Jun 15, 2010

أفلام رشيد بوشارب: بلديون، نهر لندن، خارج عن القانون

Year 4 | Issue 518
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثلاثة أفلام لرشيد بوشارب: السينمائي كمؤرخ بوجهة نظر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رضا
يحمل رشيد بوشارب رسالة سياسية مهمّة لا نجد بين أترابه، عرباً او غير عرب، من يطرحها. في أفلامه الثلاثة المتعاقبة، "بلديون" و"خارج عن القانون" وذلك الفيلم الذي توسّطهما "نهر لندن"، يبحث في العلاقة بين العربي والأفريقي- من ناحية- وبين الأوروبي من ناحية أخرى. وإذا ما كان "بلديون" فيلماً حربياً كبيراً وفيلم "خارج عن القانون" فيلم عصابات كبير بدوره، فإن ذلك لا يجب أن يغلّف حقيقة أن ما يهم المخرج من وراء تركيبته الإنتاجية هو ايداع العقل (الغربي على الأخص) رسالات سياسية تتعلّق وكنه تلك العلاقة غير المتساوية بين العربي والأوروبي القائمة على عدم الثقة والموقف العنصري. وكما أن الفرنسيين ضنّوا على المغاربة الذين حاربوا في سبيل استقلال فرنسا معتقدين أنهم يقومون بواجب قومي واحد ضد المحتل، وهو موضوع الفيلم الأول، ضنّوا على الجزائريين استقلالهم وحاربوا ضد هذا المبدأ ممارسين ذات السياسة الإستعمارية التي مارسها الإحتلال النازي عليهم. في "خارج عن القانون" إشارة واضحة الى ذلك لجانب أنه يتعامل والموضوع المستور عليه وهو قيام البوليس الفرنسي بتشكيل وحدة إرهابية ضد العصبة التي شكّلها شقيقان جزائريان وجدا أنه من واجبهما مساعدة الثوّار الجزائريين على تحقيق هدفهم بالإستقلال عبر العمل المسلّح داخل فرنسا٠
الحكم على صواب ذلك ليس ذا شأن هنا، لأن الغاية هي بحث الطرح السياسي الذي في أفلامه الثلاث المتعاقبة، وفي هذا الموضوع فإن عناية بالغة يجب أن توجّه لفيلمه الأقل شهرة "نهر لندن" الذي هو أصغر هذه الأفلام إنتاجاً وأكثرها اختلافاً في الموضوع والمعالجة . يتحدّث عن التفجيرات الإرهابية التي وقعت في لندن قبل سنوات، ويجمع بين إمرأة بريطانية تبحث عن إبنتها وأفريقي مسلم عن إبنه ليكتشفا أن ما يجمعهما إنسانياً هو أهم مما يفرّقهما. في ذلك الفيلم، الذي عرضه مهرجان برلين قبل عامين، محاولة لرأب صدع قائم وإعادة ثقة بين طرفين وفي الوقت ذاته توجيه رسالة مفادها أن المسلم ليس من سارع الإعلام الغربي برسمه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Indigenes *** بلديون
إخراج: رشيد بوشارب
‮ ‬تمثيل‮: ‬جمال دبّوس،‮ ‬سامي‮ ‬ناصري،‮ ‬رشدي‮ ‬زم،‮ ‬سامي‮ ‬بوعجيلة،‮ ‬برنارد
بلانسان،‮ ‬ماثيو سيمونِه،‮ ‬بنوا جيرو،‮ ‬ميلاني‮ ‬لوران،‮ ‬أسعدد بوّاب،‮ ‬أنطوان شابي
النوع: حربي [فرنسا/ الجزائر] - 2006


تتصوّر أن الأفلام التي‮ ‬تناولت الحرب العالمية الثانية لم تترك موضوعاً‮ ‬لم تتطرّق إليه،‮ ‬ولا واقعة لم تتحدّث عنها ولا بطولة الا وصوّرتها،‮ ‬هذا الى أن‮ ‬يأتيك فيلم رشيد بوشارب بطرح جديد كان‮ ‬غائباً‮ ‬عن وعينا جميعاً‮: ‬تضحيات الجنود المنضّمين‮ ‬من المغرب والجزائر أساساً‮ ‬ومن شمال أفريقيا والعمق الأفريقي‮ ‬أيضاً،‬الى الجيش الفرنسي‮ ‬لتحرير فرنسا من الإحتلال النازي‮. ‬تلك التضحيات المسجّلة في‮ ‬التاريخ والمحفورة في ذكريات وقبور والتي‮ ‬شاء الفرنسيون،‮ ‬في‮ ‬معظمهم،‮ ‬عدم تقديرها ومساواتها بالتضحيات المماثلة للفرنسيين أنفسهم‮.... ‬هذا حتى جاء هذا الفيلم وكشف النقاب عنها وكان بعد ذلك ما كان من تقدير واندفاع الرئيس شيراك لإصدار قرار برفع قيمة التعويضات الشهرية التي‮ ‬يتقاضاها المحاربون العرب القدامى او عائلاتهم لكي‮ ‬تتساوى مع تلك التي‮ ‬يتقاضاها سواهم‮. ‬المخرج رشيد بوشارب عزا هذا الإنتصار،‮ ‬عن حق،‮ ‬الى سعي‮ ‬الفيلم للتحلّي‮ ‬بدور سياسي‮ ‬معتبراً‮ ‬ذلك هو الفوز الحقيقي‮ ‬لفيلم كان دخل مسابقة‮ »‬كان‮« ‬وخرج بجائزة تمثيل رجالي‮ ‬توزّعت على أبطاله الخمس الرئيسيين،‮ ‬دبّوس،‮ ‬ناصري،‮ ‬زم،‮ ‬بوعجيلة وبلانسان‮.‬
السيناريو كُتب بفصل أوّل،‮ ‬ثانٍ‮ ‬وثالث،‮ ‬حسب الطريقة الأميركية والإخراج حمل بصمات افلام الخمسينات والستينات الأميركية الحربية‮. ‬الشخصيات المثيرة للحماس،‮ ‬للفضول،‮ ‬للفوضى،‮ ‬للتأييد،‮ ‬للنفور وقد اجتمعت في‮ ‬رحى معارك تحمل قضية تحرير أرض من محتلّيها‮. ‬كل معركة تنقل كل هذه الشحنات الى خط أبعد وصولاً‮ ‬الى الموقعة الأخيرة التي‮ ‬فيها تتجلّى المعاني‮ ‬بكاملها التي‮ ‬تبقى لما بعد نهاية العرض‮. ‬خلال هذه المعالجة التي‮ ‬من الممكن الى حد تشبيهها بالمعالجة الأميركية الكاملة،‮ ‬يتسنى للكاتبين أوليڤييه موريل ورشيد بوشارب توفير الدعم الكامل لمواقف تقودها الشخصيات ومشاكلها الإنسانية التي‮ ‬تطرح فيما تطرح مسائل العنصرية والتفاوت في‮ ‬التقدير والتصنيف وتجسيد المعنى الشامل المطلوب تعزيزه وهو أن تحرير فرنسا،‮ ‬وعلى عكس ما تصوّرت الغالبية،‮ ‬لم‮ ‬يعتمد على الجيش الفرنسي‮ (‬الأبيض‮) ‬وحده،‮ ‬بل على المساهمة العربية والأفريقية التي‮ ‬خاضها فيلق تم تأليفه من هؤلاء وخاض المعارك جنباً‮ ‬الى جنب حيناً‮ ‬وأخرى أنفرد بها وتكللت بنجاح فاصل‮.‬
هذا كله جيّد لولا أن الفيلم سريعاً‮ ‬ما‮ ‬يكشف عن إعتماده على‮ »‬إسكتشاتية‮« ‬المواقف وليس على المشاهد الكاملة لها‮. ‬هناك الأطر العامّة للشخصيات التي‮ ‬نشاهدها‮. ‬المواقف الحادّة التي‮ ‬تميّزها والحرب التي‮ ‬نتعرّف على سيرها عبر مواقع متنقّلة‮. ‬بالتالي،‮ ‬ليس هناك قصّة متلاحقة بقدر ما هو موضوع تحاول مجموعة من المواقف تكوين قصّة منه‮. ‬على ذلك،‮ ‬لا‮ ‬يزال الفيلم‮ ‬يعمل على شحن المواقف وتوريط الإنفعالات الى حين لا‮ ‬يعد بالإمكان تحييدها الا على حساب رسالة الفيلم السياسية الداعية الى تصحيح الوضع الناتج عن عدم إنصاف الجنود المغاربة بالجنود الفرنسيين علماً‮ ‬بأن تضحيات الأوّلين لا تقل عن تضحيات الآخرين قيمة او تتخلّف عنها حجماً‮.‬
يبدأ الفيلم بتعريفنا بالشخصيات الرئيسية التي،‮ ‬خلال قرار إنضمامها الى القوّات الفرنسية،‮ ‬وهي‮ ‬لا زالت في‮ ‬شمال أفريقيا،‮ ‬تعلل ذلك بالسعي‮ ‬للتغيير المطلوب‮. ‬العريف عبد القادر‮ (‬سامي‮ ‬بوعجيلة‮) ‬من المؤمنين بأن المساواة بين المستعمر الفرنسي‮ ‬وبين المواطن المغربي‮ ‬يبدأ بالإنضمام الى الجيش الفرنسي‮. ‬آخرون‮ ‬ينشدون العدل والمساواة والحرية ويعتقدون أن دخول الجيش الفرنسي‮ ‬هو الملاذ الوحيد المُتاح لهم هرباً‮ ‬من الوضعية التي‮ ‬يفرضها الإحتلال الفرنسي‮ ‬عليهم كمواطنين خارج فرنسا‮. ‬البعض الثالث‮ ‬يتداول مسألة الوطنية،‮ ‬معتبراً‮ ‬أن تحرير فرنسا من النازية هو واجب تجاه‮ »‬الأم الحنون‮«. ‬كل هذه الإعتبارات تدخل أتون المواقف التي‮ ‬تبرهن على أن تلك المسميّات ليست دوماً‮ ‬من الأمور المسلّم بها او الممارسة تطبيقيا‮. ‬إذ‮ ‬ينتقل الفيلم الى الموقعة الحربية الأولى‮ ‬يدلل من البداية على شجاعة الجندي‮ ‬العربي،‮ ‬لكن المشهد الحربي‮ ‬الأول من الوهن‮ -‬تنفيذاً‮- ‬الى درجة مؤثرة سلباً‮ ‬ولا‮ ‬يمكن القبول به الا إذا كان المقصود البدء بمشاهد حربية عادية التنفيذ الى أخرى أصعب ثم أخرى أصعب وأصعب‮. ‬هذا ممكن إعتباره على أساس أن السينما الحربية عادة ما تترك المعركة الكبرى والأكثر وقعاً‮ ‬الى النهاية،‮ ‬ولو أن هذا لا‮ ‬يعني‮ ‬أن تأتي‮ ‬الأولى ضعيفة تركيباً‮ ‬وتنفيذاً‮.‬
الإهتمام بالطرح الإنساني‮- ‬السياسي‮ ‬للفيلم‮ ‬يبدأ باكراً‮ ‬حين نتعرّف الى المشادات بين عبد القادر الذي‮ ‬يحاول دفع قائده مارتينيز‮ (‬برنار بلانسان‮) ‬لتبنّي‮ ‬حقوق الجنود العرب،‮ ‬لكن بلانسان،‮ ‬المؤلف من نصف فرنسي‮ ‬يحييه ونصف جزائري‮ ‬يزدريه،‮ ‬لا‮ ‬يفعل شيئاً‮ ‬حيال الوضع‮. ‬الشخصيات الأخرى تجد نفسها في‮ ‬أتون من تجارب الصياغة النفسية والإجتماعية‮. ‬مسعود‮ (‬رشدي‮ ‬زم‮) ‬الذي‮ ‬يعيش قصّة حب مع فرنسية،‮ ‬وسعيد‮ (‬جمال دبّوس‮) ‬الذي‮ ‬أجبرته الإعاقة‮ (‬يده اليمنى مشلولة وهي‮ ‬في‮ ‬الواقع كذلك‮) ‬على العمل مساعداً‮ ‬وخادماً‮ (‬أحياناً‮) ‬لرئيسه الى أن‮ ‬يثور على وضعه وينتقل الى الحرب ذاتها مبرهناً‮ ‬عن جدارته‮. ‬
هذه الشخصيات وسواها تؤسس قلب الفيلم العاطفي‮ ‬وتجيّش الشعور تجاه شخصياته وبالتالي‮ ‬تجاه رسالته‮. ‬والمجموعة التي‮ ‬تؤديها تفهم دورها وتجيد فيه وتنجح في‮ ‬تجسيد الرسالة المطلوبة منهم‮. ‬وكأفلام مشابهة‮ ‬ينقسم الفيلم بهم الى مراحل‮: ‬الإنضمام الى الجيش،‮ ‬التدريب،‮ ‬القتال الأول،‮ ‬المواقف التالية والمختلفة،‮ ‬قتال ثانٍ،‮ ‬مزيد من تلك المواقف،‮ ‬إيصال كل الفيلم الى الفصل الأخير حيث معركة الألزاس التي‮ ‬خاضها الفيلق العربي‮ ‬في‮ ‬الجيش الفرنسي‮ ‬وانتصر فيها على الجيش الألماني،‮ ‬وهي‮ -‬تنفيذياً‮- ‬أفضل المشاهد القتالية على الرغم من أن الموقعة ذاتها،‮ ‬الصدام بين الفرقة الألمانية الكبيرة المتقدّم والأفراد القلائل التي‮ ‬قررت التحصّن في‮ ‬القرية ومواجهة الألمان،‮ ‬ليست حاشدة‮. ‬لكن ما‮ ‬يساعدها على النجاح كان وقع خارجها وهو تجييش شعور المشاهدين لصالح أبطال الفيلم حتى إذا ما وصل الفيلم الى نهاياته كان المتوفّر الوحيد المتاح هو الوقوف الى جانبهم وتقدير تضحياتهم‮.‬
ليس هناك ما هو خطأ في‮ ‬ذلك،‮ ‬من ناحيتي‮ ‬الدراما والخطاب السياسي،‮ ‬لكن المرء‮ ‬يتمنّى لو أن الفيلم شُيّد على نحو أقوى‮. ‬لو أن القصّة احتوت ما‮ ‬يشد الرجال أكثر الى مواقع أهم من مشهد ثورة عبد القادر حول حق الجنود العرب في‮ ‬تناول البندورة والتمرّد الذي‮ ‬يلي‮ ‬ذلك‮. ‬في‮ ‬هذا المشهد لا‮ ‬يفوتنا المعالجة السهلة تبعاً‮ ‬للكليشيهات في‮ ‬هذا المجال‮. ‬اللقطات المختارة‮. ‬العبارات المختارة‮. ‬الإنفعالات المختارة‮... ‬كلها تبدو منسوخة للغاية عوض أن تؤلف تلك الغاية فعلياً‮ ‬بلقطات تبتدع الموقف المطلوب وتحفر إختيارات فنية بديلة لتلك المستخدمة‮.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

London River ***1/2 نهر لندن

إخراج: رشيد بوشارب
أدوار رئيسية: برندا بليثِن، سوتجوي كويات٠
النوع: دراما اجتماعية [جزائري/ فرنسي/ بريطاني- 2009]٠


خرج "نهر لندن" بعد أكثر من عام على عرض "بلديون" ومن قبل أن نعرف ما في جعبة المخرج بوشارب من فيلم لاحق. إذا تجاهلنا ما نعرفه الآن، فإن "نهر لندن" يبدو منتمياً بحد ذاته الى محاولة المخرج تعريف المشاهد الغربي كم نحن (عرباً ومسلمين) أشخاص طيّبون ومسالمون ومساء فهمهم. مع خروج فيلمه الأخير "خارج على القانون" يتبلور "نهر لندن" ليس فقط كحلقة من هذه رسالة أوسع بل كعمل صغير ربما على بوشارب أن يعمد الى مثيله أكثر وأكثر في المستقبل٠
إنه أصغر هذه الأفلام حجماً والوحيد بينها المنتمي الى حدث لا يسافر بعيداً في الماضي. قبل أربعة أعوام ونيّف هزت لندن إنفجارات إرهابية وقعت في وقت واحد تقريباً شملت قطارات المترو والحافلات الكبيرة. المخرج يكتفي بهذه الحقيقة ويبتعد عن تحليلها وبل عن الحديث عنها، فهي كأي عمل إرهابي لا جدل في عبثيّته وخطأه وإجرامه، لكنه وبمهارة ينسج من الخلفية التي يعرضها في الفيلم عبر ريبورتاجات الأخبار التلفزيونية قصّته التالية: ماذا لو أن بريطانية قلقة على مصير إبنتها التقت برجل قلق على مصير إبنه؟ ماذا لو أن كل واحد منهما ينتمي الى ثقافة تختلف تماماً عن ثقافة الآخر خصوصاً في ذلك الظرف العصيب؟ ثم ماذا لو أنها بريطانية مسيحية بيضاء البشرة وهو أفريقي مسلم أسود؟
حين يقع الحدث الإرهابي تتصل اليزابث (برندا بليثِن) بإبنتها، لكنها لا تسمع ردّاً. تترك رسالة تقول فيها: أعرف أنك بخير لكن اتصلي بي٠ اليزابث تعيش في بلدة غومسي في الجزر المعروفة بتشانل آيلاندز في منتصف الأربعينات، زوجها كان مجنّداً ومات خلال حرب الفولكلاندز (إختيارات غير عشوائية بالطبع) وهي لا تعرف سوى بيتها وحديقتها الصغيرة. إبنتها الوحيدة غادرت الى لندن قبل عدّة أشهر والإتصال بينهما قليل. حين لم يأت اليزابث أي جواب تتصل مرّة ثانية وثالثة، ثم تأخذ العبّارة فالقطار الى لندن٠
في المقابل لدينا عثمان (الممثل المالي الراحل قبل شهرين سوتجوي كوياتَ) مهاجر أفريقي الى فرنسا من عشرين سنة جاء الى بريطانيا لكي يبحث عن إبنه الذي لم يره منذ سنوات بعيدة. كنا تعرّفنا على إليزابث وهي في الكنيسة تسمع خطبة حول "حب الجار"، ونتعرّف عليه يصلّي في الحديقة العامّة قبل أن يتوجّه الى لندن ذاتها٠
حين يزداد قلق اليزابث على إبنتها التي لم ترد على اتصالاتها، وعلى خلفية تلك المشاهد المبثوثة على التلفزيون، تقرر أن تتوجه الى لندن بنفسها مسلّحة بصورة لإبنتها تلك وبالعنوان. حين وصولها يرقبها صاحب دكان الجزارة (رشدي زم) تحت البناية قبل أن يعرّف بنفسه بعدما أدرك أنها أم الفتاة: أنا صاحب العمارة وأستطيع أن أعطيك المفتاح لكي تصعدي الى الشقة. مبادرة تشكره عليها وحسناً يفعل السيناريو هنا إذ لا يوظّف ذلك لمزيد من الإحتكاك. اليزابث، بطبيعة الحال، تتصرّف كغريبة لا عن ثقافة هذا العربي ذي اللكنة، بل عن لندن بأسرها (وتفصح عن ذلك حين تتحدّث الى أخيها الذي تركت له أمر العناية بالبيت خلال غيابها). ما هي الا فترة قصيرة حتى تلتقي بعثمان الذي جاء يبحث عن إبنه في المنطقة ذاتها ومعه صورة له بالقرب من فتاة يجلسان أرضاً وسط مجموعة من الشبّان. لقد لاحظ أن الفتاة في صورته، هي ذات الفتاة في الصورة التي تحملها اليزابث والتي طبعت منها وعلّقتها في أماكن عدّة في تلك المنطقة المختلطة. في البداية تخشى اليزابث من ذلك الأفريقي الطويل وتخبر البوليس عنه الذي يحقق معه ويطلق سراحه. ثم يلتقيان من دون تماس عدّة مرّات الى أن يحدث التقارب بينهما بعدما أدركت اليزابث حقيقة ما تعنيه الصورة التي بحوزته: إبنتها تزوّجت من إبن هذا الرجل وربما التحقت بدينه كمسلم أيضاً. تبدي أول الأمر عدم رضاها عن هذا، لكنها تدرك في النهاية أنه اختيار إبنتها وكل ما تريده هو أن تكون إبنتها بخير. وهذا الأمل يرتفع لديها ولدى عثمان، الذي بدأت ترتاح له، حين يخبرهما وكيل سفريات أنهما جاءا اليه واشتريا تذكرة الى فرنسا. هذا قبل أن تلفظ الحياة الحقيقة المرّة: كلاهما، على الأرجح، مات في أحد هذه الإنفجارات٠
بعد عرض الفيلم في مسابقة مهرجان برلين (حيث نال كوياتَ جائزة أفضل ممثل) كتب أحد نقاد مجلة فاراياتي، جاي وايزبيرغ، معيباً على الفيلم "استخدامه أنماطاً تبسيطية ونقاط تضاد لم يكن من الواجب أن تُلفظ بهذه الصورة الإيضاحية". لكن المخرج في الحقيقة يبتعد عن النميط ويصيب عمق التصرّفات من دون شكلياتها. أما البساطة والتبسيط فهما ذخيرة الفيلم في ابتعاده عن التنميط إذا ما كنّا نريد تحديد المسألة على هذا النحو. إنه (الفيلم) يخلو من كل التداعيات الدرامية الكبيرة والخطب النقاشية والمواقف الدرامية التي تستدعي مواقف معادية. على عكس ما كان سيذهب اليه بعض المخرجين الآخرين، إن لم يكن معظمهم، لا يهتم هذا الفيلم بالتصعيد وخلق مواقف متشنّجة من قِبل الثقافة الغربية وشخصياتها تقابلها محاولة إقحام طيبة ورقّة حاشية الأفريقي، بل عمد الى نسيج واقعي تكتشف فيه بطلة الفيلم، براحتها، معدن ذلك الغريب الذي جمعتها الكارثة به. أيضاً تحاشى الفيلم تلك العمليات التوازنية التي تعصف بعدد من الأفلام: شخصية طيّبة من هنا تقابلها شخصية طيّبة من هناك، ثم شخصيات شريرة في كل من الجانبين٠
فيلم رشيد بوشارب يتعامل برقّة، مثل بطله، مع المواقف ولو تخونه القدرة على التعمّق أكثر في تصرّفات الشخصيات. بعض المحيطين ليسوا سوى ظلالاً وكان يمكن منحهم قدراً من التواجد وعبره فتح نافذة صغيرة على الحدث، لكن ما قام به المخرج هو اختياره وليس اختياراً خطأ إذ حافظ الفيلم على هدوء معالجته وابتعاده عن تداول العملية الإرهابية كما لو أنها غاية الفيلم المحددة٠
تبعاً للميزانية فإن بعض الخيارات (مثل جعل الأحداث كلها تقع في منطقة واحدة من لندن) كان إجبارياً، وعليه يمكن فهم السبب الذي من أجله تبدو لندن كما لو كانت صغيرة الى هذه الدرجة. كذلك صوّر بوشارب فيلمه بكاميرا 16 مم ونفخه الى 35 بنتيجة جيّدة لا تشي بذلك. التمثيل من كلي الممثلين جيّد وجيّد أكثر كون كل من الممثلين، بليثين وسوتجوي، لديه أسلوباً مختلفاً تماماً في الأداء (وشكلاً بدنيا مختلفاً أيضاً: قصيرة وتميل الى البدانة، نحيف وطويل) ما يجعلهما معبّران عن خلفيّتهما العرقية بدقّة٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Hors-la-loi *** خارج عن القانون

إخراج: رشيد بوشارب
أدوار أولى: رشدي زم، سامي بوعجيلة، جمال دبّوس
دراما [عصابات/ أحداث تاريخية] | فرنسا/ الجزائر [2010]٠


فيلم بوشارب الحديث الثالث في هذا العرض عودة الى مضمار الفيلم المركّب والمكلف. طبعاً «بلديّون» كان مفاجأة مهمّة نسبة لموضوعه كما نسبة لنوعيّته. لكن المشكلة الأولى التي يصطدم بها "خارج عن القانون" هو أنه يمشي في الطريق ذاته، شكلاً ومضموناً وممثلين ومضامين، بحيث عليه التغلّب على توقّعات الذين ينتظرون منه، بحق، عملاً يتجاوز ما سبق وليس ما ينضوي تحته٠
فيلم رشيد بوشارب الجديد " الخارج عن القانون" أشبه بفيلم غانغستر من أي شيء آخر. تشاهده فتتذكّر عنف سيرجيو ليوني في "حدث ذات مرّة في أميركا" وعصابة فرنسيس فورد كوبولا في "العرّاب" وهذا بحد ذاته ليس أمراً صحيح او خطأ الا بالربط بين منوال النوع وبين ما إذا كان المخرج أجاد تحقيقه او لا.
في الوقت ذاته فيلم يقحم المشاهد في الدراما التي ينسجها جيداً ممسكاً على قبضة الأحداث وغير وجل حيال إظهار قناعاته: فرنسا كوّنت فرقة بوليسية إرهابية بإسم "اليد الحمراء" لاقتناص ما وصفته بالإرهاب الجزائري الذي كان حينها يحاول تأييد جبهة التحرير الجزائرية عبر إثارة مقاومة في البلد المحتَل. النتيجة هي عمل في منتصف الطريق بين الجدوى والفوضى. حكاية ثلاثة أشقّاء يُنزعون صغاراً من أرضهم في الجزائر وعلى كبر يموت الأب ويقنع أحدهم (سامي بوعجيلة) والدته بالهجرة الى فرنسا بينما كان أحد شقيقيه يحارب في الجيش الفرنسي في فييتنام في الخمسينات. شقيقه الآخر كان يقضي مدّة عقوبة في السجن. المحارب يعود (بعين مشوّهة) مقتنعاً بأن ما كتب النصر للفييتناميين ضد الفرنسيين هو تكاتفهم والثاني يخرج من السجن مؤمناً بأن الكفاح المسلّح طريق الإستقلال الجزائري. كلاهما سوف يؤسسان حركة مسلّحة بينما ينصرف الأول الذي جاء بوالدته من الجزائر الى الأعمال التي يمكن لها أن تمنحه نوعاً آخر من القوّة: أنشأ ملهى ونادي للمصارعة لكنه مد أخويه بالمال حين لزم لكي يشتروا السلاح٠
في المقابل هناك الكولونيل الذي حارب أيضاً في فييتنام (برنار بلانكان) الذي يقف علي فشل البوليس الفرنسي في الحد من أفعال تلك المجموعة فيتدخّل مؤسساً "اليد الحمراء" بمتمويل وموافقة حكومية وهدفها التصدّي بالعنف والإرهاب ذاته للجزائريين. جزء كبير من هذا الفيلم يدور حول حروب متبادلة لينتهي بموت بعض الأخوة وانطلاق الثورة ثم يختتم المخرج فيلمه بلقطات وثائقية للجزائريين (في الجزائر) يحتفلون بعيد الإستقلال٠
مع الفيلم الشعور بأن الإستعمار إنما يخلق نواة الحركات التحررية وأن الجزائريين عانوا في الجزائر وخارجها من عنف الفرنسيين حتى من قبل أن يحملوا السلاح (أحد المشاهد الأولى هو لمظاهرة جزائرية سلمية يفتح عليها البوليس والمواطنين النار ويقتلون أعداداً كثيرة منها) وضدّه أن المخرج لا يملك أسلوباً خاصّاً به بل يرصف المشاهد كما لو كانت صفعات من الكلمات والصور. طريقة الأفلام التي لا تريد أن تترك للمشاهد مجال الإستقبال الهاديء والمستقل بل تندفع في محاولتها تكوين الرأي له. المواقف على أهمّيتها تمر عابرة مصحوبة بمنحى تقريري لا يؤلّف دراما ولا يمنح الشخصيات الا الظاهر من المشاعر على نبلها
أنت بحاجة لأن تشعر حيال الشخصيات بموقف ما، لكنك لن تستطيع لأن الدائرة المرسومة حول كل منهم مغلقة. وضع المخرج تلك الشخصيات في منتصفها ولم يتح لأي منها المشهد الذي يختلف تلوينا عن سابقه.
كما حلبات المصارعة، قد تجد نفسك تتعاطف مع هؤلاء الأخوة لأنهم جزائريين يريدون الحريّة لبلادهم، لكن حين يضربون تحت الزنّار كيف تريد أن تتصرّف حيال ذلك؟ على هذا المخرج واع لحقيقة الفصل بين ما يقومون به ويقوم به الآخرون: ليس هناك مشهد في الفيلم نرى فيه الجزائريين يقتلون مدنيين عن عمد، بل هناك مشهد للبوليس الفرنسي يفجّر عبوّات في بيوت المهاجرين الجزائريين من دون تفرقة بين من هو مدني او سواه٠
عبر هذه الفوضى ينجز الفيلم موقعه. ويجر قدميه وسط أوحاله لكن المخرج يتميّز بإصراره على رسالته الى حين تصبح حقيقة الفيلم الوحيدة. وفوق ذلك، لديه القدرة على نسج الحكاية جيّداً لناحية السرد بحد ذاته. بكلمات أخرى: يحكي القصّة بطريقة صحيحة. ما ينقصه هو تلك المعاملة التي عالج بها بطلي فيلمه الصغير «نهر لندن»٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular