Jun 10, 2010

ٌ سينما بيلا تار- البداية | خمسون سنة على فيلم جان-لوك غودار الأول | إبراهيم العريس عن"فيلم اشتراكية"٠

هذا الموقع قيد التصميم  حاليا 
وسيعاود نشاطه خلال أيام قليلة
 تحت الإسم الجديد
 The Book of Cinema
انما على العنوان نفسه
shadowsandphantoms.blogspot.com/
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سينما وأفلام الوحدة ...... بيلا  تار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلمات: محمد رُضا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تاريخ موجز  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولد بيلا تار في مدينة بيكش، المجر، سنة 1955 وتخرج من أكاديمية المسرح سنة 1981. أخرج أول أفلامه الروائية الطويلة (بعد فيلم قصير واحد)  سنة 1979 بعنوان 
Csaladi tuzfeszek/  Family Nest/  عش العائلة
ما يعني أنه حقق فيلمه الأول (وهو في الثانية والعشرين من عمره) قبل دراسته الفنية٠
Szabadgyalog/ The Outsider/  ثم أخرج سنة 1981 : غير المنتمي
غير المأخوذ عن رواية ألبير كامو، لكنه مال الى الإقتباس الأدبي حين حقق لحساب التلفزيون المجري نسخته من "ماكبث" سنة 1982 وعاد الى السينما في العام ذاته فقدم
The Prefab People /  أناس البيوت الجاهزة
وهذه الأفلام الثلاثة متوفّرة في صندوق اسطوانات بإسم
Films of Bela Tarr 3- Pack Set
خلال العامين الأولين من الثمانينات عمل مساعداً لمخرجين آخرين اسطفان دارداي وجيورجي شالاي٠
Satantango / Satan Tango/  لكن الى أن أنجز بيلا فيلمه الدينوصوراتي: تانغو الشيطان
سنة 1994 لم يكن أحد سمع به خارج بلاده٠
بعده أمضى المخرج ست سنوات من الوحدة الى أن عاد سنة 2000 بفيلم
Werckmeister Harmonies  | إيقاعات ڤركمايستر
 ثم أنجز فيلمه المأخوذ عن رواية للفرنسي البوليسي جورج سيمنون بعنوان
The Man From London  | الرجل من لندن
الذي عُرض سنة  إنتاجه (2007)  في مهرجان كان فقوبل من جمهور لا يعرف السينما بتصفير وانسحب من العرض كثيرون٠
The Turin Horse  فيلمه المقبل: حصان تورينو
الأفلام السابقة، بإستناء الجديد، متوفر أيضاً على اسطوانات من مصادر متعددة٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  تمهيد  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الموضوع الذي يتطرق إليه المخرج المجري بيلا تار مرة بعد مرّة هو البؤس. إنه ليس الموضوع الذي يريد معظم الناس مشاهدته، لكنه الموضوع الذي ينبري اليه بضع مخرجين حول العالم مميزين أساساً برغبتهم في عدم مشاركة هذا المعظم من الناس أهواءهم ومناهم تفكيرهم وألوان حياتهم٠
هم وحيدون كشخصياتهم وبيلا تار كذلك٠
المرء لا يحتاج الي اختيار مشاهد تدل على صور البؤس في أفلامه، بل يكفي أن يذكر هذه الأفلم. كل فيلم وكل الأفلام التي حققها واهتم بها هي انعكاس لبؤس الناس في عالمه. الصعوبة هي البحث عن كيف يثير هذا الموضوع الداكن اهتمام مثقفي ونقاد السينما حول العالم؟ لماذا نجد في هذه الأفلام حافزاً فنيا واضحاً؟ لماذا لا تنضوي أعماله تحت فئة الميلودراميات التي دأبت عليها سينمات أخرى؟
الجواب على هذه الاسئلة يكمن في أن بيلا تار لا يلفّق ما يعرضه. لكي يفعل ذلك عليه أولا أن يكون راوياً قصصياً، لكنه لا يحقق أفلامه ليروي قصّة، بل يحققها وفي باله المحيط الإجتماعي العام والصدام الشخصي بين وضع وآخر. بين قديم وحديث. ثابت ومتغيّر. أحداثه القليلة، حتى في فيلم "تانغو الشيطان" الذي زادت مدّة عرضه عن السبع ساعات (سبع ساعات و50 دقيقة تحديداً)  والذي شوهد لأول مرّة على شاشة مهرجان تورنتو سنة إنتاجه (ثم على أسطوانة) لا تشكل محركاً ودافعاً سردياً، بل تبقى جزءا من العمل المنتمي الى الحياة. بالتالي هو جزء من حياة مرصودة. حين سألته الإيضاح قال
الحياة لا توفّر القصص كما نراها عادة. القصّة لكي تقع أحياناً ما تتطلّب سنوات، هذا إذا انتهت أحداثها عند حد معين"٠
حين يدخل المرء أعماله يجد أن العالم الذي يختار هذا المخرج تصويره هو الفيلم نفسه. هذا العالم قد يكون البيت وقد يكون القرية او البلدة، او أي موقع  منعزل (عادة)، لكنه العالم كله بالنسبة لأبطاله الذين لا يعرفون من الحياة سوى محيطهم القريب٠
لذلك يصدّق المرء كل ما يقدّمه المخرج إليه. يصدّق هذه السماء الضبابية  وهي تمطر والبرد وهو يقرص الأبدان ويصدق الشخصيات الواقعة في العوز والمعانية من تراكماته ونتائجه. يصدق ما في الفيلم بأسره من قراءات سواء وافق عليه او تحفّظ. فهذا ليس مهماً. فيلم لبيلا تار هو رأى ورؤية ومخرج وبسبب حسن المعالجة يحترم المشاهد ما يراه وما يقرأه شريطة أن يقبل شروط المخرج الفنية. التصوير المدقع في الرتابة. الإيطاع البطيء والحركة المحدودة والأحداث المتباعدة. أفلامه ليست جمالية- تزيينية (لا في التلقي الذهني ولا في  الإستقبال البصري)  والبعض في المجر وصفها بأنها "ليست جميلة" وفي مطلع الثمانينات بعد ثلاثة أفلام له فقط، وُصف بأنه "مخرج البشاعة"٠

بيلا تار 

لكن هذا جزء من الصورة الكبيرة. هناك الأسلوب الذي يعتمده المخرج لعمله. تلك اللقطات الطويلة زمناً كما لو زن الفيلم لا يعرف مقص المونتير والتصوير من بعيد ليحافظ على مسافة ليس عليه، كمخرج، تجاوزها صوب شخصياته. هذا ما يجعل المسافة قائمة أساساً بين المخرج وبين الفيلم كمادة مسرودة. لولا تلك المسافة لم كانت هناك حاجة لتقديم الأفلام بهذا الأسلوب ولتحوّل الفيلم من فن للقراءة الى حكاية للمشاهدة٠ كما قال لهذا الناقد في حديث غير صحافي تم بيننا سنة 2001
فيلم بيلا تار، أي فيلم لبيلا تار، يصفع الناظر بمشاهد من الصعب أن تُمحى من البال. في الحقيقة، فيلمه  الطويل جدّاً "تانغو الشيطان" كلّه يبقى في البال كما لو شوهد بالأمس بمشاهده الطويلة، معايشاته المتمددة التي لا يمكن معرفة متى ستنتهي صوب معايشة أخرى. بلقطاته التي تحرص على تأطير البيئة المنتقلة الى الشاشة. بذلك يبقيها تحت الضوء وفي المدّمة. الساحة الكبيرة التي تتحرك عليها الأشياء والشخصيات معا. إنه كما لو أن المخرج يخشى (او ربما يدرك) انه لو اقترب كثيراً من الشخصيات التي لديه اضطر المشاهد لإهمال ذلك المحيط. علي ذلك يسمح لنفسه بلقطات قريبة عند الضرورة خصوصاً في الحالات التي تعكس البؤس كاملاً٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  الأفلام الأولى   ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
البيت- الوطن


وضع بيلا تار بعض الأسس لسينماه منذ أوّل أفلامه "عش العائلة" سنة 1978 بالأبيض والأسود وبمعونة فنية  ومادية من مركز سينمائي معروف في المجر أسمه "بيلا بالاش ستديو"  (بالاش كان منظّراً سينمائياً مرموقا كما كتب الشعر وأخرج أفلاماً خلال العقود الأولى من القرن العشرين) في ذلك الفيلم نتعرّف على معنى المكان في أفلامه اللاحقة٠
بداية، هو دراما حول عائلة كبيرة، من سبعة أفراد، تعيش في شقّة مؤلفة من غرفة واحدة.  هناك الأب والأم وثلاثة أولاد أكبرهم غائب لكنه متزوّج ولديه طفل. حين يعود هذا الإبن الكبير من الخدمة يثور والده عليه لأنه لم يجدد الخدمة ويبقى مجنّداً. في يقين الأب أ إبنه لو بقي مجنّداً لاستطاع الحصول على شقّة أكبر. والشقة تبقى المكان الذي بحاجة الى تغيير طوال الفيلم. الموقع المتسبب في كل تلك المآسي التي سـ "تنفلش" أمامنا (تحاول الأم خلال الفيلم إقناع زوجها رشوة أحد الموظفين الحكوميين للحصول على شقّة كبيرة علي حساب الدولة لكن هذا يأبى)   البيت العائلي، وهو سريعاً ما يتكوّن أمامنا رمزاً، هو المكان الذي يسعى الجميع لتغييره ويخفقون بسبب تبعات ما يخوضونه من متاهات نفسية وعاطفية وأخلاقية. بكلمات أخرى، الفقر الذي يعانون منه محى هويّاتهم الإنسانية. حين يخرج الإبن المجنّد مع شقيقه لتوصيل ضيفة زوجته  الى بيتها في تلك الليلة الداكنة، يقومان باغتصابها. الحادث يقع بألمه وهو مفجع بصرف النظر عن ضحاياه (هي ضحية مباشرة. هما ضحيّتان في البعد الأول للفعل) . ما يجعل الضحية المباشرة خاصّة كون المرأة من الغجر، أي أن المجنّد وجد لديه السُلطة التي تؤهله فرض رغبته على عِرق آخر. وفي هذا تعرض لنوعية العلاقات غير المتساوية بين العرق السائد من المجريين وبين العرق الأضعف في المجتمع (الغجر في هذا النموذج)٠
في مطلع الفيلم عبارة تقول أن الأحداث لم تقع لهذه العائلة "بل كان يمكن لها أن تقع". بمعنى أنها ليست أحداثاً حقيقية، لكن كان يمكن لها أن تكون لأنها قريبة او لأن دوافع وقوعها محتملة. ربما يعود السبب وراء استخدام هذه العبارة الى الرغبة في تفادي السؤال الرقابي أيام الحقبة الشيوعية ما يكشف بدوره عن قوّة تأثير العمل بكامله بالتالي نقده لصنف الحياة المشكو منها. كل أسبوع أحد أفراد العائلة يتوجّه الى مركز الخدمات الإجتماعية مطالباً بشقّة. في أحد المشاهد يشرح الموظّف أن هناك مراجعة مرّة كل سنة لمن يستحق المنحة، لكنه يعترف أنه ليس هناك من ضوابط او شروط صارمة تضمن ذهاب الشقق الى من يستحقّها فعلاً٠
من المشاكل التي يتابعها الفيلم هي أن عودة المجنّد الى كنف العائلة تُواجه بشكوكه فيما لو أن زوجته كانت مخلصة له أم لا. وهو سؤال يبقى عالقاً لفترة طويلة لكن نجد أن الأب الذي يطالب إبنه برميها خارج البيت كان تودد منها بغية معاشرتها وصدّته٠
أسلوب  تار هنا ينتمي الى نوعية أفلام خرجت في المجر بدءاً من منتصف السبعينات وسُميّت بـ "الروائي المسجّل" نسبة لمزجه جناحي السينما الروائي والتسجيلي معاً. هذا الإتجاه لازم المخرج بشكل عريض في أعماله اللاحقة. إنه يرصد والرصد فيه تسجيل (والتسجيل فيه توثيق)  لكن ما تغيّر هو أن المخرج استخدم هنا أسلوباً كان (ولا يزال في العديد من الحالات) شائعاً في السينما المجرية: اللقطات القريبة والكاميرا التي تتابع الوجوه والحركة عن كثب من دون أن يعني ذلك أن سياسته للتصوير اختلفت كلّياً. استغنى عن الكثير من اللقطات القريبة، لكنه داوم توظيف الكاميرا كمتابع للحركة التي على الشاشة في شتّى أحجام اللقطات والإستخدامات٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  سؤال في الذات  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


إذا كان فيلمه الأول تعامل مع وضع فردي يؤدي الى وضع اجتماعي يرسم فيه لوحة نقدية لحالة فوضوية راهنة (آنذاك)، فإنه في فيلمه الثاني "غير المنتمي" او "المبعد" او "الغريب" (ترجمة لكلمة  "اوتسايدر" التي تحتوي على كل هذه المواصفات)، يستبعد الخلفية الإجتماعية  ويحدد موضوعه بشخصيات أقل وبحالة يمكن اعتبارها خاصّة٠
القصّة هنا هي حكاية عازف كمان (أسمه الفني هو "بيتهوفن") لا يعمل في حقله لعدم وجود من يحتاجه في هذا المضمار. البديل أن يعمل كلاعب أغاني (ديسك جوكي) في ملهى ليلي. بعد أن تلد منه صديقته يهجرها ويتزوّج من إمرأة لكنه كما ينتقل من ضغط علاقة الى ضغط علاقة أخرى ناتجة عن تباعد عاطفي سريع، وعن وضع اقتصادي يرزح بثقله ويعيق تقدّم الإنسان في الذات. لكن السؤال المطروح هنا على بطله هو إذا ما كان يستطيع أن ينتزع من ذاته من يريد (الفن، الموسيقا) ويقبل بما يحاول أن لا يكون متنازلاً عن خصوصيّته التي لا تعني أحداً سواه٠
الى الآن، نلاحظ، استوطن بيلا تار شققاً تدور فيها أحداثه او تتحوّل الى عنصر ينضح بالأهمية على مستويات عدّة في بعدها الأقصى البيت هو الوطن. وما يحدث في الصورة القريبة هو رمز لما يحدث على الصعيد الإجتماعي ككل. الفوضى في حياة المرء هي ليست بمنأى عن الفوضى في الحياة العامّة بأسرها٠
الحال هو نفسه في فيلميه اللاحقين الثالث والرابع٠

Prefab People  أناس البيوت الجاهزة 

لفيلمه الثالث "أناس البيوت الجاهزة"  لا يزال للمكان (البيت) دوره المهم في الفيلم. المشكلة الأسرية التي يستعرضها (بالأبيض والأسود لأول مرّة بالنسبة إليه موحياً ببدء نزعته الفنية في هذا الخصوص) تتعامل وزوجين لديهما طفلين. الزوج يترك البيت ولا يترك الزوجة. الخلاف المستعصي يتعلّق مرّة أخرى بما يريد الزوج إنجازه وما تريده له الزوجة، لكن النهاية هذه المرّة سعيدة نوعاً إذ يعود ومعه هدية: آلة غسيل. البيت هنا هي نقطة تجاذب. المكان الذي إذا عاد اليه الرجل فإنه عاد مهزوماً. لم يقو على إنجاز شيء بعيد عنه. بالنسبة للزوجة عودة زوجها هي انتصار للعقل. بالنسبة إليه هزيمة للروح٠ لكن التناول هنا يبقى خفيفاً. معالجة تار فنيّة لجوانب الحياة تساعد الحكاية على الإبتعاد عن كونها حدث درامي عادي يمكن التقاطه في أفلام لا تحتاج لمخرجين من وزنه لتحقيقها٠
 في "روزنامة خريفية" لدينا وضعاً يذكّرنا بالفيلم الأول: شقّة وفيها خمسة أفراد. المختلف أن هؤلاء الأفراد ليسوا من عائلة واحدة: هناك أم مريضة. إبنها الكبير. الممرضة وصديقها ثم استاد مدرسي٠ كان الإبن هو من جلب تلك الممرضة حين وقعت الأم مريضة لأنه لن يستطيع خدمتها، وتلك الممرضة الشابة والجذّابة هي التي تصحب معها صديقها ليقطنا في غرفة واحدة. السؤال الشامل للفيلم هو عن كيف يستطيع هؤلاء العيش معاً؟ ما هو القدر من التأثر الذي سيدخل حياة كل فرد نتيجة وجود الفرد الآخر معه؟ هذا الفيلم دراسة  مهمّة  في كنه الذات الواحدة حين يصبح لزاماً عليها التصرّف باعتراف وجود ذات أخرى قريبة٠
الفتاة تجد نفسها محط اهتمام لكنها مسؤولة في الوقت عينه عن أفعالها حين تنام مع كل شخص بدوره. الشخصيات الرجالية تائهة في دروب ضيّقة. لا حوافز لدى بعضها ولا روادع لدى بعضها الآخر والعالم في البيت (وبالتالي خارجه) على فوضاه. ما يختلف فيه هذا الفيلم عن أفلام تار السابقة هو ٠٠٠٠

البقية في العدد المقبل٠

ملف
خمسون سنة على فيلم جان-لوك  غودار الأول: نفس مقطوع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  محمد رُضا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

A Bout de Souffle |  نفس مقطوع

في السادس عشر من آذار/ مارس سنة 1960 شهدت صالات باريس عرض فيلم جديد شكّل ولادة مخرج لا زال يُثير الى اليوم تساؤلات كثيرة حول أعماله وفلسفته السينمائية والسياسية وهو جان-لوك غودار. الفيلم المذكور كان "نفس مقطوع" الذي كتبه غودار عن قصّة قصيرة لزميله فرانسوا تروفو حين كانت العلاقة بينهما لا زالت جيّدة. وكان غودار وتروفو من نجوم النقد السينمائي الفرنسي الجدد آنذاك كونهما عملا معاً في مجلة "كاييه دو سينما" المعروفة وهما قاما قبل ذلك العام بإخراج أفلام قصيرة. لكن تروفو استطاع سنة 1959 بتحقيق أوّل فيلم طويل، وهو "400 نفخة".
400 Blows
 علماً بأن غودار كان جهّز "نفس مقطوع" للتصوير قبله٠
المقارنة بين فيلم غودار وفيلم فرانسوا تروفو يمكن أن تشكل مادة بحث مهمّة بحد ذاتها. كلاهما متشعّبان بالمراجع السينمائية، معجبان ببعض المصادر ويحملان طموحاً لإنجاز سينما تختلف عن سينما "البابا والماما"، تلك المرتاحة الى وجود من يحكي قصّة غير خادشة بأسلوب عرض كلاسيكي٠
وكلاهما يؤمن بدور المخرج في السينما مع التأكيد على أنه ليس دور المنفّذ فقط، بل دور المؤلف. الفيلم هو وهو الفيلم٠
لكن في حين أن تروفو فيلم ذاتي من حيث قصّته، فإن فيلم غودار ذاتي من حيث أفكاره. باقي الإختلافات، التي لا مجال للبحث فيها هنا الآن، تنطلق من هذه المفارقة٠
فيلم غودار أثار الإهتمام من لحظته الأولى لكن ليس الإهتمام التجاري بل النقدي، ذلك أن أسلوباً جديداً غير معهود ومختلفاً ساد ذلك الفيلم وجعله في نظر العديدين تحفة سينمائية خاصّة. ليس كل من شاهده اعتبره كذلك، لكن الذي ساد هو الإعجاب المطلق. هذا الناقد  من الذين يستطيعون وضع فاصل ولو صغير بين كلمات مهم ومتميّز وجيد  وبين كلمة تحفة، لكن هذا الفاصل صغيراً وفي بعض مساحاته يذوب حتى ليكاد لا يُرى٠

جان بول بلموندو: القبعة. السيغارة. الحلم

إنه عن شاب أسمه ميشيل (جان-بول بلموندو) يقتل شرطياً بعدما  سرق سيّارة وانطلق بها خارج المدينة. نراه يقود تلك السيارة الأميركية. واحدة من عدّة سيارات أميركية. وهناك سبب جليّ لماذا يختار ميشيل سيارات أميركية ليسرقها في فرنسا أواخر الخمسينات: إعجابه بصناعتين أميركيّتين على الأقل هما السيارات والأفلام. الأولى تلتقي والثانية من حيث أنهما صاغا لميشيل عالماً يخرج من واقعه إليه. هو سعيد بقيادته تلك السيارة. فجأة كما يعبّر قائلاً وهو يقود السيارة ناظراً الى تلك الأشجار الباسقة والجبال البعيدة "فرنسا جميلة. أنا معجب بها" ٠
لكنها سيّارة مسروقة وحين يصل الى حاجز للشرطة على الطريق الريفي يقرر عدم التوقّف ما ينتج عنه ملاحقته من قبل ثلاث رجال بوليس على درّاجات. ينحرف عن الطريق ويوقف سيّارته تحت شجرة. يمر الشرطيان الأوّلان ثم الثالث. لكن الثالث يعود أدراجه بعدما لاحظ  وجود السيارة. المهم جدّاً ملاحظة ما اختاره المخرج من حوار يضعه على لسان الشرطي: "إذا تحرّكت أقتلك" ومن المهم أنه لم يعطه لقطة أميركية خاصّة للتعريف به. الأهميّة الأولى هو أن التهديد بالقتل وارد أساساً والثانية هي كسر منوال معيّن  من السينما السائدة: لا داعي  لبناء كيان لشخصية ما عبر تخصيصها بلقطة ما إذا ما كان التركيز منصب على الفعل ذاته. ميشيل كان وجد مسدّساً في السيارة. يسحبه ويطلق النار ويردي الشرطي. مرّة أخرى لا لقطة خاصّة لذلك الشرطي يقع أرضاً٠

بعد الجريمة يصل الي باريس (التي يكرهها) ويعاود التقاء إمرأة شابّة أميركية تعيش وتعمل في فرنسا  أسمها باتريشيا (الراحلة جين سيبرغ)  مفصحاً عن حبّه لها. لكن في حين أنه واثق من أنه يحبّها هي ليست متأكدة بعد. وهي ليست متأكدة من مسائل أخرى عدّة في حياتها. تعمل بائعة جوّالة علي قدميها لصحيفة "ذ هيرالد تربيون" تعرّف ميشيل عليها قبل أيام ليست بعيدة ويجد ما يجذبه إليها: "الرجل لا يحب الا من لا تناسبه" يقول لها ذات مرّة. وهناك جزء منتصفي طويل من الفيلم يدور في غرفة فندق يتبادلان فيه الكثير من الحديث الكاشف عن نقاط نفسية وعاطفية ستقود لما سيلي. تحاول تجنّب فعل الحب معه رغم إصراره، لكن ذلك يأتي ضمن متابعة ما يمكن أن تكون عليه ساعة ونصف من الخلوة بينهما. ما هي المواضيع المثارة. كيف يُعامل كل منهما الآخر من منطلق منظوره اليه والى الحياة من ورائه. على الرغم من أنه فصل حواري الا أنه مليء بالمعلومات. بعض التململ (أعتقد) لكنه مشهد طويل ليس لاختيار خطأ من المخرج، بل لأسلوبه في سرد الحكاية. الغاية إظهارهما قريبين بعيدين: هي الباحثة عن شيء لا تعرفه، وهو ذي القناعة بأشياء يؤكد عليها: "أنتم الأميركيون معجبون بأغبى الشخصيات الفرنسية: لا فاييت وموريس شفالييه" يقول لها موقظاً الحس بأن غودار هو الذي يقول. وغودرار أيضاً هو الذي يضع على لسانها العبارة التالية (ولو في مشهد آخر): "لا أعرف إذا ما كنت غير سعيدة لأنني غير حرّة او غير حرّة لأنني غير سعيدة". تسمع الجملة، او تقرأ ترجمتها، وتقرر إذا كنت تعرف قليلاً عن أفلام غودار أن العبارة غودارية مئة بالمئة. هناك دائماً تلك المقارنة  بين أمور ذات محور واحد٠
يخرجان من الفندق. هي لديها موعد مع مؤلّف متباه علّه يساعدها في التحوّل الى صحافية وهو ليبحث عن صديقه، لكننا نجد أنه يتبعها لمعرفة كنه اجتماعها الذي يتم في الطابق الأعلى من مقهى. حين ينتهي اللقاء يقوم غودار بفعل الشيء الآتي: يضع الكاميرا أمام باتريشا والمؤلّف وهما ينزلان الدرج الى الطابق الأرضي ثم تنسحب اللقطة من دون انقطاع ليستديرا الى اليمين ويمضيا بعيداً عنها، تستدير يساراً لتلتقط ميشيل ثم لتلحقه بعدما يراهما متّجهين الى الخارج مبتسماً بغموض٠

جين سيبرغ: لديها ما يحيّرها 

مثل هذه السحبات الطويلة (ترافلينغ شوتس) لم تعد موجودة في أفلام غودار منذ حين ليس بالقريب. عوضاً عنها اللقطات الكادرية الثابتة فآنذاك  ارتبطت تلك اللقطات الطويلة  برغبته آنذاك سرد قصّة. لاحقاً في أواخر الستينات، لم تعد القصّة تشكّل همّاً او حاجة، واختفت كليّاً في السبعينات، ثم عادت محدودة الظهور فيما بعد. هذه الحركة الراصدة للكاميرا التي تشترك فيها عملية سرد الموقف الحاصل توقّفت. ما حل بديلاً هو، كما ذكرت اللقطة المؤطّرة:  لقطات محددة يؤدي رصفها من دون وصلات ومشاهد إيضاحية الى تعزيز دور أدنى للمونتاج وتصميم الفيلم كحالة معادية تماماً لأي معالجة ذات طرح روائي٠
مشاهدة أفلام غودار متتابعة (او ما تيسّر من أعماله الكثيرة) تظهر كيف تقدّم غودار في مشواره منذ ذلك الحين وعبر مراحله. كلما نظرت كلما لاحظت اختلاف كل مرحلة عن سابقتها. بالتالي كل فيلم عن الذي قبله . بذلك "الجندي الصغير" يختلف عن "نفس مقطوع" و"ازدراء" عن "الجندي الصغير" كما "ألفافيل" عن "إزدراء" و"التحري"، ربما آخر رغبة في سرد شيء كالقصّة، عن كل تلك الأفلام، ثم "موسيقانا" و"اشتراكية فيلم" وجوارهما عن كل ما سبق أيضاً.  هنا رمى المخرج سلاح السرد القصصي الواضح من دون أن يتخلّى عن العمل الروائي، وهذا هو لبّ فيلمه الجديد "اشتراكية فيلم". إذ أن غودار هنا ليس تسجيليا وليس قصصياً، بل منفّذاً لأفكار ثقافية وسياسية أراد لها شكلاً لا يشبه شكل أي فيلم آخر على وجه الأرض. وهو حقق ذلك بجدارة متناولاً التاريخ والحاضر كزمانين على مستوى واحد من الأهمية: الأول أدّى الى الثاني. وهو يجد بحق أن القضيّة الفلسطينية تتويج لهذه العلاقة بين الزمانين مديناً الدور الأوروبي في دفع الوضع الى الحالة الحاضرة. لتنفيذ ذلك، لا يحتاج غودار حتى لمشاهد عينية للحصار وللحرب او للنضال مكتفياً بأنه يقول ما يؤمن به وبأسلوبه الخاص٠
لكن ..... هناك ما يحمله الفيلم الأول هذا من إيحاءات
حين تجالس باتريشا ذلك المؤلّف وبينهما طاولة مستديرة يقدم غودار -بصورة تقليدية- على الإنتقال المتواصل بينهما كل في لقطة خاصّة. لكن بعد قليل نراه يفعل التالي في المونتاج: لقطة طويلة (نسبياً) للكاتب وهو يتحدّث (عن نفسه غالباً). يحذف غودار بعض الكادرات من اللقطة من دون أن يعمد الى إذابة الرجفة الناتجة عن ذلك الحذف. من يشاهد اللقطة سيلاحظ أن المخرج ألغى كادرات وها هو يقول للمشاهد أنني ألغيتها. يترك اللقطة تتحوّل الى فقرات وكل فقرة تبدأ وتنتهي بهزّة او نطّة صغيرة. هذا عاد اليه غودار من جديد في أكثر من فيلم لاحق وتقديمه في "نفس مقطوع" إيحاء بلازمة يحافظ عليها، كما عنصر لعب على معالجة المشهد ضمن ما لم يتوقّعه الجمهور آنذاك٠

أميركا دائماً مذكورة في أفلام غودار٠
كما تقدّم هنا ميشيل معجب بالسيارات الفارهة (أنا كذلك) ومعجب بالأفلام الأميركية. نراه يقف عند فيلمين معروضان في صالتين. الأول
Ten Seconds of Hell  عشر ثوان من الجحيم
وهو فيلم حربي أنجزه روبرت ألدريتش قبل عام على إنجاز غودار لهذا الفيلم من بطولة جاك بالانس وجف The Harder They Fall  والثاني هو
مع همفري بوغارت ورود شتايغر حققه مارك روبسون قبل أربع سنوات من إنجاز هذا  الفيلم٠
لا دلالات كبيرة هنا باستثناء أن غودار وتروفو وكلود شابرول كانوا معجبين جدّاً بروبرت ألدريتش، وأن الفيلم الثاني من بطولة همفري بوغارت. وميشيل، بطل "نفس مقطوع" معجب جدّاً ببوغارت ويرى نفسه هو ويعيش عالمه الخيالي الذي لا يستطيع تحقيقه والمؤلّف من خشونة بوغارت وسيغارته وقبّعته وتلك الحركة التي كان بوغارت يقوم بها في بعض أفلامه: يمر بأصبعه على شفته العليا ماسحاً ما ليس هناك٠
Gun Crazy غودار لا يذكر هنا كل التأثيرات التي في باله. ماذا عن فيلم
الذي أنجزه قبل عشر سنوات من تاريخ هذا الفيلم (أي سنة 1950) المخرج الأميركي الممتاز المغلّف بالنسيان جوزف هـ لويس؟ لم أسأل عن أي فيلم بل عن فيلم يحمل في موضوعه قصّة مشابهة: رجل وإمرأة يلتقيان. هو معجب مدمن على المسدّسات وهي معجبة مدمنة على المال. كلاهما يدمجان هذا الإعجاب بعمليات سطو: المرأة كما الحال هنا تكون سبباً في القضاء على الرجل. أيضاً يجب أن أذكر أن "غن كرايزي" ليس فيلماً متصالح مع النمط التقليدي في السرد. يوماً ما سأحاول ردّ الإعتبار لجوزف هـ لويس هذا٠
في النهاية هنا، تكون هي سبب القضاء عليه. كان يستطيع أن يهرب. لقد وافق صديقه على لقائه لدفع المبلغ الذي استدانه منه. لكن ميشيل (الذي يحمل إسماً آخر هو لازلو كوفاكش- أنظر بعد قليل) لكنه آثر البقاء لجانبها. قبل انقضاء  الليلة الأخيرة (لا مشاهد حب في الفيلم بل شعور به) تقول باتريشا له أنها حائرة في أمر ما. في صبيحة اليوم التالي، إذا كنا لم نعرف بعد ما هو الأمر الذي يحيّرها، تتّجه الى مقهى. تطلب ويسكي أوّلاً. "ليس لدينا ويسكي". تطلب قهوة. تأخذ التلفون القريب وتطلب التحري الذي كان قابلها واعطاها بطاقته. تخبره أين هو ميشيل الآن٠
٠"المخبر مخبر" كان ميشيل قال لها قبل نصف ساعة في الفيلم (نشاهد جان-لوك غودار نفسه في دور قصير كرجل تعرّف على ميشيل وهرع حاملاً الصحيفة التي نشرت صورته الى رجلي بوليس) وهي تعود الى مخبأه (ستديو تصوير فوتوغرافي) وتعترف له بما فعلت. لا يستعجل الهرب. مثل بطل "الجزائر"  [جون كروموَل- 1938] يعرف أن هذه المرأة هي نهايته، لكنه مستجيب لتلك النهاية: "دائماً ما كان عندي اهتمام بالفتيات اللواتي لا يصلحن لي"، قال لها قبل ذلك٠
يخرج ميشيل الى الشارع. صديقه يصل. يعطيه مسدّساً يدافع به عن نفسه. يرفضه. يرمي له الصديق المسدّس عبر الشارع وينطلق بالسيارة. يلتقط ميشيل المسدس. يطلق البوليس النار على ميشيل. ميشيل يركض مبتعداً مصاباً في ظهره الكاميرا تتركه يمضي بعيداً عنها قبل أن تلاحقه قليلاً. يسقط أرضاً. تركض ميشيل إليه. لم تتوقّع نهاية عنيفة. ينظر إليها ويقول
you are a scumbag  انت زبالة
عبارة مهمّة لأن ميشيل وهو ينازع لا يبدو عليه الغضب. ما يعنيه هو (في إعتقادي لكني أقبل قراءة مختلفة هنا) هو ذلك الحلم الأميركي الذي كان يعيشه كونها أميركية وكون ما يحبّه في الحياة لجانبها (السيارات والأفلام وهمفري بوغارت) أميركيون أيضاً٠

الآن جزء من عالم ميشيل أسمه. الإسم الذي يتعامل به هو ميشيل بياكار. لكنه يذكر أيضاً أنه معروف بإسم لازلو كوفاكش. ولازلو كوفاكش  مدير تصوير مات سنة 2007 عن 74 سنة وكان وُلد في المجر سنة 1933. لكن لماذا كوفاكش؟  سؤال مهم لأن كوفاكش كان صوّر بضعة أفلام فقط في المجر في مطلع الستينات، ولم يصوّر فيلماً أميركياً الا مع منتصف الستينات أي بعد وليس قبل قيام غودار بتصوير فيلمه هذا الذي صوّره واحد من روّاد سينما المؤلّف وهو راوول كوتار٠
هناك ملامح سينمائية ومراجع عديدة. إسم لينين مذكور (عبر عبارة: "نحن موتى في إجازة") ثم نسمع صوت جين تييرني في فيلم أوتو برمنجر
Whirlpool   الدوّامة 
Whirlpool  صوت جين تييرني في فيلم أوتو برمنجر (1949) : الدوّامة
وبإسم فيلم "وستباوند" للرائع بد بوويتيكر ( 1959)٠
ميشيل الذي يقتل الشرطي ويسرق صديقة سابقة ويضرب رجلاً في الحمّام ليسرق ماله، هو ميشيل نفسه الطيّب الجذّاب والفكه والذي يحب سماع موتزار (موتزار هو عضو دائم في أفلام غودار أيضاً)  وهو المحرّك الدافع (تخيّل محرّك سيارة) لشخصيات غودار في كل مرّة أراد تقديم شخصية فرنسي لديه مرجعية فكرية يقارن بها الواقع والسياسة وبعض التاريخ. إنه هو٠
أخيراً الى القاريء الذي لم يمل بعد ووصل الى هذه الخاتمة
هناك عدّة لقطات لعدة شخصيات تقرأ الصحف. أولاها لقطة لميشيل/ بلموندو نفسه. لاحظ أنه في كل مرّة الصفحة المقابلة للكاميرا، هي صفحة "كوميكس". لا نعرف ما يقرأونه لأن الصفحة التي تواجههم غير ظاهرة لنا (ولا يعمد غودار لكشفها بلقطة خاصّة). لاحظ أيضاً الخطأ التالي: في مطلع الفيلم ميشيل يقرأ في صحيفة والصورة المواجهة للكاميرا هي صفحة كوميكس. بعد قليل يطوي ميشيل الصحيفة ليتحرّك من مكانه. انتهت اللقطة المتوسّطة له. لقطة جانبية بعيدة- متوسّطة له وهو يطوي الصحيفة مرّة أخرى٠

2
غودار في آخر أفلامه 

          فيلم اشتراكية:  الآمال الخائبة وأوروبا المحتضرة ومنابع الانسانية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  إبراهيم العريس ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ
هذه مقالة  معجبة للزميل ابراهيم العريس حول
فيلم غودار الأخير "إشتراكية فيلم" سبق لها
وأن نُشرت قبل نحو أسبوع في "الحياة"٠
في العدد المقبل قراءة للناقد صلاح سرميني حول
سينما هذا المخرج الفرنسي الخاص٠


هناك موقفان في التعامل مع أفلام جان - لوك غودار الأخيرة، وعلى الأقل منذ «موزار الى الأبد»، وصولاً الى «فيلم اشتراكية» الذي عرض في آن واحد تقريباً، قبل أسبوعين، في تظاهرة «نظرة ما» في «كان» على الانترنت، كما في الصالات: نظرة استعلائية تفترض أن الإعلان عن مناصرة هذه الأفلام نوع من التميز والخروج من صفوف عباد الله البسطاء الصالحين الذين قد لا يفهمون هذه الأفلام وبالتالي لا يستسيغونها، ونظرة استعلائية أخرى تفترض أن الإعلان عن موقف سلبي حاد من هذه الأفلام نوع من التميز المضاد يطاول هذه المرة محبي أفلام غودار على أساس أن صاحب الموقف يتجاوزهم. والنظرتان حمقاوان على قدم المساواة. وذلك بالتحديد لأن سينما غودار ليست من نوع السينما التي تطرح لتناصَر، أو لتُعادى، أو على الأقل لا ينظر اليها صاحبها على هذا النحو. وغودار لم ينظر على هذا النحو الى سينماه منذ بداياته قبل ستين سنة، حين كان مع «على آخر رمق» من مؤسسي الموجة الجديدة الفرنسية. كذلك فإن غودار لا يعتبر سينماه استفزازية كما يحلو للبعض أن يرى٠

نعي لأوروبا
بالأحرى هو ينظر الى كل فيلم من أفلامه كما ينظر الشاعر الى قصيدته أو الرسام الى لوحته: عمل ابداعي يقول رؤية الى الذات وإلى العالم في لغة يجب أن تكون دائماً متجاوزة، جديدة مرتبطة بالعصر. ومن هنا أكثر من أي لقب آخر يمكن أن يعطى له، يصح أن يلقب غودار بـ «شاعر السينما». وما فيلمه الجديد «فيلم اشتراكية» سوى تأكيد جديد على هذا. حتى وإن كان عنوان الفيلم، كما عناوين معظم أفلام غودار، يغشّ وبالكاد يشي بما في الفيلم. أما ما في «فيلم اشتراكية» فإنما هو قبل أي شيء آخر نعي لأوروبا. أوروبا التي لم تفِ بوعودها. ولا سيما تجاه المتوسط و... فلسطين. غير أن هذا النعي انما يأتي نعياً موسيقياً» إذ ان الفيلم بأكمله أتى «كسيمفونية في ثلاث حركات». وهي ثلاث حركات لا يبدو، من وجهة نظر منطقية ان ثمة « رابطاً واضحاً في ما بينها. مهما يكن، من يبحث عن رابط سيبدو وكأنه نسي انه هنا أمام فيلم لغودار. والأقسام الثلاث، أو بالأحرى الحركات الثلاثة لها عناوين محددة: «أشياء مثل هذه» و «كوفاديس أوروبا» وأخيراً «انسانياتنا». في الحركة الأولى والثالثة رحلة متوسطية: الأولى في المكان والثانية في الزمان. أما الحركة الثانية فتدور في كاراج تقيم فيه أسرة صاحب محطة وقود في الجنوب الفرنسي. وخاصية هذه الأسرة التي تبرر هنا شغلها الحركة الثانية من السيمفونية، هي ان ولديها مرشحان للمجلس البلدي، ما يدفع محطة التلفزة المحلية التابعة لـ «القناة الثالثة» الى تصوير تحقيق مع العائلة وحولها، ولا سيما مع الفتى ابن العائلة، الذي لا يتوقف عن الكلام، إلا حين يقلد قائد أوركسترا...

إذاً في منطقة السافوا، تدور هذه الحركة من دون أي تسلسل منطقي. فالمشاهد هنا تتتابع عن الشخصيات وبينها، عن الفتاة الصبية وعن حيوان لاما من الصعب تصور أسباب وجوده هنا، وعن حمار أليف مرتبط بمغارة الميلاد... والخلاصة هنا خبر يعلمنا اياه الفيلم: اليوم إذ صار الأنذال صادقين، صار للأطفال فرصتهم. ومجلس الدولة الذي لم يصادق على الانتخابات  في المئة من الأصوات. وإزاء هذا الخبر يجد المرء نفسه 93الأولى للمجلس البلدي، يجد نفسه أمام الابن والإبنة وقد حازا متسائلاً: إذاً لماذا يحضر كتاب «الأوهام الضائعة» لبلزاك كل هذا الحضور؟

هذا القسم، بالسؤال الذي ينتهي اليه، مؤطر في شكل واضح بالرحلتين اللتين ذكرناهما. في الأولى لدينا مجموعة من أهل المجتمع ومن الأفراد ومن النصابين والفنانين (مثل باتي سميت) والمفكرين (مثل آلان باديو فيلسوف ما بعد الماركسية) والاقتصاديين، يقومون معاً بجولة بحرية في مدن متوسطية. يأكلون يشربون يغامرون يلعبون يثرثرون، يشاهدون نقلاً لمباريات كرة قدم، يقدّسون، كما يجب على سطح مياه المتوسط التي صورتها كاميرا غودار، الديجتال أحياناً، بل حتى كاميرا المحمول في أحيان أخرى، في شكل ندر تصويره في السينما. وهنا أيضاً، كما في خاتمة الحركة الثانية، سؤال - بين أسئلة أخرى - يلح على غودار وعلى الفيلم: عندما خرج الاحتلال البريطاني من فلسطين، أين اختفى الذهب الذي كان في بنك فلسطين؟ وهذا سؤال يربطه غودار بسؤال مشابه، انما جوابه معروف في شكل أفضل، حول ذهب الجمهوريين الإسبان الذي نقل الى موسكو، فضاع نصفه في الطريق... وهنا لا يفوتنا أن نربط هذين السؤالين بمسألة مطالبة اسرائيل بمقتنيات يهود المانيا التي أودعت في مصارف سويسرا خلال الحرب العالمية الثانية.

الفيلم الوصية

مثل هذه الأسئلة والاستطرادات تشكل صلب هذا الفيلم، الذي جعل للغة المطبوعة دوراً أساسياً في مشاهده. بل ان الترجمة الإنكليزية للعبارات المنطوقة جاءت شديدة الخصوصية، متقشفة ناقصة لتشكل جزءاً من منطق الفيلم كله - وغرابته بالنسبة الى كثر خيّل اليهم ان في الأمر خطأ في انجاز النسخة المعروضة -. على تفكير هؤلاء كان الجواب بسيطاً: نحن هنا أمام فيلم لغودار. وفيلم لغودار هو فيلم لغودار. وفي هذا الفيلم الجديد لغودار، كان من الواضح أن غودار يتصرف ويصوّر وكأنه في لعبة تمرين دائم على السينما، على المونتاج، على الحوار، على السياسة... ثم لاحقاً على التاريخ. وفي لعبة مثل هذه، يعطي المخرج نفسه الحق في التصرف كما يشاء. يعطي نفسه الحق في أن يكون منطق فيلمه من داخل الفيلم لا من خارجه، بمعنى انه لا يمكن التعامل مع هذا الفيلم كما يتم التعامل مع الأفلام الأخرى مهما كانت طليعية. ومن هنا حين يطرح سؤال، من قبل الصوت الآتي من خارج الشاشة، أو من شخص على الشاشة، أو كتابة على هذه الشاشة، لا يعود مهماً انتظار اجابة عليه. ذلك ان لسؤال من هذا النوع لدى غودار، أهميته في طرحه. وكذلك حال تلك الشظايا الصغيرة من الحروف أو الدلالات أو الاستطرادات التي يحتاج الدخول فيها (فهمها إذا شئتم!!)، إدراكاً للمرجعيات التي تكمن في خلفيتها. وينطبق هذا في شكل خاص على الحركة» الثالثة، التي هي بدورها عبارة عن رحلة، لكنها رحلة في الزمان هذه المرة، ومن دون أن يتوضح ما إذا كانت « استطراداً للرحلة الأولى أو جواباً عليها، أو تنويعاً٠

هذه الحركة هي عبارة عن زيارة - سياحية في نهاية الأمر، ولكن سياحية من نوع شديد الخصوصية - للأماكن الستة» التي إذ يعطيها غودار عنواناً عاماً هو «انسانياتنا»، يستطرد انها معاً، أماكن «الأسطورة» وأماكن التاريخ: مصر وفلسطين، أوديسا على البحر الأسود)، و «هيلاس» (اليونان) ونابولي وبرشلونة. ولكيلا تبدو الزيارة مجرد سياحة، يأتي هنا سؤال اضافي ( لغودار: ان التراجيديا والديموقراطية ولدتا معاً في أثينا، فلماذا لم تعطيا حين اجتمعتا سوى الحرب الأهلية؟ في النهاية يأتي جواب غودار فصيحاً في عدم فصاحته: "لا تعليق".  ولكن قبل ذلك، يكون الفيلم قد قام بجولته المتفاوتة الطول بين مكان لإنسانيتنا وآخر: يمر عند شاطئ فلسطين لتظهر على الشاشة عبارة مستقاة من الكومبيوتر «لا يمكن الدخول هنا»٠

في منطق الفيلم تبدو هذه العبارة القصيرة أفصح ما في هذا الفيلم - وفي المقابل تبدو المشاهد الطويلة التي يصورها غودار في أوديسا، وعند الميناء نفسه والدرج الشهير الذي صور فيه ايزنشتاين قبل نحو عقد فيلمه الأشهر «الدارعة بوتمكين». بل ان الفيلم الغوداري يستعير لقطات عدة من فيلم ايزنشتاين، ليس لتوضيح فكرة أو لإبداء رأي وإنما لخلق عدوى ورابطة، تعول على ما هو مسكوت عنه في التاريخ. هذا التاريخ الذي - ومن دون أن يقول الفيلم هذا بصراحة - يبدو في صراع مع الجغرافيا: كما أشرنا الرحلة الأولى تمثل الجغرافيا، فيما الثانية تمثل التاريخ. أما ما بينهما فسؤال نعي لأوروبا... هذه الأوروبا التي ربما تقوم كارثتها الكبرى في أنها - كما يقول غودار - حين تحررت بعد الحرب العالمية الثانية، رضيت أن تسلم قيادها، أي أن تهدي حريتها، الى أميركا... فيما تقوم خطيئتها الكبرى في أنها ذات يوم وحين دعت الحاجة، لم تقم بواجبها تجاه فلسطين!

وبقي هنا أن نذكر أخيراً، أن جان - لوك غودار أعلن بعد انجازه «فيلم اشتراكية» انه سيكون فيلمه الأخير... والحال أن هذا لا يعني أقل من أن هذا الفيلم انما هو وصية غودار السينمائية، ولكن أيضاً السياسية والجمالية الأخيرة. قد يكون هذا مقبولاً، ولا سيما إذ يشاهد الفيلم انطلاقاً منه، ولكن في المقابل، ان نظرنا الى «فيلم اشتراكية» من دون التوقف عنده، ونسينا ان مخرجه يقترب حثيثاً من الثمانين من عمره، سنحسنا أمام فيلم عابق بالشباب، بالمغامرة الجمالية، بالتقنيات الجديدة وبالتجريب، وبأحوال العالم الراهن، أكثر من أي فيلم آخر حققه مبدع هذه السنوات الأخيرة٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular