Jul 2, 2010

من أنا؟ | في حب باريس | تظاهرة "أسبوع النقد" في بيروت | أفلام الأمس تعود الى صالات اليوم

YEAR 4 | ISSUE 522


المفكرة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


جيمس بوند | توفي عن 48 سنة المدعو جيمس بوند الذي كانت له جولاته وصولاته في السينما  والذي تم على يديه إنقاذ العالم من الأشرار 23 مرّة على الأقل. أقول على الأقل، لأن العد الرسمي لسلسلة بوند يوصي بأن الفيلم المقبل كان سيحمل الرقم 23، لكن هذا فقط بحسبان ما انتجته ألبرت  بروكولي، ولاحقاً إبنته باربرا، من أفلام بوندية علماً بأن هناك فيلمين ليسا من إنتاجهما هما "كازينو رويال" الأول، الذي تم
Never Say Never Again إطلاقه سنة 1966 و"أبدأ لا تقل أبداً مرّة أخرى" ٠
سنة 1984
جيمس بوند مات فقيراً، كون السبب الوحيد لعدم إنتاج الرقم 23 او 25 يعود الى أن الشركة الممولة
تمر بأزمة مالية كبيرة وتشهد محاولة انتقال ملكيّتها (مرّة أخرى) من مجموعة الى أخرى  MGM
 
في نيسان/ أبريل الماضي بدا واضحاً أن الفيلم متوقّف لكن إعلان الوفاة رسمياً تطلّب وقتاً على ما يبدو
 
قاريء؟ | هناك من يتقصّدني في موقع "الجزيرة" برسائل موجّهة الى الإدارة موقّعة بإسم او أكثر مرّة بعد مرّة. في رسالته الأخيرة يشكو فيها المرسل من أنني أنشر في "الجزيرة" مقالات سبق وأن نشرتها في هذا الموقع كما في "الشرق الأوسط". وهو قد يعلم (مجرّد احتمال) أن العكس هو الصحيح : أنشر هنا بعد النشر في "الجزيرة" وإذا ما كانت هناك حالة يتيمة فهي بالفعل كذلك: يتيمة. وهذا ما يقوم به  زميلاي صلاح سرميني وأمير العمري، إذ  ينشران مقالاتهما بعد نشرها في الجزيرة.  ولا أنقل عن "الشرق الأوسط" شيئاً. يا أخ، وبما أنك تقرأ ما يرد هنا، إذا كنت تريد شيئاً مني او من الإدارة أطلبه مباشرة عوض الإيحاء والهجوم ومحاولة تأليب العقول وهي محاولة فشلت سابقاً وستفشل في المستقبل أيضاً.  إذا كنت ترغب في عمل هناك  ربما استطعت مساعدتك وإذا كانت المسألة هي فقط أن لا تقرأ لي .... فأرجوك أن لا تفعل. كل ما يتطلّبه الأمر هو أن لا تفتح مواقعي او الأماكن التي أعمل فيها٠

 


حول هذا الموقع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
كان من المفترض، وقد وصلت الى الثانية والعشرين بعد المئة من العمر أن يقل نشاطي وأكتفي بما حققته وأهجر ما لم أحققه وأجلس هادئاً أنظر الى الطبيعة ومغيب الشمس وأقود سيّارتي الى حيث الأنهر لكي أجلس على ضفافها وأنسي العالم بأسره٠
كان من المفترض أن يكون عندي الآن منزلاً. مقعداً وثيراً أجلس عليه وأقلّب محطّات التلفزيون ليلاً. مصباح بجانب السرير أقرأ على ضوئه قبل أن أنام٠
كان من المفترض أن أكون جمعت مالاَ يحميني من غدرات الزمان ويؤمن مستقبلي، وأن أكون هجرت حياة الصحافة والنقد السينمائي وربما اكتفيت من الأعداد الثمانية التي صدرت (من أصل ثلاثة عشر مكتوبة) من "كتاب السينما" وأن أخلد الى الراحة وآخذ بالي على صحّتي وأنظر الى صورتي في المرآة وابتسم٠

لكنني ناقد سينمائي والناقد السينمائي والتحري الخاص والمسافر الوحيد ومغني البلوز هم شخص واحد. لا أعذار ولا ندم ولا حتى تمنيّات. طبعاً كان يمكن لي سابقاً اتخاذ بعض القرارات الصائبة عوض تلك الخاطئة التي اتخذتها، لكن أليست القرارات نسيج الداخل الشخصي للإنسان؟
بعد 58 سنة (ومناسبة ميلادي تقترب) من وجودي على الأرض، لا زلت أعمل بذات الجد والجهد والبذل. لا زال عالمي يتألّف من أشرطة مخرومة على الجانبين تابعتها منذ أن كنت صغيراً. أحببت شارعاً واحداً منها، هو الوسترن أدّى بي الى البوليسي ومنه استدرت صوب الحربي والكوميدي. وفجأة كل هذه الأنواع وسواها موجودة في ساحة عامرة. أربعون باباً مرصوفاً كما في إحدى روايات "ألف ليلة وليلة"، لكن أبواب مفتوحة لي وليس منها ما لا يجب أن أدخله. عشت الحلم داخل الصالات وخارجها. ولليوم إذ أنظر الى هذه الحياة وأدرك ما تحت سمائها وفوق أرضها من آلام وآثام أحمد الله علي أن هناك بديل لي في السينما٠ هل تتابعون الصحف كما أفعل؟ هل تقفون علي آخر الأخبار؟ هل هناك حياة من دون عدل وإنصاف وقانون واحد يجري فوق الجميع في البيت وفي الحي وفي المدينة وفي الدولة وفي القارة وفي العالم؟ هل أنتم سعداء بما يصلكم من أنباء؟ بما تلحظونه من ارتفاع نسبة الجهل؟ من الوقوع تحت سياط السياسيين ورجال الأعمال وأصحاب الفتاوى؟ من تردي الفن والثقافة؟ من المتاجرة بالإنسان حيّا وميّتاً؟ من مزج الدين بالسياسة وصنع مادة ملوّثة يسممون بها الماء الذي نشربه فينتشر في أبداننا (او أبدان بعضنا على الأقل) فيجعلهم أحياءاً- أموات؟
أنا لا أستطيع أن أشرب هذا. وليس لدي القدرة على منعه. لذلك السينما هي ملجأي. هروبي من الواقع؟ نعم. لكن ليس كل هروب يعني تجاهل او عدم معرفة. إنه ما استمد منه الإستمرار في الحياة٠
هناك مبدعون صغار ومبدعون كبار، لكنهم جميعاً مبدعون ولا أدري الآن أين قرأت ومن قال: "الحزن يخلق الإبداع" وحتى اليوم لم أشهد ما يخالف هذا القول. السعادة لا تخلق شيئاً سوى البهجة وثمانين بالمئة من العالم يريدون البهجة ويحصلون عليها بطرق شتّى. لكني أفضل أن أكون حزيناً ولدي ما أقوله على أن أكون إنساناً سعيداً، مطمئناً، موافقاً وبلا هوية٠
لست وحيداً في ذلك بل مثلي ملايين. كل حفنة منهم في حقل من الحياة. حفرة من الأرض. لا يرون غيرهم ولا يرونهم أحد. في حقل السينما هناك حفنة تكتب عن السينما لأن السينما حياتها. حفنة لم تخن ذواتها ولا رسالاتها و-الأهم- لم تستخدم السينما مطيّة للوصول الى المآرب الأخرى٠
إذاً، وحتى لا أطيل أكثر من ذلك: هذا الموقع، وموقع "فيلم ريدر"، هما السينما كما هي في الحقيقة: ملايين الصور والشخصيات والمواضيع والإتجاهات والأساليب وجمل الحوار واللقطات والمواقف والمشاعر والنظرات واللمسات والآهات والأحلام والتحديات. هي الناس والجبال والأشجار والمدن المعتّمة والخيالات الجانحة والواقعيات المتفجّرة. هي الشرق والغرب والمصادر الإنسانية وتجاربها. هي التاريخ والحاضر والمستقبل قبل حدوثه. هي الحب والكره وكل المشاعر التي بينهما. هي النهر والشجر والإنسان الحافي والإنسان الثمل والإنسان المقهور وقاهره معاً. هي الضحكة والدمعة والعاطفة والقلق والخوف والشجاعة والموت بذلاً. وهي كل الأموات الذين اشتغلوا فيها من العام 1888 (إن لم يكن من قبله) وحتى زمن لا يعلمه الا الله وكل من لا يزال يعمل فيها. أقول كل ... بما في ذلك أي شخص عبر الشارع في لقطة. قبض أجره ولم يعد٠
السينما هي أنا٠


في حب باريس | مهرجان كل يوم طوال أيام السنة٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في باريس حالياً يعرض فيلم للمخرج يسري نصر الله بعنوان "نساء القاهرة". لابد أنه "أحكي يا شهرزاد" بعدما تم منحه عنواناً أكثر تعبيراً عن مضمونه بالنسبة للمشاهد الفرنسي٠
في صالة غير بعيدة كثيراً نسخة جون كازافيتيز (الأصلية) من "غلوريا" (حققه لاحقاً سيدني لوميت) وتستطيع أن تخرج من "غلوريا" لتدخل "الغريب" واحدة من تحف لوكينو فيسكونتي في الخمسينات او فيلمه اللاحق "الفهد" (1963). وعلى بعد ثلاث محطّات مترو تدلف الى الكارتيه لاتان. ماذا تريد؟ "من يخاف من فرجينيا وولف" لروبرت ألدريتش؟ من نتاج 1962 او "سينما باراديسو" لجوزيبي تورناتوري من سنة 1988؟ او ربما تريد أن تعرف أي نوع من المخرجين ترنس مالك هو عبر مراجعة فيلمه "أيام الجنة" (1979)، وماذا عن الفيلم الذي لم يعرض في أوانه كثيرا "غاربو تتكلم" لسيدني لوميت (1984)؟ ٠
وبما أنك هناك لا تنسى "أسرار وأكاذيب" لمايك لي او ربما أردت السباحة في فضاء مايكلأنجو أنطونيوني؟ ستجد له "بلو أب" معروضاً في غرانس أكسيون في شارع إيكول. تنزل في محطة كاردينال - ليموا او محطة جوسيو وتمشي بضع عشرات أمتار٠

لا زالت باريس على حالها منذ أن وصلت إليها أول مرّة٠ دار سينما كبيرة. الدار مؤلفة من نحو مئات الشاشات تعرض مئات الأفلام يرتادها ألوف الأشخاص. أليس هذا واقع كل مدينة؟ لا. أبحث لي عن مدينة أخرى في هذا العالم يعرض لك النماذج التي أودرتها لك في أسبوع واحد؟ وأنا لم أعرض سوى نماذج، لأنه الى اليوم هناك نحو ثلاثين شاشة ملتزمة بعرض الأفلام غير الحديثة من أي مكان لجمهور من الذين يأكلون ويشربون السينما طيلة حياتهم ويشعرون أنها الحياة الموعودة على هذه الأرض٠
لماذا باريس؟ لماذا فرنسا؟
ومع هذا العدد من الأفلام القديمة والأجنبية لا عجب أنها لا تحتاج الى مهرجان (فيها واحد لكن مهرجان الإسكندرية ربما أكبر وأهم) ٠
قضيت فيها سنة كاملة انتقل بين سينماتها. أعرف اليوم، حين أزور، موقع كل سينما وما شاهدته فيها. أعرف الصالات التي أغلقت أبوابها ومعظمها، بالمناسبة، ليست من تلك التي تعرض أفلاماً متخصصة، بل تلك التي تعرض التجاري والآني من الأفلام٠
الشانزليزيه كانت عامرة. الآن فيها نصف العدد الذي كانت عليه. وكل هذا وأنا لم أذكر السينماتيك الفرنسية او مركز جورج بومبيدو او سواهما من النوادي التي يستقبلك فيها أصحابها وأعضاؤها كما لو كنت من جنس آخر (وربما كنت كذلك)٠
أعرف اي فتاة التقيت بها في أي صالة سينما، وفي أي فيلم قلت لمن معي: "أصمتي ودعيني أشاهد الفيلم" (وأعرف أي فيلم) فقالت: "لكنه فيلم قديم بالأبيض والأسود" ... قلت وبنفس الإصرار: "هذا تماماً ما أريده. إذا كنت ترغبين بالمغادرة ها هو الباب هناك. أراك غداً".... لكنها بقيت٠
تستطيع أن تجد في باريس الفيلم العربي والياباني والبولندي والمكسيكي والأرجنتيني واليوغوسلافي والروسي والإيراني والبرازيلي. تستطيع أن تجد أفلاماً من أي عقد تريد. من أي مخرج ترغب. في أي نوع تتمنّى. تستطيع أن تأتي الى باريس وأنت لا تعرف شيئاً عن السينما. وبعدسنة و356 فيلم تخرج منها بروفسورا في السينما٠
لا تعرف شيئاً عن السينما التركية؟ وزارة الثقافة الفرنسية خصصت السينما التركية باهتمامها فعرضت تاريخها المتنوّع كما احتفت بها الكاييه دو سينما، كما ذكر موقعها في العام الماضي. وكل عام تلك الوزارة التي تعرف ما لا تعرفه وزاراتنا من أهمية الفعل الثقافي تخصص دولة ما برعايتها. تعرض ما يمكن أن يعوّض أنك لم تستطع مواكبة تلك السينما من بداياتها٠
من تريد؟ كوبريك؟ بييترو جيرمي؟ جاك تاتي؟ ألبرتو لاتوادا؟ جان-بيير موكي؟ لم تسمع ببعضهم؟ لا يهم. أترك المسألة لتلك الصالات. تخرج منها وقد أصبحت، في أقل الحالات، ملمّاً٠
يا قارئي. لا تتكل على هذا الناقد الذي يعرف، وبكل تأكيد لا تتكل على النقاد الذين لا يعرفون (وما أكثرهم) .... إذهب وشاهد ماذا كانت ترتدي دنيس كولوفا في "جرائم في الشارع" لدون سيغال، وكيف قبّلت مارلين مونرو روبرت ميتششوم في "نهر بلا عودة" لأوتو برمنجر ومن هو الممثل الإيطالي بعينين ذابلتين الذي لعب في أول أفلام روبرتو روسيلليني، وكيف مات جاك إيلام في "الرجل من لارامي" ومن قتله؟ وماذا كان يفعل ألان ديلون في أول لقطات "الساموراي" لجان-بيير ملفيل٠
يا قارئي. لا تدرس السينما في مناهج مكتوبة من قِبل مدرّسين لم يشاهدوا الا القليل ولم يتابعوا او يقفوا على التطوّر بل أقفلوا العلم علي أنفسهم. وفّر قرشك. امتنع عن الأكل. توقّف عن شراء الأشياء. أهرب من دائنيك او إسرق مصرفاً واهرب بغلّتك الى باريس. استأجر غرفة في الكارتيه لاتان واترك نفسك تعيش ا ل س ي ن م ا


مناسبات | أسبوع النقد في بيروت للدورة السادسة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تٌقام في بيروت الدورة السادسة لتظاهرة "أسبوع النقد" التي هي
واحدة من تظاهرات مهرجان "كان" الرئيسية. وقد استضافـتني
صحيفة "السفير" لكلمة بالمناسبة أنشرها هنا، كذلك مع مقالــة
ناقد الصحيفة الزميل نديم جرجورة٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست تظاهرة للميّتين عشقاً بالسينما وحدهم | محمد رُضا

Bi, Dung So من الفيلم الفييتنامي
مهما انتكس الوضع الثقافي في لبنان، وهو في حالة انتكاسة رغم ايجابيّات، فإنه يبقى أفضل من حاله في دول أخرى لا عربية فقط، بل تمتد شمال وجنوب القارات جميعاً٠
عودة "أسبوع النقد" الى بيروت للمرّة السادسة أمر يُحسب للمشتركين، داخل وخارج البلد، في محاولة دفع المسيرتين الفنية والثقافية الى الأمام وسط ظروف يعيشها الوطن كما تعيشها المنطقة بأسرها. لا علينا أمر تسييس كل شيء، لكن السياسة هي التي تتدخّل في الكثير من شؤون حياتنا فتقلب هناءها وتلوي تطلّعاتها وتمتص قدراتها وتقسم الناس بين قلّة تسيطر وغالبية مسيطر عليها. معظم أصحاب السيطرة وغالبية الواقعين تحت سيطرتهم لا يكترثون إذا ما قامت مؤسسة "متروبوليس" باستضافة "أسبوع النقد" للمرّة الأولى او للمرة العشرين. ولا يهتمّون مطلقاً إذا ما كان عدد الأفلام الواردة خمسة او خمسين او من أين تجيء وماذا تطرح ولماذا هي مهمّة، ولو من باب الإفتراض، او لا٠

لكن ما سبق قوله، هو الدافع الرئيسي الذي على هواة السينما الإقبال على هذه الفرصة هذه السنة، كما فعل كثيرون منهم في السنوات السابقة. من حسن الحظ أنه في كل عام هناك إبداعات جديدة وبعض هذه الإبداعات الجديدة لا تشبه أي إبداعات سابقة لا في الأسلوب ولا في الطروحات. لكن المسألة في صميمها ليست ما الذي لا يشبه فنقدّره وما يشبه فننبذه. المسألة ليست على هذا النطاق او في هذا السياق مطلقاً، بل لها علاقة بعملية أكثر تعقيداً يجد فيها المتلقي، هاوياً متيّماً او مجرد منشغل بهموم الثقافة والفن وباحثاً عن فرص متنوّعة مثل الفرصة المتاحة اليوم، نفسه في خضم محاولة لربطه بعالم أوسع نطاقاً مما كان يعتقد٠

لقد اعتبرتنا التكنولوجيا التي نعيشها اليوم، كما لم نفعل في أي زمن سابق، أعضاءاً في نادي يوفّر لنا ما نطلبه من صياغات حياة ومتطلّبات ومناخات. كل بحسب قدرته على رفع رسوم ذلك وتبعاً لاستعداده الخاص. لكن حتى في أضيق حدود ذلك الإستعداد، فإن هناك وضعاً سُلطوياً نجد أنفسنا ضحايا له من دون تفريق بين مستعد للعب الدور كاملاً لكي يبرهن للآخرين (وربما لنفسه أيضاً) بأنه منتم الى العصر الحديث، وبين مقاوم به. من نتائج هذا الوضع السُلطوي أن الثقافة التي جعلت بيروت عاصمة عربية أولى لعقود كثيرة خلت، والتي تحاول جعلها اليوم تستعيد دورها في هذا المجال، تقاتل من أجل أن تصمد وتستمر، ليس بعيداً في ذلك تجربة مجلة "الآداب" او لعل هذه التجربة نموذجية لما يحدث اليوم٠
لذلك، حين تصلنا تظاهرة من هذا النحو تضم أفلاماً مختلفة (الروائي والتسجيلي والقصير) فإن الناتج هو دفعة الى الأمام لأولئك الذين لا يريدون الإنخراط في العصر من الباب التكنولوجي المزيّف، او من ذلك الباب وحده. إنه شعور بالرابط بين المشاهد المحلّي الذي، إذا ما كان واعياً سيدرك إنه بدوره جزءاً من هذه المقاومة، وبين من لا يزال يقاوم، وربما بنتائج أكثر تقدّماً، في الخارج٠

المسألة، كما برهنت عليها الدورات السابقة، ليست مجرد مجموعة من الأفلام يتم جلبها من على شاشات مهرجان "كان" حيث تم عرضها تحت مظلّة هذه التظاهرة المهمّة والمستمرة منذ عقود، بل مجموعة من تجارب الإرتباط المعنوي والفني والثقافي مع إبداعات الآخرين في زمن ينأى الموزّع اللبناني، كما العربي بوجه شامل، بنفسه عن مهمّة لعب الدور الوطني في صياغة إبن الوطن المثقّف. سابقاً، قبل الحرب الأهلية، كان هناك وجود لهذا الموزّع المسؤول. بيروت كانت مثل السينماتيك فرنسيز او "مؤسسة الفيلم البريطاني" او "متحف السينما الألماني في برلين": أفلام من كل حدب وصوب ومن كل نوع ومستوى تجدها معروضة في الصالات التجارية من دون أي إشكال. صحيح الموزّع كان دائماً ما يسعى للربح، لكنه كان مقداماً في مجال التجربة. الى ذلك، كانت هناك النوادي والمؤسسات الثقافية والسفارات التي لم تترك غطاءاً الا وكشفت ما تحته من نشاطات فنية وأدبية وثقافية مختلفة٠
إذا كان الموزّع اليوم غير شاعر بمسؤوليّته إحياء الوطن عبر المشاركة في مثل هذه النشاطات، فهو ليس وحده. الدولة ذاتها مشغولة دائماً بما هو أقل أهميّة من بناء الإنسان الصحيح. ولو أن هذا يجب أن لا يكون عذراً للموزّع (او لأي مموّل غازل ذات مرّة السينما ثم ابتعد) يبقيه بمنأى عن لعب دوره ومسؤوليّته٠
الكلام ذاته يجب أن يقال للجمهور الذي بعضه يتردد ومعظم من يتردد يفوّت الفرص المتاحة: إذهب وشاهد الفيلم التسجيلي "أراماديللو" الدنماركي. إبحث بنفسك عن لماذا اقتنص جائزة هذه التظاهرة في "كان"٠ شاهد الفيلم السويدي "صوت الضجّة" والفييتنامي
Bi, Dung So شاهد الفيلم السويدي «صوت الضجة» ولا تدع نفسك خارج مدار الفيلم الفييتنامي
ولا تعتبر أن الأفلام القصيرة لا قيمة لها. إحرص عليها وتمتّع بما يوفّره الفيلم القصير من نوافذ كبيرة٠
حارب الجهل الثقافي بالإقبال على الثقافة عوض أن تكتفي بنقد ذلك الجهل معتبراً أن دورك انتهى عند هذا الحد٠

التظاهرة التي اكتشفت كبارا | نديم جرجورة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


شكّل «أسبوع النقد»، إحدى التظاهرات الأساسية المُقامة سنوياً إلى جانب المسابقة الرسمية الخاصّة بمهرجان «كان»، نافذة سينمائية جادّة لمخرجين عديدين، وجدوا فيها مساحة تعبير، أو محطّة لا بُدّ منها لإعلان حضور ما، أو خطوة أولى أو ثانية على طريق الاحتراف المهني، أو كحيّز مهمّ لتقديم أنفسهم ونتاجاتهم. إنه المنبر الضروري لولادة سينمائية، أو بالأحرى للمساهمة الجدّية في ولادة كهذه. في الدورة الفائتة لمهرجان «كان»، (أيار/ مايو) بلغ «أسبوع النقد» عامه التاسع والأربعين. مرحلة خصبة بالتحوّلات الثقافية والفنية، وبالمنعطفات التاريخية والسياسية والاجتماعية. منذ مطلع الستينيات، عرف العالم كلّه انقلابات متنوّعة. عاش الناس فترات ثرية بالتحدّيات والأسئلة الأخلاقية والإنسانية والثقافية والاجتماعية. عاشوا آثار التطوّرات المختلفة، في التقني والإبداعي والحياتي. «أسبوع النقد»، باختياره أفلاماً أولى أو ثانية لمخرجيها على مدى تسعة وأربعين عاماً، كان مرآة لانفعالات المخرجين المبتدئين إزاء هذا كلّه. لمشاعرهم الخاصّة. لأفكارهم وأساليب عيشهم وتفاصيل سلوكهم٠
، في العام 1962 بدأ «أسبوع النقد» رحلته السينمائية داخل مهرجان «كان»، ومعه. أرادته «النقابة الفرنسية للنقد السينمائي» إطلالة فنية للمخرجين، بأفلامهم الأولى أو الثانية: برناردو برتولوتشي. جان أوستاش. أوتار إيوسيلياني. كن لوتش. وونغ كار واي. جاك أوديار. آرنو ديبلاشن وغيرهم كثيرون، أطلقوا بداياتهم السينمائية على شاشاته. إنه «صدى الخليط الإبداعي بين التطلّب والفضول، الذي ميّز النقد السينمائي»، و«اكتشاف الخلق السينمائي الشاب وإظهاره»، كما جاء في التقديم الرسمي للتظاهرة هذه. إنه المنقّب الدائم عن المواهب الشابّة، ما أتاح لإدارته، في الأعوام القليلة الفائتة، فرصة تقديم الأفلام الأولى/ الثانية لآليخاندرو غونزاليس إيناريتو (آموريس بيرّوس) وإيمانويل كرياليزي (ريسبيرو) وجولي برتوتشيلّي (منذ رحيل أوتار) وكيرين يدايا (كنزي) وميرندا جولي (أنا وأنت وكل من نعرفه) ونسيم عمّوش (وداعاً غاري): «في إطار بحثه عن المؤلّفين الجدد، أبدى «أسبوع النقد» اهتماماً ملحوظاً بالأفلام القصيرة والمتوسّطة (التي مثّلت) المراحل الأولى في المسار المهني لسينمائي ما. بتقديمه أفلامهم القصيرة، سلّط الأسبوع الضوء على فرانسوا أوزون وغاسبار نوي وأندريا آرنولد، مثلاً». في كل دورة، أتاحت إدارة التظاهرة فرصة اكتشاف عشرين مخرجاً، علماً بأن مسابقتها الرسمية تضمّ سبعة أفلام طويلة وسبعة أفلام قصيرة. هناك ثلاثة أفلام طويلة وثلاثة أفلام متوسّطة الطول، تُقدّم كلّها في إطار «حفلات خاصّة»٠
لا بأس باستعادة تاريخية مختصرة. بدأ «أسبوع النقد» رحلته السينمائية في ربيع العام 1962 أثناء انعقاد الدورة الرابعة عشرة للمهرجان الدولي للفيلم في كانّ». منذ تلك اللحظة، حظيت الأفلام القصيرة بمسابقتها الرسمية. أغنت «الحفلات الخاصّة» الاختيارات الرسمية للأسبوع، الذي عرض دائماً عدداً مختصراً من الأفلام، بهدف منحها فرصة أن تُشَاهد بشكل حسن. هناك هاجسٌ أساسي بدا واضحاً أنه ظلّ مسيطراً على منظّمي التظاهرة: إتاحة الفرصة أمام النقّاد الفرنسيين للدفاع عن إبداع سينمائي شاب. لاكتشافه أساساً. للإضاءة على اختبارات أولى لسينمائيين منتشرين في أنحاء شتّى من العالم. في مقالتها المنشورة في الصحيفة اللبنانية اليومية «المستقبل»، في الخامس والعشرين من حزيران الفائت، كتبت الزميلة ريما المسمار ما يلي: «تتسلّح تظاهرة «أسبوع النقد» بدورها التاريخي في اكتشاف مواهب سينمائية، استطاع بعضها أن يسير على طريق النجاح»٠
قبل ستة أعوام، انتقلت التظاهرة إلى بيروت. «جمعية متروبوليس» مهتمّة بما يجري في المشهد السينمائي الدولي. إلى جانب مساهمتها الفعّالة في تنظيم «أيام بيروت السينمائية»، التي تُشرف عليها «جمعية بيروت دي سي»، نظّمت «جمعية متروبوليس» تظاهرات استعاديّة مهمّة للغاية: الأفلام الكاملة لمايكلأنجلو أنتونيوني وفيديريكو فيلّيني وجاك تاتي وغيرهم. النسخ سينمائية. أفلام تحريك حديثة الإنتاج. «نصف شهر المخرجين»، التظاهرة الثانية الأهمّ، بعد «أسبوع النقد» أو إلى جانبه، في مهرجان «كان». هذه نماذج تُقدّم نظرة عامّة على ما تفعله الجمعية. «أسبوع النقد» مثيرٌ للاهتمام. أفلامه بطاقة تعارف بين مشاهدين محليين معنيين بالهمّ السينمائي، ونتاجات مقبلة إلى بيروت من تجارب وهواجس وأفكار واشتغالات. في تقديمه الدورة اللبنانية السادسة، كتب ريمي بونوم، أحد منظّمي «أسبوع النقد»، أن البرمجة الحالية «انتقائية»، تشتمل على ميول ونزعات مختلفة لإبداع سينمائي شاب٠


السينما في استعاداتها الأمسيّة
تحيي أيقونات وتعود الى الماضي بعيون جديدة

محمد رُضا

Prince of Persia من: أمير بلاد الفرس

واحد من الخصال الجيدة الأهم في فيلم "أمير بلاد فارس: رمال الزمن"، هو أنه لا يعبأ بالسياسة بل يقدّم الترفيه وحده. الخصلة الثانية الجيدة الأهم في هذا الفيلم المعروض حالياً في كل مكان هي أنه مُحاك ومصنوع على ذات القياس والمواصفات التي كانت أفلام المغامرات الفانتازية تتمتع به في الأربعينات والخمسينات والستّينات٠
والمسألة ليست صدفة. العودة الى الماضي لتقديم أفلام اليوم لم يعد مسألة انتقاء شديد الخصوصية او مسألة تحتّم على الاستديو تمضية وقت طويل في اختيار الفيلم الذي يريد إعادة صنعه. أي فيلم له وضع كلاسيكي وسبق له وأثبت جدارته الجماهيرية بات أهلاً لهذا المنوال. هوليوود تتصرّف حالياً على أساس الإعتراف بأن الأمس كان بالفعل أفضل، وإذ تعود إليه تنتظر من الجمهور الشاب أن يتجاوب من مبدأ أن هذه العودة محلاّة بالسكّرين. بالتكنولوجيا الحديثة التي تمنح الفيلم نظرة جديدة تماماً. الوحش القادم من الفضاء لن يتحرّك بطيئاً، بل سيتمتّع بالمعالجة التي تخوّله سرعة البرق. الكاوبوي الحزين والوحيد في البريّة ستصحبه إمرأة وفرقة غنائية وتصفيفة شعر مختلفة، وقد يتم إدخال عنصر تقني ما فيتم تحويل العمل بأسره الى الأبعاد الثلاثة حيث الحصان يمر بين صفّك والصف الذي أمامك في الصالة، او السهم يخترق الشاشة ويتوجّه إليك- إحذر. لا تدري متى يفلت السهم من عقاله ويصيبك بالفعل٠
القديم أفضل. توافق هوليوود ضمنا بينما تتصرّف على أساس أنها ليست نوستالجية فقط، بل تعلم أن لديها ذخيرة لم تُستنفذ بعد. استخدمت في الخمسينات وفي الستينات والسبعينات والثمانينات، وأصابت أهدافها- لم لا تستخدمها من جديد؟

أرقام كبيرة، صغيرة
أووبس ٠٠٠ في السياق تتصرّف هوليوود كما لو أنها أفلست من المواضيع الجديدة. وبل يؤكد كثيرون على أنها أفلست بالفعل. ما معنى تلك الإعادات للأفلام السابقة؟ ما معني كل تلك السلاسل من الأفلام وأجزائها المرقّمة التي لا تغيب الا لتظهر من جديد؟ ما معنى او ما معنى كل تلك الإقتباسات التلفزيونية حتى لمسلسلات لا معنى لها حتى على الشاشة الصغيرة فما البال على الشاشة الكبيرة؟
لكن الإفلاس لا يُقاس هكذا، خصوصاً وأن كل شيء هو محسوب بالدولار. الكلفة + حجم الجمهور المتوقّع = المشروع. لا شيء أقل ولا شيء أكثر٠

A Bout de Souffle من: على آخر نفس  

لكن وراء كل ذلك لابد أن يكون هناك قدراً كبيراً من الإعتراف بأن سينما الأمس هي أفضل من سينما اليوم. وفي صلب ذلك، لابد أن هناك قدراً كبيراً آخر من الإعتراف بأن سينما كانت تقوم كلّياً على مبدأ صالة السينما هي المكان الوحيد لمشاهدة الفيلم، هي أفضل من سينما اتّسعت قاعدتها مثل دجاجة أدمنت الهرمونات وأصبحت تتعامل مع وسائط أخرى: من الفيديو الى الأسطوانات المدمّجة مروراً بشاشات الإنترنت والعروض عبر الأقمار الصناعية٠
المشكلة التي لم تعترف هوليوود، وصناعات السينما بها سابقاً (هذا إذا ما كانت وعتها أساساً) هي أن جمهوراً يعتبر المشاهدة بوسائط متطوّرة لا يمكن الثقة بولائه لأنه إنما يتّبع حبّه للوسيط التقني وليس حبّه للفيلم. طبعاً في المقابل، لا زالت الشاشة الكبيرة هي المحطّة الأولى في سلسلة المحطّات، وإيراد السينما الأميركية في العام الماضي كان الأعلى داخل أميركا بإجمالي قدره 10 بلايين و600 مليون دولار وخارجها (بنحو 23 بليون دولار)، لكن لو أن سعر التذكرة في الأيام الخوالي كان كما هو عليه اليوم لاعتبرت هذه الأرقام تراجعاً. في الستينات مثلاً كان سعر التذكرة دولار ونصف في الأقصى في الولايات المتحدة (مقابل 14 دولار في المتوسّط حالياً) لكن نسبة الى أن مكان العرض الوحيد للفيلم كان صالة السينما، فإن الأربعين مليون فرد الذين شاهدوا "غولدفينغر" (ثالث أفلام سلسلة جيمس بوند) أنجزوا 51 مليون دولار للفيلم الذي لم يتكّلف حينها أكثر من ثلاثة ملايين دولار بكل ما حواه من مشاهد خطر وحركة ومطاردات ومؤثرات٠
حالياً فإن الفيلم الذي يحصد 200 مليون شاهده نحو أربعة عشر مليون نفس فقط. المئتي مليون دولار هي أعلى بالطبع من الخمسين مليون المحصودة في الستينات، لكن عدد المشاهدين كان أعلى وهذا ما يقلق هوليوود تحديداً خصوصاً وأن معدّل كلفة الفيلم الآن تبلغ 75 مليون دولار ما يعني أن أي إيراد يقل عن مئتي مليون دولار هو خسارة محتملة (على الفيلم أن يحقق أكثر من ضعفي كلفته قبل أن يبدأ دخول خانة الأرباح)٠

إعادات ستيناتية
هذا على الصعيد الصناعي وهو ليس أكثر من تمهيد لمسألة أكبر بكثير وأهم وهي النوعية التي كانت تمثّلها أفلام الأمس ولماذا لم نعد نراها اليوم٠
في العام 1960 احتفى النقاد والجمهور على حد سواء بمشاهدة "آخر نفس" للفرنسي جان-لوك غودار، و"لا دولتشي فيتا" لفديريكو فيلليني و"المغامرة" لمايكلأنجلو أنطونيوني و"عالم أبو" للهندي ساتياجيت راي و"سبارتاكوس" للأميركي ستانلي كوبريك و"هيروشيما حبّي" لألان رينيه٠
الى جانب هؤلاء خرجت أفلام أخرى لنخبة كبيرة من السينمائيين الذي كانت أعمالهم أحداثاً حقيقية: جون كاسافيتيس، بيلي وايلدر، جورج فرانجو،صلاح أبوسيف، جان كوكتو، توني رتشاردسون، ألفرد هيتشكوك، رنيه كليمان، كلود شابرول، جاك ريفيت، فرد زنمان الخ٠٠٠


في العام التالي، كان هواة السينما على موعد مع إيليا كازان، فكتوريو دي سيكا، يوسف شاهين، كمال الشيخ، جون هيوستون، لوي بونويل، أكيرا كوروساوا، أنغمار برغمان، و-مرّة أخرى- مايكلأنجلو أنطونيوني من بين آخرين٠
وفي العام التالي، 1963، غمرت الأسواق أفلام أخري لفيلليني ورتشاردسون وغودار وهيتشكوك وهيوستون، وبرغمان، وفوقها أفلام لجون شليسنجر، جوزف لوزي، روبرت وايز، إيليا كازان ولوي مال، وكون إيتشيكاوا، وهذا ليس سوى نذر يسير٠
والسنوات تتوالى والقوائم حافلة بالعديد من الأعمال التي منحت السينما في ذلك الحين معنى يختلف عما كانت عليه قبل وبعد الحربين العالميتين الأولى والثانية. سينما الستينات والسبعينات لم تُخلق من كيانات مستقلّة، فهي تنتمي الى مجموعة ظواهر وعوامل فنية وسياسية واجتماعية صاحبت السينما من يوم مولدها الأول. لكنها عرفت في ذلك الحين معيناً أكبر من الفعل الثقافي في عالم كانت الثقافة والإبداع شأنيه المفضّلين٠


<< True Grit أحد أفلام الأمس التي يُعاد تصويرها اليوم فيلماً جديداً هو "عزم حقيقي"، او
في الأصل هو فيلم للمخرج النشط الراحل هنري هاذاواي بنفس العنوان حققه سنة 1969 من بطولة جون واين في دور مارشال برسم الأجرة توظّفه فتاة مراهقة (كيم داربي) للبحث عن قتلة أبيها ويشاركهما البحث (مغني الكانتري والوسترن) غلن كامبل. المغامرة تنطلق بعد التمهيد الطويل اللازم وتشهد تجاذبات بين أفراد هذه المجموعة مع محاولة الرجلين الإنطلاق صوب العملية من دون اصطحاب الفتاة معهما. لاحقاً ما تتم المواجهة بين هذا الفريق وبين العصابة التي يرأسها روبرت دوفول ومن أعضائها الممثل الذي رحل قبل أيام ليست بالبعيدة دنيس هوبر٠
المشروع الجديد تم طبخه في الشركة التي يرأسها المخرج ستيفن سبيلبرغ تحت إسم دريمووركس، وذلك حين كانت لهذه الشركة علاقة إنتاجية مع ستديو باراماونت المالك للحقوق. حين انفصلت الشركتان كان لابد لسبيلبرغ ترك هذا المشروع تحت سقف باراماونت وصرف النظر عنه. باراماونت أسندت مهمّة الإنتاج الى سكوت رودين الذي كان تعاون مع الأخوين جووَل وإيتان كووَن على الوسترن الناجح "لا بلد للمسنين"
No Country For Old Men
الأخوان كووَن كتبا السيناريو من جديد إنما تبعاً للرواية الأصلية (التي وضعها تشارلز بورتيس) وليس على خطا الفيلم السابق. فالرواية تسرد الأحداث من وجهة نظر الفتاة في حين كان فيلم هاذاواي (العادي فنيّاً رغم تنفيذه الرصين) تجييراً للأيقونة المعروفة جون واين مع عصبة على عينه اليسرى لتجعله، كما قيل يومها، منفرداً (في الوقت الذي كان فيه موشي دايان قد خرج من حرب 1967 بطلاً قومياً ونجماً عسكرياً تتماشى وجهته السياسية مع وجهة واين واليمين الأميركي بأسره)٠

جون واين في الصورة
هذه الإستعادة ستكون مثيرة للإهتمام على أساس أن لائحة أفلام الأخوين كووَن العديدة تشمل فيلماً سابقاً واحداً أعادا صنعه عن فيلم أسبق هو "قتلة السيّدة" (2004) الذي تم اقتباسه عن فيلم بنفس العنوان أقدم الأميركي ألكسندر مكندريك على تنفيذه، كفيلم بريطاني، سنة 1955 مع أليك غينِس في دور رئيس عصبة من القتلة تستأجر منزلاً قريباً من مسرح عملية مقبلة وتكتشف أن عليها التعامل مع صاحبة البيت الحشرية (كاتي جونسون)٠
نسخة كووَن كانت أسوأ من الأصل لا في بحثها عن سبب وجيه لإحياء الفيلم فقط، بل في أخفاقهما إنجاز كوميديا حين لا توجد شخصيات قادرة على تجسيد المطلوب جيّداً. توم هانكس حل محل أليك غينس وضاع بين التمثيل وبين إتقان لكنة ما وبين كيفية أن يكون ساخراً في عمل متأرجح٠
في الستينات والسبعينات كان جون واين قد ودّع مرحلة ربطته بالجمهور العريض وبالمخرج الذي اكتشفه فعلياً جون فورد، وبات -وهو في الستين من عمره مع أكثر من 165 فيلماً في جعبته من 1926 الى ذلك الحين- ممثلاً تُطبع الأفلام على صيته وحضوره أكثر مما يقوم هو بالتمثيل حسب كل منها. بعد هذا الفيلم كانت لديه جولة مع بضعة أفلام وسترن أخرى من بينها "غير المهزومين"، "تشيزوم" و"ريو لوبو" و"بيع جايك"، وكلّها في النصف الأول من السبعينات، هذا قبل أن ينقلب الى السينما البوليسية فيكشف عن
The Shootist عدم قدرته، سنا وبدناً، على الإقناع في "ماكيو" و" برانيغَن" وإن وجد في آخر أفلامه
تحية سينمائية مناسبة على يدي المخرج دونالد سيغَل لاعباً شخصية رجل من الغرب بلغ من العمر عتيّاً ومصاب بالسرطان (كما كان واقع الممثل) يحاول أن يموت بهدوء لكن العنف يلاحقه. جون واين توفي سنة 1977 أي بعد عام واحد من بطولته هذا الفيلم٠
طبعاً حينها كان واين قد أصبح أيقونة في بال المستذكرين أكثر منه وجوداً جماهيرياً حقيقياً خصوصاً مع خروج آخرين من صنفه في مقدّمتهم كلينت ايستوود الذي لعب، أيضاً، الوسترن والبوليسي، بكفاءة وبل تميّز بأنه كان يعرف كيف يمثّل الشخصية ويمثّلها للجمهور وليس لنفسه٠
فيلم "عزم حقيقي"، ليس فيلم الوسترن الوحيد الذي يتم العمل عليه حالياً، بل هناك فيلم آخر عنوانه "لون رانجر" مع جوني دَب في البطولة وجيري بروكهايمر، الذي هو من كبار المنتجين الأميركيين حالياً، في الإنتاج٠
لون رانجر هو شخصية من أيام الراديو في مطلع الثلاثينات تحوّلت الى مسلسل فيلمي (إثنا عشر حلقة مدّة كل منها نحو ربع ساعة تعرض قبل بدء الفيلم) في أواخر الثلاثينات ثم مجموعة من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية حتى العام 1981 عندما قام المخرج (الآتي من حقل التصوير) وليام أ. فراكر بإخراج "أسطورة لون رانجر" سنة 1981 وهي نسخة قام ببطولته ممثل أسمه كلينتون سبلسبوري وقام بدور صديقه الهندي تونتو مايكل هورس. سبيلبسوري لم تكن لديه خلفية في التمثيل، لكن الغريب أنه لم يظهر في أي فيلم لاحق أيضاً٠

الرجل الذئب ومرعبات أخرى


في حين أن الأخوين كووَن سيضمنان قدراً من الجدّية عبر إثارة أبعاد وشخصيات تستحق النقاش، فإن الغالب أن "لون رانجر" سينتمي الى تلك الفئة من الأفلام التي ستتشبّع بالبطولة ذات الهالة التي تشارك التقنيات الحديثة في صنعها. كذلك سيكون الحال عندما تنجز شركة يونيفرسال إعادة صنع "الشيء" لطرحه في العام المقبل٠
من الآن، وبالكشف عن أسماء الممثلين (ماري واينستيد، جوول ادجرتون، أدوال أباجي وألريخ تومسون) يمكن استشفاف ايمان الشركة بأن تصرف ميزانيّتها على المؤثرات وليس على النجوم. فمن بين أهم ما يميّز هذه الحقبة عن سواها حقيقة أن الأفلام المكلفة، كما برهن "أفاتار"، تستطيع أن تستغني عن الممثلين المعروفين والإعتماد على وجوه حديثة (او نسبياً حديثة) في الأدوار الأولى على الأقل. استثناء فيلم جيمس كاميرون الوحيد كان الممثلة سيغورني ويفر التي كان لها جولاتها الناجحة كنجمة في الثمانينات، لكن دورها في "أفاتار" كان محدوداً٠
بالنسبة لفيلم "الشيء" فإن الأصل موجود في نسخة 1951 تلك التي أخرجها كريستيان نيبي عن سيناريو للمخرج الكبير هوارد هوكس. والشائعات قالت أن المخرج الحقيقي للفيلم هو هوكس نفسه. بصرف النظر عن صحّة ذلك من عدمه، فإن الفيلم انتمى الى فصيلة سينما الرعب المنتجة بميزانية صغيرة. وتحتوي على حبكة مفادها أن فريقاً مؤلفاً من عسكريين وعلماء تكتشف في نقطة نائية من القطب الشمالي وحشاً قادماً من الفضاء الخارجي. باقي الفيلم صراع بين العلماء والعسكرين مع محاولة الفريق الأول الحفاظ على حياة الوحش وسعي الآخرين لقتله خصوصاً وأنه لا يفهم سوى لغة القتل بدوره٠
هذا الفيلم أعاد المخرج المتخصص جون كاربنتر تحقيقه سنة 1982 من بطولة كيرت راسل وكيث ديفيد وبمستوى جيّد وإن لم يتبلور كفيلم كلاسيكي كحال الفيلم السابق. الغالب في الإقتباس الجديد سيحاول استغلال الحبكة لتقديم شخصيات متناحرة أنما أصغر عمراً وأقل خبرة مع وحش جديد من نوعه او- على الأقل- ينتمي الى تقنيات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين٠
شركة يونيفرسال صاحبة هذا المشروع، وهي صاحبة فيلمي رعب آخر أحدهما ظهر في مطلع هذا العام بعنوان "الرجل الذئب" الذي قام جو جونستون بتحقيقه، والثاني على موعد للظهور في نهاية العام المقبل بعنوان "فرانكنستاين" تحت إدارة غويليرمو دل تورو٠
كلا هذين الفيلمين يعتمدان على شخصيات تم استخراجها من مخازن شركة يونيفرسال. فالرجل الذي يتحوّل ذئباً والعالم الذي ابتكر وحشاً كلاهما من أعمال تلك الشركة الكلاسيكية من العشرينات والثلاثينات وما بعد٠
إنه من المثير هنا، كيف أن شخصيات ابتكرت لغاية جماهيرية محضة (أولاً في مؤلّفات منشورة ثم في أفلام مبكرة) لا زالت قادرة على العيش والتواصل مع جمهور جديد. ما هو الخاص بحكاية رجل ينقلب ذئباً وينطلق تحت ضوء القمر بدراً ليقتل ضحاياه بلا تفريق؟ ثم ما هو الخاص المنضوي في حكاية عالم جمع أطرافاً من أموات آخرين وخيّطها معاً مؤلّفاً جثّة جديدة وبث فيها الحياة بتعريضها لتيار كهربائي حملها برق شديد في ليلة عاصفة؟
لجانب هذين الفيلمين هناك طرح محتمل لشخصية ثالثة لاكتها يونيفرسال في أيامها الخوالي كثيراً وهي شخصية "دكتور جايكل ومستر هايد" التي - مثل "الرجل الذئب"- تعكس الوحش الذي في داخلها ضمن ظروف خاصّة. لكن في حين أن كيرت سيودماك الذي وضع السيناريو لشخصية "الرجل- الذئب" في مطلع الأربعينات (هناك أفلام أسبق مفقودة ومن غير المعروف الآن إذا ما تناولت الحكاية ذاتها) عكس وضع الرجل الغريب (بريطاني يعود من أميركا الى بلاده ويجد نفسه غريباً ويزداد غربة وتوحّداً بعدما عضّه الذئب) فإن "دكتور جايكل ومستر هايد" ينحو صوب فكرة وجود إنسان متوحّش داخل كل فرد منّا سيخرج الى العلن فيما لو سنحت له الفرصة٠
أما "فرانكسنتاين" كما كتبته ماري أشلي فكان حواراً حول المصير الإنساني بأسره وعما إذا ما كان على هذا الإنسان تجاوز الحدود الإلهية والإقدام على خلق شيء علي حسابه الخاص، ثم كيف أن هذا سوف لن يكون سوى وبالاً سواء على العالم (فرانكنستاين) او وحشه او المحيط البشري في المكان الذي وقعت فيه الأحداث٠

تحطيم السد
قبل عام واحد من إطلاق "الشيء" قامت باراماونت بتحقيق فيلم "القطرة" لكن هذه الترجمة لكلمة
لا تفي بحقيقة المعني The Blob
إنه فيلم رعب آخر حول مخلوق فضائي هبط الى الأرض ليحدث حرباً بينه وبين أهلها. "البلوب" يختلف كثيراً من حيث شكله: يشبه العلكة الممضوغة لكنه يحتوي على حياة في داخلها يجعله يتحرّك ليلتهم كل من يستطيع الوصول اليه، وكلّما التهم أحداً أزداد كبراً حتى يصبح ضخماً يُثير فزع المدينة بأسرها. الفيلم الأول من هذه الفكرة المثيرة حققها إروين ييوروث من بطولة ستيف مكوين سنة 1958. النسخة الثانية حققها تشاك راسل (من بطولة كيفن ديلون) بعد عشرين سنة والثالثة الي سيأزف موعد عرضها في العام المقبل، ستكون من إخراج روب زومبي بينما البحث جار عمّن سيقود البطولة٠
ليس أن كل الإعادات الحالية من نوعي الوسترن (الذي يطفو علي السطح كل ثلاث او أربع سنوات ثم يختفي) او الرعب. هناك مشروعان جديدان مختلفان تماماً وهما "إكسكاليبر" الذي يعمل على إعادته للحياة المخرج برايان سنجر و"محطّمو السد" الذي سيخرجه كرستيان ريفرز هذا العام، كما هو مفترض٠

برايان سينجر يستند في مادّته الى رواية "موت آرثر" التي وضعها توماس مالوري المتوفى سنة 1471
والتي تم اقتباسها سنة 1953 الى فيلم من إخراج المعتاد رتشارد ثورب وبطولة روبرت تايلور وآفا غاردنر، هذا قبل أن يقدم المخرج الأيرلندي النيّر جون بورمَن بتحقيقها فيلماً مختلفاً عن أفلام الفروسية الأخرى بعنوان "إكسكاليبر" من بطولة شون كونيري٠ حسب المصادر، فإن هناك فيلمين يتم تحضيرهما عن المصدر ذاته. هذا الفيلم الذي تتبنّاه وورنر وفيلم من إخراج غاي ريتشي لا ستديو كبيراً يقف وراءه حالياً٠
أما "محطّمو السد" فيرقص على ألحان فيلم سابق أنجزه مايكل أندرسون سنة 1955 من بطولة مايكل ردغراف ورتشارد تود (بنفس العنوان) عن رواية بول بريكهيل. النوع هو حربي ويتحدّث عن عملية جويّة بريطانية تمّت خلال الحرب العالمية الثانية مهمّتها ضرب سد ألماني لإغراق الوادي تحته. مع فشل فيلم برايان سينجر "فالكيري" (بطولة توم كروز) حول محاولة اغتيال أدولف هتلر قبل عام او أكثر قليلاً، يتساءل المرء عما إذا كان الجمهور الحالي سيكترث لهذا الفيلم او لأي فيلم يتحدّث عن أي حرب سابقة. لكن في السينما لا وجود لما هو مضمون، فقط لما هو مثير٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular