أوراق ناقد

وصلتني رسالة شكر من الممثل البريطاني الشاب جيمس كوردون يقول فيها: "قد تكون المرّة الوحيدة التي سأكتب بها حول هذا الموضوع". والموضوع هو دوره في فيلم Into the Woods لجانب ميريل ستريب وكريستين بارانسكي وإميلي بلنت وآنا كندريك. الشكر لكون "جمعية هوليوود للمراسلين الأجانب" وضعته على قمّـة ترشيحاتها لنيل الغولدن غلوبز المقبل: "شاهدت حفلات الغولدن غلوبز من لندن حيث عشت واستمتعت بالمشاهدة وتمنيّـت يوماً أن أقف على المنصّـة لاستلم هذه الجائزة".


Jun 17, 2010

سينما بيلا تار - الجزء الثاني

YEAR 4 | ISSUE 519
 إضافات اليوم: المفكّرة/ لديك بريد جديد٠

قصة غلاف


EYES OF WAR
باشرت صالات فرنسية عرض فيلم المخرج البوسني دنيس تانوفيتش "عيون الحرب" قبل بضعة أيام وسط فتور نقدي ملحوظ. المخرج هو الذي نال أوسكار أفضل فيلم أجنبي عن فيلمه السابق "أرض لا أحد"٠
الذي تناول فيه الحرب الأهلية بين البونسيين والصرب من خلال شخصيات تجد No Man's Land
نفسها في منطقة تتوسّط الجانبين. أما فيلمه الجديد فيدور داخل حرب أخرى (أطرافها عرب وأكراد) وتبحث في قصّة مصوّر فوتوغرافي (الأيرلندي كولين فارل) يعود الى وطنه جريحاً ليكتشف أن زميله الذي شاركه الرحلة الى أرض الصراع تخلّف عن العودة واختفى، ما سيستوجب على المصوّر العودة الى هناك بحثاً عنه. هذا الفيلم شهد عروضه الأولى في إطار مهرجان تورنتو الدولي في العام الماضي وعروضه العربية الأولى (والوحيدة للآن؟) في الكويت خلال الشهر الثاني من هذا العام٠


المفكرة
رحيل |  واحدة من الحفلات القليلة التي سنحت لي فرصة حضورها خلال مهرجان "كان" الأخير كانت حفلة  أقامتها الهيئة العامّة للثقافة والتراث في أبو ظبي ودعت فيها جمع غفير من السينمائيين والإعلاميين٠ أحد هؤلاء الحاضرين كان الناقد الأميركي بيتر برونَت. صديق وزميل مهنة من جيل سبقني الى السينما والحياة (66 سنة) مارس الكتابة في السينما أكاديمياً ونقدياً طوال عقدين على الأقل ومات يوم الثلاثاء الماضي خلال حضوره مهرجان تاورمينا. سقط بالسكتة القلبية٠ 
لم أكن أعلم أن تلك الساعة او نحوها التي قضيناها نتحدّث حول شؤون السينما ستكون الأخيرة بيننا. شاركنا فيها الزميل زياد عبدالله الذي لم يكن يعرفه قبل هذه المناسبة. تحدّثت وبيتر حول كتاب أزمع إصداره بالإنكليزية وعرضت عليه أن نشتغل عليه معاً. رحّب كثيراً بالفكرة وكان من المفترض أن نبدأ تواصلنا بعد عودته من تاورمينا٠
بيتر كتب في مجلة "سكرين إنترناشنال" لبضع سنوات واستقال منها ليكتب في مجلة "ذ هوليوود ريبورتر" وهو كان شخصاً معتدلاً رغم إبحاره المعرفي في السينما ويؤاثر الأفلام ذات الرؤى الواضحة. حيال الثقافات الأخرى كان منفتحاً تماماً وككثير من نقاد السينما الغربيين اليوم، ينظر الى الوضع السياسي في العالم العربي على غير ما تنظر اليه المحافل السياسية الرسمية. كان يتحدث لكي يعرف أوّلاً، ثم لكي يطلق رأيه بعد ذلك وهذه صفة نادرة اليوم. وكان أحد الأجانب القليلين الذين لم يمنعهم خوف ما بعد كارثة نيويورك سنة 2001 من التواصل مع الآخر ومعرفة حقيقة ما حدث ولماذا٠
ورقة أخرى من شجرة الحياة تقع. وداعا بيتر٠

تجربة فيلم | في تلك الحفلة تعرّضت لحادثة لن تبارح بالي. هناك موظّف هندي أسمه راج يعمل في شركة قطرية خاصّة أسمها "النور" كان جاء مع رئيس تلك الشركة الى هوليوود قبل عشرة أشهر او نحوها. استلمت مكالمة تدعوني لاجتماع وذهبت اليه فعلاً حيث جلست معهما بحضور الصديق الموزّع والمنتج السينمائي طلعت قبطان. فاتحني رئيس الشركة بأنه يود إنتاج فيلم عالمي عن رسولنا محمد صلى الله عليه وسلّم وسألني رأيي. قلت له متحدّثاً بالإنكليزية  بسبب أن راج لا يعرف العربية، أن الفكرة في وقتها خصوصاً وأن الرد العربي، إعلامياً وثقافياً على التشويه الحاصل للمسلمين، خجول ومرتبك. أعجبه، كما اعتقدت مجمل الحديث وسألني كيف يمكن لي أن أعمل على هذا المشروع. قلت له أنه بصرف النظر عن حجم الفيلم (خمسين مليون دولار وما فوق كما اتضح لاحقاً) ودوليّته هو بحاجة لمن يضع الأسس: تريد كاتباً مسلماً يعرف عن هذا الموضوع وله في الوقت ذاته دراية في الطريقة التي يمكن توجيهه للجمهور الغربي. هز برأسه موافقاً وسألني إذا ما كنت سأحضر مهرجان الدوحة. قلت نعم واتفقنا على أن نلتقي في الدوحة للإتفاق٠

ذكرت ما سبق لراج في لقائنا المفاجيء في حفلة أبو ظبي، وقد تسألني لماذا تذكر ذلك له وهو كان حاضراً أساساً. أقول: أصبر عليّ قليلاً. ذكرت له ما حدث بعد ذلك أيضاً- رغم أنه كان حاضراً. قلت:  في الدوحة بدأ المهرجان وأقامت المؤسسة مؤتمراً صحافياً حضرته أعلن فيه رئيس المؤسسة رسمياً البدء بإنتاج الفيلم وقدم المنتج الأميركي باري أوسبورن (الذي كنت جلست وإياه) على أنه هو من سيقوم بإنتاج الفيلم.  وباري أوسبورن (الصورة)  خبرة لا يُستهان بها في الواقع، يكفيه أنه أنجز ثلاثية "سيد الخواتم"  من قبل. وهو توجّه الى الحاضرين بدوره بكلمة خبّص فيها قليلاً لكنه أظهر نيّة طيّبة٠
طلبت موعداً مع رئيس المؤسسة فجاء الرد بتحديد موعد بعد ظهر اليوم ذاته، لكن اتصالاً لاحقاً ألغاه. تم تعيين موعد بعد يومين، لكن السيارة التي كان يجب أن تقلّني الى مكتب الرئيس من الفندق الذي كنت أنزل فيه لم تصل. كان مهرجان الدوحة، صاحب الدعوة التي من أجلها جئت، قصير المدّة (خمسة أيام) ما جعلني أتصل براج هذا وأقول له: يجب حل هذا الموضوع. أنا لا أصر على اللقاء او على العمل، لكن  إذا رغبتم بوجودي، فعليكم تمديد إقامتي على حساب الشركة. وافق راج واستلمت مكالمة هاتفية من الرئيس يعتذر فيها عما حدث ثم قابلته صدفة في الفندق نفسه واعتذر مجدداً وأخبرني أنه أمر بتمديد الإقامة لثلاثة او أربعة  أيام وأنه سيلتقيني غدا او بعد غد٠
غادر المدعوون الذين جاؤوا للمهرجان واحداً إثر الآخر.... محمد خان وليلى علوي ويسرا وعادل إمام ومنى واصف وسواهم ممن كنت التقي بهم في الردهة ونتجالس وبقيت وحدي. لا بأس. ثم مرّ اليوم الأول والثاني والثالث. في الرابع حزمت حقيبتي وتوجّهت الى المطار وعدت أدراجي سالماً٠

الآن. السبب الذي من أجله كنت أذكر هذه القصّة الى راج الذي كان ينظر اليّ متعجّباً هو أنني نسيت تماماً من هو واستجبت لسؤال منه حول ما إذا اتصل بي أحد من قبل الشركة في الأسابيع الأخيرة. قلت لا وعدت الى الوراء في تلك الرحلة غير مدرك أن هذا الرجل- الذي اعتقدته شخصاً آخر- كان شاهداً على كل ما جرى. كنت اتساءل بيني وبين نفسي وأنا أروي له ما حدث عن سر تلك النظرة المتعجّبة التي يرميها اليّ، كما لو كان يتساءل عن السبب الذي أذكر له وقائع يعرفها. فجأة يتقدّم منه شخص ويحييه ويناديه بإسمه راج. وهنا فقط أدركت الحقيقة وعرفت سبب دهشته. لكن كيف سأبرر أنني رويت قصّة طويلة من دون سبب؟ حين انتهى حديث راج الجانبي بادرته رافعاً يدي في الهواء : "لا أعرف لماذا أقص عليك كل هذه الحكاية .... أنت كنت هناك حاضراً وتعرف كل شيء"٠
بذلك لم أعترف أني نسيته تماماً وتركته في حيرة من أمري. يللا، على كل حال لن أستلم عملاً من تلك المؤسسة ولا أعرف ما الجديد في خطوات إنجاز هذا الفيلم. هل لا زال مطروحاً؟ هل قرر رئيس الشركة  أنه لا يود إسهاماً عربياً لصياغة فيلم  بمثل هذه الأهمية  اسلامياً وتاريخياً وثقافياً؟ هل اعتبر أن الأجانب  يفهمون أكثر من العرب؟ او أن العربي لا يمكن أن يفعل شيئاً ذا مستوى؟ إذا كان يعتقد ذلك فهو ليس الوحيد على أي حال ... شؤوننا السينمائية تُدار اليوم من قِبل أجانب في أكثر من مكان. دعونا نرى إذا كان ذلك مفيداً فعلاً لها٠

لديك بريد

أبدأ برسالة على الإيمايل من المخرج الكويتي الشاب مقداد الكوت  يقول فيها

تحية لك أستاذ محمد،

أنا أعرف أنك موضوع أسماء الأفلام في مدونك قد تم طرحه في مدونتك أكثر من مرة، وكان جوابك هو بأن عدم إستخدامك للأحرف اللاتينية هو أمر تقني يتعلق بالنص الإلكتروني ولخبطته عدما تتحول من العربية الى الإنجليزية وهكذا، ولكني أجد صعوبة كبيرة في التركيز وقراءة أسماء الأفلام بترجمة عربية، حيث انها تعيق قرائتي أحيانا عندما أقف لدقائق محاولا ترجمتها مرة أخرى الى الإنجليزية. عموما انا لدي إقتراح أعتقد أنه سيسهل الأمور على أناس مثلي، ألا وهو أن تكتب أسم الفيلم الإنجليزي بالأحرف العربية بعد كتابة اسم الفيلم، على سبيل المثال... قد توج فيلم كلاب المستودع أو ريسفوار دوجز
هو مجرد إقتراح وفكرة فقط لا غير، ويعطيك العافية على المدونتين

جواب | شكرا يا عزيزي مقداد لاقتراحك وربما لاحظت أنني أصر الآن أكثر من أي وقت مضى على وضع العنوان الأصلي ولو علي سطر بمفرده. بالنسبة لكتابة العنوان بأحرف عربية هناك بعض العناوين ستبدو نافرة وأخرى مناسبة "هالووين"  او "بيرل هاربور" او "كريسماس كارول" او "دستريك ناين" أوكي، لكن شيء مثل "هاو أي ستوبت ووريينغ أند لفد ذ بومب" لا يبدو مناسباً. شكراً مرّة أخرى لاقتراحك وسأعمل به في حدوده المعقولة

نشرت للأخ موريس خليفي رسالته بالأمس حول  رأيه في التجديد، لكنه في باقي رسالته (التي وصلت للعدد 517) تتناول الدراسة النقدية عن سينما بيلا تار وفيلم جان-لوك غودار "نفس مقطوع" ويقول فيها
أشكرك بالغ الشكر على تسليط الضوء على مخرج لم أكن أعرف عنه شيئاً رغم أني اعتبر نفسي ملماً هو بيلا تار وسأسعى بكل تأكيد على مشاهدة الأفلام التي تتناولها له. ايضا اشكرك جدا على هذا النقد الجيد لفيلم جان-لوك غودار الأول
خصوصاً وأنه من أحب أفلامي اليّ منذ أن شاهدته خلال دراستي في باريس سنة ١٩٩٠ A bout de souffle
وأريد الآن مشاهدته من جديد واريد ان اصارحك باني كنت اهوى التمثيل وسميت نفسي موريس شوفالييه نسبة الى الممثل المعروف. ولكن لم الاحظ ان بلموندو ذكره كما تقول في الفيلم. مرة ثانية شكرا لك على هذا الجهد المبذول لمحبي السينما٠
 جواب  | لا داعي لشكري يا عزيزي موريس شوفالييه. بودّي أن أعرف لماذا أقلعت عن الرغبة في التمثيل؟

وتعليقاً على موضوع غودار أيضا الأخ سعيد المزواري من المغرب لديه تصويب
شكرا الأستاذ محمد على المقالات الرائعة، فقط أود إبداء ملاحظة حول ما ذكرته في آخر المقال عن فيلم كودار
أعتقد أن الأمر لا يتعلق بخطأ بل بإختيار فني مقصود من طرف المخرج A bout de souffle
أثناء المونتاج (هناك عشرات من عيوب الإستمرارية بالفيلم او ما يصطلح عليها بالفرنسية
وهي من الأمور المجددة التي صنعت من هذا الفيلم علامة فارقة في تاريخ faux raccords
السينما. تحيّاتي٠

جواب | آخذ كلامك عن ثقة ولو أنه ليس في الفيلم ما يؤكد أن هذا "الخطأ" مقصود او غير مقصود. لكن طبعاً يجوز جدّاً أنه مقصود٠ شكراً لتعليقك٠

 والأخ عبد الله العيبان من الكويت  كتب

 لا أفهم كيف تستمتع بأفلام بيلا تار ؟ أبيض وأسود ولقطات ثابته ، هل تراك تشاهده عبر التقديم السريع للشريط فتشاهد السبع ساعت أقل؟ كان الأجدر تناول سينما جان لوك قودار في عدد منفصل عن بيلا تار حتى لا نحتار بهذا الملل ..عذرا!
ماهي الصفة المشتركة بين تار وقودار ،،، صنع أفلام يشاهدها فقط المنظرين الكبار !
الكاميرا مشتقه من كلمة قمرة ! وكتاب الحسن بن الهيثم عنوانه (المناظر) لا المرئيات وألف تحيه على زاوية علامات هذه

جواب |  كنت أريد أن أبعث الملل في القرّاء فكتبت عن المخرجين معاً ... كيف علمت؟ لكن النتيجة عكسية والحمد لله والمقالتان حصدا إعجاباً حسب الرسائل التي وردت (أقرأ الرسالة السابقة والرسالة التالية)٠ حين شاهدت فيلم بيلا تار "تانغو الشيطان" في مهرجان تورنتو طوال سبع ساعات و45 دقيقة لم تكن هناك وسيلة لتقديم العرض لأنه كان عرضاً سينمائياً. وبالطبع هناك كثيرون غادروا القاعة. كان الفيلم بدأ بنحو خمسين مشاهد (تسع الصالة نحو 150) وحين انتهى كان هناك إثنا عشر مرابطاً أنا -بكل فخر- بينهم. أنت تقرأ لي منذ زمن بعيد يا أخ عبد الله وتعرف أن الطول والألوان المستخدمة في الفيلم (أبيض أسود او لا) ليس الأمر الذي يقرر إذا ما كان الفيلم جيّداً أم لا. وصدّقني شاهدت في حياتي العديد من الأشرطة القصيرة التي مرّت عليّ كقطار بطيء. شكراً للتصحيح بالنسبة لكتاب الحسن بن الهيثم. هو فعلاً "المناظر" واعتقد أنني نسيت٠

على البريد الخاص الرسالة التالية من إبراهيم الشيخ
وجدت مقالتك عن سينما بيلا تار في غاية الروعة. وأنا مولع بالسينما واتابع ما يُنشر عنها في المواقع الإنكليزية والأميركية بحسب معرفتي اللغوية، وكنت قرأت مقالا في أحد المواقع عن هذا المخرج . ورغم انه كان مقالا حماسيا ومعجبا بالمخرج المجري الا انه كان موجزا ما جعلني اريد ان اعرف عنه المزيد. وهنا جاء دور المقال الذي كتبته وكم كان اعجابي به شديدا. وبالفعل مشاهدة الافلام والكتابة عنها ضروري خصوصا وان معضم من يكتب بالعربية يترجم عن المواقع الاجنبية لانه لا يري هذه الافلام. هذه قناعتي المؤكدة. سلمت يداك٠

جواب | ليس لدي تعليق على ما كتبت يا اخ ابراهيم سوى ما كتبته في العمود الجانبي عن وضع الكتابة السينمائية المزري في عالمنا العربي. لكن ما باليد حيلة سوى ان يستمر المخلصون منّا في عملهم وسيرى الله عملهم والمؤمنون٠

من الأخ محمود مخلص من مصر طلب عزيز وهو مراعاة تكبير الخط بمناسبة التجديد وقد قمت بذلك فعلاً يا أخ محمود أرجو أن يكون ذلك قد نال رضاك٠
وهناك رد من أخ مجهول يرشده لكيفية تكبير الخط، لكني أعتقد أن الخط السابق كان صغيراً بعض الشيء علي أي حال٠

ومن الأخ العزيز عمر منجونة

أشكرك أستاذ محمد على الكلام عن بيلا تار فهو يستحق أن يعرف لدى الكثير من المتابعين العرب..بالنسبة لي فاكتشافي لهذا الأديب السينمائي العظيم كان بمثابة كنزا حقيقيا..أعماله مرتبطه في ذهني بما رأيته لتاركوفسي حتى الآن..هناك ذلك المشهد من فيلم (تناغمات فيركمايستر) حين ذهب يانوس لمشاهدة الحوت أول مرة..حركة وجوه الناس وحدها تنبئ بالكثير.بل أقسم أن مشهد كهذا لو طال ضعف زمنه لما شعرت  بأدني ملل في تكراره ومتابعته فكل وجه من هؤلاء الواقفين في الساحة يحتاج الى دقيقة لتأمله. تحياتي مرة أخرى أستاذ محمد و في انتظار باقي الحديث عن بيلا تار٠

جواب |  هناك مخرجون كبار آخرين، بعضهم حقق أفلاماً قليلة جدّاً لا تتناولهم الأقلام العربية. بل هناك آخرين أنجزوا أفلاماً جيدة كثيرة لا يعرف عنها معظم النقاد (او بالأحرى معظم من يكتبون مواد تشبه النقد هذه الأيام) أي شيء عنهم كما لو أنه ليس لهم وجود. لكن بالطبع بيلا تار (الذي لم يكتب عنه كُثُر من قبل) نموذج واضح لهذا التقصير. آمل أن تكون تعجبك باقي الحلقات أيضاً٠




سينما وأفلام الوِحدة .... بيلا تار - الجزء الثاني
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا


فيلم بيلا تار الروائي الرابع "روزنامة خريفية"، الذي انهيت به الحلقة السابقة (العدد 517) اختلف عن الأفلام السابقة في كون المخرج اهتم، أكثر من ذي قبل بالشكل الفني لما يسرده٠
في العدد الخامس من "كتاب السينما" الذي نُشر سنة 2004 ذكرت في معرض دراسة كتبتها آنذاك، وأتوسّع في بعض أنحائها هنا، ما يلي: "تقويم الخريف" يذكر، خصوصاً في دقائقه العشرين الأخيرة، بأكثر من فيلم لإنغمار برغمن (أقربها "عاطفة آنا") حيث النهاية هي حصيلة تلك المراقبة المستمرة من المخرج لشخصياته وما يعتريها من غضب وحيرة وتداخل المنطلقات النفسية بين الشخصيات. في حين أن برغنم في "عاطفة آنا" ومعظم أفلامه من الستينات والسبعينات لديه طبيعة نائية تشترك في إيطال شخصياته الى قراراتها فإن ما لدى تار مدينة طاغية يمثلها البيت حيث الكاميرا تبدو كما لو أن لا مكان لها تقف فيه فتعتلي الجدران او تدخل تحت الأرض (لأحد المشاهد استبدل تار الأرض بلوح زجاجي وصوّر من تحته). بذلك يعكس البيت ارهاص الحياة وضغوطها والبيت يصبح المدينة، والمدينة تصبح العالم بأسره من دون لقطة عامّة واحدة خارج البيت ذاته، إنما لكون هذه الشخصيات لا تفهم من ذلك العالم الا الموقع الذي تعيش فيه"


هنا لابد أن أضيف، بعد المشاهدة الثانية قبل أسابيع، من أن بداية بيلا تار ذا اللقطة التي تؤلّف مشهداً طويلاً واحداً بدأت هنا. الكاميرا التي تتحرّك لتتأمّل وترصد وليس لكي تعرض فقط، بدأت هنا. الإلتزام بأسلوب يستبعد المونتاج لخلق الفعل الدرامي قدر الإمكان، بدأ أيضاً هنا٠
هذا الفيلم كان السينمائي الطويل الرابع (هناك الفيلم التلفزيوني "ماكبث" الذي ورد سنة 1982 أي قبل "روزنامة خريفية" بعامين إثنين. الفيلم الخامس "إدانة" ليس متوفّراً للمشاهدة حالياً، لكن موقع
يذكر في تلخيصه أنه مليء بالمطر والوحل وأنه بالأبيض والأسود وهذه بعض ملامح Imdb pro
فيلم تار اللاحق والأطول بين كل أعماله "تانغو الشيطان" (1994) الذي قبل الوصول إليه لابد من الإشارة الى أن بعض التطوّر الذي أصاب سينما تار في "روزنامة خريفية" مردّه العمل مع الكاتب لازلو كرازنهوركاي ومدير التصوير ميلاي فيغ. كلاهما انتقل للعمل معه على "تانغو الشيطان": التجربة السينمائية الفريدة في إطار السينما العالمية الى اليوم على أكثر من صعيد. كرازنهوركاي كان نشر السيناريو رواية أولاً في الثمانينات وبقيت عالقة في بال تار الى أن قدّمها في ذلك الفيلم٠



Satantango *****
مع مطلع ذلك الفيلم كاميرا ترقب دخول فوج من البقر وسط البلدة الصغيرة التي ستقع معظم الأحداث، ومعظم ساعات الفيلم القريبة من الثماني ساعات. الكاميرا تتحرك في "تراكينغ شوت" مواز لحركة البقر ولسرعتها البطيئة. هناك جدار قديم متآكل يقف حائلات دون مشاهدة البقر كونه يقع بينها وبين الكاميرا، لكن الكاميرا تستمر بالتحرك متمهلة لتلتقط بعد نحو دقيقة او أكثر البقر وقد عاود الظهور بعد نهاية الجدار٠
على الرغم من أن الكاميرا لا تلتقط من الحركة سوى البقر الا أن الجدار المتآكل نفسه، وبعض ما يبدو من البلدة يضعنا في مكان مهدوم. هناك مستنقع من الماء على طريق فيه حفر وما يبدو كما لو كان أشلاء عمارة. صوت كلب ينبح . صوت هدير غامض. صوت قطار بعيد٠
بالنسبة لمن يشاهد فيلماً لبيلا تار لأول مرّة (وشاهدت هذا الفيلم قبل مشاهدتي لباقي أفلامه) ليس مدخل الفيلم هو الغريب وحده، بل أيضاً الإيقاع المتهمل عن قصد جميل. لكن المقدّمة غريبة لأنها موحية بإيقاع الحياة في قرية مجرية في لحظة خاصّة من تاريخها. وهذه اللحظة لا يمكن عكسها غبر خلق أي إيقاع آخر. القرية انتهت قبل أن يبدأ الفيلم مشواره فيها وسنعرف أن أحد القلائل الذين بقوا فيها هو طبيب سكير آل على نفسه تسجيل وقائع ما قبل وما بعد موتها٠
كذلك هذه المقدّمة مسكونة بروح المكان. موحشة ويزيدها شعور الوحشة ذلك الصوت الهادر الذي استبدل المخرج الموسيقا به. المطر الهاطل وباقي الملاحظات التي أوردتها والملتقطة بكاميرا ساكنة تخشى أن تقدم على حركة تهز المسكون والموحش٠

-------------------------------
صور تار الموحشة هي مثل البلوز بالنسبة للموسيقا. هناك جمال رائع في هذا الجحيم تحتاج لأن تراه لكي تخشاه
-------------------------------
القصّة الشاسعة والمسرودة كلها بنفس الإيقاع وبغياب كامل للألوان ما يمنح الفيلم وحدة فنيّة رائعة، تدور في نطاقها الأول حول شخص كان قدّم نفسه لأهل البلدة على أساس أنه سيخلّصهم من الفقر والعوز والفشل الإداري الذي صاحب الفترة السابقة (الشيوعية من دون ذكر إسمها)٠ لكن هذا الشخص، وأسمه إرمياس (يصاحبه تابع أسمه بترينا) ليس سوى مخادع ينجح في سلب أهل البلدة ما كان بحوزتهم من مال. وإحدى القراءات المتوفّرة في الفيلم تقوم على أساس التقابل الموحى به بين شخصية إرمياس وبين شخصية المسيح. فإرمياس عائد من الموت. بكلمات أوضح، كانت البلدة تحدّثت عنه على أساس أنه مات، فإذا به يعود. قراءة ثانية متوفّرة وعلى ذات القدر من الإحتمال هو أن هذا الشخص هو الوعد بالحياة الرغيدة الذي لم يقع (الرأسمالية)٠
إرمياس سيختلط بسكان البلدة الذين يبدون مثل خفافيش الليل. الأماكن مقفرة (بما في ذلك الحانة التي تقع فيها الرقصة الطويلة التي تنتمي الى العنوان المجازي- إرمياس= الشيطان) والغابات رمادية. كل العالم في الحقيقة رمادي مثل رماد الفحم. لكن كل ذلك هو رسم إبداعي بالغ الجمال في الوقت ذاته، لأن الجمال ليس دائماً ما يبعث فيك البهجة والإنشراح، بل هو أيضاً ما يجعلك تراجع الذات وتواجه الواقع. صور تار الموحشة هي مثل البلوز بالنسبة للموسيقا. هناك جمال رائع في هذا الجحيم تحتاج لأن تراه لكي تخشاه٠


بين كل الأفلام التي وردت من أوروبا الشرقية معلقة على ما أصاب بلدانها من تغييرات بسبب تبدّل النظام، فإن "تانغو الشيطان" هو الوحيد الذي يسبر غور الشخصيات على نحو يجعلها هي الناطقة بلسان حال الوضع من دون الحاجة الى الوصف الشفهي او الى الحدث المحدد الذي يريد الدلالة من خلال المعالجة المباشرة لما كان عليه الوضع وما آل إليه، بصرف النظر عن موقع المخرج منه. القدرة على تصديق كل حركة ونبضة بفضل استخدام عناصر محدودة من أدوات العمل السينمائي إنجاز رائع بحد ذاته ويؤازر وسيلة المخرج في منح المشهد كل ما يحتاجه من وقت لكي يضفي كل ما فيه من قراءات بالطريقة والإيقاع ذاتيهما اللذان يعيشهما الناس٠
هناك ذلك المشهد الطويل جدّاً لشخصين يمشيان مسافة طويلة تحت المطر. يقطعان مسافة حقيقية في فترة حقيقة رغم أن المخرج كان يستطيع اختصار الأمر باللجوء الى تصوير أقل ومونتاج أسرع، لكن تار هنا، كما تار في باقي الفيلم، يقصد المعايشة المغرفة بكل لحظات الفيلم وأجوائه. إنه، كما قال لي في خلال واحدة من مقابلتين غير صحافيّتين معه، ما يهمّه هو حركة الناس "لأن حركة الناس هي حركة الحياة. لا تهمّني القصّة. يهمّني من فيها ومن فيها يصنعون إيقاعها ويعيشون أجواءها ولا أستطيع الا أن أكون أميناً لكل ذلك"٠
سألته عن النوافذ المغلقة في هذا الفيلم وفي فيلمه اللاحق "إيقاعات فركمايستر" قلت: في أفلامك تمر الشخصيات بشوارع على جانبيها نوافذ مغلقة دائماً. لا أحد يطل منها ولا يبدو أن هناك حياة وراءها. أجاب: "إذا أظهرت شخصيات في تلك البيوت عليّ أن أتحدّث عنها أيضاً". ربما هذه الإجابة أشمل وأعمق من مجرد ما توحي به من اختيار لتجنّب إطالة الفيلم. إنها دلالة على سعيه روي الفيلم عبر ممثليه وليس عبر القصّة أوّلاً. بالنسبة إليه. القصّة تتألّف مما يرويه الممثل بحضوره. بمشيته الطويلة تحت المطر. بدخوله الحانة والحديث طويلاً ثم الرقص طويلاً والشرب كثيراً. بملاحقة ممثل آخر يقطع المسافة بين أ وب بطولها قبل أن يصل. حين يصل يمكن معرفة الى أين اتجه ولماذا. تماماً كما لو كنّا نرقب شخصاً لا نعرفه وهو يمر بنا ثم يجتاز الشارع فنتابعه لنرى هل سيقف عند دكان الزهور او عند كشك السجائر او سيدخل البناية التي تتوسّطهما؟ كيف لنا أن نعرف؟
تار بذلك لا يسهّل مهمّة التمتّع بالفيلم بالنسبة لأولئك الذين ارتبطوا بالسرد القصصي للأحداث، وبين هؤلاء نقاد وجدوا فيلمه الأخير "رجل من لندن" غير مُحتمل. لكنه في الأساس غير معني بتلك السينما. ما يُحاسب عليه ليس كيف لا يروي القصّة بأسلوب الحكاية، بل إذا ما كان ينجح في تنفيذ منهجه وتبريره فنيّاً. في هذا السياق لا ينجح فقط، بل يشيد عالماً غير مأهول من قبل. الفارق بينه وبين آخرين سبقوه او عاصروه (تاركوفسكي في المقدّمة) هو أنه ينظر الى الحياة بتشاؤم شديد (في حين ضمن تاركوفسكي دائماً احتمال أن يكون هناك أمل ما في حياة شخصياته)٠ هذا ليس الفارق الوحيد، لكنه فارق أساسي٠ حسب بيلا تار نحن نشهد موته، وهو ليس بحاجة لكي ينتقل الى المدينة ليظهر ذلك الموت. يكفيه أن يراقب الموقع الذي يصوّره ومن خلاله ينفذ الى توسيع رقعة هذا الموقع ليرمز الى العالم كما فعل في أفلامه السابقة حيث اهتم بالبيت الذي هو المدينة التي هي الوطن الذي هو العالم٠
------------------------------
الساعات الطويلة التي نقضيها مع هذا الفيلم
تجبرنا على الإشتراك في المعايشة. إننا نكاد
نتعرض لذات المطر وبالتأكيد نضطر لإنتظار
ما تنتظره تلك الشخصيات لنفسها ولا يأتي٠
------------------------------


المشهد الماثل أمام عيناي أوّلاً حين أتذكّر ذلك الفيلم هو مشهد الطبيب الذي يكتب مذكراته حول ما يرصده. المشهد يقع في بيت الطبيب. الطبيب بدين. ثقيل الحركة. مدمن للشرب. الكاميرا وراءه. رأسه يملأ الشاشة. يكتب وأمامه نافذة ينظر منها الى الخارج ليلاً. يمد يده الى كأسه فيجدها فارغة. يمد يده الى الزجاجة فارغة. يقوم من مكانه ليحضر سواها، لكنه يسقط أرضاً. تقبع الكاميرا فوقه. إنه لا يتحرك. تبقى في مكانها ويبقى هو في مكانه. هل مات؟ تتساءل. بعد دقيقة كاملة ها هو يتحرك بصعوبة ثم يقف على قدميه ويتقدّم الى برميل الخمر الذي في بيته. سيجده فارغاً. يقرر أنه سيخرج لملئه. يخرج في عتمة الليل وراء طلبه. الكاميرا معه. الرحلة لا تنتهي لكن العين تتشبّع بما تلحظه لأن كل هذا الفراغ البادي مليء بالشوارد والأفكار والشؤون. حين يصل الى مبتغاه، يصل الى حانة فوقها بيت عاهرات. إحداهن تدعوه. لكن دخوله الحانة للغاية التي في باله هي ما تدلف بنا الى شأن آخر من الفيلم٠
الساعات الطويلة التي نقضيها مع هذا الفيلم تجبرنا على الإشتراك في المعايشة. إننا نكاد نتعرض لذات المطر وبالتأكيد نضطر لإنتظار ما تنتظره تلك الشخصيات لنفسها ولا يأتي٠ كل هذا مدمّجاً مع القضايا الأخلاقية المثارة والمباديء الإجتماعية المطروحة (من خلال غيابها أحياناً) يجعل بيلا تار من بين آخر السينمائيين الباحثين في هذا المضمار على هذا النحو٠
في نهاية الفيلم (او بالأحرى في ساعتيه الأخيرتين) ننتقل مع اولئك الذين قرروا الهجرة. لقد ساروا طويلاً وبعيداً ووصلوا الى خربة. هناك يمضون بعض الأيام محاولين التأقلم ربما برغبة تحويلا لمكان الى ما يصلح لعالم جديد. لكنهم حالمون وسيقررون أن عليهم الرحيل مرّة أخرى. في اللقطة الأخيرة نسمع صوت مؤذن بعد حديث عن التوسّع العثماني في البلاد خلال الحرب التي دارت بين الأتراك وبين دول وسط أوروبا في القرن الثامن عشر. حين سألت المخرج عن هذا الموضوع كان ذلك في أعقاب نحو ساعة من الحديث عن كل ما يؤلف عالمه وأفلامه شعر بأنه لا يريد الإستفاضة لكنه هز رأسه موافقاً على أن البعد هنا مرتبط بالتاريخ . لكن إذ خرج الفيلم مع بدء الحروب البلقانية والآسيوية الوسطى يمكن اعتباره أيضا نوع من الأفق المسدود بالنسبة للمجريين حيث الخطر على الهوية المجرية في مثل هذه الظروف هو الذي كان مقصوداً بذلك المشهد. إذا كان هذا هو المقصود، فإن بيلا تار لا يختلف هنا عن بعض أترابه الهنغاريين الذين كثيراً ما طرحوا موضوع الهوية المجرية وتساءلوا أحياناً ما إذا كانت موجودة أصلاً٠

الجزء الثالث: فيلم إيقاعات فركمايستر٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠





2 comments:

  1. مع ابقاء الفصل ، مجلتان لا واحدة ،حتى لا يطغى نقد أفلام ذات نمط واحد على كذا عدد!
    بانتظار تحليل أفلام الصيف ، عقبال المائه عام ياسيدي.
    عبدالله العيبان - الكويت

    ReplyDelete
  2. استجابة الى دعوة المشاركة في مسألة مجلة »فيلم ريدر«، وبعد الإطلاع على العدد الأخير- اعتقد ان بقائها منفصلة افضل

    أبو صبحي

    ReplyDelete