Jul 23, 2010

عدد خاص عن مهرجانات السينما: في الغرب منافسة. في عالمنا صراع شرس | من هو الأفضل الأكبر والأكثر تأثيراً

 Year 4 | Issue 525

تمهيد
يتضمّن النصف الثاني من كل سنة مجموعة كبيرة من المهرجانات الأقليمية والدولية تمر تباعاً وتستحوذ، بنسب مختلفة، على اهتماماتنا  كهواة او كمحترفين. فقط من باب التذكير ودّعنا كارلوفي ڤاري التشيكي ونستقبل قريباً لوكارنو ومونتريال وروما ولندن وتورنتو وسان سابستيان ودوڤيل ونانت ومونبلييه وفنيسيا وساراييفو وكرواتيا وشيكاغو وأخرى كثيرة موزّعة بين القارتين الغربيّتين. عربياً، تتوالى (والذكر هنا من دون ترتيب زمني او سواه) مراكش، دبي، القاهرة، أبو ظبي، قرطاج، دمشق، الإسكندرية والدوحة من بين أخرى٠
أمام هذا الزخم الذي استدعى في السابق التوقّف عنده أكثر من مرّة، لابد أن نطرح الصورة الواقعية للمسألة برمّتها، وأحد تحقيقات هذا العدد قوائم بالأهم والمجدي والأفضل في جداول مختلفة. هذه الجداول  او اللوائح، لم يتدخل فيها أي عامل او تفضيل شخصي، بل تم تأليفها على أفضل ما استطاع هذا الناقد الخلاصة إليه من خلال حضوره او من خلال متابعة حضور وتقارير زملاء أهل للثقة، كما من خلال المواقع الرسمية لتلك المهرجانات وذلك بغاية أن يتم تقييم عمل المهرجانات على نحو سنوى، على أن تكون المرّة المقبلة للتقييم في الشهر الأول من كل عام بدءاً من العام المقبل٠
    
مهرجانات السينما العالمية: في الغرب هي منافسة .... في عالمنا هو صراع شرس

محمد رُضا

من  حيث المبدأ على الأقل، تشترك جميع المهرجانات بسعيها الى النجاح في الهدف العام (والذي قد ينضوي على أهداف عدّة بدوره) التي حددها كل مهرجان على حدة.   لهذه الغاية، تعتمد على عدة عناصر ضرورية من بينها قدرات إدارية وتمويلية ومحاولة جذب الأفلام المهمّة المتناسقة مع خصائص المهرجان، واكتشاف الجديد والمهم في شتّى المطروح إنتاجياً، محلياً، إقليمياً او عالمياً٠
ما هو مختلف هو كيف تتجانس المهرجانات مع بعضها البعض، وقد أصبح عددها 4000 مهرجان صغير وكبير ودولي ومحلي وأقليمي، متخصص في النوع (رعب، كوميديا، خيالي علمي الخ...)  او في المنطقة الجغرافية (بلدان البحر المتوسط في تاورمينا، السينما الأميركية في دوفيل، السينما العربية في سان فرانسيسكو الخ...) او تبعاً للإختصاص النوعي (روائي/ قصير، طويل، تسجيلي، أنيماشن الخ٠٠٠)٠ في الحقيقة هناك مهرجان لكل شأن ولكل سينما ولكل زمن في كل مكان في القارات الخمس مع نحو 650 مهرجان في الولايات المتحدة وحدها، ونحو 30  مهرجان  في العالم العربي٠
بطبيعة الحال، لا نسمع كثيراً عن معظم هذه المهرجانات، إذ يتحلّق اهتمامنا حول بعضها فقط مثل  (من دون ترتيب) مراكش، دبي، قرطاجة، القاهرة، أبو ظبي، الرباط، دمشق، الاسكندرية، والآن الدوحة كونه آخر المنتمين الى سلسلة الأفلام العربية الكبيرة٠
حصر الإهتمام بعدد محدد فقط  ليس شأننا نحن فقط: المهرجانات الرئيسية التي يتردد إليها العالم او يتابع أخبارها، لا تزد عن عشرين مهرجاناً والإهتمام يتفاوت بالطبع بين الكثيف (فانيسيا، برلين، كان، تورنتو) والخفيف (روما، دوفيل، نانت الخ....) وبينهما المعتدل (لوكارنو، سندانس، مونتريال، كارلوڤي ڤاري الخ٠٠٠). كما هو ملاحظ، هناك مهرجانات أسمها أكبر من صيتها مثل "سندانس" الذي لا ريب في أهميّته لكنه ليس بالحجم المفصلي بالنسبة لمعظم السينمائيين كما الحال مع أكبر ثلاث مهرجانات دولية وهي، حسب تواليها زمناً، برلين، كان وفنيسيا٠
ما يُثير الغرابة هو عدد المهرجانات المرتفع، فالعالم لا ينتج ما يوازي هذا الرقم من افلام جيّدة. الإنتاج السينمائي العالمي لا يقل عن ضعف هذا العدد بالتأكيد لكن الجيد والصالح منها للمهرجانات، بصرف النظر عن اهتمام كل مهرجان، لا يتعدّى خمسمئة  فيلم من القصير الى الطويل ومن الأنيماشن والتسجيلي والتجريبي والأنثروبولوجي الى الروائي العادي في أي حجم كان٠ السؤال هو إذاً، ليس  
Recycle  كيف تجد المهرجانات أفلامها إذاً، إذ أن الجواب يكمن في كلمة واحدة هي
 بل  أساساً، لماذا تتكاثر هذه المهرجانات رغم القلّة النسبية للأفلام التي تصلح للعرض؟ الجواب على هذا السؤال أصعب بكثير من تعداد الأفلام وتعداد المهرجانات ومحاولة إيجاد الغطاء الكافي للوعاء الكبير.  بعض الأسباب إقتصادي، لإنعاش صناعة، والبعض سياحي، للغاية نفسها، والثالث عشقاً بالسينما بلا ريب، والآخر قد  يدخل الباب العريض بدافع وطني، ثم هناك بالطبع تلك المهرجانات التي تُقام لأنها تنفيعة لبعض الشخصيات التي تديرها ٠ وكما هو ملاحظ بين الأسباب المذكورة التي تدفع العالم لإنتاج وتوفير هذا العدد الخانق من المهرجانات، فإن حب السينما والسعي الى نشرها كثقافة  لا يأتي في المقدّمة دائماً.  كما أن  الإكتراث لتقديم "حب السينما" كتبرير  قلّ كثيراً مع إنتشار المهرجانات وانتشار الأزمات ومحاولات الخروج منها عبر الإهتمام بروافدها المالية وانتشار المهرجانات التي هي مجرد تنفيعة او تلك المُدارة من قِبل شخصيات غير سينمائية٠
  بعض هذه المهرجانات تدّعى، أنها تُقام احتفاءاً بالسينما وهذا يشبه الدكان الذي يدّعي أنه يحتفي بالفاكهة  لذلك يبيعها، بينما هو يبيعها لأنها تعود عليه بالنفع.  وسواء أكانت المنفعة ماديّة او ماديّة ووطنية معاً، فإن الطريقة التي يُدار بها المهرجان وأسلوب التعامل مع الجانب الثقافي للسينما كفيلان بمعرفة  الى أي مدى يحب المهرجان المعيّن السينما التي يحتفي بها. الى أي حد يشعر بالغيرة عليها ويحاول أن ينشّطها ويوسّع إطارها ويمنح الجيّد  والجاد من أفلامها المكانة المستحقة، وهناك مهرجانات كثيرة (عربية ودولية) تضمن الجمع بين الضروريات المادية ومنافعها وبين الرغبة الصادقة في الإحتفاء بالفن السينمائي٠
كما يدرك المتابعون فإن المهرجانات الثلاث الأولى في العالم هي تلك التي ذكرناها أعلاه، برلين، كان وفنيسيا. وهي ليست الأولى لأنها من الأقدم فقط، بل لأنها نتاج أجيال من الباذلين الأوفياء للسينما الذين أدركوا المسؤولية وانضبطوا للعمل بموجبها. السبب المهم الثاني، هي أن كل من هذه المهرجانات مرتبط  بواحدة من عواصم الصناعة السينمائية حول العالم: ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، ولا يهم أن المهرجانين الفرنسي والإيطالي يُقامان في مدينتين لا تشهدان صنع أفلام (على وفرة ما تم تصويره من أفلام فيهما) لأن كل من كان وفنيسيا، كمدينتين، ينتميان في النهاية الى السوق الوطني المنتج والشاسع٠
الى جانب السببين الأول والثاني يلتقي سبب ثالث مكوّنا مثلّثاً لا غنى عنه: الجمهور. إنه، كالمهرجانات، مكوّن من أجيال من المتابعين والمهتمّين والسينمائيين والمثقّفين والهواة الذين لا يتركوا فرصة انطلاق دورة واحدة من دورات أي من هذه المهرجانت تمر من دون إحاطتها بكل اهتمام ممكن٠
لذلك أي منافسة بين هذه المهرجانات هو أمر محمود وشرعي كونه ضرورة من ضرورات البقاء حيّاً وتنفيذ المهمّة الملقاة على عاتق كل منها. لكن هذه المنافسة قلّما تنتقل الى صراع، او بكلمات أكثر تحديداً، الى محاولات تصفية الآخر. جل ما يمكن أن يفعله المهرجان الواحد من باب المنافسة هو أن يتّصل او يستقبل ما هو متاح في الفترة المسبقة لانعقاده. وبالتالي، فإن الفيلم الذي لا يلحق ببرلين في الشهر الثاني من العام قد يلحق بكان، في الشهر الخامس، وذلك الذي تفوته محطّة  كان، فإن محطة فانيسيا هي التالية على بعد ثلاثة أشهر منه٠
هذا الواقع هو الأساس في التعامل بين كل المهرجانات الغربية (الكبيرة والمتوسّطة والصغيرة على حد سواء) حتى حين يتسبب مهرجان في إثارة قلق مهرجان آخر: روتردام العالمي (وليس العربي طبعاً)  قض مضجع برلين قبل سنوات، ثم استقر على وضعه كثاني مهرجان في تلك الفترة المبكرة من العام. روما قبل سنوات انطلق  قوياً ما جعل العالم يتحدّث عما قد يشكلّه ذلك من خسارة لمهرجان فانيسيا وكلاهما كبيران يُقامان في ايطاليا٠ 
صراعات عربية
لكن الحال معكوسة في العالم العربي والصراع هو الذي يحل محل التنافس بما يحمله من قيام بعض المهرجانات بمحاولة تدمير مهرجانات أخرى٠
كبداية، فإن معظم مهرجانات السينما العربية تجد نفسها في مأزق تواجد وهذا يطال الصغير منها والكبير. الحاصل هو أن المهرجانات تتعامل مع مشاكل عديدة  وبعضها في أكثر من مشكلة في الوقت الواحد. ولا داعي لتقسيم هذه المشاكل حسب أهميّتها، لأن كل منها مهم ومصيري بحد ذاته٠
هناك في الصف الأمامي من المآزق والأزمات إنحسار الطموحات الى حدود منخفضة. كل ما يريده مهرجان مسقط مثلاً هو أن يُقام بصرف النظر عن نتيجة الدورة الماضية او عن المأمول له من طموحات كانت تراود مؤسسيه. كذلك الحال مع مهرجان دمشق السينمائي المنقلب منذ سنوات لوضع الدولي علماً بأن النسبة الغالبية من الأفلام المعروضة منتقاة مما هو متوفّر من أسطوانات أفلام، حسب انتقادات عدد من النقاد الذين حضروا دوراته الأخيرة. لكن مهرجان  دمشق يعوّض هذا الجانب بالتأكيد على دور الثقافة السينمائية سواء من حيث تبريره الوسيلة التي يعمل بها او من حيث اطلاقه مجموعة من الكتب والمطبوعات السينمائية المواكبة للحدث٠ 
في القاهرة، فإن المهرجان السينمائي الدولي الأعرق في العالم العربي، يعاني من أزمات تمويلية حيث تقف الميزانية المحدودة عائقاً يمنع تصاعد وتطوّر دوراته. لكن هذه الأزمة ليست الوحيدة. هناك إقصاء لصاحب الخبرة او تحديد صلاحياته في مقابل تمدد تلك التي يتمتّع بها مدراء آخرين. هذا ينجلي عنه دائماً دورات تسعى لأن تحقق غاياتها ودائماً ما تخفق في تحقيق تلك الغايات حتى على صعيد التنظيم وبعد أكثر من 35 سنة من المحاولات الدؤوبة. المأزق المادّي قد يمنع المهرجان من استقطاب إعلام أفضل وسينمائيين أكثر، لكن المأزق الإداري هو الذي يؤدي الى أفلام مبرمجة لا تعرض في مواعيدها او لا تعرض على الإطلاق٠
لكن مهرجان القاهرة، هو مثل المدينة التي يحمل أسمها:  مهرجان تحبّه وتريد أن تحضره لانتماءاته. مصر هي، بصرف النظر عن الحاصل في السينما العربية، العاصمة السينمائية الأولى. والسينمائيون أنفسهم جمهور محب يبادر بالتجاوب مع اليد الممدودة إليه. قليل من التنظيم والكثير من بناء الثقة والطموحات مع العمل لمنح المهمّة الإدارية لمن يستحق، سيعيد  مهرجان القاهرة  للعب دور الملتقى الأول بين المهرجانات العربية بأسرها٠

درّة أبو شوشة: رئيس مهرجان قرطاج السينمائي حالياً
 بالنسبة لمهرجان قرطاجة التونسي، وهو من الأعرق الموجود في الساحة العربية، وبل أوّل مهرجان سينمائي عربي  انطلق ولا يزال منطلقاً الى اليوم، فإن حب التونسيين للسينما هو الذي لا يزال مبهراً رغم السنوات المديدة له. لكنه، وبعد فورة شبابية واتته في الستينات والسبعينات يبدو وقد تحوّل في السنوات الأخيرة الى فعل وظيفي مفوّتاً الفرصة الأهم بين كل المهرجانات العربية ليكون عالمياً حقيقياً. فهو بتخصصه بالسينماتين العربية والأفريقية، كان يمكن له أن يشكّل محطّة مهمّة على خط المهرجانات العالمية بأسرها، وبل هو لعب هذا الدور سابقاً والغالب أنه لا يزال يستطيع إستعادة هذا الدور لاحقاً٠
هذه المهرجانات العربية المذكورة، وبعض سواها، تُدار عربياً وهذا هو أمر بالغ الأهمية لكنه ليس الوضع ذاته في عدد من المهرجانات المتبقيّة: مراكش تديره أيدٍ فرنسية والشكوى القائمة منه تتعلّق بعدم اهتمامه بالسينما المغربية ذاتها ومع أن  لهؤلاء لديهم مهرجانات مغربية أخرى يؤمّونها، الا أن تواجدهم في إطار المهرجان المذكور سينعكس إيجابياً على السينما المغربية بأسرها وسيمنح الحضور الأجنبي فرصة مشاهدة الأفضل في كل مرّة- هذا الا إذا ما كانت التهمة في غير مكانها او أن عدم اهتمام الإدارة الفرنسية بالأفلام المغربية (والعربية بصفة عامّة) عائد الى نوعية هذه الأفلام أساساً٠

عبد الحميد جمعة: إدارة عربية ناجحة لمهرجان دبي

في المنطقة الخليجية المسألة بالغة التعقيد٠
 مهرجان دبي السينمائي الدولي بدأ بإدارة أجنبية٠
مهرجان أبوظبي السينمائي الدولي (الذي انطلق قبل أربع سنوات بإسم "مهرجان الشرق الأوسط")  بدأ بإدارة عربية٠
الأول أصر على أن تكون إدارته عربية. الثاني استبدل الإدارة العربية بالإدارة الأجنبية. إتجاهان متعاكسان على طريق واحد. الغريب أن كلاهما نجح في خطوته رغم أنها تناقض الأخرى٠
مهرجان الدوحة الجديد تديره سيّدة بريطانية. بذلك، ثلاث مهرجانات كبيرة لديها دور رئيسي مقبل في بناء صرح السينما في بلدانها،  مدارة أجنبياً هي مراكش وأبوظبي والدوحة٠
مهرجان دبي السينمائي الدولي هو المهرجان الأول في المنطقة الخليجية الذي وضع دعائم للسينما الإماراتية والخليجية كما باقي السينما العربية. نحن هنا لا نتحدّث عن أولويات زمنية بل عن أولويات نجاح. أنطلق طموحاً وأنجز طموحاته من السنة الثالثة وما بعدها وأسس صرحاً قويّاً للسينما العربية عبر تأكيده على النوعية وإطلاقه مسابقة ذات جوائز سخية تُمنح للمخرج الذي يحوز على إعجاب لجنة تحكيم مستقلّة تماماً. لكن المهرجان الذي يدخل هذا العام دورته السابعة  يتعرّض حالياً لمرحلة صعبة٠
خلاصة هذه المرحلة هو أن كونه يعتمد في استمراريته على دعم المؤسسات  من معلنين وداعمين تجاريين الى جانب مساعدة حكومية محددة   يجعله غير قادر على تجاوز تحديات تفرضها عليه تطوّرات محيطة. فعلى الرغم من حسن تنظيمه ومن بذله الدائم لدفع السينما العربية الى الأمام على نحو يعتمد الكفاءة أوّلاً، وعلى الرغم مما حققه من اهتمام دولي، يجد أن التحدّيات المفروضة عليه اليوم، بسبب من منافسة بعضها لا علاقة له بروح المنافسة، تحد من قدراته على التقدّم صُعداً٠
فالوسيلة  الصحيحة  التي كان مهرجان دبي (وسواه)  يتبعها للحصول على الأفلام العربية تعرّضت لهزّة شديدة  حينما قام مدير مهرجان أبوظبي المنافس، بيتر سكارلت بمنح  الضوء الأخضر لاستخدام وسيلة الإغراء المادي لجذب المخرجين والمنتجين بحوافز مالية مباشرة  لأجل ضمان قيامهم بعرض أفلامهم في مهرجان أبوظبي عوض مهرجان دبي. الحاصل اليوم هو أن المخرج العربي بات لديه حافزاً يعتمد على المال وحده لتفضيل مهرجان على آخر. أمر لا يضر فقط مهرجان  دبي ومهرجانات أخرى لا تريد او لا تقدر على مزاولة هذا النوع من الإغراء، ما ينتج عنه التأثير على قدرة المهرجان  استيعاب الأفلام الجيّدة فقط، بل هو أمر يترك أثره السلبي على مستوى السينما العربية ذاتها٠
ما بات يحدث تبعاً لهذا المنوال من العمل هو أنه صار بالإمكان لأي مخرج عربي  التحجج بأن فيلمه ليس جاهزاً بسبب نقص السيولة مدركاً أن هناك من سيعرض عليه إنجاز الفيلم بمنحه مبلغاً مادياً (يُقال أنه يصل اليوم الى ستين ألف دولار)  وذلك لقاء حصول ذلك المهرجان على حق عرضه٠
نتيجة ذلك، فإن المهرجان الذي يدفع سلفاً هو الذي ينال. وبما أن المهرجان الوحيد الذي يدفع -حتى الآن إذ لا ندري من سينتهج مستقبلاً هذا المنحى-  هو مهرجان أبوظبي فإن مهرجان أبوظبي هو الذي سيحصد أهم وأفضل الأفلام العربية٠
لكن النتيجة الفادحة هي أن الأفلام التي ستتدافع لكي يشتريها مدير مهرجان  ما سوف تصبح تلقائياً أعمالاً غير جديرة بالتقديم. سيكون من الصعب جدّاً الحفاظ على المستوى طالما أن العائد المادي، في حسبان  السينمائي، هو الأهم. وبما أن الدفع يتم مسبقاً، فإن لا ضمانة مطلقاً على أن الفيلم المدفوع له سيكون ذا قيمة أساساً خصوصاً إذا ما تم استدراجه بهذه الطريقة بينما لا يزال قيد التصوير او قيد التوليف.  ربما حمل إسماً كبيراً او إثنين، لكن عمرها ما كانت الأسماء أهم من النتائج٠


مدن وسينمات
  هوڤيك حبشيان

امستردام

هل من علاقة بين المدن والمهرجانات السينمائية التي تُعقَد فيها مرةً كل عام؟ وهل للمدينة فضل على الحدث الذي تحتضنه؟ مَن يدين للآخر، المدينة أم المهرجان؟ علماً أن بعضاً من أهم المهرجانات في العالم لا يجري في العواصم بل في مدن أصغر حجماً وأقل تأثيراً وسكاناً. فمهرجان ساندانس مثلاً (ولاية أوتا) أهم من مهرجان نيويورك. وما من حدث سينمائي في باريس ينافس ما يجري في مدينة كانّ في شهر أيار من كل عام. أما روما، المدينة الأبدية، فلم تستطع مطلقاً أن تنافس موعداً سينمائياً يتكرر منذ أكثر من ستة عقود على جزيرة سينمائية اسمها البندقية... هنا بعض المشاهدات في مدن تؤوي مواعيد سينمائية بارزة٠
•••
في شمال هولندا، مدينة اسمها أمستردام. مدينة عائمة صنعتها الارادة الهولندية حجراً فوق حجر. تأسست في القرن الثالث عشر، قريةً صغيرة لصيد الاسماك على ضفاف نهر امستل. مرّت بنزاعات طويلة مع جوارها، الى أن استقرّت أوضاعها وأصبحت معروفة بمدينة القوارب والقنوات المائية والمباني التي يتساند بعضها بالبعض كلعبة دومينو، في انتظار أن تنهار يوماً٠
في قلب أوروبا النابض، أمستردام هي متروبول قائمة على تعدّد الثقافات والهويات، وتمتاز في كونها ريفاً داخل عاصمة؛ مكان يجمع على الصخب والهدوء في آن واحد. غدت هذه العاصمة على مرّ العصور متحفاً في الهواء الطلق يجذب الباحثين عن مكان حرّ يسمح لهم بتحقيق أحلامهم، رغباتهم وطموحاتهم. لكن أكثر ما صنع مجد هذه المدينة، هو انفتاحها على كل ما هو مستجد ومثير ومختلف، يأتي من أماكن بعيدة، خلافاً لعواصم أوروبية أخرى أكثر انغلاقاً وتمسّكاً بالتقاليد٠  
كان رامبرانت رساماً عظيماً عندما توفى في امستردام. لكن ترك خلفه ارثاً هائلاً من الثقافة البصرية، اقتحم ميدان الفكر الهولندي. لذا، كانت خطوة طبيعية أن يكون في أمستردام مهرجان مخصص للفيلم الوثائقي، تكريماً لذكرى هذا الرسّام الذي نقل الواقع الى المساحة البيضاء. مع مر الزمن، صار هذا المهرجان، الموعد السينمائي الأهم للفيلم الوثائقي. الحاجة الى المعرفة والتلصص على حياة الآخرين تجعل المشاهدين يأتون الى هنا وينتظرون مطوّلاً للحصول على بطاقة٠
هناك انسجام بين أمستردام والمهرجان، يلاحظه الزائر منذ لحظة انطلاق الحدث. من رامبرانت الى المخرج يوريس ايفانز، هناك تقليد بصري واضح في هذه البلاد، يجعل من "ايدفا" المهرجان المناسب في المكان المناسب. بعد عقدين على انطلاقه، أصبح هذا المهرجان واجهة حقيقية لحيوات شعوب الكرة الارضية. تختزل الأفلام الاربعمئة المعروضة، الاحوال السياسية والاجتماعية والنفسية لنحو 6 مليارات نسمة. يبدو البرنامج سلّة من صور التقاتل والعنف، الى جانب مشاهد الرقة والذكريات التي تغيّر مجرى الاحاسيس وتعيد الى الاشياء معانيها المفقودة. مرّة أخرى، يبدو هذا التشابك بين الجنسيات والهويات من صميم أمستردام٠
•••
على بُعد بضعة مئات من الكيلومترات هناك مدينة نانت الفرنسية الواقعة في غرب فرنسا. انها مدينة الكاتب جول ڤيرن والمخرج جاك ديمي. تبعد عن باريس نحو ساعتين بالقطار، لكن الحياة في طبيعتها هنا مختلفة جداً عن العاصمة: فالايقاع أكثر بطئاً، والناس أقل توتراً وعدائية من سكان العاصمة٠
نانت سادس مدينة فرنسية. وهي ملتقى طرق بين مدن فرنسية عدة. يحلو العيش في هذا المكان، واللافت أن الوافدين اليه يتزايدون عاماً بعد عام. المحيط الاطلسي على مقربة من هنا. نحو ستين كلم فقط تفصل المدينة عن الافاق البعيدة اللامتناهية. لكن مهرجان "القارات الثلاث"، الذي عرف في السنتين الأخيرتين خضات كثيرة، يفتح الافق من كل الاتجاهات على نانت، فيتمكن المُشاهد ان يسافر الى أمكنة متفرّقة وهو جالس في مكانه على متن أفلام من بلدان بعيدة، تعزيزاً لحوار الثقافات. 
تتميّز نانت بغطاء ريفي هادئ، ترتديه حتى واجهات محال الالبسة الجاهزة الفخمة في شارع كريبيون، وهو غطاء يجعل من اي حركة في الشارع شيئاً واضحاً للعيان. هناك ظاهرتان في هذه المدينة: ارتياد المطاعم والصالات المظلمة. اجتماعياً، نانت مدينة الاضرابات العمّالية والطالبية، اذ ليس من المفاجأ أن يخرج الى الشارع فجأة مئات الطلاب مطالبين بتعديل بعض قوانين التعليم، فتجد نفسك في وسط المتظاهرين وفي خضم معركتهم، قبل مواصلة طريقك الى مركز "مهرجان القارات الثلاث"، الذي لم يعد هو هو بعد مغادره الأخوين المؤسسين وتسلّم مَن هم أقل خبرة وفهماً للسينما منهما٠
•••
ڤنيسيا

في قارة أخرى بعيدة الآف الأميال، مدينة تورونتو الواقعة خلف الاطلسي. هنا مبانٍ شاهقة ومساحات شاسعة. هنا أيضاً مهرجان سينمائي يختلف عموماً عن مهرجانات القارة القديمة، لأنه يجري في مدينة هي مختبر للتجارب الانسانية الحديثة. فكلّ شيء في هذا المهرجان الكندي، الذي يتعزّز حضوره يوماً بعد يوم، ويكبر صيته تصاعدياً، يشبه البلاد في مساحتها وطموحها وتنوّعها الثقافي وسمتها الكوزموبوليتية. على رغم أن المكان تعانقه ناطحات السحب التي تكاد تضيّق على الافلام المعروضة، فإن الرغبة في المشاهدة والاكتشاف أقوى من أن تحجبها هذه الزخارف الهندسية المذهلة. انه باختصار، مهرجان لسينما من كل الاجناس في مدينة من كل الاعراق. انه مهرجان كلّ الناس، هؤلاء الناس الذين على قدم المساواة تحت نجوم الليل السينمائي٠
فرصة استثنائية هو مهرجان تورونتو  للجمهور الكندي لاكتشاف ما يصعب اكتشافه في السوق التجارية، لأن هوليوود تلقي بظلالها على هذه المدينة الواقعة على ضفّة بحيرة أونتاريو، مستعمرة جزءاً كبيراً من ثقافتها. لكن الادارة ترفع شعار "تحويل طريقة نظر الناس الى العالم" في مدينة هي أسيرة العولمة وثقافة الـ"فاست فود"٠
•••
القنوات المائية الشهيرة في البندقية تجعلها أكثر الاماكن رومنطيقية في العالم. وهي واحدة من أكثر المدن سحراً وروعة، لما تتمتع به من مبانٍ تاريخية يعود أغلبها إلى عصر النهضة. هذه المدينة التي تسبح فوق مياه بحر الأدرياتيك، عبارة عن أكثر من مئة جزيرة ملتصقة، كانت ولا تزال من أصعب أماكن التنقل عملياً وهندسياً. الذهاب من مكان الى آخر في هذه المدينة الساحرة، محصور في القوارب الكلاسيكية المتوافرة بكثرة، التي يطلق عليها اسم الغوندول. تبدو الاشكال الهندسية والمعالم الاثرية هنا كأنها لوِّنت استعداداً لعرض مسرحي جذاب. أما الرحلة الى أقاصي السينما في البندقية فحقيقية وممتعة، رحلة لا تخلو من النوستالجيا والنظر الى المستقبل باعتبار ان الفنّ ضمير العالم، حتى وإن كان هذا العالم معزولاً على... جزيرة!٠
بعد 77 سنة على ولادته، لا يزال "موسترا" البندقية واحداً من أعرق المهرجانات السينمائية في القارة القديمة وأبعدها تاريخياً في العالم. الـ"موسترا" هذا، يفيد من الديكور الخلاّب والخلفية الجمالية لمدينة البندقية، حتى انه يستحيل فصل المهرجان عن بيئته الجغرافية. واذا كان البندقية لا يحتّل المرتبة الأولى حضوراً وتأثيراً في بورصة المهرجانات، فإن موقعه الثقافي والتاريخي ودوره الريادي يخوّلانه ان يأتي بعد مهرجان كانّ٠
بعد فترة باهتة اجتازها المهرجان في عهد مديره الاسبق موريتز دو هادلن، اضحى البندقية مجدداً، في ادارة ماركو موللر، أرضاً مفتوحة وأصبح يستقطب سينمائيين ونجوماً من الطراز الرفيع، يأتون الى هنا ليستعرضوا آخر انتاجاتهم البصرية. زحمة وتدافع وهيصات على السجّاد الاحمر، هي الخبز اليومي لكل الذين يتهافتون من انحاء ايطاليا على مشاهدة وجوه لم يعتادوا رؤيتها من قريب٠
مئة سؤال تساورك في هذه المدينة العائمة التي تفرض مزاجها الحزين على الزائر٠
•••
في برلين ثمة مهرجان وحّد الألمان حول مسلّمات العصر الحديث وقيمه. في مدينة تاريخية عظيمة الشأن، تحوي كل الغرائبيات، هذه التظاهرة هي الموعد السنوي الأكثر رمزية: ليس من تظاهرة لعبت الى هذا الحد دوراً تاريخياً في مصالحة شعب والخروج من غياهب التاريخ منتصراً على الخراب وفخوراً بإنجازاته. اليوم، أمسى بعيداً زمن كان فيه الأوروبيون يلجأون الى لغة العنف لمخاطبة بعضهم البعض. وهل مثل الفنون الجميلة والأدب والسينما قدرة على مراقبة سلوك البشر وتغيراتهم؟
أن تكون في برلين يعني أن تواجه طبيعة أوروبية صافية تغمرها الثلوج في أماكن، فيما الشمس تطل بأشعتها الخجولة في أماكن أخرى. رحلات طويلة في القطار تعبر التلال والوديان والبراري، تحت سماء شبه غائبة لشدة البياض، في حين يلوح في الافق فجر يوم مثمر بلقاءات كثيرة. فالسفر والسينما مصير واحد ومسارهما متلازمان. انهما اشبه بذهاب واياب بين الواقع والمتخيل. من بلد الى آخر يعرّفنا السفر الى أماكن وشعوب تصمد في الذاكرة الى الأبد. وما هي السينما غير هذا؟ تاريخ الشعوب والأمكنة مطبوع على مادة لاصقة٠
لسنوات خلت، كانت ساحة بوتزدامر حيث تُعقد معظم تظاهرات المهرجان، خط التماس الذي فصل المانيا الشرقية عن الغربية. لكن الأمور تغيرت الآن وصار هذا المكان يحتضن ثالث اكبر حدث سينمائي في العالم بعد كانّ والبندقية: الـ"برليناليه". الاسم مشتق من مدينة لم يبق منها شيء في سنوات الحرب العالمية الثانية سوى الخراب والدمار والبؤس. اياً يكن، فبعد عقود طويلة من العزلة، تحولت هذه المدينة "الرمزية" نموذجاً للهندسة العصرية يزورها 70 ألف سائح في اليوم. في مطلع شباط من كل عام، يجتاحها عشاق السينما من انحاء ألمانيا وأوروبا والعالم للاحتفاء بفن كبير كان له فضل كبير في لمّ شمل "العائلة" الألمانية٠
 ليس ثمة ما هو أكثر بداهة من أن تحمل مدينة كوزموبوليتية كبرلين راية السينما القائمة أصلاً على فكرة الاختلاف. فنحو من 40 صالة موجودة في هذه المدينة، لكن هذا العدد يكاد لا يكفي لسد جوع الألمان الى المعرفة والاتصال بالقرية الكونية بعد سنوات من الانغلاق والتقوقع! واذا كانت للألمان رغبة في قلب صفحة الماضي، فكل شيء في برلين يحضّهم على تذكر أشباح التاريخ، بدءاً مما يُعرض على الشاشة بين حين وآخر، وعلى علاقة مباشرة بالتاريخ الألماني، وصولاً الى هذا الجدار، الذي لم يستطع المهرجان في السنة الماضية  أن يُعقد من دون الالتفات اليه، وخصوصاً في مناسبة مرور عقدين على انهياره٠

حدث مع محمد رُضا في ٠٠٠٠



موسكو-1972  |  مطلع شبابي الأول ... كلي حماس لكن ليس للأفلام فقط. مرّتي الأولى في مهرجان  خارج لبنان. قيل لي قبل السفر أن لكل ضيف فتاة تساعده في الترجمة وتدبير شؤونه وصدّقت. كنا خمسة لبنانيين أربعة منّا يتحدّثون الفرنسية، وتم تعيين شاب يتحدّث الفرنسية بطلاقة لمساعدتنا نحن جميعاً. لم يعجبني هذا القرار فقد أخاب أملي. سألت في صبيحة اليوم التالي أين مركز المترجمين ودلّوني. صعدت الطابق الأول من الفندق حيث هناك قاعة كبيرة بباب ضخم. طرقت الباب ودخلت وفوجئت بوجود جيش من النساء مجتمعات. ذهلت. كنت أتصوّر أنني سأدخل غرفة صغيرة او متوسّطة فيها ثلاثة او أربعة فتيات ابتسم لهن جميعاً على نحو متساو وأرضى بمن تستجيب. لكن أن تكون هناك نحو مئة إمرأة وكلّهن ينظرن الى هذا الشاب الذي دخل عليهن فجأة ... دهشن لدهشتي والعكس صحيح وكل ما أستطعت أن أتذكّره هو الموقف الذي مرّ فيه بَستر كيتون في أحد أفلامه الكوميدية الصامتة حين وضع إعلاناً يطلب زوجة فلبّ الطلب نصف نساء البلدة. على أن لم أترك نفسي ضحية المفاجأة بل قلت لهن (كلهّن معاً): "إسمي محمد رضا. جئت من لبنان وتم تعيين مترجم يتحدّث الفرنسية، لكني أتحدّث الإنكليزية ولا أستطيع أن أفهم ما يقول". لابد أن قلتها بنبرة مستغيث. إذ استمر الصمت والتطلّع إلي. اعتقدت أنني دخلت الغرفة الخطأ، فقد تكون النساء يعملن في مصنع قريب للحلوى او ربما كلّهن يجدن كل شيء ما عدا الإنكليزية. انسحبت خارجاً وأغلقت الباب ورائي وانصرفت. لكن صوتاً استوقفني ... إمرأة شقراء جميلة (ربما أجملهن) لحقت بي وقالت: "أنا مع الوفد المالي. سأتركه غداً وأكون تحت تصرّفك". فرحت؟ طبعاً فرحت، وما حدث بعد ذلك ليس مجاله هنا٠

كان - 1973 | وصلت من دون حجز غرفة وكانت المرّة الأولى. حط الليل وأنا لا زلت أبحث عن غرفة في فندق. أخيراً وجدت غرفة ليلة. قبلت وفي صباح اليوم التالي حملت حقائبي (لم تكن الدواليب دارجة) وطفت أبحث من جديد. في الواحدة بعد الظهر وجدتها. غرفة واسعة  في فندق صغير أسمه "لا بيتيت باليه"  (القصر الصغير). كنت تعباً فقررت ترك حقائبي كما هي والخلود الى قيلولة. لكني استيقظت بعد نحو عشر دقائق بشعور مزعج. نظرت الى الفراش الأبيض الذي كنت اتمدد فوقه ووجدت حشرة حمراء صغيرة تسرع الخطا لتغيب. لم أبالي. تحممت وخرجت والتقطت أوّل أفلامي، ثم الثاني والثالث وعدت في الساعة الحادية عشر ليلاً. فتحت الحقائب ورتبت الملابس  وقرأت قليلاً والى أن انتهيت كانت الساعة شارفت على الواحدة. تصبح على خير. قلت لنفسي ونمت٠
بعد ساعة واحدة استيقظت مذعوراً من مكاني وربما أطلقت صرخة تشبه صرخة الرجل الذي استيقظ من نومه ليكتشف أن رأس حصانه المفضل يشاركه السرير في فيلم "العراب"٠ ألوف الحشرات الحمراء من ذات الفصيلة الغريبة تسرح وتمرح فوق بدني والسرير. غايتها مفهومة تماماً فسّرها فرويد عانياً بها كل من يتنفّس: حب البقاء، وذلك عن طريق الأكل. أكلي أنا في هذه الحالة. قفزت من مكاني وركضت الى الدوش بملابسي الداخلية وفتحت الماء ساخنة عن قصد لكي أحرق ما يحوم على جسدي ولو حرقت نفسي٠ حين انتصر غولياث على ديفيد (على عكس الأسطورة اليهودية) خرجت من الحمام ونظرت الى الفراش. ها هو عاد أبيض. حشرة الخشب يسمّونها (عرفت ذلك فيما بعد) عاد الى مخبئه وأنا لم أستطع العودة الى النوم. في صباح اليوم التالي حملت حقائبي ونزلت الى الإستقبال. صاحبة الفندق العجوز  قالت: "بوركوا مسيو؟".  رويت لها ما حدث. أرادت التأكد بنفسها. تبعتها. قلّبت الفراش ولم نر شيئاً. قالت" "كل شيء نظيف"٠ قلت لها وأنا أعلم أنني لا أملك دليلاً. فقلت: "هل تريدين أن تجرّبي؟". خرجت وبدأت البحث من جديد٠

القاهرة- 1976 | كانت الدورة الأولى كما اعتقد، وتم إنزالي في فندق ولا أتذكّر الآن إذا ما كانت الدعوة تشمل  الغذاء والعشاء او لا. لكن المدعوون الى فندق الرئيسي (شيراتون القاهرة كما أعتقد) كانوا يستطيعون تناول الوجبات كلّها مجّاناً وذلك أغاظني خصوصاً وأنا معدم فقير وهارب من جحيم الحرب اللبنانية وبلا مستقبل أعرفه. انتبهت الى أن الوفد السوڤييتي المؤلّف من نحو عشرة أفراد او أكثر لديهم عدّة غرف. وبعض هذه الغرف ينزل فيها إثنان او ثلاثة معاً. أخذت رقم غرفة أحدهم وأخذت أوقّع الفاتورة على رقم تلك الغرفة. أيامها لم يكن هناك لا كومبيوتر ولا من يحزنون، ومن اليوم الثالث الى يوم واحد قبل نهاية المهرجان وكل شيء يسير على ما يرام. في اليوم ما قبل الأخير دعوت مخرجاً عراقياً شابّاً كان يعيش في القاهرة حينها، للغذاء معي وطلبت الفاتورة التي وضعها النادل وانصرف. سحبت قلمي لأوقّع فبانت عليه الدهشة وقال: "لكنك لست مدعوّاً في هذا الفندق". قلت له: "لا يهم. أنا أوقّع على غرفة الوفد الروسي". أعجبته الفكرة فطلب أن يوقّع هو وأصر قلت له: "لكن هذا يحتاج الى رباطة جأش". لم يرد عليّ وسحب الفاتورة بوصول النادل من جديد. نظر اليه المخرج واضطرب  ولاحظ النادل اضطرابه  لكن عوض أن يتوقّف المخرج عن وضع رقم الغرفة، كما تمنيت بيني وبين نفسي أن يفعل، كتب الرقم ووقّع. أخذ النادل الفاتورة وانصرف سريعاً. أدركت ما سيحدث. قلت للصديق. علينا بالهرب. الموضوع انكشف. نهضت سريعاً ومشيت مغادراً معتقداً أنه ورائي، حين أدركت أنه لا يتبعني نظرت إليه فوجدته جالساً في مكانه  وهو يحاول أن يشرح شيئاً للنادل الذي كان لطيفاً وطيّباً رغم كل شيء. هززت رأسي أسفاً ومضيت٠

†††ڤالنيسيا- 1979 | وصلت الى المهرجان  الذي كنت حضرته مرّة واحدة من قبل. أخذت غرفتي في الفندق الذي يطل على مصنع صابون من الناحية الثانية. كنت سعيداً بوجودي فهو كان (أيام بلدية من المثقّفين اليساريين) واحداً من المهرجانات البارزة في تخصصه (سينما البحر المتوسّط) مع عناية فائقة للسينما العربية (عرض ذات مرّة معظم أفلام المرحوم صلاح أبوسيف وفي دورة أخرى مجمل الأفلام الفلسطينية التي كانت متوفّرة حينها). في اليوم التالي ذهبت الى أفلامي  وعدت مساءاً ووجدت مظروفاً في الغرفة. فتحته فوجدت فيه ما يوازي 400 دولار ورسالة تشكرني فيها على الحضور وتخبرني أن الإجتماع الأول لضيوف الفدرالية الدولية لنوادي السينما تقرر غداً في الساعة الثانية عشر ظهراً. كان الوقت مساءاً ومكتب المهرجان، فكّرت، إما مشغول او غادره من يعمل به. انتظرت لليوم التالي. ذهبت وشاهدت فيلم الصباح ثم عرجت على الإدارة وطلبت أحداً أتحدّث إليه حول الخطأ الحاصل فأنا لست عضواً في الفدرالية. لكن الجميع كان مشغولاً وصديقي زهير دواليبي الذي يعمل هناك ليس موجوداً حينها. نظرت الى الساعة فوجدتها تقترب من الثانية عشر. انصرفت ووصلت الإجتماع في الوقت المناسب لعلي أجد من أشرح له الوضع. لكن إذ دخلت غرفة الإجتماعات وجدت أن الجميع سبقني الى الطاولة المستطيلة. كان الحضور نحو سبعة والكرسي الفارغ (الثامن) على رأس الطاولة. استقبلتني فتاة اسبانية تأكدت أن اسمي محمد رضا ورحّبت بي على أساس .... على أساس .... على أساس أنني رئيس الفدرالية. هي انصرفت وأنا نظرت حولي الى وجوه تتطلّع اليّ بإنتظار أن أقول شيئاً آخر غير "هالو"٠. جلست في مكاني  منتظراً أن يسألني أحد: من أنت. الشاب الذي على يميني قال لي هامساً: "لي في الجمعية إثنا عشر سنة ولم أعرف أن رئيسي هو أنت" ابتسمت وقلت له: "لقد أخطأوا وظنوني شخصاً آخر"٠ قال: "أعرف ذلك. لقد ظنّوك الرئيس. الرئيس الفعلي لم يحضر".  سألته: "ماذا أفعل؟". قال: "أنا لن أقول شيئاً"٠ ثم رفع صوته وقال لي: دعني مستر برزيدانت أعرّفك على باقي الزملاء". ذكر أسماءهم: واحد من فرنسا، واحد من اندونيسيا، إثنان من أسبانيا وآخر من الهند وآخر من ايطاليا وسيدة نسيت من أين بلد جاءت. هذا الشخص هو بيتر كارغن الذي أصبح صديقاً عزيزاً لي منذ ذلك الحين. كان لابد لي أن أقول شيئاً، فرحّبت وسألت إذا ما كان هناك من يريد استغلال هذا اللقاء لطرح شكوى او اقتراح... وهكذا خلّصت نفسي من مهمّة الكلام. لم أحضر الإجتماع الثاني ولم أرجع المال أيضاً٠

سان سابستيان- 1981 |  تم وضعي في فندق بعيد. فندق رائع على رأس جبل . كانت هناك حافلة لكي تقلّني ذهاباً وإياباً لكني كنت وحدي باستثناء فترة من بضع أيام. شاهدت أفلاماً أقل من المعتاد لي وجذبتني المنطقة الطبيعية  وحمام السباحة فقررت اعتبار المهرجان إجازة. وصدف أن عائلة أميركية من شيكاغو كانت تنزل فيه وكلمة من هنا وكلمة من هناك دعاني رب العائلة المؤلّفة منه وزوجته وإبنته الشابة وولده الصغير الى الذهاب معهم غداً في جولة بين قرى المنطقة. وافقت. غاية الجولة لم تكن سياحية، بل أراني الرجل خاتماً كبيراً في أصبعه وقال: "هذا الخاتم يحمل إسم القرية التي جاء منها أبي. وقد جئت لأبحث عن جذوري هنا". وكانت أيامها عادة البحث عن الجذور بالنسبة للأميركيين منتشرة (وربما لا تزال). والخاتم كان فعلاً مثيراً للإهتمام. مربّع بلون الباذنجان مع محيط أخضر قليلاً. المهم صباح اليوم التالي جلست في المقعد الخلفي مع ولديه في سيارة مرسيدس موديل السبعينات استأجرها وانطلقنا.  من قرية الى قرية. من واد جميل الى واد أكثر جمالاً. ومن طريق ضيّق بين الأشجار الكثيفة الى آخر. مررنا بأنهر وجبال وكان يوماً جميلاً للغاية. طبعاً وجد القرية التي يبحث عنها وحللنا جميعاً ضيوفاً على أقاربه الذي لم يلتق بأي منهم من قبل. عند المساء، انتبذت بعيداً أتأمل المشهد مبتسماً. وأتساءل عن سر الحياة التي تفرّق الشمل، فينتقل الأب الى أميركا ويعود الإبن الى أسبانيا وقد تتزوّج الفتاة من صيني والإبن من فنلندية وكل يدخل فصلاً جديداً من فصول الحياة. بقيت على تواصل مع هذه العائلة لنحو سنتين، ثم توقّفت حتى لا أحبّها أكثر مما فعلت٠
نانت- 1983 او 1984 | وصلت المطار كعادتي وحضّرت نفسي للتوجّه الى حيث السيارات التي ستأخذني الى الفندق المعتاد لي. لكن هذه المرّة وجدت أن هناك يافطة بإسمي مرفوعة من بعيد. عادة ليست هناك يافطات بالإنتظار. فسرت ذلك على أنه ارتقاء في المعاملة. لكن الإستقبال كان أعلى من المعتاد مع ابتسامات ودودة وسؤالى كيف كانت الرحلة. سؤال لم أجب عليه لأني بالكاد آعتبرها رحلة تلك المسافة من لندن الى مونبلييه. سريعاً ما وجدت نفسي في ليموزين وحينها تأكدت أن خطأ هوية آخر حدث. لكن كيف؟ انطلقت السيارة الى حيث الفندق الأفخم الذي لا أنزل فيه. ودخلنا الردهة  ووقفنا عند الإستقبال وطلب من الإستقبال الحجرة المحجوزة بإسمي وسلّموني حقيبة كبيرة وكادت المعاملات تنتهي واستعديت لمصافحة الرجل ومساعده والتوجّه الى غرفتي حين رن الهاتف والمخابرة كانت للشاب الذي أوصلني. استمع الى محدّثه واتسعت عيناه ونظر اليّ. لم أكن مستعجلاً لمعرفة ما الذي يحدث  لأني عرفت أنه سيخبرني. و ... أخبرني: أنت لست رئيس لجنة التحكيم؟ قلت له: طبعاً لا الا إذا تم اختياري من دون إعلامي؟ قال مرتبكاً: الخطأ خطأ الإدارة. أعطوني أسمك كرئيس لجنة التحكيم. غرفتك ليست في هذا الفندق" ... قاطعته قائلاً بلكنة ساخرة: "بل في فندق (وذكرت له أسمه) قال: "نعم وأنا آسف. لكن عليّ الآن أن أعود الى المطار سريعاً. رئيس لجنة التحكيم ينتظرني هناك"٠ علمت لاحقاً أن الرئيس جاء من الهند ... وفوجيء بأن أحداً لا ينتظره ... وأنه تذمّر واشتكي وقال: "ما هذا المهرجان الذي لا يقيم وزناً لضيوفه المميّزين". في إحدى الحفلات التي تمّت في الفندق الذي كدت أنزل فيه قابلته وشرحت له ما حدث. اكتشفت أنه لم يكن يعلم. أخبرته أن الإستقبال كان ممتازاً .... بالنسبة لي"٠

لوائح : مهرجانات السينما الصغير والكبير والأول والأخير ٠


الأهم عالميا (حسب ضرورته المطلقة للسينمائي المحترف بصرف النظر عن حقله)٠
المركز الحالي يتبعه العنوان فالمركز السابق بين هلالين٠
١ كان (١)٠
٢ برلين (٢)٠
٣ فانيسيا (٣)٠
٤ تورنتو (٤)٠
٥ دبي (٨)٠
٦ سندانس (٥)٠
٧ بروكسل (جديد)٠
٨ لوكارنو (٦)٠
٩ لندن (١٠)٠
١٠ ترايبيكا (نيويورك) (٩)٠
أُخذ بعين الإعتبار أهميّته في أقليمه وتعدد نشاطاته الجانبية٠
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2
الأهم بالنسبة للناقد السينمائي المتخصص (حسب قدرة المهرجان توفير أفلام فنية لابد من مشاهدتها)٠
ڤانيسيا
١ فانيسيا (٢)٠
٢ كان (١)٠
٣ برلين (٣)٠
٤ تورنتو (٤)٠
٥ لندن  (جديد)٠
٦ لوكارنو (٥)٠
٧  كارلوفي فاري (٧)٠
٨ دبي (٨)٠
٩ سندانس (٦)٠
١٠  روتردام الدولي (٩)٠
أُخذ بالحسبان تعدد التظاهرات وعدد الأفلام المعروضة عرضاً عالمياً أول٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
3
لوكارنو
الأهم عالميا على صعيد فني بحت
١ فانيسيا (١)٠
٢ كان  (٢)٠
٣ برلين (٣)٠
٤ لوكارنو (٧)٠
٥  تورنتو (٤)٠
٦ كارلوفي فاري (٦)٠
٧  أنيسي (للسينما الأنيماشن) (جديد)٠
٨  لندن (٥)٠
٩  سان فرانسيسكو (١٠)٠
 ١٠ سان سابستيان (٨)٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
4
الخمسة الأكثر تنظيماً (من بين ما حضره الناقد فقط)٠
١ برلين (١)٠
 ٢  كان (٢)٠
٣  فانيسيا (٣)٠
٤  دبي (٤)٠
٥ تورنتو ٥)٠
روعي هنا حجم المهرجان وحجم المدعوين إليه كما أخذ بالحسبان معاملات الوصول والمغادرة وسرعة حصول الضيف على بطاقته وغرفة نومه وكيف يتم حل مشاكل خلال الدورة


 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
5
الأفضل عربياً (حسب البرمجة المعلنة ومستوى وجدّية اهتمامه بالسينما العربية)٠
١  دبي (١)٠
٢ القاهرة (٢)٠
٣ الخليج السينمائي (٤)٠
٤  دمشق (٥)٠
٥  قرطاج (٣)٠
٦  أبو ظبي (جديد)٠
٧  الرباط (جديد)٠
٨  الجزيرة الوثائقية (جديد )٠
٩ الرباط (جديد)٠
١٠ مراكش (١٠)٠

أخذ بالحسبان كذلك مدى تأثيره في السينما المحليّة والأقليمية٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
6

المهرجانات العربية الأفضل  اختياراً للعروض الأجنبية٠
١ دبي (١)٠
٢  مراكش (٢)٠
٣  القاهرة (٤)٠
٤  أبو ظبي (٧)٠
٥  قرطاج (٤)٠


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
7
أكثر جوائز المهرجانات تأثيراً (حسب تأثيرها على رواج الفيلم فيما بعد)٠
١ كان (١)٠
٢ فنيسيا (٢)٠
٣ برلين (٤)٠
٤ سندانس (٣)٠
٥  لا يوجد






ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
8
أبو ظبي
أكثر المهرجانات العربية  حضوراً إعلامياً
عربياً 
١ أبوظبي  (٢)٠
  ٢ دبي (١)٠
٣ القاهرة (٣)٠
٤  مراكش (٥)٠
٥  قرطاجة (٤)٠ 

عالميا
١ دبي (١)٠
٢ مراكش (٢)٠
٣ أبو ظبي (٤)٠
٤ قرطاج (٤)٠
٥ القاهرة (٥)٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
9
ساراييفو
مهرجانات دولية أخرى مهمّة (بعد العشرة الأولى)٠
١١ سان سابستيان (٧)٠
١٢ مونتريال (١٥)٠
١٣ روتردام (١١)٠
١٤ ساراييفو (١٨)٠
١٥ ڤيينا (١٢)٠
١٦ أبو ظبي (جديد)٠
١٧ أدنبره (١٧)٠
١٨ سان فرانسيسكو (١٨)٠
١٩ بوسان (١٦)٠
٢٠ روما (جديد)٠
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
10
لماذا المهرجانات مهمّة؟ (بدون ترتيب)٠
١ دعاية للبلد والمدينة
٢ مساعدة الفيلم المحلي وترويجه
٣ نشر الثقافة السينمائية وتوفير الفيلم النوعي
٤ لقاءات السينمائيين
٥ تجابه التطرّف الديني٠

متي تصبح غير مهمّة؟ (بدون ترتيب)٠
١ حين يديرها غير أكفّاء
٢ حين يغيب عنها عنصري: الطموح والمعرفة
٣ حين يتحول المهرجان الى وظيفة فقط
٤ حين يفتقد النظام والتنظيم
٥ حين يفقد هدفه الرئيسي تبعاً لطغيان المصالح الخاصّة او لفشل تحقيقه  غاياته الثقافية٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular