاً في الشخصية التي تؤديها إنغريد ثولين في "ضوء شتوي« وهرييت أندرسن في "من خلال منظار داكن" لأن شخصية  إنغريد في "ضوء شتوي" تعاني من وضع صحّي كما شخصية هرييت في "من خلال منظار داكن"، والمخرج في الحالتين يستدعي المرض الذي تعاني منه البطلة لكي يوجّه تهمة العجز على الرجل. هنا الراهب أيضاً ليس لديه سوى كلمات تطمينية فارغة للمرأة التي تحبّه. الشيء الثالث الذي نجده موجوداً بين الفيلمين (ثم بينهما وأفلام أخرى له) هو تشييد الأحداث في منطقة معزولة وجافّة من الحياة. أعتقد أن عديدين من  عباقرة الإخراج يرتاحون أكثر بعزل شخصياتهم عن محيط مدني عامر. تاركوفسكي، بيلا تار (كما مرّ معنا) ، سوخوروف، أنجيلوبولوس، ساتياجت راي، أوزو، أنطونيوني الخ٠٠٠ وإذا ما تعاملوا مع المدينة تعاملوا معها بشروطهم مقتصرين على ميكروسكوب اجتماعي ينتقونه بعناية. عند برغمَن العزلة تجرّد الشخصيات من اتصالاتها مع المحيط الأكبر ما يسهل كشفها. تصبح مسألة وصفها أكثر  سهولة وتركيزاً. لاحظ، حتى في "برسونا" نجد المخرج يكتفي بدقائق معدودة من بطلته ليڤ أولمَن فوق المسرح تمثّل. بعد ذلك يتم نقلها الى المستشفي معزولة ثم بعد عزلها هناك الى بيت معزول يقع علي شاطيء البحر ولو أنه بيت أكثر جمالاً من كنيسة "ضوء الشتاء" او منزل "من خلال منظار داكن"٠ 
في مدينة غريبة
من هذه المواجهات بين النفس والنفس ثم النفس وباقي الأنفس يطبق الصمت  المخيف ناضحاً بالوصف المتعمّق للشخصيات وللحالات مجتمعة. أصحاب هذه الحالات أناس بائسون غير سعداء (كمعظم شخصيات برغمَن في كل أفلامه) وكل لديه مشهد يعيشه وحيداً بما في ذلك الأب الذي يبكي وحيداً في غرفته. المرّة الوحيدة التي يظهر فيها عطفاً لكن ليس صوب الآخرين بل صوب نفسه التي يراها فشلت في كل شيء.  الفيلم ليس خالياً من مطبّاته. كل ذلك الفضاء المزدحم بالمشاعر يسيطر على المادة المروية لدرجة أن المفاد يبقى هلامياً الى حد بعيد. ولعل برغمَن أدرك ذلك حين وضع على لسان الزوج مونولوغاً  حول الخلاص المحتمل عبر طريق واحد هو الحب٠
وهذا كلّه يقود في النهاية الى "الصمت" (1963) كما لو أنه لم يعد بإمكان المخرج برغمَن سوى الإقرار بأن الخيط الواحد الجامع بين مفادات فيلميه السابقين وهذا الثالث هو الصمت بذاته٠ إنه ثالث الثلاثية  وأحد أعماله التي تمتد يميناً ويساراً في تشعّب يتجاوز الثلاثية الى أفلام أخرى. لكنه ليس للذين من السهل جرح مشاعرهم، فهو يحتوي على مشاهد لو لم تكن من صنع برغمَن لوُصفت بالرخيصة. المشاهد في هذا الشأن سيقرر إذا ما كان أُهلاً لذلك أم لا، علماً بأن حقيقة أن المخرج لم يصنع أفلاماً هشّة او رخيصة او بذيئة وأنه دائماً ما سابق سبباً قويّاً لما يقوم به كفيل بصياغة العلاقة بين هذا الفيلم والمشاهد المدرك٠

The Silence  الصمت
 لقد سبق لي وأن تحدّثت عن هذا الفيلم في العدد 302 من "ظلال وأشباح" ملاحظاً أن الفيلم يتعامل وقدر من العلاقات العاطفية الشائكة بين بطلتيه شقيقتان سويديّتان أكبرهما سناً هي إيستر (إنغريد ثولين) الأخرى أسمها آنا (غونل لندبلوم)  التي تصحب معها إبنها الصغير٠ يصل الثلاثة الى بلد غير محدد. لا يفهمان لغته (لكنه بلد أوروبي). تلازم ايستر حجرة العائلة في ذلك الفندق شبه المهجور، بينما تذهب آنا الى السينما وحين تعود، بعد مشاهدة شاب وفتاة يمارسان الحب في قاعة السينما، تجلب معها رجلاً لتمارس الحب معه. عمل يثير امتعاض شقيقتها إيستر... لكن ليس مطلقاً من زاوية أخلاقية. إيستر تحب آنا حباً مثلياً مكبوتاً٠
 وهو فيلم من تلك القليلة لبرغمَن التي تدور في المدينة. لكن لاحظ أن الشقيقتين هما في مدينة لا يفهمان لغتها (ما يفرض العزلة ذاتها). ليس فقط أن التواصل الصحيح بينهما مقطوع، بسبب عداء مستحكم فيما بينهما، بل هو أيضاً مقطوع بين إبن آنا الصغير وبين المحيط الخارجي بأسره. ليس لدى ذلك الصبي  سوي عينيه يرقب بهما ما يدور بين أمّه وخالته، وبين كل واحدة ونظرتها للأخرى٠

 4
أفلام إنغمار برغمَن مع ليڤ أولمَن


يمكن تقسيم مراحل سينما إنغمار برغمَن من عدة زوايا: هناك مراحل من حيث الموضوعات المختارة (علماً بأنها تتداخل وجذور ما تطالعه في "برسونا" (1966) مثلاً  قد تجدها في "ميناء النداء" (1946) كأول فيلم لـبرغمَن طرح فيه موضوع الإنتحار وكلا الفيلمين مختلف تماماً عن الآخر في الوقت نفسه. هناك مراحل تتعلّق بمدراء تصويره المتعاقبين الذين اشتغل معهم  أكثر من مرّة، من ثاني مدير تصوير تعامل معه وهو غونر سترندبيرغ الى سڤن نكڤست، او حسب قربه او بعده عن موضوعاته المفضّلة وهو الذي اضطر لخوض بضع تجارب خارج السويد  بسبب مشاكل بينه وبين الضرائب. هنا اخترت زاوية لها علاقة بالعمل مع ممثلته المفضّلة ليڤ أولمَن من حين وقوفها لتأدية بطولة "برسونا" الى  حين عودتها اليه في آخر فيلم منجز له "ساراباند" (2003)٠

ليڤ أولمَن  (71 سنة حالياً) هي واحدة من بضع ممثلات عملن بشكل مستمر مع المخرج السويدي الأشهر٠ في الحقيقة واحد من التقسيمات الممكنة يكمن في النظر الى مجموعات أفلامه التي خصّتها لعدد من الممثلات الدائمات. هناك عدّة حقب مثيرة للإهتمام الى جانب أنه فضّل التعامل مع ممثلين وممثلات في شكل دائم وخلال مراحل عديدة٠
هناك نوعان من الممثلين الذين تعامل معهم برغمَن: نوع تعامل معه لفنّه: ستيغ أولِن الذي لعب في أول فيلم من إخراج برغمَن وهو "مأزق" (1946)، نعيمة وفستراند (وهذه ممثلة غير معروف عنها الكثير مثّلت في نحو 60 فيلم سويدي من العام 1927) و غونار بيورنستراند، الذي ذكرته قبل قليل وهو من لعب معه دور الراهب في "ضوء شتوي" ومثّل تحت إدارته من أفلامه الأولى، ثم مرحلة ماكس ڤون سيدو وإرلاند جوزفسون  اللذان ظهراً في الفترة الذهبية من أعمال برغمَن خلال النصف الثاني من الستينات وما بعد٠
النوع الثاني هو نوع تعامل معه المخرج لفنّه أيضاً، كما لجماله وجاذبيته الجنسية. وهذا النوع مؤلّف من الممثلات هارييت أندرسن وبيبي أندرسن وكابي لاريتي، وإنغريد ثولين. وهو ارتبط بهن جنسياً وعاطفياً وتزوّج من بعضهن (كان لا يزال في الأربعينات يعيل زوجتيه السابقتين حين اقترن بالثالثة: هارييت أندرسن)٠ لكن لاحظ أنه تعامل معهن  لفنهن أيضاً. برغمَن لم يكن بواد وضع كل جميلة في البطولة لمجرد رغبته بها. وأنا هنا اشطط قليلاً في الوصف فلعل برغمَن أحبّهن فعلياً  طريقة حب فديريكو فيلليني لكل نسائه في "ثمانية ونصف"٠
صاحبت ليڤ أولمَن  سينما برغمَن في تلك الفترة التي طرح فيها بعض أهم وأصعب دراميّاته. لولاها، لولا ملامح وجهها الذي يجمع بين الهدوء المريب والجمال الحذر لما حملت أفلامه معها جوهر الشخصية المنشودة بذات القدر من العمق٠

Persona (1966) *****
اختارها أوّلاً لكي تقف أمام الرائعة بيبي أندرسن في "برسونا"(أنظر أدناه). لولاهما لاختلف التأثير بلا ريب. إنه واحد من أفضل أفلام برغمَن، بل ربما هو برغمَن فعلياً، وأكثر ما يمنح الفيلم هذه الميزة هي المجابهة بين شخصيّتين  تنطلق قواماً للفيلم بأكمله وتنتهي بنجاح وهي (أي المجابهة) لا تزال حياة الفيلم وجوهره. ليڤ أولمن هنا هي ممثلة قررت الصمت فجأة بينما كانت تؤدي دوراً مسرحياً ما اقتضى نقلها الى مستشفى. بيبي أندرسن، ممرّضة ستأخذ إجازة تمضيها في البيت المنعزل عند الشاطيء خارج المدينة (ككثيرين سواه كان برغمَن في صدام مع المدينة) وستأخذ الممثلة معها لعلّها تكسر ذلك الصمت (هو الصمت يا عزيزي في سينما برغمن). لن تجعل، لكن أولمَن ستنطق من دون أن تتكلّم. ستشعر وستحس وستدخل شخصية ممرّضتها والإثنتان ستتلاقيان في حالة واحدة وتختلفان في كل الحالات الأخرى٠

Hour of the Wolf (1967) ***
في فيلمها الثاني مع برغمَن "ساعة الذئب" (والأول لها مع ماكس ڤون سيدو) تؤدي دور زوجة فنان يمضي الليل وهو ينظر الى شمعة، وحين يتحدّث لزوجته يفصح لها عن أحلام غريبة. بقدر ما كانت أولمَن فاعلة بصمتها، بقدر ما هي هنا، ولو أنها هنا، وفي البداية، ليس لديها الكثير مما تفعله سوى الإصغاء لزوجها. حين تبدأ بملاحظة حالة القنوط الشديدة التي ينجرف زوجها فيها، تحاول قدر استطاعتها إيقافه. لكن كل شيء، بمن فيهم مواطني الجزيرة التي تقع فيها الأحداث، باتوا ضدهما. إنه فيلم رعب طريقة برغمَن حيث ما هو مرعب ليس الوحش في الخارج بل في الداخل، وليس الإنسان بل ما يقبع داخله من ذكريات وآلام مكبوتة٠

Shame (1968) ***
بعده "عار"  (1968) مع ماكس ڤون سيدو وغونا بيورنستراند : دراما كالحة كباقي أفلام برغمَن في تلك المرحلة وأحد أفلامه القليلة التي تتعاطى الحرب. هي تزور الفيلم صوتاً أولاً (إشاعات ثم طائرات محلّقة) ثم تتبدّى من خلال هبوط جنود بينهم الضابط (بيورنستراند) الذي يمارس الحب مع الزوجة إيڤا روزنبرغ من دون ممانعتها ومن دون اكتراث برغمَن لتقديم تبرير (أحد القلّة حول العالم الذي يستطيع التغاضي عن تقديم تبرير ما. سرّه في ذلك عمق معالجته للذات الإنسانية الضائعة بحيث لا يصبح التبرير ضرورياً في كل الحالات). قبل ذلك، نتعرّف عليها وزوجها فوق تلك الجزيرة. حياتهما في مطلع الفيلم هادئة ووديعة وبعد ذلك  نكتشف أنها متداعية لا أمل في استمرارها. معطوبة، مثلها في ذلك مثل الراديو الذي لا يعمل والذي يحاولان سماع أخبار الحرب القريبة من دون فائدة. الزواج الفاشل المرتطم بصخور الزمن المنهار هو واحد من التيمات التي طرحها برغمَن من قبل في العديد من المرّات(بدءاً من "للمتعة" سنة 1950)٠

Passion of Anna (1969) ****
بعد عام واحد ظهرت أولمَن في بطولة "عاطفة آنا" (وآنا هو أسم شخصيّتها في "برسونا"). ما هو غريب في سينما المخرج هو قدرته على العودة الى الموضوع ذاته برؤوسه الثلاث (العزلة، الشخصيات التي تعاني من الوحدة في عمقها، المواجهات المنفجرة تبعاً لذلك مع النفس والنفس الآخر كما مع الوجود ذاته) ودائماً على نحو جديد. هنا تقع الأحداث فوق جزيرة (ما يجعل الفيلم ثالث الثلاثية التي تتخذ من الجزيرة المعزولة مكاناً) . ماكس ڤون سيدو يعيش وحيداً بعد زواج فاشل وفي يوم تدخل منزله جارته العرجاء طالبة استخدام هاتفه. يسمح لها. حين انصافها تنسى حقيبتها فتتسلل أصابعه الى تلك الحقيبة ويخرج رسالة يقرأها. إنها من زوجها الذي يخبرها السبب في أنه هجرها. هذا يفتح مجالاً للقاء أندرياس (ڤون سيدو) بآنا وبناء علاقة تبدو سائرة في إتجاه عاطفي صحيح لولا اكتشافه لاحقاً أسراراً كان عليه أن يعرفها قبل أن ينقاد الى علاقة. أولمَن رائعة في هذا الدور: إمرأة تبدو مستسلمة كما لو كانت ضحية، لكنها من القوّة بحيث تستطيع أن تدمّر حياة من يجاورها (وقد فعلت ذلك لكني سأحفظ السر هنا) وهذا سبب عاهتها. فجأة المرأة الضحية هي المفترسة وعليك مراقبة أولمَن في انتقالها التدريجي من مطلع الفيلم الى نهايته٠

Cries and Whispers (1972) ****
كان "عاطفة آنا" آخر فصل في مرحلة التعاون بين أولمَن وبرغمَن وحين عادت إليه سنة 1972 "صرخات وهمسات" لاعبة دور واحدة من الشقيقات اللواتي يتصدّرن بطولة الفيلم (لجانب كاري سيلڤن وإنغريد ثولين) كما دور الأم، نجد لديها جديداً تورده. في هذه الدراما التي تقبع في تاريخ مطلع القرن الماضي هي أصغر الشقيقات مبالغة في الأنانية الذاتية. تخون زوجها (هنينغ مورتزن) الذي حين يحاول الإنتحار بسبب ذلك، ترفض نجدته او زيارته٠ "صرخات وهمسات" من بين أفضل أفلام برغمَن وفي ذات الوقت أكثرها إثارة للصدامات العاطفية. كالعادة ليس هناك من شخصية سعيدة (الا في الظاهرة كشخصية ماري كما تمثّلها أولمَن) وكالعادة أيضاً هناك ألم وميض في حياة الجميع لأسباب تتعلّق كلها بالصمت الذي مارسته على نفسها تبعاً لذاكرة مجروحة طوال الوقت٠

Scenes From a Marriage (1973) ***
سادس أفلام ليڤ أولمَن تحت إدارة برغمَن ورد سنة 1973  تحت عنوان "مشاهد من زواج"  لجانب إرلاند جوزفسون وبيبي أندرسن. دراما ذات مظهر بسيط لكن إذا كنت تعرف المخرج فلا شيء بسيطاً في عالمه: هي ماريان وزوجها (جوزفسون) يوهان. في البداية نتعرّف عليهما زوجين سعيدين. لكن الزوج يرتبط بعلاقة خارجية ينتج عنها الطلاق. بعد مرور فترة من الزمن يتزوّج فيها كل منهما من جديد، يبدآن لقاءات كاشفة تؤدي الى نهاية سعيدة (بمواصفات برغمَن على الأقل) . ليس أنهما سيعاودان الزواج، بل سيكتشفان أنهما لا يصلحان كزوجين.  ليس أفضل أفلام برغمَن ربما لأن قدر التحديات والصدامات أقل ومختلف وليس بذات العمق الناتج عن الصدامات الأخرى. وسوف يعود المخرج الى حكايتهما في فيلمه الأخير "ساراباند" كما سنرى٠

Face to Face (1976) ***
في كل ما مر، لا زال أداء أولمَن في "برسونا" الأكثر تميّزاً (القول أنه الأفضل سيجبرني مراجعة كل هذه الأفلام من جديد فقط للتأكد من صحّة هذه الملاحظة). الآن هي في دور صعب وجيّد آخر تؤديه بعمق قلّما شاهدناه من ممثلات تعاطين تأدية شخصيات مرهقة بما يتفاعل تحت بشرتها. هي هنا طبيبة نفسية سعيدة الى حين تزور منزل جدّيها حين يغيب زوجها في رحلة عمل. تلتقي بإمرأة ذات عين واحدة واللقاء يفتح صندوق أسرار من الأمس. لكن المرأة تبدو كما لو كان عليه الممثل بَنت إيكروت حين لعب في "الختم السابع" ، سنة  1957 وتحت إدارة برغمن دور عزرائيل (او ملاك الموت). هنا هي إيذان بالنهايات التي على الطبيبة توقّعها. بعد ذلك يدخل "وجهاً لوجه" مرحلة طاغية من الهواجس والأحلام. برغمَن الذي وظّف الأحلام لمصلحة رؤاه النفسية طوال الوقت، يفتح المجال على الآخر لتلك الأحلام فتصبح الفيلم كله او تكاد. لكن هذا لن يؤثر كثيراً على كيف تؤدي أولمَن شخصيتها الصعبة او كيف ستتعامل حيال الحاضر الذي، كما في أعمال المخرج كلها، هو مخاض للأمس٠

Serpent's Egg (1977) **
ما حدث مع إنغمار برغمَن في هذا الفيلم هو أهم من الفيلم نفسه: لقد هرب من حكم قضائي سويدي بحبسه بسبب خلاف على دفع الضرائب ولجأ الى ألمانيا (الغربية آنذاك) حيث قبل عرضاً من المنتج دينوديلا رونتيس لإخراج هذا الفيلم الذي على الرغم من كتابة برغمَن له واعتماده على فن مدير تصويره المفضّل سڤن نكڤست، بدا خارج منوال برغمَن وحاملاً تلك المتاهات التي قد يتعرّض لها المرء إذا ما وجد نفسه في بيئة مختلفة تماماً عن بيئته التي اعتاد عليها. أول فيلم له خارج السويد (وثاني فيلم له بالإنكليزية بعد "اللمسة") سنة 1971 الذي تولّته بيبي أندرسن). تقع الأحداث في برلين خلال مطلع العشرينات، وكما سبق القول أعلاه، برغمَن لا يحب المدن ولا تصوير أحداث فيها (وبل هو أكثر ارتياحاً في مناطق معزولة) فما البال بأحداث عليها أن تقع في عاصمة في وضع سياسي مضطرب في بلد غير بلده؟ كملاذ يضع بطليه (الأميركي ديفيد كارادين وليڤ أولمن) في داخل منزلها ويترك للمشاهد متابعة ما يحدث للبلد، صعود وهبوط النزعة النازية قبل صعودها من جديد في الثلاثينات، من وراء النافذة ولو أنه ينزل الى الشارع مجدداً ليصوّر أحداثاً في الكنه ذاته. في حين هي تعلم ما تقوم به، يبدو كارادين كما لو يحاول إنجاز مهمّة مستحيلة: البرهنة على أنه يعيش ويتحسس وضعاً غريباً وجديداً عليه منتقلاً من شخصيّة محارب الكونغ فو (في بعض أفلامه ومسلسلاته الأميركية ذلك الحين)  الى عالم برغمَن البعيد تماماً٠

 Autumn Sonata (1978) **
سيكون آخر لقاء بين أولمَن وبرغمَن حتى الفيلم الأخير بينهما بعد عقود. وواحد آخر من أعمال  برغمَن السبعيناتية التي تبحث عن سبب. هو أيضاً فيلم مواجهة بين أم وإبنتها (الموضوع الذي تطرّق إليه برغمَن في أول أفلامه، "مأزق" سنة 1946). الأم هي إنغريد برغمَن (لا قرابة بين الممثلة الأميركية والمخرج السويدي) تزور إبنتها زيارة ودّية تنقلب الى مجابهة  حين تضطران لفتح صندوق الماضي والعلاقات التي تتحمّل كل منهما وزراً مختلفاً. أولمَن تقوم بدورها جيّداً وتطغى لكن الفيلم هو "سرڤيس" للعاملين فيه عوض أن يكون أصيلاً كسابق أعمال المخرج٠

Saraband (2003) ****
اللقاء الأخير بين أولمَن وبرغمَن (والفيلم الأخير له) هو تكملة لفيلم "مشاهد من زواج" لكن المخرج هنا يعود الى كل عناصر إبداعاته بما فيها تلك التي لم تتبلور جيّداً في فيلمه ذاك. أولمَن أكبر الآن وأنضج ولكنها لا تزال معرّضة لخضّات عاطفية ونفسية حين تزور زوجها السابق (جوزفسون) . علي ذلك لن تقع منهارة او ضحية اكتشافات جديدة، بل ستقوى على محنها بطريقة أفضل
تناولت هذا الفيلم أكثر من مرّة في "فيلم ريدر". النقد كاملاً في العدد: 21
5

أليس في السينما السويدية سواه؟
نظرة على مخرجين مهمّين آخرين في السينما السويدية لم تُسلّط الأضواء عليهم جيّداً. كما يُلاحظ لم يكن هناك من هو أكثر غزارة باستثناء غوستاف مولاندر الذي ينتمي الى جيل أسبق٠ نوعياً، لا أحد في نهجه لكن ذلك لا يعني أنه كان أقل من برغمَن  موهبة لكنه بالتأكيد أقل منه على الإتيان باهتمامات فلسفية يواكبه أسلوب محض ذاتي كما عند برغمَن٠

Roy ANDERSON
مواليد: 1943 | سنوات المهنة: 1967 لليوم | عدد أفلامه للآن:  7
أفلام روي أندرسون الكوميدية السوداء تجعله اليوم واحداً من المخرجين الأوروبيين المتميّزين  على قلّة أعماله كما يشهد فيلميه الأخيرين
Songs From the Second Floor  (2000)
You, the Living  (2007)

Stig BJORKMAN
ستيغ بيوركمان
مواليد: 1938 | سنوات المهنة: 1968| عدد أفلامه للآن: 14
أنطلق من كتابة النقد السينمائي وانتهى مخرجاً وحقق في مسيرته بضعة أفلام وثائقية بينها فيلمه عن
But Film is My Mistress الممثلة ليڤ أولمَن عرضه هذا العام في "كان" وعنوانه
كما سبق له وأن أنجز في العام السابق 2009) فيلماً قصيراً عن برغمن نفسه هو
Images from the Playground

Lasse HALLSTROM
مواليد: 1946 | سنوات المهنة: 1974 لليوم | عدد أفلامه للآن:  21
بدأ في التلفزيون (أعماله التلفزيونية غير محسوبة هنا) سنة 1973 وانتقل الى السينما بفيلم شوهد في سينما أديسون في بيروت سنة 1977 حول فرقة آبا الموسيقية وعنوانه
بعد ذلك أنجز أفلاماً عدّة في السويد حتى العام 1993 حين انتقل  ABBA: The Movie
هوليوود حيث باشر مرحلة جديدة حتى الآن نصف ناجحة. أفضل او أشهر أفلامه
My Life as a Dog (1985- Sweden),  What's Eating Gilbert Grape (1993), The Cider House Rules (1999), Chocolat (2000), The Hoax (2006).

Gustaf MOLANDER
Add caption

مواليد: 1888 | توفي في: 1973 | سنوات المهنة: 1967 حتى 1968 | عدد أفلامه:  73
هو فنلندي الولادة لكنه حقق أفلامه في السويد بدءاً من العام 1916. كتب له إنغمار برغمَن عدداً من أفلامه في النصف الثاني من الأربعينات بينها "إمرأة بلا وجه" (1947) و"إيڤا" (1948). مولاندر بدوره، قبل ذلك الحين، كتب سيناريوهات للمخرج فكتور سيوستروم، رائد آخر في السينما السويدية٠
Intermezzo (1936),  Ordet (1943), Eva (1948), Frustration (1951).

Alf SJOBERG
مواليد: 1903 | وفاة:  1980 | سنوات المهنة: 1967 لليوم | عدد أفلامه:  18
أنجازاته السينمائية ليست كل ما شغله. ألف سيوبرغ كان مخرجاً مسرحياً في الأساس وبقي المسرح شاغله الأول.  هذا ما يفسّر قلّة أفلامه التي من أهمّها
سنة 1944 الذي كتبه انغمار برغمن. أفلام أخرى، Torment
Miss Julie  (51), Iris and the Lieutenant (61),  The Island (66).

يان تروول
Jan TROELL
مواليد: 1931 | سنوات المهنة: 1966 لليوم | عدد أفلامه للآن:  18
سينمائي فذ ومخرج يحمل في مواضيعه مشاغل اجتماعية جيّدة. عادة ما يصوّر أفلامه بنفسه  وبعد أول فيلمين سويديين، أنجز فيلمين سويديين لهما علاقة بالهجرة صوب الولايات المتحدة في أواسط القرن التاسع عشر هما "المهاجرون"و "الأرض الجديدة" (وهما من بطولة ماكس ڤون سيدو وليڤ أولمَن) ثم فيلمي أميركيين هما "عروس زاندي" و"العاصفة" قبل عودته الى قواعده السويدية كاملاً٠ فيلمه الأخير
من بين  أفضل ما تم إنجازه سنة 1988  Everlasting Moments

Bo WIDERBERG
مواليد: 1930 | وفاة: 1997| سنوات المهنة: 1963 حتى 1996 | عدد أفلامه:  14
الأكثر اختلافاً من أترابه بسبب اعتباره أن السينما فن سياسي، عليه أن يحمل هموما اجتماعية ويعبّر عن وقوفه مع الطبقة العاملة . وأفلامه سعت لذلك، خصوصاً "أدالين 31"  (1969) الذي حكي عن تظاهرة عمّالية تصدّت لها الشرطة المتصالحة مع رأسالمال الذي نال جائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان "كان" سنة ، كما وضحت مواقفه في معظم أفلامه الأخرى
Karlek 65 (1965), Joe Hill (71), Man on the Roof (76), The Man From Majorca (86).

Mai ZETTERLING
مواليد: 1925 | سنوات المهنة: 1941 لليوم | عدد أفلامها للآن:  كممثلة 55. كمخرجة:  10
على قلّة أفلامها كمخرجة، مر حين في الستينات كانت فيه أساسية في الحركة السينمائية حينها.  مثلت تحت إدارة برغمَن في فيلم مبكر هو "الليل هو مستقبلي" (1948). أهم أفلامها مخرجة
Loving Couples (1964), The Girls (68), Doctor Glas (68).
6
الفيلم الذي هو برغمَن، سڤن نيكڤست وليڤ أولمَن معا
    برسونا


في العشرين من أيلول/ سبتمبر سنة 2006 مات مدير التصوير السويدي  سڤن نكڤست عن ثلاث وثمانين سنة و113 فيلما من تصويره بينها ثلاثة أفلام من إخراجه أيضاً، وخمسة عشر جائزة بينها أوسكاران٠
في الثلاثين من تموز/ يوليو 2007 مات عن 89 سنة المخرج إنغمار برغمن عن ست وستين فيلماً سينمائياً وتلفزيونياً وعشرات الجوائز  ليس من بينها أي أوسكار (بإستثناء جاذزة شرفية واحدة). إثنا عشر فيلماً من تلك التي أخرجها صوّرها له سڤن نيكڤست. واحد من أفضلها وأفضل أفلام برغمَن هو هذا الفيلم
Persona
والتالي هو نقد تحليلي للفيلم من وجهة نظر كل من المخرج ومدير التصوير والعلاقة بينهما


على الرغم من أن مدير التصوير سڤن نيكڤست عمل مع عدد كبير من المخرجين المعروفين في‮ ‬حياته،‮ ‬الا أن تعاونه مع المخرج إنغمار برغمَن‮ ‬يبقى أكثر مراحله أهميّة كون العلاقة بينهما،‮ ‬التي‮ ‬قامت بعد سنوات من بدء حياة كل منهما المهنية،‮ ‬كانت فنياً‮ ‬متشابكة بحيث من الصعب معرفة أين هي‮ ‬الحدود التي‮ ‬يقف عندها كل واحد تجاه الآخر،‮ ‬خصوصاً‮ ‬وأن إهتمام كل منهما بالطبيعة والضوء ومصدر النور والأجواء الإسكندناڤية بأسرها كان متساوياً‮.‬
وُلد سڤن في‮ ٣/٢١/٢٢٩١ ‬بإسم سڤن وِلِم نيكڤست في‮ ‬بلدة موهيدا في‮ ‬السويد إبناً‮ ‬لمبشّرين مسيحيين كانا‮ ‬يتركانه،‮ ‬طفلاً،‮  ‬عند أقارب لهما ويسافران في‮ ‬رحلات تبشيرية طويلة الى أفريقيا‮. ‬والمفارقة أن إنغمار برغمَن أيضاً‮ ‬كان إبناً‮ ‬لمبشّر ديني،‮ ‬وأن والد كل منهما منع إبنه من مشاهدة الأفلام‮. ‬

برغمن يتأكد بنفسه ومدير التصوير نيكڤست بجانبه
 كان نيكڤست في‮ ‬حوالي‮ ‬العاشرة حين عاد والداه واستقرّا في‮ ‬السويد،‮ ‬وفي‮ ‬الخامسة عشر حين اشترى كاميرا من نوع‮ »٨ ‬ملم‮«. ‬وفي‮ ‬التاسعة عشر من عمره عندما وجد أول عمل له في‮ ‬السينما كمساعد مصوّر وذلك بعد أن أمضى‮  ‬عاماً‮ ‬من التدريب في‮ ‬ستديو شينيشيتا،‮ ‬في‮ ‬روما،‮ ‬قبل عودته الى السويد‮.  ‬ثم مدير تصوير من العام ‮٣٤٩١ (٥٤٩١ ‬في‮ ‬بعض المراجع‮)  ‬وكان الإختيار المفضل لمخرج أقل شهرة اليوم مما كان عليها بالأمس أيضاً‮ ‬وهو شاميل بومان‮  ‬Schamyl Bauman‮. ‬حين قام نيكڤست بتصوير فيلم‮ »‬باراباس‮« (٣٥٩١) ‬و‮ »‬كارِن مانسدوتر‮« (٤٥٩١) ‬لحساب المخرج السويدي‮ ‬ألف سيوبيرغ‮ ‬Alf Sjoberg ‮ ‬الذي‮ ‬سادت شهرته أوروبا الى حين تألّق برغمَن عالمياً،‮ ‬أثار الإنتباه‮  ‬ما أدّى إلى لقائه ببرغمَن لأول مرّة مشاركاً‮ ‬تصوير فيلمه‮ »‬الليلة العارية‮«. ‬وكان برغمَن عيّن‮ ‬
إلتقى سڤن بإنغمار أول مرة سنة ‮٣٥٩١ ‬عندما شارك الأول بتصوير فيلم‮ »‬الليلة العارية‮« ‬هيلدينغ‮ ‬بلاد‮ ‬Hilding Bladh  مديرا لتصويره‮. ‬
كان هيلدينغ‮  ‬عمل مع برغمن أكثر من مرّة في‮ ‬ذلك الوقت،‮ ‬لكن‮ ‬غونر فيشر‮ ‬Gunnar Fischer‮ ‬كان أكثر من عمل معهم المخرج قبل إلتحاق نيكڤست به بشكل دائم من العام ‮٠٦٩١ ‬وصاعداً‮. ‬والمؤكد أن هذا الإلتحاق كان نتيجة خلاف فني‮ ‬بين برغمَن وفيشر بسبب ميل الثاني‮ ‬الى إغراق المشهد بإضاءة كاشفة على عكس رغبة المخرج في‮ ‬منحه إضاءة مبتسرة تلتقي‮ ‬وشخصياته‮. ‬لكن فيشر كان ميّالاً‮ ‬الى التعبيرية الأمر الذي‮ ‬لم‮ ‬يعتبره برغمَن مناسباً‮ ‬لأعماله،‮ ‬رغم إنه بدأ تعبيرياً‮. ‬

‬مع برغمَن‮ ‬
سنة ‮٠٦٩١ ‬صوّر نيكڤست لبرغمَن‮ »‬ربيع العذراء‮« ‬الذي‮ ‬نال أوسكار أفضل فيلم أجنبي‮ ‬حينها‮. ‬تبع ذلك ثلاثية احتوت على‮ »‬من خلال منظار داكن‮« (٠٦٩١) ‬و»ضوء شتوي‮« (٣٦٩١) ‬و»الصمت‮« (٣٦٩١) ‬وفيها جميعاً‮ ‬بصمة نيكڤست التصويرية التي‮ ‬أعتمدت مصادر الضوء الطبيعي‮ ‬إنما في‮ ‬موازاة لما‮ ‬يحتويه المشهد او ما تبديه الشخصيات في‮ ‬المشهد المعيّن‮. ‬وكإنعكاس لطبيعة العمل بين نيكڤست وبرغمَن تحدّث الأول عن كيفية تصوير‮ »‬ضوء شتوي‮«:‬
‮"‬تقع الأحداث في‮ ‬كنيسة في‮ ‬الشتاء‮. ‬وكنا‮ - ‬برغمَن وأنا‮- ‬نمضي‮ ‬ثلاث ساعات كل‮ ‬يوم ما بين الساعة الحادية عشر صباحاً‮ ‬والثانية بعد الظهر نتأمّل ضوء النهار‮. ‬ولاحظنا إنه‮ ‬يتغيّر فعلاً‮. ‬كنا قررنا أن لا نصوّر أي‮ ‬ظلالات للشخصيات او للديكورات لأن الظلال لم‮ ‬يكن منطقياً‮ ‬في‮ ‬مثل هذا الوضع‮. ‬هذه الدراسة التي‮ ‬استمرّت أسبوعاً‮ ‬ساعدت برغمَن على كتابة السيناريو‮"‬
قاوم المصوّر والمخرج فكرة التصوير بالألوان طويلاً‮ ‬الى أن خرقا القاعدة سنة ‮٤٦٩١ ‬عندما صوّر نيكڤست‮ »‬كل هؤلاء النساء‮« ‬الذي‮ ‬دارت أحداثه في‮ ‬عشرينات القرن،‮ ‬لكن نيكڤست لم‮ ‬يكن راضياً‮ ‬كثيراً‮ ‬عن النتيجة ورأى أن اللون سرق من الجو المطلوب‮. ‬هذا النقد الشخصي‮ ‬لم‮ ‬يثن النقاد حينها عن إعتبار تصوير نيكڤست نجح أكثر مما‮ ‬يعتقد مدير التصوير نفسه،‮ ‬ولاحقاً‮ ‬حين بدأ التصوير الملوّن على نحو متتابع،‮  ‬وجدناه‮ ‬يكمل من حيث بدأ إنما مع إنجاز أفضل بكثير‮. ‬الفيلم كان‮ »‬صرخات وهمسات‮« (٢٧٩١)‬،‮ ‬وهو الفيلم الذي‮ ‬نال عنه نيكڤست أوسكاره الأول،‮  ‬والذي‮ ‬دار أيضاً‮ ‬في‮ ‬حقبة تاريخية،‮ ‬ولو قريبة،‮ ‬وتطلّب أزياءاً‮ ‬خاصّة وإن لم‮ ‬يتغيّر مطلقاً‮ ‬جوهر أسلوب المخرج برغمَن في‮ ‬شتى نواحي‮ ‬العمل‮. ‬ما أضافه نيكڤست هنا هو دفء شديد في‮ ‬تلك الحكاية التي‮ ‬تقع معظم أحداثها داخل بيت كبير،‮ ‬والتي‮ ‬تتعامل،‮ ‬كعادة أفلام المخرج،‮ ‬مع العواطف والنفسيات والأفكار المحمّلة بمشاعر الذنب وطلب الغفران‮.  ‬
الأوسكار الثاني‮ ‬لـنيكڤست حصده سنة ‮٢٨٩١ ‬بمناسبة عمله على فيلم برغمَن‮ »‬فاني‮ ‬وألكسندر‮« (‬بالألوان‮) ‬والذي‮ ‬تخللته ذات الشروط المكانية والزمانية‮ (‬تقريباً‮)  ‬للفيلم السابق‮. ‬

مستويات
‮»‬برسونا‮« (٦٦٩١) ‬كان الفيلم الثاني‮ ‬عشر للمخرج إنغمار برغمَن الذي‮ ‬بدأ أفلامه مخرجاً‮ ‬وكاتباً‮ ‬سنة ‮٧٥٩١ ‬بفيلم‮ »‬الختم السابع‮« ‬The Seventh Seal
وكان أيضاً‮ ‬التعاون الكامل السادس بينه وبين مدير التصوير سڤن نيكڤست‮. ‬وهو من‮ »‬أصعب‮« ‬الأفلام تحليلاً‮ ‬من بين ما حققه المخرج ويعمل على عدّة مستويات فهناك مستوى العلاقة الخاصّة بين بطلتيه‮ (‬الممثلة المريضة بنوبة صمت لِف أولمَن والممرّضة بيبي‮ ‬أندرسن‮) ‬ومستوى ما‮ ‬يعنيه الرمز الكامن في‮ ‬تلك العلاقة من حيث ما نريد عكس صورتنا عليه في‮ ‬حين أن حقيقتنا قد تكون مناقضة تماماً‮. ‬لكنه من التبسيط القول في‮ ‬الصعيد الثاني‮ ‬هذا،‮ ‬إنه فيلم عن الكذب‮. ‬إنه بالأحرى فيلم عن المعايشة الداخلية وفي‮ ‬ذات الوقت عما نسمح لأنفسنا نقل هذه المعايشة الى مستوى ممارس في‮ ‬حياتنا اليومية‮.  ‬وهناك مستوى آخر‮ ‬يتعامل الفيلم معه هو في‮ ‬إختيار المخرج لما‮ ‬يود التعبير عنه بالطريقة التي‮ ‬يريد والتي‮ ‬تخلق أحياناً‮ ‬قدراً‮ ‬من حيرة المتلقّي‮ ‬حيال ما‮ ‬يراه‮. ‬لكنها حيرة محسوبة لا في‮ ‬عداد التركيبة الفنية التي‮ ‬حققها المخرج لفيلمه فقط،‮ ‬بل أيضاً‮ ‬في‮ ‬عداد التركيبة النفسية للشخصيات التي‮ ‬يتعامل معها‮.‬
هو أيضاً‮ ‬فيلم شعري‮ ‬ممتزج بلون تجريبي‮ ‬خاص من دون التخلّي‮ ‬عن عنصر الدراسة النفسية التي‮ ‬ميّزت الكثير من أفلام برغمَن حينها‮. ‬وهو آسر في‮ ‬كل استخداماته وعناصره ومفتاحها جميعاً‮ ‬واحد‮: ‬إختيارات المخرج السويدي‮ ‬من الإداءات‮. ‬من الحوارات‮. ‬من اللقطات،‮ ‬من حجم اللقطات‮. ‬من زوايا اللقطات‮. ‬من التوقيت الذي‮ ‬يختاره للإنتقال من صورة الى أخرى‮. ‬

 معالم قصّة‮ ‬


القصّة تبدأ بمقدّمة في‮ ‬مطلعها صورة لآلة عرض‮. ‬ثم بلقطات لا تسلسل واضح لها او وحدة ما‮: ‬صور‮. ‬ثوان من فيلم كرتوني‮. ‬أيدي‮. ‬ثوان من فيلم كوميدي‮ ‬صامت حول شخص‮ ‬يهرب من الأشباح بالإختباء تحت شرشف سريره‮. ‬عنكبوت‮. ‬ذبح نعجة‮. ‬شاشة من جنفاص‮. ‬شجر في‮ ‬زمن خريفي‮ ‬في‮ ‬غابة‮. ‬حاجز أسلاك‮. ‬ثلح‮. ‬شاب على سرير أبيض‮ (‬نائم او ميّت‮). ‬إمرأة عجوز‮ (‬نائمة او ميّتة‮). ‬يدان‮. ‬عودة الى الشاب‮. ‬رنين هاتف‮. ‬المرأة تفتح عيناها‮. ‬الشاب‮ ‬يتقلّب في‮ ‬سريره‮. ‬ومن هنا نبقى مع الشاب ونستغني‮ ‬عن كل الصور السابقة‮.‬
الشاب نحيف البنية‮. ‬يحاول إسدال الشرشف فوق كل جسده‮ (‬يبدو عاري‮ ‬الصدر والقدمين‮) ‬لكن الشرشف قصير‮. ‬نلحظ أن السرير الضيّق الذي‮ ‬ينام عليه بلا وسادة‮. ‬لا‮ ‬يستطيع العودة الى النوم‮/ ‬الموت‮. ‬يمد‮ ‬يده في‮ ‬مواجهة الكاميرا‮. ‬لقطة من خلفه حيث‮ ‬يرتسم‮ -‬في‮ ‬مواجهة‮ ‬يده‮- ‬وجه في‮ ‬البداية‮ ‬غير واضح الملامح‮. ‬ثم‮ ‬يتّضح تدريجياً‮. ‬إنها إمرأة وهو‮ ‬يلمس صورتها‮. ‬تغلق المرأة عيناها‮. ‬تنتهي‮ ‬المقدّمة‮.‬
الممرضة ألما‮ (‬بيبي‮ ‬أندرسن‮) ‬تتلقى تعليمات من‮  ‬الطبيبة في‮ ‬مستشفى تابع لأحد الأديرة‮: ‬ال،‮ ‬وراء مكتبها،‮ ‬تخبرها أن مريضتها هي‮ ‬الممثلة إليزابت ڤوغلر التي‮ ‬كانت‮ (‬وعند هذا الحد تنتقل الكاميرا الى صورة لِڤ أولمان تحت أضواء المسرح‮) ‬تمثّل مشهداً‮ ‬من‮ »‬إلكترا‮« ‬عندما صمتت‮. ‬ثم أخذت تضحك قبل أن تعتذر‮. ‬لاحقاً‮ (‬نعود هنا الى المشهد السابق‮) ‬توقّفت عن الكلام‮. ‬على ألما العناية بها‮. ‬

‮ ‬قتامة تدريجية‮ ‬
هناك الكثير مما قيل في‮ ‬عشر دقائق أولى‮. ‬لكن أوّل ما نلاحظ استخداماً‮ ‬فنيّاً‮ ‬مؤثّراً‮ ‬لعمل مدير التصوير نِكسڤت‮ ‬يبدأ من الدقيقة الإحدى عشر عندما نرى ألما تفتح النافذة وتعدّل وضع الستارة لدخول الإضاءة‮. ‬على وجهها،‮ ‬واللقطة متوسّطة قريبة،‮ ‬نور شمسي‮ ‬كما ظلال في‮ ‬جانب آخر‮. ‬النور والظلال معاً‮. ‬ومن بين ما أنجزه المخرج في‮ ‬دقائق الأولى تلك،‮ ‬تقديم ألما في‮ ‬حالة من المشاعر المتناقضة بين رغبتها في‮ ‬التعرّف على مريضتها،‮ ‬وممانعتها في‮ ‬ذات الوقت‮. ‬رغبتها في‮ ‬ممارسة وظيفتها ورغبتها في‮ ‬أن تمارسها مع مريضة أخرى‮. ‬هذا التناقض في‮ ‬المشاعر هو ما‮ ‬يرمز إليه المخرج ومدير تصويره سريعاً‮.‬
تتّجه ألما صوب سرير إليزابث ونلحظ الإستعانة المحدودة للإضاءة داخل الغرفة‮. ‬في‮ ‬الخلفية‮ ‬غير البعيدة‮  ‬ستارةة بيضاء هي‮ ‬الأكثر تعرّضاً‮ ‬للإضاءة‮. ‬في‮ ‬المقدّمة المرأتان في‮ ‬تغييب للإضاءة‮ ‬يجعلهما داكنتان‮. ‬تحاول ألما أن تدير جهاز الراديو الموجود لجانب اليزابث لكن إليزابث،‮ ‬من دون أن تنطق بكلمة‮. ‬حين تنسحب ألما من الغرفة،‮ ‬تهبط الكاميرا قليلاً‮ ‬الى مستوى اليزابث على فراشها‮. ‬وحين تعود إليها،‮ ‬بعد لقطة قصيرة لألما وهي‮ ‬تغلق باب تلك الغرفة وتفتح باباً‮ ‬جانبياً‮ ‬لتدخل‮ ‬غرفة أخرى‮ (‬وعلى وجهها تفكير وضيق‮)‬،‮ ‬نجدها في‮ ‬لقطة قريبة لوجهها،‮ ‬هي‮ ‬أولى اللقطات القريبة التي‮ ‬يستخدمها المخرج بكثرة في‮ ‬أفلامه،‮ ‬وفي‮ ‬هذا الفيلم بالطبع‮. ‬اللقطة على وجهها وهي‮ ‬تنظر قرب عدسة الكاميرا مباشرة تستمر طويلاً‮ ‬ويعلوها موسيقى ڤرلي‮ ‬على الكمان‮. ‬في‮ ‬منتصف مدّة اللقطة تقريباً‮ ‬تبدأ الصورة بالقتامة التدريجية‮. ‬جزءاً‮ ‬وراء جزء تغيب بعض ملامح الوجه،‮ ‬إنعكاساً‮ ‬لما‮ ‬يجول في‮ ‬بالها في‮ ‬تلك اللحظة‮ (‬من دون أن ندري‮ ‬ما‮ ‬يجول في‮ ‬بالها آنذاك‮) ‬او تماثلاً‮ ‬مع الدكانة التي‮ ‬تحتويها شخصيّتها‮. ‬بعد حين تلتفت إليزابث بعيداً‮ ‬وتغطّي‮ ‬وجهها بيدها‮.‬
لا‮ ‬يمكن إنجاح عملية إيصال ما‮ ‬يتفاعل في‮ ‬ذات الشخصية المذكورة من أحاسيس ولا ما‮ ‬يجول في‮ ‬بالها من أفكار من دون ذلك النجاح المسبق لمعالجة مدير التصوير للقطة ككل‮. ‬على بساطتها التكوينية مدروسة بعِداد الثواني‮ ‬ودرجات دقيقة من الحساسية الفنية‮. ‬

‮  ‬رجل على نار‮ ‬
يقطع برغمَن من هذا المشهد الى وصول ألما لسريرها‮. ‬أول ما تفعله رمي‮ ‬الوسادة‮ (‬تذكّر الصبي‮ ‬نائم من دونها‮) ‬تتغطّى لتنام‮. ‬تطفيء النور‮. ‬ظلام دامس‮. ‬تضيء النور‮ (‬الغرفة كلها بمستوى إضاءة ناعم واحد‮). ‬تأخذ علبة مسحوق وجه وتبدأ تدليكاً‮ ‬بينما تتحدّث عن مشروعها‮: ‬الزواج من رجل تعرفه والإنجاب وإيجاد عمل أفضل‮ »‬أمور مُريحة للتفكير‮«‬،‮ ‬كما تقول‮. ‬تطفأ النور‮. ‬لكن قبل أن نتركها لنعود الى اليزابث تنقلنا هي‮ ‬إليها بعبارة‮: »‬أتعجّب ما الخطأ في‮ ‬إليزابث ڤوغلر‮«.‬
أليزابث تمشي‮ ‬ذهاباً‮ ‬وإياباً‮ ‬في‮ ‬غرفتها‮. ‬الإضاءة مرّة أخرى ناعمة‮. ‬لكن هناك إضاءة إضافية نتبيّنها حين تتجه أليزابث صوب الباب كما لو كانت تحاول فتحه‮. ‬عند هذه اللحظة سنشاهد ظلّها على الباب والجدار فوقه وسنتبيّن مصدره‮. ‬قبل أن ندرك أن المصدر هو جهاز التلفزيون الموضوع‮  (‬على الأرض‮) ‬في‮ ‬غرفتها‮. ‬أليزابث تنظر الى ما‮ ‬يعرضه التلفزيون ويقطع المخرج عليه‮. ‬إنها نشرة أخبار في‮ ‬منتصف تغطية حدث‮. ‬ناس تركض‮. ‬رجل بوليس‮ ‬يحاول السيطرة على حركة الشارع‮. ‬سيارة تاكسي‮ ‬تنطلق‮. ‬ثم صورة لرجل‮ ‬يحرق نفسه‮. ‬هذا شريط ريبورتاجي‮ (‬تسجيلي‮) ‬لحادثة فعلية‮. ‬في‮ ‬العام ‮٤٦٩١ (‬وهو العام الذي‮ ‬يمكن إعتبار الأحداث في‮ »‬برسونا‮« ‬تدور فيه‮) ‬قام راهب بوذي‮ ‬بإشعال النار في‮ ‬نفسه في‮ ‬ڤييتنام إحتجاجاً‮ ‬على سوء معاملة البوذيين‮. ‬يكتفي‮ ‬برغمَن بهذا القدر ويقطع على وجه اليزابث وهي‮ ‬تنظر مذهولة وتتراجع‮. ‬ثلاث نقلات بين وجهها الي‮ ‬غطّت قسماً‮ ‬منه بيدها‮ (‬في‮ ‬كل مرة بلقطة أقرب‮) ‬وبين الرجل المشتعل‮ (‬الان من دون الإطار التلفزيوني‮) ‬قبل أن‮ ‬يقطع المخرج إليها في‮ ‬لقطة عامّة‮ (‬كتلك التي‮ ‬بدأ بها‮) ‬وهي‮ ‬تلتصق بالجدار حيث مفتاح إغلاق الجهاز‮.  ‬تسند رأسها الى الحائط وهي‮ ‬تئن في‮ ‬خوف مما شاهدته‮.‬

‮  ‬مواجهة‮ ‬
في‮ ‬صباح اليوم التالي‮ (‬ونعرف ذلك بالتكهّن فقط‮). ‬يبدأ المشهد بيد تحمل مغلّفاً‮. ‬يدا ألما وهي‮ ‬تخبر إليزابث إنها استلمت رسالة‮. ‬من اليدين الى الوجه‮. ‬ألما تسأل أليزابث‮ (‬التي‮ ‬لا تجيب‮) ‬إذا ما كانت تريدها أن تقرأ الرسالة‮. ‬تبدأ بقراءتها وفي‮ ‬أسطرها تعريفنا بالشخص الغائب‮: ‬زوج الممثلة الذي‮ ‬يكتب لها لأنه من‮ ‬غير المسموح بزيارتها‮. ‬ألما تقرأ في‮ ‬لقطة وجه أمامية قريبة تساؤل الزوج إذا ما كان فعل شيئاً‮ ‬أذى به زوجته من دون أن‮ ‬يعلم‮. ‬تخطف إليزابث الرسالة وعندها تنتقل اللقطة إليها في‮ ‬لقطة أمامية لكنها منخفضة لها‮. ‬تمزّق صورة الزوج التي‮ ‬جاءت مع الرسالة‮. ‬
اللقطة التالية هي‮ ‬أيضاً‮ ‬قريبة وهي‮ ‬لإليزابث على وجهها أوّلاً‮ (‬مع لعب ظلال تكويني‮ ‬بسيط من حيث مصدر الضوء والظل على الخلفية‮) ‬قبل أن تنحدر الكاميرا إلى حيث نتبيّن‮ ‬يديها تقشّران تفّاحة بسكين‮. ‬ينبعث من هذا الوضع الشعور بالخطر خصوصاً‮ ‬وأن ما‮ ‬يُصاحب هذه اللقطة دخول‮  ‬الطبيبة لتقترح عليها الإنتقال مع ألما الى بيت صيفي‮ ‬على الشاطيء‮. ‬وتنتقل الكاميرا‮ (‬في‮ ‬لقطات قريبة دائماً‮) ‬بين وجه إليزابث،‮ ‬يداها ووجه المتحدّثة التي‮ ‬يتبنّى الفيلم وجهة نظره عبرها شارحاً‮ ‬رؤيته بما تمر به بطلته‮. ‬وهذا الشرح تلخّصه العبارة التالية‮:‬
‮»‬الا تعتقدين أنني‮ ‬مدركة؟ الحلم الميؤوس منه بالوجود‮. ‬ليس بالظهور،‮ ‬بل بالوجود‮. ‬في‮ ‬كل دقيقة‮ ‬يقظة،‮ ‬وعي‮. ‬تحذير‮. ‬صراع عنيف‮ (‬بين‮) ‬ما أنت عليه وسط الآخرين وبين من أنت حقاً‮. ‬شعور بالدوران وجوع دائم لكي‮ ‬تشكفي‮ ‬حقيقة من أنت‮«‬
“The hopless dream of being. Not seeming, but being. In every waking moment awar, alert. the tug-of-war what you are with others and who you really are. A feeling of vertigo and a constant hunger to be finally exposed”‮ ‬
ما تتحدّث عنه‮  ‬الممرّضات هو ما أشرنا إليه حول أزمة الإزدواجية‮. ‬نحن وحدنا‮ ‬غير ما نحن عليه مع الآخرين‮. ‬نعكس وضعاً‮ ‬ملفّقاً‮ ‬يريحنا‮. ‬في‮ ‬ذات الوقت‮ ‬يمتد الإقتراح،‮ ‬طبيعياً،‮ ‬صوب موضوع البحث عن الهوية الذاتية ومواجهتها‮. ‬
وما‮ ‬يؤول إليه المشهد،‮ ‬في‮ ‬هذا الشرح الذي‮ ‬يعبّر عن وجهة نظر صاحب الفيلم كتابة وإخراجاً،‮ ‬هو أن صمت إليزابث هو اللحظة التي‮ ‬لا‮ ‬يصير واجباً‮ ‬عليها أن تكذب‮. ‬أن تؤدي‮ ‬أدوار حياة،‮ ‬او تفتعل ردّات فعل او تقوم بحركات مزيّفة كما تكمل‮  ‬الطبيبة في‮ ‬تحليلها لتخلص بالقول‮: ‬
‮»‬خُلوّك من الحياة أصبح جزءاً‮ ‬خيالياَ‮ ‬منك‮« ‬Your lifelessness has become a fantastic part
كل هذا والمخرج‮ ‬يركّز في‮ ‬لقطاته القريبة على إداء شخصيّتيه هاتين‮ (‬ألما خارج المكان‮). ‬لِڤ أولمَن تمثّل بصمتها،‮ ‬والأخرى‮ (‬مرغريتا كروك‮) ‬تلقي‮ ‬كلماتها من دون خشية او تردد‮. ‬واثقة من تحليلها وعاكسة قدراً‮ -‬ولو محدوداً‮- ‬من الإزدراء‮.‬

‮ ‬إمرأتان في‮ ‬الحديقة‮ ‬
المشهد الخارجي‮ ‬الأول،‮ ‬من بداية الفيلم‮ -‬مصحوباً‮ ‬بالتعليق الصوتي‮ ‬للرجل الذي‮ ‬سيكشف الفيلم عنه في‮ ‬النهاية‮- ‬يتهادى بعد ‮١٢ ‬دقيقة‮: ‬ألما وإليزابث أنتقلتا الى البيت الصيفي‮. ‬اللقطة الأولى للمكان بعيدة لهما وهما تسيران في‮ ‬الحديقة‮  ‬واحدة وراء الأخرى تجمعان أشياءاً‮ ‬من الأرض‮. ‬بينهما وبين الكاميرا جدار من الحجارة المتراصّة وهما تغيبان كلما اضطرتا للإنحناء لالتقاط ما تجمعانه‮. ‬ثم لقطة بديعة في‮ ‬جماليتها،‮ ‬ولو أنها‮- ‬ككل الفيلم‮- ‬بالأبيض والأسود،‮ ‬لهما وهما جالستان حول طاولة تحت الشمس ومن ورائهما البحر‮. ‬أنهما تدمدمان كل بنغم مختلف‮. ‬وتقومان كل بعمل صغير مختلف‮. ‬إليزابث تقرأ تحت قبّعة قش بيضاء عريضة،‮ ‬وألما تقشّر طعاماً‮ ‬تحت قبّعة قش سوداء ضيقة الجوانب‮. ‬تلتقط إليزابث‮ ‬يد ألما وتقارنها بها‮. ‬تضحك ألما وتقول أنه من‮ »‬سوء الطالع أن تتم مقارنة اليدين‮«. ‬تتركها إليزابث‮.‬
يعكس المشهد وباقي‮ ‬المشاهد التي‮ ‬تقع في‮ ‬تلك الحديقة القريبة من الشاطيء جوّاً‮ ‬رطباً‮ ‬وجميلاً‮. ‬اختيارات المخرج ومدير تصويره للمكان التي‮ ‬سينقسم الى لقطات ومشاهد معنى بها لإقتراح أن بداية ألفة بين المرأتين‮. ‬إليزابث هنا بدأت تنطق،‮ ‬ولو بحدود دمدمة،‮ ‬وتبتسم وترتاح‮. ‬لكن ألما تختار أن تقرأ لها مقطعاً‮ ‬من كتاب تقرأه‮ ‬يتحدّث عن القلق الذي‮ ‬يصاحب الإنسان‮. ‬ومما تقرأه‮:‬
‮»‬صرخات إيماننا وشكوكنا ضد العتمة والصمت برهان مفجع على وحدتنا وخوفنا‮«‬
The cries of our faith and doubts against darkness and silence are a terrible proof of our loneliness and rear
ألما تسأل إليزابث إذا ما كانت توافق على هذا الرأي‮ ‬وإليزابث تهز برأسها إيجاباً‮. ‬
ننتقل معهما الى داخل البيت‮. ‬يجلسان الى منضدة عالية‮ ‬يشربان القهوة وألما لا تزال تتحدّث وكاميرا نِكڤست لا زالت تنتقل بين الوجهين في‮ ‬لقطات قريبة او متوسّطة القرب‮. ‬لكن هذا الحجم المشدود على الوجه لا‮ ‬يمنع كشف الخلفية المريحة ولا‮ ‬يمنع استغلال النور الخارجي‮ ‬لا لكي‮ ‬يستشف منه نِكڤست الإضاءة الداخلية الطبيعية،‮ ‬فقط،‮ ‬بل لأجل متابعة البدائل الشعورية التي‮ ‬تعيشها إليزابث في‮ ‬هذه اللحظات‮. ‬إنها تستوعب‮. ‬تتفاعل بإهتمام مع ما تتحدّث فيه ألما‮ (‬حيناً‮ ‬عن أحلامها وحيناً‮ ‬عن علاقتها بصديقها المتزوّج ما خلق‮ »‬ألماً‮ ‬متواصلاً‮«). ‬
بالتدريج هنا وفي‮ ‬مشهد داخلي‮ ‬آخر تجمع فيه اللقطة بين المرأتين وقد ارتدتا‮ -‬عن قصد فني‮- ‬سترتين سوداويّتين لأجل خلق تناقض مع الإضاءة الخارجية‮) ‬نجد أن الفيلم هو أيضاً‮ ‬عن ألما‮. ‬عن نفسياتها ومشاعرها وأحلامها وإجهاضاتها العاطفية‮. ‬وحين‮ ‬يبدأ الحديث عنها بالوصول الى ذروة في‮ ‬معناه تتقدّم الكاميرا في‮ ‬زووم خفيف من لقطة متوسّطة الى قريبة‮. ‬لا‮ ‬يخشى الفيلم‮ (‬أستخدم كلمة‮ »‬فيلم‮« ‬كحالة جمع لخيارات المخرج ومدير تصويره‮) ‬أنه‮ ‬يغطّي‮ ‬وجه لِڤ أولمَن إذ‮ ‬يقترب من وجه بيبي‮ ‬أندرسن‮. ‬ثم تقوم بيبي‮ ‬ويكشف الفيلم عن وجه لِڤ وهي‮ ‬تتابع بيبي‮ ‬بنظرة إهتمام وإلمام‮: ‬لأول مرة تتكوّن أنها الناضجة بين الإثنتين‮. ‬وهذا البعد‮ ‬يصلنا بالحركة في‮ ‬اللقطة التالية‮:‬
الآن نحن في‮ ‬الليل‮. ‬بيبي‮ ‬أمام طاولة في‮ ‬غرفة نوم جالسة الى كنبة وأمامها مصباح‮ ‬يشكّل مصدر النور على وجهها‮. ‬في‮ ‬الخلفية فوق السرير إضاءة مصباح آخر‮ (‬لا نراه بل ندركه‮). ‬لِڤ‮/ ‬إليزبث‮  ‬تقوم بتدليك كتفا بيبي‮/ ‬ألما التي‮ ‬تواصل كلامها من دون توقّف،‮ ‬ولو أنها تبدأ بالإعتذار،‮ ‬نوعاً،‮ ‬عن طول حديثها‮. ‬
‮‬ألما تتذكّر حكاية‮‬


جماليات هذا المقطع من الفيلم لا تتوقّف او حتى ترتاح‮. ‬تتصاعد من مشهد لآخر‮. ‬بعد قليل،‮ ‬نحن لا زلنا في‮ ‬الغرفة ذاتها‮. ‬هذه المرة تجلس‮  ‬اليزابث على السرير بينما تجلس ألما على الكنبة‮. ‬جلسة الأولى تستدعي‮ ‬السُلطة التي‮ ‬آلت الأمور إليها إذ تستمع الى متاعب ألما في‮ ‬حياتها الخاصّة‮. ‬المصباح الذي‮ ‬كان في‮ ‬اللقطة السابقة‮ ‬يسلّط ضوءه على السرير من دون أن نراه،‮ ‬بات واضحاً‮ ‬الآن وكل أليزابث تحته بلباسها الأبيض‮ (‬على وسادة بيضاء‮). ‬واللقطة مأخوذة من أمام السرير لتشمل أليزابث في‮ ‬الخلفية،‮ ‬اما المقدّمة فلألما التي‮ ‬لا‮ ‬يصلها الا قدر ضئيل من الضوء‮. ‬المشهد ليس شعراً‮ ‬بقدر ما هو رسم ومع ما هو‮ ‬يُقال على لسان ألما من وصف،‮ ‬والطريقة التي‮ ‬تستمع بها أليزابث بعناية ومن خلال صمتها المطبق،‮ ‬هو رسم مع مقالة في‮ ‬المشاعر والأحاسيس كانت تجد عند برغمَن ما لم تجده عند أي‮ ‬مخرج آخر من القدرة على سردها مثيرة للإهتمام ضمن عناصر المشهد البسيطة‮.‬
للقطة التالية،‮ ‬التي‮ ‬تواصل ألما الحديث فيها عن حادثة وقعت لها ولصديقتها حينما كانتا على الشاطيء،‮ ‬تنفرد ألما باللقطة‮. ‬هي،‮ ‬بفستان نوم أبيض أيضا،‮ ‬تحت ضوء‮ ‬يبدو صادراً‮ ‬من مصباح علوي‮. ‬الستارة وراءها مغلقة منعاً‮ ‬لأي‮ ‬نور او ظلال خارجي‮. ‬
اللقطة الثالثة في‮ ‬هذا المونولوغ‮ ‬لإليزابث منفردة‮. ‬على جلستها السابقة في‮ ‬لقطة متوسّطة أصبحت فيه الكاميرا أقرب بينما حافظت إليزابث على جلستها‮ (‬سأبحث عن صورة لها في‮ ‬هذا الوضع الذي‮ ‬يشبه جلسة السلاطين‮) ‬وعلى وجهها كل ما‮ ‬يمكن عكسه من إهتمام‮.‬
لاحظ أيضاً‮ ‬بناء المشهد‮: ‬لقطة عامّة لكليهما‮. ‬لقطة متوسّطة لألما،‮ ‬لقطة متوسطة لإليزابث ثم الآن لقطة قريبة لوجه ألما وهي‮ ‬لا زالت تسرد ما حدث لها ولصديقتها على الشاطيء‮. ‬بعد قليل لقطة قريبة جداً‮ ‬لوجه أليزابث‮. ‬ما تتحدّث عنه ألما من كلمات نرى الآن صوره،‮ ‬رمزياً،‮ ‬كإنعكاسات على وجه إليزابث‮.‬

‮ ‬الصور الذهنية‮ ‬
هذا الفصل ليس مهمّاً‮ ‬فقط على صعيد الصورة،‮ ‬بصرياً‮ ‬وفنياً‮ ‬وشغل نِكڤست الخ‮... ‬بل على صعيد ما ترويه ألما من ذكرى لحادثة وقعت معها،‮ ‬وتأثير ذلك عليها في‮ ‬ذلك الوقت‮ (‬وجهها‮ ‬يعبّر عن ألم دفين‮) ‬كما على أليزابث المتابعة بإهتمام كل تفاصيل الحكاية‮. ‬ثم تأثير الحكاية على علاقتهما بالفيلم ودوريهما،‮ ‬سردياً‮ ‬ودرامياً‮ ‬ونفسياً،‮ ‬فيه‮.‬
ألما تسرد ما بدا من دون مناسبة إنما كإسترسال لكلامها‮ ‬غير المنقطع،‮ ‬حادثة وقعت لها حين كانت مع صديقة لها عاريتان على شاطيء البحر‮. ‬كانتا تستلقيان تحت الشمس حينما لاحظت ألما وجود شابّين حديثي‮ ‬السن‮ ‬يراقباهما‮. ‬تخبر صديقتها التي‮ ‬تدعوهما‮. ‬يتقدّم أجرأهما فتساعده صديقتها بخلع ثيابه ويبدآ بممارسة الحب‮. ‬ألما المستلقية لجانبها تقول‮ »‬ألن تأتي‮ ‬إليّ‮ ‬أيضاً؟‮« ‬فتشجّعه صديقتها على تركها وممارسة الحب مع ألما وهذا ما‮ ‬يفعله‮. ‬
في‮ ‬حديث ألما صور ذهنية متتابعة‮. ‬لاحظ أن برغمَن‮ ‬يلغي‮ ‬الفلاشباك كليّاً،‮ ‬وهذا ما‮ ‬يرفع من قيمة الكلمة وقيمة التمثيل وينجي‮ ‬الفيلم من عاقبة المباشرة في‮ ‬التوجّه‮. ‬بذلك المشهد‮ »‬إيروتيكي‮« ‬وليس‮ »‬بورنوغرافي‮« ‬وهو مؤثر في‮ ‬المشاهد المتتبّع،‮ ‬لكن التأثير الأهم طبعاً‮ ‬يرتسم على اللقطة التالية‮: ‬كلوز أب على وجه إليزابث‮. ‬تستطيع أن ترى عينيها وهي‮ ‬تستعرض الشريط الصوَري‮ ‬للحادثة المروية‮. ‬تتخيّل‮. ‬سيغارتها تحترق من دون أن تدخّن منها‮ (‬في‮ ‬تلك اللقطة‮) ‬ورمش عينها‮ ‬يرفّ‮ ‬مرّة واحدة‮. ‬
حين العودة الى ألما وهي‮ ‬لا زالت تروي‮ ‬تفاصيل الحادث،‮ ‬يضعها نكڤست في‮ ‬لقطة متوسّطة،‮ ‬لكنها تنهض عن الكنبة باحثة عن شعلة لسيغارة‮. ‬اللقطة هي‮ ‬ذاتها‮. ‬ألما تمضي‮ ‬بعيداً‮ ‬فتتحرّك الكاميرا معها الى اليمين قليلاً‮ ‬ثم الى اليسار قليلاً‮  ‬من دون أن تغادر موقعها‮. ‬نِكڤست كان صمّم‮ (‬مع المخرج بالطبع‮) ‬هذا الإمتداد للقطة السابقة‮. ‬وزّع إضاءتها التي‮ ‬تبدو الآن كما لو ترد من وراء الستارة المغلقةة‮. ‬وهناك مرآة جانبية على طول الحائط حيث‮ ‬ينعكس رسم الضوء من دون أن‮ ‬يضيف‮ -‬بالطبع‮- ‬مزيداً‮ ‬من الإضاءة‮. ‬باقي‮ ‬الغرفة إما معتم تماماً‮ ‬او داكن‮.‬
كل ذلك وما سبقه لا‮ ‬يمكن أن تعكسه الألوان فيما لو عمد الفيلم إليها‮. ‬الأبيض والأسود‮ ‬يمنح العمق اللازم‮. ‬يجعل المسألة أكثر إلحاحاً‮ ‬وأكثر تركيزاً‮ ‬والمشهد كلّه أكثر قدرة على التأثير‮. ‬
‮ ‬الكسوف‮ ‬
إذ توالي‮ ‬ألما سرد الذاكرة التي‮ ‬تعاني‮ ‬منها تتّضح‮  ‬بعد قليل الأسباب التي‮ ‬تقف وراء شعورها بالألم‮ (‬عوض اللهو او المتعة مثلاً‮) ‬وهي‮ ‬تتذكر‮. ‬حين تقف عند النافذة تفتح الستارة بمقدار بسيط لنكتشف أن السماء في‮ ‬هذا اليوم الشمالي‮ ‬الطويل تمطر‮. ‬حين تكمل سيرتها وهي‮ ‬مستلقاة على السرير لجانب أليزابث تبكي‮ ‬لأن بيت القصيد هنا هو شعورها بالذنب كونها حبلت بعدها‮. ‬صحيح إنها قررت وزوجها إجراء عملية طرح الجنين،‮  ‬لأنهما لا‮ ‬يريدان الإنجاب،‮ ‬الا أنها تعلم بالطبع ما لا‮ ‬يعلمه هو‮. ‬الفصل بأسره‮ ‬ينتهي‮ ‬ببكاء ألما الشديد في‮ ‬تلك اللحظة ويد أليزابث‮  (‬تشبه‮ ‬يد أم‮) ‬وهي‮ ‬تمسح شعر ألما بقفا كفّها بحنان‮.‬
اللقطة التالية‮  ‬متوسّطة لإليزابث من الخلف وألما جانبياً‮  ‬على طاولة عشاء‮. ‬جانب من الطاولة على أي‮ ‬حال والإضاءة علوية فوق الطاولة‮. ‬تستدرك ألما مرّة ثانية كثرة كلامها وتخبر إليزابث إنها كانت ترى تشابها داخلياً‮ ‬في‮ ‬ذاتها مع صورتها في‮ ‬أحد أفلامها‮. ‬ثم تضع ألما وجهها فوق الطاولة‮. ‬هنا‮ ‬يختار برغمَن أن تنطلق اليزابث‮/ ‬لِڤ لأول مرّة هامسة‮:‬
‮"‬إذهبي‮ ‬الى السرير والا سوف تنامين على الطاولة‮".‬
فقط حين تعتقد أنك لممت بجوهر ما‮ ‬يحدث،‮ ‬وسوف تتابع من هذا الموقع وحده باقي‮ ‬دقائق الفيلم الـخمس والأربعين التالية،‮ ‬تكتشف أن برغمان لم‮ ‬ينته بعد الا من سرد فصل معيّن‮. ‬هذه العبارة التي‮ ‬للحظة نعتقد أن إليزابث قد تفوّهت بها،‮ ‬تعيد إلما النطق بها قائلة وقد رفعت رأسها عن الطاولة‮: ‬
‮"‬الأفضل لي‮ ‬أن أذهب الى السرير والا نمت على الطاولة‮«.‬
هل تكلّمت إليزابث فعلاً‮ ‬أم أن صوتها كان في‮ ‬بال ألما؟ هل أعتقدت ألما أن اليزابث قالت ذلك؟ لا تنسى أن اللقطة خلفية بالنسبة لإليزابث لذلك لا نرى وجهها ولا‮ -‬بالتالي‮- ‬شفتيها تنبسان ببنت شفة‮. ‬بالتالي‮ ‬هذا الإختيار هو لإيصال فكرة من فكرتين‮:‬
‮- ‬إليزابث قالت ذلك وألما ردّدت،‮ ‬تأكيداً‮ ‬او إعتقاداً‮ ‬بأن إليزابث قالت ذلك‮.‬
‮- ‬إليزابث لم تقل ذلك مطلقاً‮. ‬ألما ترفع رأسها وتقول ذلك لأول مرّة‮. ‬لكنه صوت إليزابث ذلك الذي‮ ‬سمعناه أوّلاً‮. ‬المعنى؟
هذه اللقطة هي‮ ‬التي‮ ‬تفتتح فصلاً‮ ‬جديداً‮ ‬من العلاقة بين ألما وإليزابث‮. ‬إنها الإشارة الأولى التي‮ ‬يقترحها الفيلم من أن ألما وإليزابث إمرأة واحدة‮. ‬ألما ذابت في‮ ‬إليزباث‮. ‬وهي‮ ‬إشارة ذكية التأليف والتنفيذ من حيث ترتيبها‮. ‬حوارها‮. ‬تمثيلها وتصويرها‮. ‬ولو أنه عوض الإستغناء عن الفكرة الأولى‮ (‬لا زالتا إمرأتان‮) ‬يبقيها للمداولة حتى صباح اليوم التالي‮. ‬
في‮ ‬المشهد التالي،‮ ‬في‮ ‬نفس الليلة،‮ ‬إلما تصعد سريرها المنفرد لتنام‮. ‬وجهها الى الكاميرا‮. ‬تستلقي‮. ‬في‮ ‬الخلفية المضاءة تدخل عليها لِف وتقف لحظة وراءها تنظر إليها كما لو كانت تفكّر في‮ ‬الإستلقاء لجانبها‮. ‬ربما مطارحتها الغرام‮ (‬كانت ألما أوحت برغبتها في‮ ‬ذلك مع نهاية اللقطة السابقة‮). ‬لكنها تبتعد داخلة في‮ ‬باب آخر ملاصق للأول‮ (‬ومُنار بالطريقة ذاتها‮). ‬هنا تلتفت ألما وراءها كما لو أنها استيقظت‮. ‬تعود اليزابث إليها‮. ‬تقف ألما وتتجه إليها‮. ‬تحتضنان قليلاً‮. ‬تستدير ألما لتواجهنا‮. ‬تنظر الى الكاميرا‮. ‬تنظر اليزابث الى الكاميرا‮ (‬اللقطة كلوز أب لهما معاً‮). ‬الإندماج‮ ‬يكتمل بوجه إليزابث‮ ‬يختفي‮ ‬وراء وجه ألما وما تبقّى منه‮ ‬يختفي‮ ‬وراء شعر إليزابث الطويل حين تمد ألما‮ ‬يدها وتسدل شعر إليزابث على وجهها‮.  ‬المعنى‮ ‬يفي‮ ‬بالإندماج في‮ ‬الشخصية الواحدة ولو أنه‮ ‬يقترح أيضاً‮ ‬نشوء علاقة سحاقية‮. ‬إذا ما كنا نريد أن نتّبع هذا الإيحاء فإننا نتّبع الفكرة الأولى التي‮ ‬تقول أنهما لا زالتا،‮ ‬وللأبد إمرأتين مختلفتين‮. ‬عبقرية برغمَن أنه لم‮ ‬يختر توجيه المشاهد لهذا الإعتقاد او ذاك،‮ ‬بل أبقاهما تقريباً‮ ‬في‮ ‬ذات القوّة‮. ‬العبقرية الثانية هي‮ ‬أن المشهد،‮ ‬ولمزيد من التمويه،‮ ‬ينتهي‮ ‬هنا‮. ‬لا ممارسة عاطفية على الشاشة‮.‬
الطريقة التي‮ ‬صوّر بها برغمَن‮/ ‬نكڤست اللقطة لم‮ ‬يعد من الممكن تفسير جزئياتها البصرية من دون الإضرار معنوياً‮ ‬بها لأن الصورة لا‮ ‬يمكن ترجمتها كاملة على الإطلاق‮. ‬لكن تصميم اللقطة رائع في‮ ‬ذاته،‮ ‬ثم رائع في‮ ‬الطريقة التي‮ ‬تنتهي‮ ‬اللقطة بها‮. ‬هل شاهدت الكسوف حين‮ ‬يمر كوكب أمام آخر فلا‮ ‬يتوقّفان ونراهما من على الأرض متوجّهان الينا ؟ هذا هو تصميم اللقطة‮: ‬رأس ألما‮/ ‬بيبي‮ ‬يميل الى اليسار ووراءه رأس اليزابث‮/ ‬لِڤ‮ ‬يميل صوب اليمين‮.... ‬
‮ ‬‮ ‬صباح اليوم التالي‮  ‬
لقطة عامّة على شاطيء صخري‮. ‬ألما في‮ ‬الخلفية‮. ‬من تحت الكادر تطلع إليزابث وتنظر الى الكاميرا ثم ترفع كاميرتها الفوتوغرافية وتلتقط صورة لنا‮!. ‬بعدها تستدير إليزابث متّجهة الى حيث تقف ألما‮. ‬حين تصل إليها تسألها ألما‮: »‬هل تحدّثت لي‮ ‬ليلة البارحة؟‮« ‬تهز إليزابث رأسها بالنفي‮. ‬وفي‮ ‬هذا النفي‮ ‬نفي‮ ‬للفكرة الأولى من أن الصوت كان صوت إليزابث‮. ‬أكثر من ذلك،‮ ‬تمشي‮ ‬إليزابث بعيداً‮ ‬لتلتقط صورة أخرى‮. ‬تتبعها ألما وتسألها‮: »‬هل كنت في‮ ‬غرفتي‮ ‬ليلة البارحة؟‮«. ‬تهز إليزابث رأسها مرّة أخرى نافية ما‮ ‬يؤكد أيضاً‮ ‬أن لا علاقة سحاقية تمّت بينهما‮. ‬في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬يؤيد فيه هذا النفي‮ ‬أن ما تراءى لإلما كان حلماً،‮ ‬يعزز الخط الجديد المنتهج من أن كل ما‮ ‬يحدث أمامنا هو أيضاً‮ ‬حلم داخل حلم‮. ‬إليزابث،‮ ‬السبب الأول للفيلم بأسره،‮ ‬قد تكون وحدها في‮ ‬هذا المكان‮. ‬وحلم إلما بالتالي‮ ‬هو حلمها الطويل الذي‮ ‬نراه من حين إنتقالها اليه،‮ ‬او‮ -‬كما‮ ‬يُعقل ولو في‮ ‬ثنايا الإحتمالات وليس في‮ ‬صلبها‮- ‬منذ أن التزمت الصمت‮.  ‬
في‮ ‬ذلك اليوم،‮ ‬تنجز إليزابث خطاباً‮ ‬على آلتها الكاتبة وذلك في‮ ‬لحظة وصول إلما التي‮ ‬تأخذ الخطاب‮  ‬وتضمّه الى خطابات‮  ‬أخرى بحاجة لإرسالها بالبريد‮.  ‬تركب إلما سيارتها القديمة وعلى الطريق تلقي‮ ‬نظرة على ذلك الخطاب المعيّن في‮ ‬مغلّفه‮ ‬غير المغلق جيّداً‮ (‬دعوة للقراءة‮). ‬توقف السيارة وقد استبد بها فضول‮. ‬تقرأ‮  ‬ما كتبته إليزابث‮  ‬عنها لزوجها ولا ترفع رأسها الا حين تطالع عبارة‮ »‬في‮ ‬كل الأحوال إنها قضيّة مثيرة للدراسة‮«. ‬الشعور المتولّد لدى إلما حينها هو أنها قد تحوّلت الى الطرف الواقع تحت المجهر،‮ ‬عكس ما كان الوضع عليه حين دخلت إليزابث المستشفى‮. ‬إلما أصبحت الحالة المَرَضية‮. ‬
الخطاب نفسه‮ ‬يبدأ بعبارة لافتة‮: »‬أستطيع أن أعيش في‮ ‬صمتي‮ ‬للأبد‮«. ‬وتنتقل سريعاً‮ ‬لمدح إلما وبذلها ثم للقول أن إليزابث مولعة بها‮. ‬وتكمل لتذكر‮ ‬،‮ ‬بعد العبارة التي‮ ‬استوقفت إلما،‮ ‬القصّة التي‮ ‬روتها إلما ليلة البارحة وبكائها لأن أفعالها لا توافق أعمالها‮. ‬أليس‮  ‬هذا هو واقع إليزابث لذلك قررت الصمت؟ وإذ‮ ‬يقوى هذا الإحتمال أن إلما ما هي‮ ‬الا شخصية خيالية في‮ ‬بال إليزابث‮ (‬على الأقل من بعد المستشفى‮) ‬اليس من الطبيعي‮ ‬إذاً‮ ‬أن تكون تلك الذكرى‮ (‬المجامعة مع‮ ‬غريبان على الشاطيء‮) ‬ليست سوى‮  ‬حادثة مرّت بها إليزابث سابقاً؟ لكننا نفهم‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬مشهد من مشاهد المستشفى،‮ ‬أن لديها ولدين من زوجها‮. ‬أيعقل أن‮ ‬يكون الحادث قبل إنجابها منه لاحقاً؟ أي‮ ‬حين لم‮ ‬يكنا راغبين في‮ ‬الإنجاب‮ »‬حينها على الأقل‮« ‬كما تقول إلما‮/ ‬إليزابث حين تسرد حكايتها؟

نقطة ماء‮‬
حتى اللقطة البسيطة التي‮ ‬لإلما تقرأ الخطاب في‮ ‬السيارة جميلة من حيث توزيع إضاءتها الطبيعية وإبقاء الوجه في‮ ‬الظل وما‮ ‬يعنيه ذلك من تعامل الصورة مع النفس‮. ‬هنا لا‮ ‬يختار برغمَن موسيقى‮ (‬ليتعلّم هواة استخدام الموسيقى‮) ‬ولا‮ ‬يختار طيوراً‮ ‬تغرّد في‮ ‬الطبيعة الشجرية القريبة‮. ‬بل‮ ‬يختار أن نسمع صوت نقاط ماء لا نعرف مصدرها‮. ‬نقطة وراء نقطة‮. ‬من أين مصدره؟ ما مغزاه؟‮ ‬
تهبط ألما من السيّارة‮. ‬لقطة لها‮ -‬مفاجئة‮- ‬وهي‮ ‬تقف عند بركة ماء‮. ‬ظلالها معكوس بطولها على صفحة الماء‮. ‬هنا‮ ‬يدخل الشعر في‮  ‬لوحة جمالية لا تُنسى‮. ‬هنا‮ ‬يختفي‮ ‬صوت نقاط الماء‮. ‬ولا أريد أن أوعز بأن إختفاء صوت نقاط الماء له دلالة مرتبطة بحركة المرأة او سكونها في‮ ‬السيارة ثم خروجها ثم وقوفها على حافة البحيرة‮. ‬إنه مؤثر صوتي‮ ‬سيبقى لغزاً‮ ‬للأبد‮.‬
اللقطة التالية لألما في‮ ‬البيت بثياب بحر سوداء‮. ‬تشرب كأس ماء ثم تحمل قبّعتها السوداء وتخرج من المطبخ الى باحة البيت‮. ‬تضع كأس الماء وقبّعتها على مقعد عريض وتجلس لجانبهما‮. ‬حين ترفع قبّعتها لارتدائها،‮ ‬يسقط الكأس على الأرض وينكسر‮. ‬ألما تدخل الى البيت وتعود بمكنسة ولاقطة‮. ‬الكاميرا لا زالت بعيدة‮. ‬ليس هناك حاجة للقطة قريبة لما تقوم به لأننا نفهم ما تقوم به‮. ‬تدخل البيت ثانية بعدما جمعت نثرات الزجاج وتعود وتجلس هذه المرّة على الأرض‮. ‬في‮ ‬دخولها وخرجها لا تغادر الكاميرا موقعها‮. ‬لكن بعد جلوسها على الأرض تلتقطها الكاميرا في‮ ‬حجم متوسّط قريب‮. ‬وجهها‮ ‬يعكس‮ ‬غضباً‮. ‬خلفها على زجاج البيت إنعكاس لإليزابث وهي‮ ‬تمر‮. ‬قبل ذلك،‮ ‬كانت إلما التقطت قطعة زجاج لم تكن إنتبهت إليها سابقاً‮. ‬تلقي‮ ‬بها قريباً‮ ‬منها‮. ‬الآن إذ تمر إليزابث مرّتين قريباً‮ ‬من المكان ذاته ندرك أن إلما تريد أن تدوس إليزابث الحافية على قطعة الزجاج المكسور‮. ‬تريد أن تؤذيها لأنها تشعر بأن إليزابث خانت سرّها وكتبت عنها لزوجها من دون إذنها المسبق او علمها‮.‬
برغمَن هنا‮ ‬يستخدم لغة سينمائية بصرية بسيطة وواضحة لتفسير مشاعر حادّة ومركّبة‮. ‬لا حوار من أحد‮. ‬ولا إسهاب‮. ‬بل إيجاز في‮ ‬استخدام الأداة الفنية كلغة تعبير ما‮ ‬ينجم عنه أن نتوقّع نحن،‮ ‬في‮ ‬أي‮ ‬لحظة،‮ ‬أن تجرح إليزابث نفسها بالسير فوق تلك القطعة‮. ‬وهذا‮ ‬يحدث بعد لحظة‮. ‬
ثواني‮ ‬قبلها،‮ ‬كان برغمَن‮ ‬غيّر زاوية اللقطة‮. ‬الآن هي‮ ‬قريبة من خلف ألما التي‮ ‬تنحني‮ ‬كما لو كانت ستلتقط القطعة لكنها لا تفعل‮. ‬تستدير وتدخل البيت في‮ ‬اللحظة التي‮ ‬تمر بها إليزابث مرة أخرى في‮ ‬المكان‮. ‬هذه المرّة،‮ ‬ومن دون تغيير اللقطة لكي‮ ‬نرى القدم تدوس الزجاجة،‮ ‬تتفوّه بآه الألم‮. ‬لقد داست فعلاً‮ ‬على تلك القطعة المتروكة قصداً‮ ‬بعد أن سقط الكأس وانكسر من دون قصد‮. ‬تنظر إليزابث‮  ‬إلى ألما التي‮ ‬تزيح الستارة،‮ ‬بعدما دخلت المطبخ،‮ ‬ليتسنى لها مبادلة إليزابث النظرة‮.‬
الصفعة‮  ‬
هنا‮ ‬يعمد برغمَن الى التذكير بأننا في‮ ‬فيلم سينمائي‮ ‬ليس إلا‮. ‬فجأة،‮ ‬على صورة ألما وهي‮ ‬تنظر الى الخارج،‮ ‬يتوقّف الفيلم‮. ‬نسمع صوت آلة العرض‮ (‬الذي‮ ‬سمعناه في‮ ‬مطلع الفيلم‮) ‬نصف اللقطة الأيمن‮  ‬بياض كاسح والنصف الثاني‮ ‬ما تبقّى من وجه ألما،‮ ‬ثم تلك البقعة التي‮ ‬تشي‮ ‬بأن الفيلم أحترق‮. ‬ثم بياض كامل متبوع بصوت‮ ‬غير مفهوم وبعض من تلك اللقطات التي‮ ‬شاهدناها في‮ ‬مطلع‮ »‬برسونا‮« ‬بما فيها لقطة ليد‮ ‬يُدق فيها مسمار‮.‬


المتعارف عليه بين النقّاد السينمائيين هو أن برغمَن أراد تذكير المشاهدين بأنهم إنما‮ ‬يرون فيلماً‮ ‬وليس واقعاً‮. ‬لذا هو بدأ بلقطات من أفلام وصور‮. ‬إذا كان هذا صحيحاً‮ ‬فيجب أن‮ ‬يكون هناك سبباً‮ ‬لرغبته تذكير المشاهدين بذلك‮. ‬لنرى لاحقاً‮ ‬إذا ما كان هناك هذا السبب او أن المسألة بأسرها تمت الى هدف آخر او رغبة مختلفة‮.‬
العودة الى‮ »‬برسونا‮« ‬تبدأ بلقطة‮ ‬غير واضحة المعالم لإليزابث‮ (‬بفستان أسود‮)  ‬وهي‮ ‬تدخل‮ ‬غرفة‮. ‬موسيقى عبارة عن سحبات كمان‮ ‬غير مواصلة تواكبها‮. ‬إليزابث،‮ ‬لا تزال مموّهة تدخل عمق اللقطة لتنظر من نافذة بعيدة‮. ‬تتقدّم صوب الكاميرا وتنظر من نافذة قريبة‮. ‬وفقط عندما تتراجع‮ ‬يضبط نِكڤست العدسة بحيث تتضح معالم إليزابث كاملة‮. ‬
إليزابث تبحث عن إلما‮. ‬تفتح بابا خلفياً‮ ‬وتخرج منه مباشرة الى صخور الشاطيء‮. ‬الشمس تمنعها من الرؤية جيّداً،‮ ‬لكنها تجد ألما جالسة‮ (‬بفستان أسود أيضاً‮ ‬ونظارة داكنة‮) ‬تقرأ كتاباً‮ ‬فتمد ظهر كفّها وتلمس خد ألما بلطف‮. ‬تبتسم تلك‮. ‬تمضي‮ ‬إليزابث‮. ‬تتبعها ألما بنظراتها‮. ‬تجلس وتفتح كتاباً‮. ‬تقف ألما وتبدو كما لو كانت ستتجه الى داخل البيت لكنها تعود لتطلب من إليزابث أن تساعدها بأن تتحدّث معها وتخرج عن صمتها‮. ‬لكن إليزابث تلزم الصمت ما‮ ‬يزيد من إنفعال ألما فتكشف لها عن أنها قرأت رسالتها ثم تمسك بها وتعنّفها ما‮ ‬يدفع إليزابث إلى صفعها‮. ‬ألما المذهولة تندفع الى الأمام وتبصق على إليزابث التي‮ ‬تصفعها مرّة ثانية‮. ‬هذه المرة تفحص ألما الدم الذي‮ ‬تسلل من أنفها‮. ‬على الموقد ماء تغلي‮ (‬او شوربة؟‮). ‬ترفع ألما القدر تريد إلقاء ما فيه على إليزابث ما سيؤدي‮ ‬الى حرقها‮. ‬هنا،‮ ‬والكاميرا الى ذلك الحين تتحرّك محمولة بين الإثنين لكنها تركّز أكثر على وجه ألما،‮ ‬نسمع صرخة‮ »‬لا‮. ‬لا تفعلي‮ ‬ذاك‮«. ‬منطقياً‮ ‬هذا صوت إليزابث‮. ‬فعلياً،‮ ‬ليس لدينا أي‮ ‬إثبات لذلك فقد‮ ‬يكون الصوت‮ »‬الجوّاني‮« ‬لألما كما كان الحال سابقاً‮. ‬برغمَن‮ ‬يختار أن ترتفع الكاميرا الى وجه إليزابث في‮ ‬لقطة كاملة لها فتصل الكاميرا الى وجه إليزابث بعد نطق العبارة بثانية ما‮ ‬يجعلنا‮ ‬غير واثقين من أنها هي‮ ‬التي‮ ‬نطقت‮. ‬وجهها مرتعب وفمها مفتوح لكن لا إثباتاً‮ ‬قاطعاً‮ ‬على شيء‮. ‬لو أن إليزابث هي‮ ‬التي‮ ‬نطقت‮ -‬لأول مرة في‮ ‬الفيلم‮- ‬كان برغمَن‮ (‬وربما أي‮ ‬مخرج آخر‮) ‬وظّف اللحظة بلقطة تصوّرها وهي‮ ‬تنطق تلك العبارة او أي‮ ‬عبارة أخرى‮. ‬
ثم تبتسم إليزابث قليلاً‮. ‬لكن ألما لا تجد الأمر‮ ‬يدعو لذلك‮. ‬في‮ ‬الحمّام تغسل وجهها وتبكي‮. ‬تخرج‮. ‬إليزابث ترشف من فنجان قهوة‮. ‬تعطي‮ ‬ألما الفنجان ترشف منه‮. ‬تبدأ ألما بمعاتبتها ثم تتهمها بالجنون‮. ‬تترك إليزابث البيت وتتنطلق على شاطيء البحر‮    ‬وفي‮ ‬أعقابها ألما لتعتذر‮. ‬
كاميرا نِكڤست تتابعهما في‮ »‬تراكينغ‮ ‬شوت‮« ‬بعيدة‮. ‬تعتذر منها‮. ‬تفسّر حالها ودوافعها وتقول‮ »‬إليزابث،‮ ‬دعينا لا نفترق كعدوّتين‮«. ‬حين تستدير إليزابث كما لو أنها ستقول شيئاً‮. ‬شفتاها تنفرجان قليلاً‮. ‬وجهها‮ ‬ينطق برد ما‮. ‬حتى الكاميرا تنتقل من لقطتها البعيدة الى كلوز أب لوجه إليزابث قبل أن تعود الى حيث كانت حين أخفقت إليزابث في‮ ‬أن تقول شيئاً‮ ‬واستدارت ومشت‮.‬
عند المساء هناك قطيعة‮. ‬كلاهما لا زالتا بردائيهما الأسود‮. ‬ألما جالسة بين صخور البحر‮. ‬إليزابث في‮ ‬المنزل تشعل سيغارة‮. ‬على الأقل‮ »‬الطفلة‮« ‬ألما في‮ ‬ضوء النهار‮. ‬اللقطة الداخلية لإليزابث تعني‮ ‬بإظهارها بأقل قدر ممكن من الضوء‮. ‬ربما هي‮ -‬كما تقول عنها ألما‮- ‬أنانية،‮ ‬لا تكترث كثيراً‮ ‬للإعتذار لإلما عن إستغلالها بوح الأمس من الحكايات الحميمة في‮ ‬الرسالة التي‮ ‬طلبت إليزابث من ألما إرسالها‮ (‬ولم ترسلها‮). ‬لكن كل ذلك،‮ ‬على الأقل‮ ‬يدفع إليزابث للتفكير‮. ‬نراها تنحني‮ ‬الى مصباح‮ »‬غاز‮« ‬في‮ ‬لقطة أخرى منفّذة بحرفية مذهلة على بساطتها‮. ‬ثم وهي‮ ‬تزرع الأرض مشياً‮ ‬قبل أن تدخل‮ ‬غرفتها وتستلقي‮ ‬على سريرها في‮ ‬همّ‮ ‬ملحوظ‮. ‬خلال ذلك‮ ‬يقطع برغمَن لألما وهي‮ ‬لا زالت مشدوهة الى الفضاء كما لو أنها هي‮ ‬الآن من سيدخل عالم الصمت‮. ‬تفتح كتاباً‮ ‬لتقرأ فتطالعها صورة فوتوغرافية قديمة تتصرّف إزاءها كما لو فوجئت بها في‮ ‬الكتاب ولم ترها منذ زمن طويل‮. ‬الصورة هي‮ ‬لها رافعة‮ ‬يديها الى الأعلى في‮ ‬مقدّمة بعض الناس بينهم صبي‮ ‬الى جانبها‮. ‬في‮ ‬الخلف ثلّة من الجنود‮ (‬بلا رموز‮) ‬أوّلهم‮ ‬يوجّه سلاحه صوب المجموعة‮. ‬ثم لقطة لإليزابث تمعن‮. ‬لقطة للصبي،‮ ‬ثم لقطة للجندي‮ ‬والصبي‮. ‬ثم تتوالى اللقطات‮.‬
‮ ‬التاريخ‮ ‬
أوقفت الفيلم هنا ونظرت الى تلك الشارة الصغيرة على معطف الصبي‮. ‬هل هي‮ ‬نجمة داوود؟ للتأكد أتيت بمرآة مكبّرة ونظرت من خلالها‮. ‬لا زالت الشارة‮ ‬غير واضحة لكنها بالتأكيد ليست نجمة بل ما‮ ‬يشبه حرف‮ ‬
K
 ‬في‮ ‬اللقطة الثانية،‮ ‬الجندي‮ ‬في‮ ‬المؤخرة‮ ‬يرتدي‮ ‬زياً‮ ‬أعتدنا مشاهدته في‮ ‬الأفلام التي‮ ‬تتحدّث عن جنود نازيين‮.  ‬اللقطات ‮٣ ‬و ‮٤ ‬و ‮٥  ‬و ‮٦ ‬و‮٧ ‬لا شيء‮ ‬يؤكد هويّة هؤلاء المستسلمين الخارجين من مبنى تحت تهديد السلاح‮. ‬اللقطة ‮٨ ‬عودة الى الجندي‮ ‬ذي‮ ‬الزي‮ ‬وهذه المرّة هو بالتأكيد ألمانياً‮ ‬لكن المرأة التي‮ ‬أمامه قد تكون أي‮ ‬شيء‮. ‬تستمر اللقطات بنحو ثانيتين لكل واحدة وعددها إحدى عشر‮. ‬
أنا الآن بين أن أترك الفيلم وأراجع تاريخ السويد في‮ ‬الحرب العالمية الثانية،‮ ‬او أكمّل الفيلم لأرى ما سيعمد إليه المخرج بعد أن وسّع دائرة إهتمامه ليشمل،‮ ‬على حين‮ ‬غرّة‮ -‬كحين‮ ‬غرّة رؤية إليزابث لتلك الصورة‮- ‬بعداً‮ ‬في‮ ‬التاريخ السويدي‮. ‬قررت إكمال الفيلم لأن على الفيلم أن‮ ‬يفصح وليس على المتلقي‮ ‬أن‮ ‬يدخله وبيده كل المراجع التي‮ ‬يعتقد إنه بحاجة إليها‮. ‬الفيلم عليه أن‮ ‬يكون مرجع كل شيء‮.‬
الشاشة سوداء وحين تفتح هاهي‮ ‬ألما نائمة في‮ ‬وضعها المفضّل‮. ‬بلا وسادة‮. ‬تنتفض وتدير رأسها في‮ ‬كل إتجاه ثم تستيقظ من كابوسها‮. ‬فجأة‮ ‬يتناهى صوت‮. ‬هل هو الراديو الذي‮ ‬لم تلمسه من قبل؟ هل هو صوت إليزابث تتحدّث لنفسها؟ تخرج ألما من‮ ‬غرفة نومها الى‮ ‬غرفة نوم إليزابث الغافية وتجلس لجانبها مارّة بيدها على جبينها‮. ‬تنهض وتخرج مبتعدة‮. ‬فجأة هناك‮ ‬يد،‮ ‬في‮ ‬لقطة قريبة جداً،‮ ‬تلمسها برقّة وصوت رجل‮ ‬ينطق نصف كلمة‮ »‬إليزابث‮«. ‬تقفز ألما وجلة‮. ‬تنظر إليه وأول ما‮ ‬يتبادر إليها أن تنفي‮ ‬أنها إليزابث»أنا لست إليزابث‮«. ‬يعتذر الرجل مردّداً‮ ‬مرة أخرى أسم‮ »‬إليزابث‮« ‬ومتحدّثاً‮ ‬عن إبنهما‮ »‬من الصعب شرح الأمر لإبنك الصغير‮«. ‬
لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون زوجها قد أخطأ فاعتقد ألما أليزابث،‮ ‬لكن‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون المشهد استكمالاً‮ ‬لما أقدم عليه برغمَن عندما بدأ‮ ‬يمزج الشخصيّتين في‮ ‬شخصية واحدة‮. ‬هنا تظهر إليزابث من وراء ألما وتتقدّم إليها ناظرة الى المتحدّث الذي‮ ‬لم نر وجهه حتى الآن‮.‬
ألما تكرر‮: »‬مستر ڤوغلر‮. ‬أنا لست زوجتك‮«‬
إليزابث تأخذ‮ ‬يد ألما وتضعها على وجه الرجل‮ (‬نراه لأول مرّة‮) ‬وهنا فقط تخاطب ألما هذا الرجل كزوجها وتقول له‮ »‬أحبك كما أحببتك دائماً‮«. ‬
والحركة التالية لكل ذلك هي‮ ‬تكوين رائع لصورة عليها أن تعكس كل هذا المشحون من الألغاز والعوامل النفسية والعاطفية‮: ‬نصف وجه إليزابث في‮ ‬المقدّمة‮ (‬كلوز أب‮) ‬لكن فجأة الرجل‮ (‬زوجها المفترض‮) ‬وألما في‮ ‬خلفيتها‮. ‬يتعانقان ويتحادثان كما لو أنها ليست موجودة‮. ‬في‮ ‬ذات الوقت الذي‮ ‬يؤكد فيه الفيلم‮/ ‬برغمَن على أن ألما هي‮ ‬غير الموجودة ما‮ ‬يجعل ما نراه هو المتخيَّل في‮ ‬بال إليزابث‮.‬
لا أذكر فيلماً‮ ‬آخر وظّف كل هذه الأفكار الشائكة والحاوية على عقد نفسية وذهنية صلبة،‮ ‬في‮ ‬تكوين صُوَري‮ ‬بسيط وموجز في‮ ‬آن‮. ‬إنها لقطة واحدة تلخّص وتقول كل شيء‮. ‬ما سبق ليس سوى التمهيد لها‮.‬
الآن،‮ ‬ذات التكوين‮ (‬الوجه في‮ ‬المقدّمة وفي‮ ‬المؤخرة ألما والزوج‮ (‬غونار بيونستراند‮) ‬إنما مستلقيان على الفراش‮. ‬لقد إنتهيا من ممارسة الحب‮... ‬أيضاً‮ ‬في‮ ‬بال إليزابث‮. ‬يسألها إذا ما كانت مجامعته أمتعتها‮. ‬تؤكد له ذلك،‮ ‬لكنها فجأة تنفجر باكية وتنتفض في‮ ‬ثورة شاكية من أنها‮ »‬إتركني‮ ‬وحدي‮. ‬أنا فاسدة وباردة ولا أُميّز‮«.‬
الذي‮ ‬يحدث هنا هو قرار برغمَن بكشف أحد الأسباب الأهم التي‮ ‬دفعت إليزابث للإنهيار داخل نفسها الى الأبد‮. ‬عوض أن‮ ‬يلجأ الى‮ »‬الفلاشباك‮« (‬مهرب كل نصف مخرج في‮ ‬العالم‮) ‬لابد أن جلس طويلاً‮ ‬وهو‮ ‬يؤلّف كل جزء من هذا المشهد التأليف المضني‮ ‬الذي‮ ‬يستحق‮. ‬ثم عليك أن تتخيّل جلسته الطويلة مع مدير تصويره سڤن نِكڤست ليؤسس معه الكيفية التي‮ ‬يمكن لهذا المشهد أن‮ ‬يُترجم صورة على الشاشة،‮ ‬ونفس الجلسات طبعاً‮ ‬مع الممثلين الثلاث‮. ‬
حين تتفوّه ألما بعبارة‮ »‬كله كذب وتلفيق‮« ‬تعود الكاميرا الى وجه لِڤ أولمان‮/ ‬إليزابث في‮ ‬لقطة كبيرة جداً‮. ‬هنا ليس بيت القصيد الكامن في‮ ‬تلك العبارة وقد انتقلت الى وجه إليزابث في‮ ‬إحتواء كامل فقط،‮ ‬بل التأكيد الأهم من أن ألما هي‮ ‬إليزابث لا محالة،‮ ‬وما وقع مع ألما من حدث عاطفي‮ ‬ذات صيف على شاطيء البحر لم‮ ‬يقع معها بل مع إليزابث وكان واحد من دوافع الثورة واللجوء الى عمق الصمت في‮ ‬إستنكار لشخصيّتين فيها،‮ ‬واحدة لا تكمل الثانية‮. ‬وجهان واحد لنفسها والآخر لكل الناس بمن فيهم زوجها‮.‬
‮ ‬مواجهة‮ ‬
المواجهة الأخيرة تأتي‮ ‬مباشرة بعد هذا المشهد المهم،‮ ‬وهي‮ ‬أكثر مواجهات الفيلم إفصاحاً‮ ‬او إذا أردت مباشرة‮. ‬لا أدري‮ ‬إذا ما كانت الحيلة أعيت المخرج في‮ ‬إيجاد طريقة أخرى،‮ ‬لكن كان لابد من الوصول،‮ ‬قبل ربع ساعة من نهاية الفيلم،‮ ‬الى قلب كل الأوراق‮. ‬الوسيلة‮: ‬يدا إليزابث على طاولة كما لو كانتا تخفيان شيئاً‮. ‬ألما تسألها ما تخفي‮ ‬وتجبرها على الكشف لنرى صورة إبنها‮. ‬اللقطة بعد ذلك على وجه إليزابث‮/ ‬أولمان طوال الوقت بينما ألما‮/ ‬أندرسُن تكشف سرّاً‮ ‬دفيناً‮ ‬في‮ ‬حياة الأولى‮: ‬ذات مرّة،‮ ‬قبل سنوات،‮ ‬طلبت من زوجها أن‮ ‬يجعلها تحبل وذلك ردّاً‮ ‬على من قال لها‮ »‬أنت تفتقدين الأمومة‮«. ‬لكن إذ علمت إنها أصبحت حاملاً‮ ‬أخذت تكره كل ما‮ ‬يأتي‮ ‬مع هذا الحبل من مظاهر جسدية ومشاعر نفسية‮. ‬كانت قلقة،‮ ‬كما تقول لها ألما،‮  ‬من أن‮ ‬يكبر بطنها،‮ ‬ومن أن تنقطع عن التمثيل،‮ ‬ومن أن‮ ‬يصبح عليها تحمّل آلام ثم واجبات ومسؤوليات الأمومة‮. ‬تمنّت،‮ ‬حين أنجبت ولداً‮ ‬معطوباً‮ ‬أن‮ ‬يموت،‮ ‬لكنه لم‮ ‬يمت ولو أنه أنتهى إلى أقاربها‮ ‬يهتمّون به‮. ‬لكن طلبه لها كان ملحّاً‮ ‬وهي‮ ‬كانت ملحّة بدورها أن تمارس دورها كأم‮.‬
الآن،‮ ‬يُعيد برغمن لقطة اليدين فوق الصورة،‮ ‬ويدي‮ ‬ألما تتدخلان لإزاحتهما ومعرفة ما‮ ‬يخفيانه وممانعة إليزابث ذلك‮. ‬تكشف ألما الصورة وتتحدّث عنها‮. ‬ذات الحوار السابق إنما الكاميرا الآن على وجه ألما وهي‮ ‬تعيد حديثها السابق كلمة كلمة‮. ‬الغاية هنا أكثر من مجرد‮  ‬تكرار رغبة في‮ ‬التأكيد‮. ‬إنه تكرار رغبة في‮ ‬توثيق الحالة النفسية واستغلالاً‮ ‬لحركة‮ ‬غير متوقّعة‮. ‬في‮ ‬منتصف إحدى العبارات‮ ‬يستبدل برغمَن نصف وجه ألما بنصف وجه إليزابث‮. ‬النصف المستبدل كان في‮ ‬عتمة‮. ‬الضوء آت من الناحية اليسرى لوجه ألما‮. ‬حين‮ ‬يؤلِّف برغمَن وجهاً‮ ‬جديداً‮ ‬نصفه إليزابث ونصفه إلما‮ ‬يستبدل النصف المعتم ويفتح نِكڤست إضاءة جانبية من اليمين بحيث‮ ‬يصبح الوجه كله مُناراً‮. ‬تستمر اللقطة نحو ثلاث ثوان ثم‮ ‬يعود وجه ألما كاملاً‮ (‬ونصف مضاء‮) ‬كما كان‮. ‬لكن الأمر لا‮ ‬ينتهي‮ ‬هنا،‮ ‬في‮ ‬بعد إضافي‮ ‬لموضوع مزج الهوية،‮ ‬تتوقّف ألما عن إنتحال شخصية ألما وتنكر أنها إليزابث لكن اللقطة للوجهين معاً‮ ‬تعود‮. ‬دكتور جايكل ومستر هايد والأول‮ ‬يرفض قبول الثاني‮. ‬ألما تريد أن تقول أنها ليست أليزابث،‮ ‬لكنه قول ضعيف‮. ‬هاهي‮ ‬اليزابث تطغى على الصورة‮. ‬المخرج‮ ‬يعيد تلك اللقطة لنصفي‮ ‬الوجهين وهذه المرّة التطابق‮ ‬يكاد‮ ‬يكون تامّاً‮.‬

‮ ‬كله فيلم‮ ‬
‮»‬برسونا‮« ‬فيلم عن الجرح الأكثر وجعاً‮ ‬كلّما مضى المرء كاشفاً‮ ‬عن دواخله بصدق‮. ‬كلّما كان أصدق كلما كان الوجع أمضى‮. ‬يصل الى حد الأذى‮. ‬ألما أرادت أن تؤذي‮ ‬أليزابث حين تركت قطعة الزجاج لتدوس عليها‮. ‬إليزابث أرادت أن تؤذي‮ ‬ألما حين لم تستجب لنداءاتها بالحديث معها ومبادلتها جوارحها ومشاعرها‮. ‬لكن كيف تستطيع أن تستجب وهي‮ ‬ألما نفسها‮. ‬ألما اللقاء الفاتر الذي‮ ‬بدأ في‮ ‬المستشفى والذي‮ ‬انتقل الى البيت البعيد الخالي‮ ‬من الجيران‮. ‬كلاهما هناك إليزابث اليوم وكل إليزابث الأمس‮. ‬
لكن ظهور ألما على هذا النحو الملح،‮ ‬وعلى الرغم من اللقطات الهادفة لتأكيد وحدة الشخصيّتين،‮ ‬تبقى بدورها حقيقية‮. ‬مع نهاية الفيلم نعود الى المستشفى،‮ ‬ولا أستطيع أن أقول أنهما عادتا الى المستشفى،‮ ‬ذلك لأني‮ -‬كما المشاهد عموماً‮- ‬ليس واثقاً‮ ‬من أن اليزابث‮ ‬غادرت المستشفى‮. ‬لقد شاهدناها مرعوبة من مشهد قيام بوذي‮ ‬بحرق نفسه،‮ ‬قبل أن تلجأ الى النوم‮. ‬الآن ها هي‮ ‬ألما تدخل عليها وهي‮ ‬لا زالت ملقاة‮. ‬إذا ما‮ ‬غادرتا المستشفى،‮ ‬فإن المنتجع لم‮ ‬يشفها‮. ‬ها هي‮ ‬إليزابث أضعف من ذي‮ ‬قبل‮. ‬الأصح إذاً‮ ‬أنها لم تغادره بعد‮.‬
لكن ها هي‮ ‬ألما تستيقظ من نومها‮. ‬لا زالت في‮ ‬البيت الصيفي‮. ‬تنظر حولها بحثاً‮ ‬عن أليزابث وتجدها تضع ثيابها في‮ ‬حقيبة سفر‮. ‬تقفلها‮. ‬تغادر‮. ‬إنه‮ ‬يوم المغادرة‮. ‬يوم العودة‮. ‬ألما الآن في‮ ‬ثيابها كممرّضة‮  ‬فرشت شراشف بيضاء فوق الآثان وها هي‮ ‬تجمع الوسادات والكراسي‮ ‬وتدخلها من الشرفة الى البيت‮. ‬ترتدي‮ ‬المعطف وتنظر الى المرآة‮. ‬وللمرة الأخيرة وبشكل موجز،‮ ‬تجد إنعكاساً‮ ‬لها ولاليزابث‮... ‬لكن ألما الآن وحدها‮. ‬لقطة لها تخرج من البيت حاملة حقيبتها هي‮ (‬غالباً‮ ‬هي‮ ‬ذات الحقيبة التي‮ ‬أودعت فيها إليزابث ثيابها‮). ‬في‮ ‬المقدّمة هناك رأس تمثال‮. ‬فجأة‮ ‬يستدير وجه أليزابث وهي‮ ‬في‮ ‬دور إلكترا‮ (‬ذات اللقطة الأولى لها حين سردت الطبيبة تاريخ مريضتها القريب الى الممرّضة‮).‬
ألما تحمل حقيبتها وتمشي‮. ‬صوت البحر وراءها‮. ‬وصوت آلة إنذار‮. ‬نحن الآن في‮ ‬ستديو‮. ‬هناك مدير تصوير‮ (‬نكڤست نفسه‮) ‬وراء الكاميرا والمخرج‮ (‬برغمن نفسه‮) ‬من الناحية الأخرى‮. ‬قطع لألما وحدها تقترب من الحافلة التي‮ ‬ستنقلها عائدة الى المدينة‮.‬
لقطة لذات الفتى النحيف‮ ‬يلمس لوح الزجاج حيث تراءت صورة والدتها‮ (‬إليزابث‮). ‬الآن فهمنا علاقته بالموضوع‮. ‬الزجاج الأملس‮ ‬غير العاكس الذي‮ ‬في‮ ‬باله‮. ‬لقطة لبكرة الفيلم في‮ ‬آلة العرض‮. ‬البكرة تفلت لأن الفيلم وصل الى نهايته‮. ‬يستغنى برغمَن عن كلمة نهاية ويستبدلها ببكرة تنتهي‮.... ‬او هل قصد أن لا شيء‮ ‬ينتهي؟
طوال الفيلم لا تنطق اليزابث‮ -‬مؤكّداً‮- ‬الا بكلمة واحدة في‮ ‬مشهد في‮ ‬المستشفي‮ ‬من بعد فصل المنتجع‮. ‬تطلب منها ألما أن تقول أي‮ ‬شيء او‮ »‬لا شيء‮«. ‬تستجيب إليزابث وتردد‮ »‬لا شيء‮«  ‬مرّة واحدة‮. ‬و»لا شيء‮« ‬هذه تلتقي‮ ‬مع مفهوم فيلم داخل فيلم‮. ‬الناتج لا شيء بمعنى أن الفيلم نفسه‮ ‬يتصرّف مختلفاً‮ ‬عن الواقع‮. ‬وبذلك هناك ثلاثة أبعاد متوالية وتقف واحدة وراء الأخرى من دون أن تختفي‮ ‬تماماً‮ ‬من الظهور‮: ‬قصة إمرأتين‮. ‬قصّة إمرأتين في‮ ‬إمرأة،‮ ‬وقصّة إمرأتين في‮ ‬إمرأة في‮ ‬فيلم‮.‬

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular